الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

تعريف السنّة

السنّة في الاصطلاح: عبارة عن قول المعصوم، وفعله، وتقريره، أعم من أن يكون من الأنبياء السابقين، أو أوصيائهم المنصوبين من قبل الله تعالى، أو الصديقة مريم، أو الصديقة الزهراء، أو الملائكة، بل وتشمل الحديث القدسي الذي حكاه المعصوم وإن كان نفس الحديث لا يسمى سنّة.

فلو فرض أن السيدة زينب (ع) نقلت حديثاً قدسياً ـ باعتبار أنها مُلهَمة، كما قال السجاد (ع): (أنت عالمة غير معلمة...)(1) ـ لم يكن من السنة. كما أن الكتب المنزلة غير المحرّفة ليست من السنة، بل هي عِدْل القرآن كلام الله تعالى، ولا تسمى أيضاً (كتاباً) في الاصطلاح.

وعلى هذا فللّه سبحانه القرآن الحكيم، وسائر الكتب السماوية، والأحاديث القدسية، وللمعصومين الثلاثة المتقدمة.

وقد استثنى جماعة من الأصوليين ـ كصاحب القوانين وغيره ـ العاديات، ولم يعرف وجهه، فإن العاديات أيضاً من السنة، وإنما تدل على جوازها مطلقاً، أو في الجملة، كقول الصادق (ع) للغاصب: (أمير المؤمنين) فإنه جائز بالمعنى الأعم الشامل للواجب الاضطراري في مورده.

نعم العامة يرون أن السنّة أعم من جهة شمولها للصحابة والتباعين، وأخص من جهة عدم شمولها لأقوال أئمتنا (ع) الذين لم يكونوا منهما، فبين الاصطلاحين عموم من وجه.

ثم الخبر والحديث يطلقان أيضاً على السنة باعتبار أخبار المعصوم، أو إخبار الأخبار ولو قال إنشاءً، كما أن الحديث يطلق عليها باعتبار حداثته، كما أُطلق على القرآن أيضاً في نفس القرآن وفي غيره، وهل ذلك لأنه حديث في الجملة حتى يكون صادقاً بالنسبة إلى ما بعد ذلك، أو أن المراد أنه في وقته حدث، فيشمل ما بعد ذلك أيضاً باعتبار حال ماضيه؟ احتمالان.

ومما تقدم ظهر صحة إطلاق الخبر على الإنشاء. فإذا قال الرسول (ص): (افعل كذا) يصح أن يقول الراوي: اسمعوا هذا الحديث، إنه (ص) قال: (افعل كذا)، فإنه خبر اصطلاحي، وإن لم يكن خبراً لغوياً وبلاغياً، إذ الخبر عندهم ما له واقع يطابقه، أو لا يطابقه في قبال الإنشاء.

لا يُقال: فلماذا نرى أنهم قد يكذّبون ويصدّقون الإنشاء، فيقول لفقير يتكفّف: إنه كاذب أو صادق؟ لأنه يُقال: المراد ما ينطوي عليه الإنشاء من الأخبار، إذ تكفّفه منطوٍ على أنه لا يملك، وهذا الخبر له واقع يطابقه أو لا يطابقه. ولذا شهد الله سبحانه أن المنافق كاذب، مع أنه إنشاء ولم يخبر.

والمراد بالواقع: الأعم من الحقيقي، الشامل للذهني أيضاً، مثل: (شريك الباري محال)، والاعتباري والانتزاعي. ومنه يعلم أن الواقع قد يكون فيهما، كـ(زيد) المتصوّر، وقد يكون في أحدهما كـ(شريك الباري) وما كان في الخارج، مما لم يتصوّر.

ثم الخبر قد يكون ماضياً أو حالاً، ولا يعقل فيهما التعليق، وقد يكون مستقبلاً ويعقل فيه ذلك، كقولك: إذا طلعت الشمس، وإذا جاء زيد كان كذا، والإنشاء كذلك. ولذا صحّ نذر المعلق، ونحوه.

وقول بعضهم: إن الإنشاء إيجاد في عالم الاعتبار؛ والإيجاد لا تعليق فيه، غير تام، إذ معنى التعليق فيه أنه إيجاد مقيّد لا مطلق.

ثم إن اللفظ المشترك بينهما كـ(بعتُ) يعيّن واقعه بالقصد، قصد الإخبار أو قصد الإنشاء، وفي مقام الإثبات له موازينه، ومع اختلافهما ولا قرينة عُلم من اللافظ، لأنه مما لا يعرف إلاّ من قبله. وهذا وإن لم يكن له دليل خاص إلاّ أنهم أفتوا بذلك من جهة أصالة الصحة في قول الإنسان وفعله. وقد ذكرنا في الفقه أنه لا فرق فيه بين أن يكون مسلماً أو كافراً، لإطلاق أدلته، ومنه الطلاق والظهار والنذر وما أشبه، إذ قد يقول: طلقت، يريد الإخبار، ولا يقع به، كما أنه إذا أراد الإخبار في الظهار والنذر ونحوهما كان كذلك، وإنما تتحقق أحكامها بلفظها إذا قصد الإنشاء.

ثم إن من الواضح أن العلم واليقين والاعتقاد أمور مربوطة بالنفس، ولا ربط لها بمرحلة الإثبات. والفرق بينهما أن الأول رؤية الشيء على ما هو عليه، بينما اليقين أعم من ذلك، فإذا أخطأ في علمه لا يُقال: علم، وإنما يُقال: تيقّن. والاعتقاد: عبارة عن القطع الذي عقد قلبه عليه معنوياً كعقد الخيط مادياً، ولذا قال سبحانه: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)(2).

وكل من العلم والجهل ينقسم إلى البسيط والمركب، وكلها في صقع النفس، ومن الواضح أن العلم أيضاً مركب وبسيط، وإن اشتهر الوصفان بالنسبة إلى الجهل فقط.

والعلم الإجمالي: عبارة عن علم وجهل، فإذا علم نجاسة أحد الإناءين ولم يشخص النجس، قيل: (علم إجمالي) كما يصح أن يُقال: جهل إجمالي، وفي قبالهما العلم والجهل التفصيليان.

ثم إنه يتفرع على تكذيب الله للمنافقين، أنه لو تخالف الشهود والإقرار، كما إذا أقر بالزنا أربع مرّات وكذّبه الشهود، حيث قالوا: لم يكن في الحال الذي يقول عند تلك المرأة مثلاً، أو قال: ما زنيت، وقالوا: زنى، قُدّم قول الشهود على الإقرار، لأنه أقوى منه شرعاً وعقلاً، ولذا لا يُسمع قول المنكر مع شهود الإثبات.

الصدق والكذب لا يرتبطان بالاعتقاد

ومما تقدم ظهر أن قول بعضهم ـ بالواسطة بين الصدق والكذب ـ مستدلاً بقوله سبحانه: (أفترى على الله كذباً أم به جِنّة)(3) حيث إن الشق الثاني ليس من الكذب ولا من الصدق في غير موضعه، لأن الظاهر من الآية أنهم حصروا قول النبي (ص) في التعمّد، والصادر عن الجنون بدونه، وإن كانوا يعتقدون أنه كذب على أي حال.

ثم لو شك بأن الكلام إخبار أو إنشاء؟ فالأصل في كلامهم (ع) كونه حكماً إنشائياً فيما إذا كان بينهما فرق، لا فيما إذا كان الإخبار أيضاً يوجب الإتباع، مثل الإخبار بـ(أنا به زعيم)(4) لاستصحاب الشرائع السابقة، كما في مثل قوله: (بعت) حيث لم يعلم أنه إنشاء أو إخبار ـ بالنسبة إلى الشخص العادي ـ فإذا لم تكن قرينة لكل منهما تساقطا، وإلاّ أخذ بذي الأثر، حيث إنّ ما لا أثر له خلاف سيرة العقلاء.

ومما تقدم ظهر أنه لو قال صدقاً، باعتقاد أنه غير واقع، كان من التجرّي، ولو قال كذباً باعتقاد أنه واقع لم يؤخذ، فإنه ليس مذنباً ولا متجرياً. فلو نذر أن يعطي من أخبر صدقاً، لم يعطه لمن خالف الواقع وإن اعتقد المتكلم صدق نفسه، بل أعطاه لمن طابق كلامه الواقع وإن اعتقد المتكلم كذب نفسه.

ولا فرق فيما ذكرناه بين القول والفعل، فإذا قال: (كتب فلان) ولم يكتب، كان كذباً، أو قال: (لم يكتب) وقد كتب، كان كذلك. وهكذا بالنسبة إلى سائر الأفعال كالأكل والمشي والتزوج وما أشبه. وهل يعتبر القصد في النسبة؟ فإذا سبق إلى مكان كذا لم يصدق، جاء على الأول دون الثاني. والظاهر الأول.

فمن أوجر في حلقه الطعام أو الماء، لم يصدق أكل أو شرب، نعم في المكره ينسب الفعل إليه وكذا المضطر، وقد ذكرنا في الأصول الفرق بينهما، حيث لا تصح معاملة المكره إلاّ بإجازة لاحقة، بخلاف المضطر. ويعرف الفرق بين هذه الأمور في قتل إنسان شخصاً، حيث يختلف العمد والاضطرار والإكراه والاشتباه، والقتل في مثل حال النوم، كما لو انقلبت الضئر على الوليد فاختنق.

ومما تقدم يُعلم أنه لو قال: كذب شهودي، لم تبطل شهادة الشهود، وكان الحق له في أي موضوع كان المال أو الزوجة أو غيرهما، لكنه يُعامل بينه وبين الله حسب اعتقاده، لأنه ليس للشهود موضوعية حتى تغير الحكم الواقعي.

ولو قال: إن كان كذا فأنا صادق أو كاذب، أو: فهو كذلك سواء علقه على الوصف أو الشرط، لم يُلزم به الآن في الأول، بل وحتى في الثاني، بأن قال كذا، أو حصل الوصف كطلوع الشمس، إذ التعليق مانع عن الجزم، فلم يكن معترفاً حتى يلزمه الإقرار.

ومنه يُعلم وجه النظر في الفرع الذي ذكروه فيما لو قال: إن شهد شاهدان بأن عليَّ كذا فهما صادقان، فإنه يلزمه الآن، لأن الصدق هو المطابق للواقع، وإذا كان مطابقاً على تقدير الشهادة لزم أن يكون ذلك عليه، لأنه يصدق كلما لم يكن ذلك عليه على تقدير أن الشاهدين لم يكونا صادقين، لكنه قد حكم بصدقهما على تقديرها، فيكون ذلك عليه الآن.

ومثله ما لو قال: إن شهد شاهدٌ عليّ إلى آخره، نعم لو قال: إن قال أبي أنه زوّجني صدق وبقوله يتحمل آثار الزواج، إذ هو يعتقد صدق أبيه واعتماده عليه، اللّهمّ إلاّ إذا قال ذلك على سبيل التحدي، وإن أباه لا يقول ذلك.

ومنه يُعلم أن الكافر لو قال: إن شهد عالمي بأنك رسول الله فأنا مؤمن بك. وشهد عالمه، فإنه بذلك لا يكون مؤمناً وإن لم ينكر بعد شهادة عالمه، لأنه ليس من الشهادة في شيء. وقد حدث مثل ذلك في قصة عبد الله بن سلام مع أصحابه اليهود.

ومما تقدم ظهر أن الكافر لو قال: الإسلام حق. كان صادقاً، ولو قال: الإسلام باطل. كان كاذباً، من غير فرق بين أن يعتقد بما يقول، أو لا يعتقد، لأنك قد عرفت أن الصدق والكذب لا يرتبطان بالاعتقاد، والظاهر أن مع قوله الأول لا يكون مسلماً، إذ الإسلام عبارة عن الشهادتين، والمفروض أنه لم يتلفظ بهما، اللَّهُمَّ إلاّ أن يُقال أنه عبارة أخرى عن الشهادتين، لكنه ليس بحيث يقطع الاستصحاب. ومنه يُعلم عكسه بأن قال المسلم: الإسلام باطل.

ثم إن الصدق كما يكون في اللفظ يكون في الكتابة والإشارة، فإذا تكفّف بدون أن يقول شيئاً وهو غني، يُقال إنه كاذب باعتبار انطواء تكفّفه على إخباره بفقره ـ على ما سبق ـ . والصدق والكذب ليس باعتبار اللفظ، بل المعنى المقصود، فلو قال: كثير الرماد. وأراد كثرته حقيقةً ـ ولم يكن له رماد ـ كان كاذباً. وإن أراد جُوده كنايةً، كان صادقاً، من غير فرق بين نصب القرينة وعدمه، خلافاً لمن أدار الأمر مدار نصب القرينة وعدمه. ولذا كان علي (ع) صادقاً في قوله: (حتى استماحني من بُرّكم صاعاً، و... كأنما سوّدت وجوههم بالعظلم)(5) مع وضوح أن عقيلاً أراد مالاً كثيراً، وأن الصبية لم يكونوا بذلك اللون، وإنما أراد (ع) أنه أمين حتى في الصاع، وأنهم كانوا شديدي الفقر، اللَّهُمَّ إلاّ أن يُقال: إن قوله (ع) مقترن بالقرينة العقلية.

وبعد أن عرفت أن الانطواء أيضاً يوجب الصدق والكذب، فلا فرق في الكذب بين أقسامه الأربعة، فلو قال: الدار الملاصقة لدار زيد لفلان. فلم تكن دار، أو فلان، أو نسبة بينهما. أو قال: يا زيد الفاضل. ولم يكن له فضل، كان من الكذب.

 

1 ـ الاحتجاج: ج 2 ص 31 خطبة السيدة زينب (ع).

2 ـ سورة النمل، الآية: 14.

3 ـ سورة سبأ؛ الآية: 8.

4 ـ سورة القلم: الآية 40.

5 ـ نهج البلاغة: الخطبة 224.