الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

قاعدة التيسير

أدلة القاعدة

لم يذكرها الفقهاء، إكتفاءً منهم بقاعدة الميسور.

ولعلّ الأولى من مصاديق الثانية، وإن كانت بحاجة إلى شيء من التوضيح.

فإن قوله سبحانه: (يريد اللهُ بكم اليُسر)(1) يستفاد منه التيسير أيضاً، بالنسبة إلى النفس وإلى الغير.

كما يشمله أيضاً قوله (ص): (جئتُكم بالحنفية السمحة)(2) وما أشبه ذلك، فإنه يشمل الموضوع والحكم.

كما يشملها قوله (ص) لذلك الشاب الذي أنهكته العبادة: (إنّ هذا الدين رفيق فأوغل فيه برفق فإنّ المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)(3).

ويؤيّده أو يدلّ عليه في الجملة: ان (التعسير) الذي هو خلاف (التيسير) وليد جملة من الصفات الذميمة ـ محرّمة أو مكروهة ـ مثل :

سوء الظنّ، والتهمة، والوسوسة، والتدقيق في الموضوع أو الحكم ولواحقهما(4) وما أشبه..

وقد ورد: أنّ التدقيق في الشيء زندقة.

أقول: لأنه ينتهي إلى الزندقة في الجملة أو يكشف عنها كذلك، والقضية اقتضائية أو بنحو الموجبة الجزئية.

والإفراط والتفريط، وتصعيب الأمور ذهنياً وخارجياً، حيث إنّ للتعصيب تأثيراً نفسياً، بالإضافة إلى التأثير الخارجي.

وإرادة تطبيق الحياة والإحياء على نفسه(5) لا كما أرادها الله سبحانه حيث خلق الأحياء والحياة بصورة خاصّة، فإن مثل هذه الإرادة ـ بالإضافة إلى أنها لا تنتهي إلى نتيجة ـ توجب الهمّ والحزن والغضب وسوء الأخلاق وتوتّر الأعصاب ـ في الإنسان ـ دائماً، والتأثير، والقنوط، والإحباط، ممّا أشير إليه في النصوص لفظاَ أو معنىً.

بين التعسير والتيسير

وللتعسير مظاهر في كل أبواب الحياة أو ضدّ التيسير، ولعلّ ما ورد عن النبي (ص) أنه قال: (يسّروا ولا تعسّروا) إشارة إلى ذلك، فإنه من فصل الخطاب الشامل لكل شيء ونذكر هنا أُموراً :

(أ) التدقيق في الوضوء والغسل والتيمّم، والصلاة مثل إخراج الحروف عن المخارج بدقّة غير عرفية.

وكذلك في قراءة القرآن والأدعية والتلبيات والذكر وما أشبه.

وفي أغسال الميت وتجهيزه، والاعتكاف بأن لا يخرج عن المسجد حتى في أشد الحاجات الدينية أو الدنيوية، وما أشبه ذلك.

(ب) وهكذا التدقيق والتعقيد في إخراج حروف العقود والإيقاعات عن مخارجها الدقيقة، وفي تقييم الأشياء في المعاملات، وفي عدالة الشهود والإمام ونحوهم، إلى حدّ الإفراط.

(ج) وفي المحافظة على النساء إلى حدّ الوسوسة والإتهام، وكذلك الحال في المحافظة على الأولاد والأقرباء.

(د) والتدقيق في النظافة جسداً أو أثاثاً أو غير ذلك، بما يكون من الوسوسة الشرعية أو العرفية، وفي الأكل وفي الشرب وفي اللباس وفي المركب وفي المسكن وفي المتجر والبستان وما إلى ذلك، فإنّه قد يدقق الإنسان في كلّ هذه الأمور وقد يتساهل.

(هـ) وهكذا التعقيد في اتخاذ الزوجة أو الزوج، في الأخلاق والسلوك وما إلى ذلك، وفي خصوصيات المباشرة والمعاشرة وفي تربية الأولاد، وإدارة أمور البيت وحفظ نفسه وعائلته عن الحرّ والبرد، ونحوهما، وفي المحافظة على الصحّة إلى حدّ الإفراط.

(و) وفي الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية وغيرها، وقد ورد في الحديث: (إنّ المؤمن سهل البيع، سهل الشراء، سهل القضاء، سهل الاقتضاء)(6) وهذا من باب المثال وإلاّ فالمؤمن سهل النفاذ، سهل الإمضاء، سهل الرضى، سهل الإرضاء، سهل البقاء، سهل الإبقاء، سهل المعاملات الفردية والاجتماعية، إلى غيرها.

(ز) وفي التصعيب على النفس، فإن اللازم التسهيل عليها، فإن من يصعب على نفسه يصيبه الحرج والعنت بدون فائدة بل يوجب ذلك تنفيره عن الأمور، ولذا قال علي (ع): (إنّ هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة)(7).

(ح) وفي التدقيق على أخطاء الناس وعدم نسيان سيّئاتهم السابقة في قبال (خذ العفو)(8) حيث قد يدقق النظر في أمر الجار والصديق والتلميذ والأستاذ والشريك وغيرهم، وقد يتساهل معهم، فإنّه أفضل حتى من الوسط.

(ط) وفي التدقيق في أمور المستقبل والاهتمام الزائد به بدون مبرر.

(ي) وفي التدقيق فيما بيده من الأعلى والأوفى مثل الأخذ بالحدّ الأعلى من التعزيرات وما أشبه ذلك.

نعم، في الواجبات والمحرمات المحددة شرعاً لا تسهيل إلاّ في موارد الضرر الأكبر والإضطرار وما أشبه، على ما ذكر في حديث الرفع(9) وغيره.

لا يقال: إنّا رأينا النبي (ص) والوصي (ع) أيضاً يسهّلان في تلك الأمور؟ واحتمال أنّها من باب الولاية خلاف الأصل الذي يقول: كلّما شكّ في أنه من باب الحكم أو الولاية، لابدّ وأن يحمل على الحكم لأنّ الولاية بحاجة إلى أمر زائد.

لأنه يقال: لابدّ وأن يحمل مثل تلك الأمور على قاعدة الأهمّ والمهمّ والإضطرار والضرورة وما أشبه ذلك بالإضافة إلى ما ذكرناه في (الفقه) من أنّ لهم (ع) حقّ العفو، وربما يقال بذلك بالنسبة إلى الفقيه.

مثلاً: الرسول (ص) عفى عمّن فرّ من الزحف، ولم يعاقب من لم يقبل حكمه في متعة الحج، ومن قال: إنه (ص) ليهجر، وعفى عمّن كان مهدور الدم، بعد أن هدر دمه ثمّ جعله محقون الدم.

وعلي (ع) عفى عن أهل البصرة اقتداءاً بالنبي (ص) في عفوه عن أهل مكّة، وقال لمن اشتكى زوجه في معصيته: أنّه ينظر في الأمر فإن ثبت، حدّ الزوج، وإن لم يثبت أدّب الزوجة، ثمّ قام وصلى مما سبب هرب الشاكية، بعد أن رأت أنّ كلا الطرفين في ضررها، إلى غير ذلك.

ومتى اقتضت هذه الإستثناءات ـ لفقيه أو غيره ـ حسب الموازين المذكورة في الفقه كان في يسر، وإلاّ فعليه التطبيق في الأحكام الإقتضائية.

وقد ذكرنا في بعض المباحث كيفية الجمع بين (يريد الله بكم اليسر)(10) وبين (أفضل الأعمال أحمزها) وكذلك بين ما كان المعصومون يلاقونه من المشقّة في العبادة وما إلى ذلك وبين (أوغل فيه برفق) و (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)(11) وأنّ المراد بالأحمز: الأصعب ذاتاً، لا الأصعب فرداً، وانّهم (ع) حيث كانوا بيدهم الحكم والأسوة، كان اللازم أن يسلكوا ذلك المسلك كما قاله علي (ع) بالنسبة إلى (أخ علاء) في البصرة.

وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب من القواعد الفقهية ونسأله سبحانه أن يقرنه بقبوله وينفع به وهو الموفّق المستعان.

قم المقدسة       

محمد الشيرازي    

5 / ربيع الأول / 1413

 

1 ـ البقرة: 185.

2 ـ شبهه في الوسائل: ج 5، ص 246، ح 1 و ج 14، ص 74، ح 1.

3 ـ الوسائل: ج1، ص83، ح7، وفيه: قوله (ص) لعلي (ع): (إن هذا الدين متين فأوغل...).

4 ـ كالشرط والمانع و...

5 ـ أي: السعي لتأطير الحياة والمعيشة ووضع برامج أو مناهج لها على حسب ما يريده ويتصوّره في شتّى أبعادها الاجتماعية والعائلية وغيرها، لا حسب المنهج العام الذي بيّنه الشرع في مباحث (العِشرة) و (الأخلاق) وغيرها.

6 ـ الوسائل: ج 12، ص 332، ح 22966 و 22967.

7 ـ بحار الأنوار: ج 1، ص 182، ح 78، ب1.

8 ـ الأعراف: 199.

9 ـ المستدرك: ج6، ص 423، ح 7136، ب 26.

10 ـ البقرة: 185.

11 ـ طه: 2.