الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

قاعدة الحيازة

أدلة القاعدة

(من حاز ملك) قاعدة فقهيّة، ويظهر من الجواهر أنها رواية، وسواء كانت رواية أم لا، فتدل عليها الأدلة الأربعة.

فمن الآيات:

قوله تعالى: (خلق لكُم)(1) واللام للملك إذا لم تكن قرينة، وحيث لا ملك بدون الحيازة ـ بالنظر الأولي ـ إجماعاً، فلابدّ أن يكون بالحيازة، فهي تسبب إثبات الملك كما أنّ الإعراض يسبب إسقاط الملك.

أما الروايات:

فهي متواترة، ذكروها في كتاب الإحياء والصيد واللقطة وغيرها، وقد ذكرنا جملة منها في (الفقه)(2) ممّا لا حاجة إلى الإعادة.

فعن الباقرين (ع): قال رسول الله (ص): (من أحيى أرضاً مواتاً فهي له)(3).

وعن الصادق (ع) في البعير الملقوطة (حتى أحياها من الكلال ومن الموت فهي له ولا سبيل لأحد عليها وإنما هي مثل الشيء المباح)(4).

وفي رواية الصادق عن آبائه عن علي (ع): (للعين ما رأت ولليد ما أخذت)(5).

والمراد بالجملة الأولى: أنّ حظّ العين الرؤية فقط، إلى غيرها من الروايات الكثيرة.

والإجماع: القطعي الذي لا مخالف له إطلاقاً قولاً وعملاً.

ومن العقل: دلالته على أن الخالق غنيّ عن الكون وما فيه فبقاؤه عبثاً خلاف الحكمة المنافي لإتقان الخلق، فلابدّ من أن يفوّض إلى المخلوق، وأحسن صور التفويض هو التمليك، لكن بشرط أن لا يضرّ بعضهم بعضاً، لأنّه أيضاً خلاف الحكمة، وهو ما حدده الشارع بإطار (لكم)، فكلّ إنسان له الحقّ في أن يتمتّع من الكون ـ والأرض من جملته ـ بما شاء، بشرط عدم الإضرار بنفسه أو بالآخرين.

والحيازة بحاجة إلى القصد، فمن أخذ عشباً ليلعب به ساعة، أو صيداً كذلك أو ما أشبه، لم يكن من الحيازة في شيء.

وتدلّ عليه ـ بالإضافة إلى بناء العقلاء ـ: جملة من الروايات الواردة في مشتري السمكة والدابّة يجد في جوفها شيئاً ثميناً حيث حكم الإمام (ع) بأنّه له.

مع وضوح أنّ البائع لم يقصد بيع الشيء الثمين، وقد وضع يده عليه بوضعها على الحيوان، لكن حيث لا قصد فلا ملكيّة له.

كروايات أبي حمزة وحفص والزهري والمروي في تفسير الإمام، والحميري كما ذكره الوسائل والمستدرك في كتاب اللقطة.

من غير فرق بين المباحات الأصلية والمعرض عنها إعراضاً أو انعراضاً.

وهذا هو المركوز في أذهان المتشرّعة وقد جرت عليه السيرة، ولذا لا يشكّ أحد في ملك الإنسان للصيد ولفواكه الغابات وأشجارها المقطوعة وللماء الذي يمتحه ولما يجده في الخرائب السابقة أو يأخذه منها من الجواهر أو الأواني أو الأحجار، كخرائب الكوفة وسامراء وبابل وغيرها.

حيازة كل شيء بحسبه

وحيازة كلّ شيء بحسبه، فحيازة الأرض بالإستيلاء الانتفاعي عليها، بقصد الملك لا بقصد البقاء مدّة ثم الذهاب، كما في الزوار والسواح.

وكذلك حال حيازة الحيوان بوضع اليد أو الإلقاء في الشبكة أو في أرض موحلة، فَعَله بهذا القصد، أو ما أشبه.

فإذا لم يكن يد أو قصد لم يملك، كما إذا جرى الماء أو السمك أو الطير من أرضه إلى مكان آخر، أو وضع اليد بقصد العبث، أو النظر إليه بدون قصد الملك.

ولذا كان ازهاق روح الحيوان بالآلة أو إثبات اليد عليه، من الحيازة، وعلى هذا فإذا شذب أشجار غابة أو أجمة بقصده كان له.

ويؤيّده: روايات جعل القصب في الماء ونصب الشبك كما يجدها الباحث في الوسائل والمستدرك في بابي الصيد والذباحة.

ثم إن بناء العقلاء الذي لم يرد من الشرع خلافه ـ ممّا يدلّ على إمضائه ـ عدم الفرق في الحيازة بين التسبيب والمباشرة، سواء كان التسبيب بالإجارة أو الوكالة أو غيرها.

ولذا كان ذلك هو المركوز في أذهان المتشرعة، والذي جرت عليه السيرة منذ زمانهم (ع) فإن استخراج اللؤلؤ من عمق البحار والإتيان بالمعادن إلى السادة واصطياد الأسماك وغيرها بواسطة العمّال والأُجراء كان متعارفاً في ذلك العصر، ولم يكن عليه إنكار.

وربّما يؤيّده حديث أبي سيار(6) حيث ولى الغوص بالبحرين فأصاب أربعمائة ألف درهم وأتى بخمسه للإمام (ع) ولم يسأله الإمام (ع) عن أنّه حصل عليه بمباشرته أو تسبيبه، مع أنّ من الواضح عدم المباشرة غالباً.

ولو قصد الأجير أو الوكيل الحيازة لنفسه أو لثالث لم يستبعد أن يكون لهما لا للموكل والمستأجر فقط، لعدم توفّر شرط القصد، فهو كأن يحج ـ أو ما أشبه ـ عن نفسه، أو ثالث، وتبطلان بانتهاء مدّتهما، وفي الضمان ما ذكروا في تخلف الأجير.

ولو لم يعلم هل قصد الحائز الملك أم لا؟ فالأصل العدم إذا لم تكن هناك قرائن تدلّ على القصد أو عدمه، حيث لا حاجة حينئذْ إلى الأصل.

ولو علم بأنّه قصد لكن لا يعلم أنّه قصده لنفسه أو لغيره؟ كان بينهما، حسب قاعدة العدل، وإذا لم يعلم شخص الغير ـ لا محصوراً ولا معيّناً ـ كان النصف مجهول المالك فتأمل.

ولو علم بأنّه قصد نفسه وغيره لكن لا يعلم نسبة قصده: هل لكلٍ النصف أو بالتفاوت؟ فالأصل التساوي.

تفريع على القاعدة

ثم إنّه لا حقّ للدولة أو لجهة أخرى في المنع عن حيازة المباحات بحجج واهية والتي منها احتياج الدولة إلى المال، فإنّ المال المقرر للدولة الإسلامية هو الخمس والزكاة والجزية والخراج، وإذا اقتضت الضرورة للمزيد من ذلك ـ كحالة حرب أو ما أشبه ـ ولم تتمكّن الدولة من حيازة المباحات ـ غير المانعة عن حرية الناس في الحيازة ـ ولا من تحصيل التبرعات وما أشبه، جاز الأخذ من الناس، أو المنع عن حيازتهم للمباحات بقدر الأضطرار، بشرط تعيين مراجع التقليد حسب الشورى إن كانوا متعددين، وليس حينئذٍ إلاّ كصيغة الاستثناء كما ذكرناه في بعض كتب (الفقه) بتفصيل.

أما ما نراه اليوم في الدول المعاصرة ـ من كثرة الضرائب ومنع الناس عن حيازة المباحات وما أشبه ـ فهو خلاف الشريعة المقدّسة، جاء بدافع الجهل بالموازين وارادة التجمل بالسرف والترف، وتـــكثير الموظفين اعتباطاً مما يعود بالأضرار الكثيرة، وشراء الأسلحة بالأموال الباهظة، بغية التخزين والإدخار، فإن دعت الضرورة إلى هذا الأخير فهو ممّا ذكرناه من الإستثناء بموازينه، وإلاّ كان ضرراً مضاعفاً وحرمة مغلّظة.

 

1 ـ البقرة: 29.

2 ـ راجع موسوعة (الفقه) ج 80 كتاب إحياء الموات، وج 75 كتاب الصيد والذباحة وج 81 كتاب اللقطة.

3 ـ تهذيب الأحكام: 7، ص 152، ح 22.

4 ـ الوسائل: ج 17، ص 364، ح 2 باختلاف يسير.

5 ـ الوسائل: ج 16، ص 297، ح 1.

6 ـ الوسائل: ج 6، ص 382، ح 12.