الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

أقسام الخبر

الخبر من جهة العلم وجوداً وعدماً خمسة أقسام: لأنه إما معلوم الصدق أو الكذب، أو مظنون أحدهما بمختلف مراتب الظن، أو يشك فيه شكاً متساوياً، وحال الأولين والأخير واضح. أما المظنون فالمشهور بين المتأخرين أنه إن كان من الظنون المعتبرة، مثل ما يحصل من خبر الواحد أو نحوه فهو حجة، سواء كان بالنسبة إلى الأحكام كما ذكر، أو الموضوعات كالحاصل من شاهدي عدل، هذا في حال الانفتاح. وفي حال الانسداد ـ لو فرض ـ فما يوجبه الظن الانسدادي حجة أيضاً، وإلاّ لم يكن حجة للأدلة الأربعة التي ذكرها الشيخ المرتضى وغيره.

لكنا ذكرنا في الأُصول ضعف هذا المبنى، حيث إن بناء العقلاء على العمل بالظن في كل شؤونهم والشارع لم يردع عنه، وما ذكروه من الأدلة الرادعة ليست به. ولو أراد الشارع الردع لزم أن يكثر من القول لأن تغيير المبنى العقلائي بحاجة إليه، ولذا أكثر من المنع عن القياس حتى ذكر بعضهم أن الأدلة عليه زهاء خمس مائة. ثم لا يهم بعد ذلك أسباب العلم أو الظن، لأن الأول نور بنفسه، والثاني نور ضعيف على ما ذكرناه. وفيهما لا يُسأل عن كون السبب قرينة حال أو مقال أو كثرة تتراكم حتى تورث أحدهما كالخبر المتواتر إلى غير ذلك؛ ومن البديهي وجوده موضوعاً، ويرتّب الحكم عليه حكماً ومناقشةً بعض حكماء الهند في أي منهما، وهذه ليست إلاّ مناقشات سوفسطائية.

ولا فرق في العلم من جهة وجوب الاتّباع كونه من الداخل كالرياضيات، أو الخارج بالحواس القطعية كضوء الشمس، لا كالسراب يزعم أنه ماء. وإذا حصل أحدهما لم يعقل مُقابله لاستحالة الجمع بين علمين في الطرفين أو الظنين كذلك، كما لا يعقل أحدهما في طرف والشك فيه أو في الطرف الآخر. وكذلك العلم فيه والظن كذلك، كما أن الظن بقدرٍ في طرف يلازم الوهم في الطرف الآخر. فإذا فرض أن درجة العلم مائة، ودرجة الشك خمسون، يكون الظن بواحدٍ زائداً على الخمسين يلازم الوهم بواحد ناقصاً عنه.

والمشهور عدم صحة الظن في أُصول الدين، بل قال العلامة أنه أجمع العلماء على ذلك، لكن الشيخ المرتضى في الرسائل ناقش في ذلك، وربما لم يستبعد كلامه المذكور كما ذكرناه في الشرح.

التواتر 

التواتر في الطبقة الأولى بحاجة إلى كثرة يقطع الإنسان بأنهم أو بعضهم ـ مما لا يضر البقية في التواتر ـ لم يتواطأوا على الكذب، وإلاّ لم يحصل التواتر. كما أنه ربما يوجب القطع انضمام القرائن إلى إخبار من كانوا دون حد التواتر، وهذا وإن أوجب علماً لكنه لا يسمى متواتراً، إذ بين العلم والتواتر عموم مطلق، وربما يُقال بأن بينهما من وجه، حيث إن التواتر لدى الشاك المسبوق بالقرائن المخالفة لا يوجبه.

ولذا نجد أنّ بعض المخلصين عن تحرّي الحقائق، لا يقتنعون بتواتر معجزات النبي (ص) في الإيمان به. ولا يخفى أن مثل هؤلاء إن ماتوا على هذه الحالة امتحنوا في الدار الآخرة، إذ (لا يكلف الله نفساً إلاّ ما آتاها)(1)، وهو عقلي إلى جانب كونه شرعياً.

ولذا ذكرنا في الفقه، من شروط أحكام الارتداد الموجب لقتله ونحوه، أن لا يكون عن شبهة، نعم مثل النجاسة تترتب على أي حال، لأنها من أحكام غير المسلم وإن لم يكن معاقباً ـ على المشهور ـ .

كما يلزم التواتر في سائر الطبقات وإلاّ لم يكن منه، ولذا لم يحصل في دين موسى، لانقطاع الوسط باستئصال بُخت نصر لهم، ولا دين عيسى لانقطاع الأول، ولا في دين المجوس لانقطاعهما.

وهل الكثرة في التواتر نفسية فلا تختلف القضايا والأشخاص، أو نسبية حتى تختلفان؟ الظاهر الثاني، لوضوح أن الكثرة توجب العلم في شخص دون شخص، وفي قضية دون قضية، بل في حال دون حال أيضاً. ولذا جاز أن يحصل التواتر أو عدمه في حال خلوّ الذهن، دون حال تشكيك المشكك.

ثم في مورد العلم قد يكون الخبر المتواتر سابقاً، وقد يكون لاحقاً، كما إذا عُلم ثم حصل آخر متواتر، فإنه لا يعقل حصول علم ثان. نعم يمكن اختلاف المراتب، إذ العلم حالة نفسية كالشجاعة والكرم تختلف مراتبها، كأن يكون العلم الأول ممكن الزوال بالتشكيك، بينما العلم الحاصل من التواتر لا يكون كذلك، أو يكون الأمر بالعكس.

التواتر تدريجي ودفعي

والتواتر قد يحصل تدريجاً كأن يخبره ألف تدريجاً، وقد يحصل دفعةً كأن يخبروه دفعةً. ففي الأول تدرّج من الشك إلى الظن الضعيف فالقوي فالعلم، بخلاف الثاني فلا تدرج بل تنقلب الحالة السابقة اللاعلمية إلى العلم دفعةً، سواء كانت حالة ظن أو وهم أو شك.

أقسام أُخرى للتواتر

والتواتر قد يكون: مطابقياً أو تضمنياً أو التزامياً، كما يكون بتقسيم آخر: لفظياً، كما إذا نقل كلهم: (ضربة عليٍّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين)(2)، أو معنوياً، كما إذا نقلوا شجاعاته المختلفة في بدر وخيبر وحُنين وذات السلاسل ومكة وغيرها، أو: إجمالياً، كما إذا نقلوا أخباراً نعلم بصحة أحدها إجمالاً، فيؤخذ بالأخص لأنه مجمع الكل، كما إذا قال أحدهم: أعطي ديناراً، والآخر: دينارين، والثالث: ثلاثة، وهكذا، إذ كلهم مجمعون على الدينار الواحد.

ثم إن من اللفظي: ما إذا نقلوا بألفاظ مختلفة مترادفة، مثل: (جاءت السنور، والقط، والخيطل، والهر) ومنه اللغات المختلفة. ثم لا يبعد أن يكون (ضربة علي (ع)) إشارة إلى المعنوية التي أظهرت هذه الضربة، كمعنوية (عين تَسَعُ ألف كر) وإن ظهر منها فوهة صغيرة، التي هي أفضل من عشرة آلاف عين، لا تكون بمجموعها ألف كر. إلى غير ذلك من المحتملات.

ولا يكون التواتر إلاّ بالحسّ، سواء بحس واحد كرؤيتهم إعطاء زيد وعمر وبكر حيث تدل على الجود، أو حواس مختلفة كرؤية أحدهم شربة الخمر واستشمام آخر رائحتها وسماع ثالث تقيؤها، مع علمه أنه لم يشرب منذ مدة مائعاً، فلا يكون التقيؤ بذلك المائع.

وقد ذكرنا في الفقه: أن الشهود الأربعة لو كانوا عمياناً ولمسوا وطيه له لم يستبعد الحد، إلاّ إذا قيل بدرء الحدود بالشبهات من جهة شبهة شمول الأدلة لمثله، حيث إن الحديث يشمل شبهة الحاكم والشاهد والفاعل.

والإخبار في الالتزام، سواءً أخبروا باللازم فيكون المتواتر الملزوم، أو بالعكس قد يكون بحس المقدمات فلا يلزم أن يكون المتواتر بالمباشرة، كرؤيتهم الميل في المكحلة.

وهل يوجب التواتر الحد؟ الظاهر لا، لأن المعيار ليس العلم في مثل الزنا وأخويه ـ كما ذكرناه في الفقه ـ وإلاّ فقد علم النبي والوصي بزناهما في القصتين قبل الإقرار الرابع، ومع ذلك لم يجريا الحد. والتواتر في مثل ذلك لا يوجب إلا العلم، نعم إذا كفى العلم في مورد كفى التواتر، وإن لم يكن شاهدان عادلان.

الخبر الواحد

هناك اصطلاحان في الخبر الواحد ـ وهو ما ليس بتواتر ـ : أعمّ يشمل المستفيض، وأخصّ يقابله. والغالب أن المستفيض يوجب الظن الأقوى، وإلاّ فكلاهما ليس من التواتر في شيء، ولا يهم أن يكون الواحد بالمعنى الأعم موجباً للعلم من القرائن الداخلية أو الخارجية بتسميته، إذ المعيار أن لا يكون متواتراً.

ومن الممكن أن يكون خبران متعارضان يوجبان لشخص واحد الشك، أما أن يوجبا علمين أو ظنّين ـ ولو كانا مختلفي المراتب ـ أو علماً وظناً، فذلك محال كما سبق الإلماع إلى مثله. نعم بالنسبة إلى نفرين كل الأقسام متصورة.

ثم إن الخبر المتواتر الذي لا يفيد العلم، لا يعد من المتواتر الاصطلاحي، وإن كان متواتراً لغوياً. والخبر الواحد قد يفيد العلم بسبب قرائن داخلية أو خارجية، وقد لا يفيد، فالقول بالإطلاق في طرفي المسألة غير ظاهر الوجه.

ولا يلزم أن يكون الخبر لفظاً، بل الإشارة أيضاً منه، كما إذا أشار بيده أو عينه أو رأسه بنعم أو لا، أو ما أشبه ذلك. كما إن التضمن والالتزام خبر لإطلاق أدلته.

الخبر الموثوق 

المشهور حُجية خبر الثقة، قال (ع): (ثقاتنا)، ولبناء العقلاء من غير ردع، ولجملة من الآيات والروايات كما ذكرناه في الأصول. خلافاً لمن اشترط العدالة بدليل الآية، ومن أنكر حجيته مطلقاً، لأنه لا يورث إلاّ الظن، و(الظن لا يغني من الحق شيئاً)(3). وحيث ذكرنا تفصيل الكلام في المذكورات هناك لا حاجة إلى تكراره، واستدل صاحب (القوانين) عليه بالانسداد أيضاً، لكنه محل تأمل صغرى وكبرى.

وتحصل الثقة في كل الأعمال أو في الأقوال فقط، لأن بناء العقلاء على ذلك، إذ بنائهم على أن كل ثقة في شيء يكون حجة فيه، فالسائق الثقة في السياقة، والطبيب الثقة في عمل الجراحة، والطيار الثقة في الطيران إلى غير ذلك، يعتمد عليهم، ولا يلوم العقلاء من اعتمد لو حصلت المخالفة فرضاً، فلا يشترط فيهم الثقة في القول، أو في غير مهنتهم.

وكما يُكتفى بالوثاقة في السند، يُكتفى بها في الدلالة وجهة الصدور، ولذا نرى عدم عمل العلماء بمئات الأخبار التي ظاهرها الوجوب أو الحرمة، بسبب عدم عمل العلماء به، مما يُسقط الثقة عن كونها صادرة للمنع من النقيض. أما قول (المعالم): (يستفاد)، فالظاهر أنه لا يستفاد، ولذا لم يقبله المتأخرون منه من المحققين.

شرائط العمل بالخبر الواحد 

وقد ذكر جملة من العلماء للعمل بالخبر الواحد جملة من الشرائط التي ترجع إلى الراوي، من: البلوغ، والعقل، والإسلام، والإيمان، والعدالة، والضبط.

أما البلوغ، فلا إشكال في عدم قبول غير المميز، كما لا إشكال في عدم قبول خبر المجنون الإطباقي والأدواري في حال دوره لا تحملاً ولا نقلاً، أما عدم البلوغ تحملاً، فالظاهر عدم البأس به إذا أخبر بعد بلوغه، إذ لا دليل على العدم من العقل والشرع. نعم في عدم البلوغ نقلاً كلامٌ،هل يقبل إذا توفرت فيه سائر الشرائط من الوثاقة والضبط ونحوهما لوجود المقتضى وعدم المانع، فيشمله الدليل أو لا؟ لأنه أسوأ من الفاسق حيث له رادع بخلافه، لأن معرفته برفع القلم عنه تمنع عن الوازع ومقتضى القاعدة، وإن كان الأول، لأن العقلاء يعتمدون على المميز الجامع للشرائط في معاملاتهم.

وقد ذكرنا في الفقه تبعاً للمحقق وغيره: صحة معاملة الصبي، إلاّ أنا لم نجد في الأخبار ما كان من هذا القبيل، كما لم نجد من صرّح بالجواز من الفقهاء.

أما الأدواري في حال الإفاقة الكاملة فيشمله الدليل تحملاً وأداءً، لكن الكلام فيما لو تحمله مجنوناً وأداه عاقلاً هل يقبل أو لا؟ لا يبعد الثاني عدم اعتماد العقلاء، ولا دليل أن الشارع قرره على خلافهم.

والسفيه الأموالي كالعاقل، أما الأعمالي فهو قسم من المجنون.

وهل يشترط الإسلام، لأن الكافر فاسق فتشمله الآية، ولأنه لم يعهد خبر الكافر في مورد الفقه وإن وجد في بعض قضايا الرسول (ص)، أو لا؟ إذ المعيار عند العقلاء الوثاقة ولا فرق فيها بينهما، وفي الروايات اعتمادهم (ع) في العمل على الكافر كما في قصة فصد الإمام (ع).

بل روت العامة إجازة النبي (ص) بعض المسلمين في شق بطن الكافر له حيث ابتلى بالمرض، ولذا أقامت السيرة بالاعتماد عليهم في الطب وغيره. احتمالان، لكن الاحتياط مع الأول، بل قال في (القوانين): لا ثمرة يعتد بها في خصوص العمل برواياتنا، وإن كان يثمر في غير الرواية المصطلحة مما يحتاج إليه في الموضوعات. هذا فيما كان التحمل والأداء في حال الكفر.

أما لو تحمل كافراً وأدّى مسلماً، فالظاهر القبول، بل عليه جرت السيرة في قضايا متعددة في زمان الرسول (ص). ولو انعكس كان كالسابق في الاحتمالين، أما لو توسط الكفر بين إسلامَين فتحمل وأدّى مسلماً، فلا إشكال قطعاً.

والمشهور بينهم قولاً وعملاً، عدم اشتراط الإيمان، لأن الطائفة عملوا بروايات الفطحّية والناووسيّة ومن أشبه. أما المخالف فقد ورد: (لا تعتمد في دينك على الخائنين)(4)، وورد: (إذا نزلت بكم حادثة لا تعلمون حكمها فيما ورد عنا فانظروا إلى ما رووه عن علي (ع) فاعملوا به)(5).

لكن السيرة على العدم، وإن كان الحديث الأول محتمل العلية في الخيانة، فلا يشمل الثقة منهم، وبذلك يظهر الكلام في العدالة. إلاّ أن جماعة من الفقهاء اشترطوها، وإن قال (المسالك): إن العدالة توجد في غير المؤمن، بل غير المسلم أيضاً، لأن في كل قوم عدولاً وفساقاً، وفي الآية الكريمة: (وأكثرهم الفاسقون)(6)، وفي المرسل: (ولدتُ في زمن الملك العادل أنو شيروان)(7)، مع أنه كان على دين المجوس المنسوخ بدين المسيح (ع).

والحاصل إن الكلام فيهما كبرى تارةً، وصغرى أخرى.

أما معنى العدالة، فقد ذكرناه في الفقه على تفصيل، واخترنا هناك: أنها الملكة، لا مجرد الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات، كما ذكرنا هناك مسألة اشتراط المروءة فيها، مما لا حاجة إلى تكرارها. هذا كله في الخبر الواحد.

شرائط العمل بالمتواتر

أما المتواتر فلا يشترط فيه إلاّ أن يكون من الكثرة بحيث يوجب العلم، كما تقدم.

وهنا سؤال: أنه كيف يعتمد العلماء على أخبار الفضائل في الكافر والمخالف، ولا يعتمدون عليهما في غيرها مع وحدة المدرك؟

والجواب: أن الأصل هو عدم الاعتماد، وإنما الاعتماد في الفضائل لأجل أنه من الاعتراف على النفس، فيشمله إقرار العقلاء. ولذا يعتمد على الفاسق في إقراره على نفسه، لا شهادته.

ومما تقدم ظهر أن من يرى العدالة، أو يكتفي بالوثاقة، يقول بها في الأداء لا في التحمّل، كما أنه لو تحمّله كافراً أو مخالفاً وأدّاه مقبول الخبر قُبِلَ.

مجهول الحال

بقي الكلام في مجهول الحال، هل يقبل خبره، كما قال به بعض لأصالة الصحة في عمل المسلم، ومنه فوله: (بل ذكرنا في الفقه أنها تشمل حتى الكافر)، ولآية التثبت لأن الخارج الفاسق فما عداه من العادل والمجهول لا يحتاجان إلى التثبت، ولأنا نجدهم أثبتوا روايات المجهولين في كتبهم كالكافي وغيره، ولقبول قول المسلم وفعله في التذكية والطهارة والنسب والحرية والعبودية وغيرها، ولما ورد من أن كل المسلمين على العدالة، أو لا، لأن بناء العقلاء المؤيد من قبل الشرع قبول خبر الثقة، قال (ع): (فيما يرويه عنا ثقاتنا)(8). إلى غير ذلك من الأدلة المشترطة لها أو العدالة، على ما تقدم بعضها؟

وما ذكر من الأدلة على القبول، غير ظاهر الوجه، لــتخصيص أصالة الصحة بما دل على اشتراط الثقة في المقام، وآية التثبت تُعلّق الأمر على واقع الفسق لا العلم به، فإن الألفاظ موضوعة لمعاني النفس الآمرية لا العلمية، أما روايات المجهولين كما في الكافي ونحوه، لا تدل على ذلك.

أولاً: من أين أنهم كانوا مجهولين عنده؟

وثانياً: لعله كانت لصحة الخبر عنده قرائن، ولذا لا يضر رمي المجلسي وغيره لكثير من رواياته بالمجهولية، أما قبول قول المسلم فهو تكرار للدليل السابق.

وقد أُجيب عن رواية عدالة كل المسلمين في الفقه وغيره، وعلى هذا فمقتضى القاعدة العدم.

الضبط تحمّلاً وأداءً

وأما كونه ضابطاً أي متعارفاً في الضبط، في قبال كثير السهو لا إنه لا يسهو أصلاً إذ ذلك ليس إلاّ في المعصوم.

ومن البديهي جواز الأخذ بخبر الثقة، فتدل عليه الآية من جهة التعليل (أن تصيبوا قوماً)(9) فهو من منصوص العلة، وبناء العقلاء، ولأنه ليس بثقة، وقد قال (ع): (ثقاتنا). ولم أجد من لم يشترطه، بل في كلامهم لا خلاف في اشتراطه.

ولا يخفى أن كونه كثير السهو في شيء خاص كصلاته مثلاً، لا يسلب عنه صفة الضبط فيما نحن فيه، ولذا اعتمدوا على رواية حبيب الخثعمي ووثقوه في الرجال، مع أن الصدوق روى في الفقيه: أنه سأل أبا عبد الله (ع) فقال: إني رجل كثير السهو فما احتفظ على صلاتي. وهذا هو الدليل في اشتراطهم ضبط مرجع التقليد والشاهد في الأداء. وأما الشاهد في التحمّل، مثل الشاهدين في الطلاق، فلا يبعد عدم اشتراط مثله فيه، إذ لا يرتبط التحمّل بالضبط إذا لم يرد منه الأداء، وحيث إن الأصل في الإنسان السلامة وكثرة السهو خلافها، فلو شككنا في شخص أنه ضابط أم لا، كان الأصل أنه كذلك.

ومن المعلوم أنه لو ضبط الرواية بالكتابة حين السماع، ولم يكن سهوه بحيث يزيد وينقص ويغير ويبدل في حال السماع، لم يضر سهوه لإطلاق الدليل بعد عدم شمول الاستثناء له، كما لا يبعد البقاء على التقليد لو كان في حال اجتهاده وكتابته الرسالة ضابطاً ثم غلب سهوه. والمراد بالغلبة: الخروج عن المتعارف وإن كان سهوه أقل من ضبطه، لا الغلبة العددية كما هو واضح.

ولو كانت له حالتان لم يعلم صدور الحديث منه في أيتهما لم يقبل إذ لا اعتماد بمثله، ولو علم صدوره في حال سهوه وتحمّله في حال ضبطه كان كذلك، أما لو انعكس بأن تحمّل في حال السهو وصدر في حال الضبط، فهل يقبل لأنه ضابط الآن أو لا، لأنه لا يؤمن أن اشتبه في حال السهو؟ الظاهر الثاني. وكذلك في سائر أهل الخبرة من المجتهد والشاهد، وغيرهما الطبيب ونحوه.

ولو كان أدوارياً من جهة السهو، فهل يستصحب ضبطه في حال الأداء حيث كان سابقه الضبط؟ إطلاق الاستصحاب يشمله، وإن كان يحتمل عدم القبول، لأنه يلقي الحديث في حال لا يعرف ضبطه، فلا يشمله دليل القبول. ومثل هذا الكلام يسري في الجنون الأدواري، كما أن الأمر كذلك إذا لم يعلم صدوره عنه في حال كفره أو إسلامه، وثاقته أو عدمها، إلى غير ذلك.

نعم لا إشكال في الأخذ من كتاب الثقة الذي ألفه حال استقامته وإن انحرف، فإنه بالإضافة إلى العقلانية يشمله (خذوا بما رووا)(10). أما عدم بقاء التقليد لمن انحرف ـ وإن كان كتابه في حالة استقامته ـ فهو لدليل شرعي، وإلاّ فسائر أهل الخبرة عند العقلاء كذلك.

ومما تقدم يعلم حال ما إذا كان الراوي أحد اثنين، أحدهما جامع للشرائط، والآخر فاقد لها، حيث لا يمكن الاعتماد إلاّ إذا كان بين حديثيهما من وجه، فيمكن الأخذ بالأخص منهما لأنه قطعاً عن الجامع لهما، وكذلك بالنسبة إلى الواحد لو قال العام في أحد الحالتين والخاص في الأخرى ولا يعلم أن أيهما في أيتهما حيث يؤخذ بالخاص.

طُرق ثبوت العدالة و… 

تُعرف العدالة والوثاقة والضبط والاستقامة وأضدادها وما أشبه ذلك، بالطرق العقلانية كالملازمة والصحبة الممتدة والشهرة والتواتر ونحوها. والظاهر كفاية الواحد في الجميع، لبناء العقلاء، ولملاك الرواية التي هي أهم، ولقوله (ع): (حتى يستبين)(11).

والاستبانة تشمل الواحد من أهل الخبرة، وإنما نشترط أهل الخبرة لانصراف الأدلة الشرعية، وبناء العقلاء على ما يتحاج إلى الخبروية لا يقبل فيها من غيرهم. وهكذا بناء العقلاء الذي لم يردعه الشارع في الأمور المرتبطة بالأعراض والأموال والأنفس، ألا ترى أنهم يسلمون أنفسهم إلى مشرحة الطبيب الواحد وإلى الطيار الواحد، ويودعون عرضهم إلى الثقة، وكذلك مالهم إلى غير ذلك. وإذا أخطأ الطبيب ومات المريض أو سقطت الطائرة وتلفت العائلة الراكبة لا يلامون، لماذا وثقت بالواحد؟

نعم، في الشهادة في الدعاوى، يحتاج الأمر إلى اثنين، وذلك لتوفر الدواعي للتحريف وإن قبل الشارع الواحد أحياناً، كما في الوصية إذا شهدت امرأة واحدة، أو الواحد واليمين أحياناً كما في المال. وفي قباله لم يقبل حتى الاثنين في الشهادة بالزنا ونحوه، وفي الشهادة بكل المال في الوصية. فالأصل كفاية الواحد إلا ما خرج، كما إن الأصل في الشهادة الاثنين إلا ما خرج، ومن الأول الشهادة برؤية الهلال ودخول الليل والنهار، والمترجم والمقول والقاسم والقاضي والمجتهد والمخبر عن عدد الركعات، والأشواط، وأنه طاهر أو نجس، كر أو لا، والمخبر عن دخول الوقت، وعن القبلة، والنسبة إلى نفسه في الأولاد ونحوهم، ووكيل بيت المال، والآتي بالهدية، والوكيل، والذابح أنه حلال أو حرام لعدم توفر شروط الذبح، إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة إلاّ ما خرج بالدليل.

ولذا اخترنا في الأصول كفاية قول لغوي واحد، بل وكذلك في سائر العلوم كالمسّاح، وهكذا بالنسبة إلى الغاسل للميت. نعم يبقى الكلام في المحتسب، هل يلزم تعدده في إخباره بالمخالفات كما هو مقتضى الشهادة، أو يكفي الواحد كما هو مقتضى العقلائية الجارية عليها السيرة منذ القديم، فلم نسمع من التاريخ أن اللازم جعل المحتسب اثنين اثنين؟ الأقرب الثاني وإن كان الاحتياط في الأول.

نعم لا إشكال في حق المشهود عليه في الدفاع عن نفسه، فإنه حق حتى فيما إذا قامت الشهادة الاثنينية ضده. هذا ما يقتضيه البحث في المقام وإلاّ فالتفصيل يناط بالكتب الفقهية.

 

1 ـ سورة الطلاق؛ الآية: 7.

2 ـ البحار: ج 39 ص 2 ح 1.

3 ـ سورة النجم؛ الآية: 28.

4 ـ أُنظر الوسائل: ج 18 ص 109 باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 42.

5 ـ الوسائل: ج18 ص 64 باب 8 من أبواب صفات القاضي ح 47.

6 ـ سورة آل عمران؛ الآية 110.

7 ـ البحار: ج 15 ص 250 ح1.

8 ـ الوسائل: ج 18 ص 108 باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 40.

9 ـ سورة الحجرات: الآية 6.

10 ـ الوسائل: ج 18 ص 72 باب 8 من أبواب صفات القاضي ح 79.

11 ـ الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4.