الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

الفتوى والقضاء

ثم الفرق بين الفتوى والقضاء، أن الأول إخبار عما استفاده من الأحكام من الأدلة الأربعة ـ عندنا أو من أكثر منها عند غيرنا ـ . ومن المعلوم أن الإباحة الشرعية فتوى أيضاً، وليس هي اللاحرجية العقلية التي كانت قبل الشرع.

لا يُقال: فما الفائدة في جعل الشارع لها مع كونها محققة قبل الشرع أيضاً؟

لأنه يُقال: الفائدة: تحقق الطاعة بعد التشريع، دون ما قبله.

أما القضاء فيمكن فيه الإخبار، كأن يقول: ثبت عندي أن الدار لزيد لا لعمرو، والإنشاء كأن ينصب زيداً والياً عنه، أو يأمر بالجهاد، أو ما أشبه ذلك. وهو عبارة عن اعتبار يترتب عليه الآثار، كاعتبار السلطة الورق الكذائي ديناراً. ولو قال: (حكمت بأن الدار لزيد) كان جمعاً بين الإخبار والإنشاء، كما أنه لو قال: (الجهاد الواجب شرعاً حكمت به حالاً) كان كذلك، فيكون حاصل الجمع بينهما إخباراً وإنشاءً اعتباراً ممن بيده الاعتبار. وقد ذكر بعض الفقهاء والأصوليين في الفرق بينهما ما لا يسلم من الإشكال مما لا يهمنا ذكره.

ثم لا بأس بتعدد المفتي والقاضي، فإن أطبقوا على شيء فهو، ويكون الاستناد حينئذٍ إلى جميعهم إنشاءً اعتباراً أو إخباراً. وإن اختلفوا مع تساويهم ـ بما لم يدل الدليل على ترجيح بعضهم على بعض كترجيح الأعلم مثلاً ـ تخير المقلد بينهما في الفتوى، أما في القضاء فحيث لا يمكن التخيير الفقهي ـ وإن أمكن التخيير الأصولي بأن يرجع إلى أيهما ـ فاللازم اختيار أحدهما في غير المنازعات، كما إذا قضى أحدهما بأن الوقف يصرف في الطلاب والآخر في البناء، وإن أمكن أن يُقال بجواز الأخذ بقاعدة العدل، بأن يصرف نصفه على طبق هذا القضاء ونصفه الآخر على طبق القضاء الثاني.

أما في المنازعات فإن اتفقا على أحدهما فهو، وإن اختلفا بأن أخذ كل من المتنازعين بأحدهما، فاللازم الرجوع إلى قاضٍ ثالث، حيث إن القضاء جعل لفصل الخصومة ولا فصل مع الاختلاف المتساوي، كما إذا قال أحد القاضيين إنها زوجة زيد، وقال الآخر إنها زوجة عمرو.

أما إذا لم يكن ثالث ولم يكن الرجوع إلى مدركهما، كما في بعض الروايات، فلا معدل عن القرعة التي هي لكل أمر مشكل، إلاّ إذا أمكن المهاياة أو قاعدة العدل، فهما حينئذٍ محتملان كما إذا قال أحدهما بأن الدار لزيد، والآخر بأنها لعمرو، حيث يمكن التنصيف. وفي مثل الاختلاف في الإجارة يمكن المهاياة بينهما، بأن يجلس كل واحد منهما في الدار نصف المدة، كما أنه يحتمل في مثل اختلافهما في زوجة، أو اختلاف الأُختين في زوج إلى أمثال ذلك، أن يكون للحاكمين المختلفين في النظر، أو للثالث جبر الزوجين بالطلاق، أو جبر الزوج بطلاقهما معاً ثم التزويج من جديد. وتفصيل البحث موضعه الفقه كتاب القضاء.

ولو كان الاختلاف بين الفقهاء في المتعدد منهم كثلاثة وخمسة، فلا يبعد لزوم الأخذ بالأكثر لدليل الشورى الحاكم على أدلة التقليد، وكذلك حال القضاء. وقد ذكر السيد في تتمة العروة وغيره مسألة صحة تعدد القاضي.

كما أنّا ذكرنا في بعض مباحث الفقه حال ترتب القضاة بالبراءة والاستئناف والتميز، واستدللنا عليه بقصة داود وسليمان (ع) ومحاكمة النبي (ص) في قصة الناقة، إلى غير واحد وغيرها من الإطلاق ونحوه.

كيفية ثبوت التزكية

يقبل في التزكية شهادة واحد كما هو المشهور، خلافاً للمحقق وغيره من اشتراطهم نفرين، وذلك لأنه بناء العقلاء، ولشمول العلة في الآية له، وللملاك في قوله (ع): (ثقاتنا)، ولقوله (ع): (حتى يستبين)، وللسيرة. وحيث اكتفينا في الراوي الثقة، نكتفي بها هنا أيضاً، لوحدة الملاك، ولجملة من الأدلة الأخرى التي ذكرناها هناك.

أما من اشترط نفرين عادلين فقد استدل بآية النبأ، وحيث إن المعيار عدم الفسق واقعاً، لأن الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية مما يحتاج إلى العلم، ولا علم بدون نفرين عادلين يلزم ذلك، ولأنه شهادة والمعتبر فيها اثنان.

وفيه أن بين شهادة اثنين والعلم من وجه، فلا يدل أحدهما على الآخر، والتبيّن في الآية يحصل بالواحد، أما إنه شهادة فقد تقدم أن الخارج منها في مقام المنازعات، وإلاّ فالأصل كفاية الواحد.

ومما تقدم ظهر أن هنا نزاعين: هل يكفي الواحد أم لا؟ وهل يشترط فيه العدالة أو يكفي الثقة، كما ظهر كفاية المزكي المرأة حالها حال رواية المرأة، فإن العقلاء في أهل الخبرة لا يفرقون بينهما، ولذا يراجعون الطبيبة والمضمدة ومن أشبههما، كما يراجعون المضمد والطبيب.

ويكفي الاستصحاب لو شهد بعدالة أو وثاقة سابقة ولو طال الزمان، كما حقق في باب الاستصحاب على مبنى المتأخرين، وإن كان الأمر ليس كذلك على مبنى من يعتبر الظن فيه. كما أنه ليس من تغيير الموضوع ما لو تبدل حاله الفردية أو الاجتماعية، كالغني يصبح فقيراً أو بالعكس، وغير ذي المنصب يصبح ذا منصب إلهي كتحوله إلى مرجع التقليد أو العكس، أو حكومي في الحكومة العادلة كصيرورته رئيساً أو بالعكس، إذ الثابت في تغيير الموضوع المذكور في باب الاستصحاب، التغير العرفي وليس ما ذكر منه، بل هو من قبيل تغير الماء البارد حاراً وبالعكس. كما أن استصحاب الفسق ونحوه كذلك، وإن تبدلت خصوصيات الفرد كالزاني سقط عن الشهوة بالجَبّ ونحوه، إذ المعيار الجامع لا الخصوصية. ويرجع بعض ما ذكر إلى مسألة استصحاب الكلي بأقسامه.

الحرام ما كان في أصله حراماً

ثم إن الأصل في فعل الحرام كونه محرماً، إلاّ إذا أتى بالمخرج أو قام الدليل على ذلك، فالمرأة الزانية لا يقبل منها الاضطرار في عملها مما لا يسقطها عن العدالة ونحوها. وكذلك بائع الوقف مدعياً أنه أحد المستثنيات يحتاج إلى الدليل فيه، إلى غير ذلك من ادعاءات الإكراه والاضطرار والإلجاء والسهو والنسيان والغفلة مما يرفع التكليف. وكذا لو ترك الواجب أو غيّر الأسلوب بادّعاء التقية.

ولا يُقال: فلماذا قَبِل علي (ع) من المرأة الزانية اضطرارها، وكان الظاهر منه (ع) قبول عذر المفطرين في شهر رمضان حيث استنطقهم عن سبب إفطارهم؟

لأنه يُقال: القصة كانت محفوفة بالقرائن، والثانية كانت في أول الطريق، فمن أين أنهم لو اعتذروا قُبِل عذرهم بدون دليل؟ نعم لو كانت الموضوعات عرضية لا مترتبة كالاضطرار ونحوه، لا يكون كاشفاً عن العصيان حتى يحتاج غيره إلى دليل، كما إذا قصر في الصلاة أو أفطر في السفر، ولم نعلم هل سفره شرعي أم لا، لم يحتاج إلى تبرئة نفسه.

لا يُقال: فماذا تقولون في التيمم مع إنه طولي؟

لأنه يُقال: كثرة الابتلاء به جعله كالموضوع العرضي، فليس حاله في نظر المتشرعة حال من يحتسي الخمر أو نحوه، وإن كان الاكتفاء بالتيمم بدون الاضطرار والصلاة به غير جائز. ولو كان المقام مما لا يعرف إلاّ من قبله قبل قوله، كالطبيب الذي نعرفه بالتدين يشرب الخمر معتذراً بأنه مريض وشفاؤه بها، والمرأة المراجعة للطبيب المحتاج إلى اللمس بحجة ألمها ومرضها، إلى غير ذلك.

الاضطرار

ثم إنّا ذكرنا في الفقه عدم الفرق بين اضطرار الشخص وتلازم العمل مع الاضطرار في الإباحة، فإن الطبيب الذي يفحص المرأة الأجنبية بالنظر أو اللمس وإن لم يكن مضطراً هو، لكن اضطرار المرأة يبيح له المحرم الأوّلي ـ فيما إذا لم تكن امرأة طبيبة ـ لدلالة الاقتضاء، فإنه لا يعقل أن يجوّز الشارع لها المراجعة ويمنعه من الفحص.

ثم حيث إن الضرورات تقدر بقدرها، وكذلك في باب الإكراه والإلجاء يلزم الأخف فالأخف حرمة، فإذا كان الطبيب الأجنبي لو لامس زوجته قبل الفحص لها لا يوجب فحصها الإمناء وجب ذلك، إذ الاضطرار إلى المحرم ليس اضطراراً إلى محرمين.

نعم إذا لم يتمكن من الزوجة، شمل اضطرارها الإباحة ولو سبب محرمين، هذا من جهة الكم، وكذلك الحال في الكيف، فلو أُكره على الزنا وكانت هناك فتاة وعجوز تمكن من أيتهما لا يجوز تقديم الأُولى، لأن الكيف فيها أشد من الكيف في الثانية، والمستفاد من الشريعة في الكيف كالمستفاد منها في الكم.

وكذلك الحال لو دار الاضطرار بالزنا بمحارمه أو بالأجنبية، كان الثاني أولى. والأولوية تفهم من النص أو الإجماع أو ما أشبه ذلك، فإن شدة عقوبة الزنا بالمحرم في باب الحد، كاشفة عن شدة حرمته بالنسبة إلى الأجنبية، وكذلك حال الزنا بالراضية والمكرهة حيث إن الثاني أشد.

نعم لو لم يعرف أشدهما وأخفهما كان التخيير، وبعض مواضع الأهم والمهم وإن كان واضحاً إلاّ إن بعض مواضعها الأُخر يحتاج إلى الدقة، كما إذا خيّره بين الزنا بعجوزين أو بفتاة ترغب نفسه إليها دونهما، حيث الأول زيادة في الكم والثاني في الكيف، أو كان هناك أخوان وثالث، قال المكره: لا بد إما من زناهما أو زناه، فهل يقدم الثاني لأنه أقل كماً أو لا، بل تغيير؟ إلى غير ذلك من الأمثلة.

ومن الكلام في المحرّم يعرف الكلام في الواجب، كما إذا خيّره بين ترك الصلاة أو الصوم. وكذلك حال دوران الأمر بين الواجب والحرام، كما إذا خيّره بين شرب الخمر وترك الصّلاة، وقد عرفت مما تقدم عدم الفرق بين جبر الإنسان في نفسه بين أمرين أو بالنسبة إلى غيره، مثلاً جبر الإنسان أن يشرب الخمر الموجب للسكر ساعة أو ساعتين، هذا بالنسبة إلى نفسه حيث يقدم الأول، وبالنسبة إلى الغير كما إذا اضطر الملاح أن يلقي في البحر إنساناً له مائة كيلو أو إنسانين بقدره، حيث يقدم الأول لوضوح أنه إزهاق لنفس، بينما الثاني إزهاق لنفسين، أو اضطر إلى إلقاء قائد الجيش الموجب فقده انكسار الجيش، أو إنساناً عادياً لا يوجب إلاّ فقد جندي واحد، إلى غير ذلك من الأمثلة.

ويأتي الكلام بالملازمة حول أنه، هل يجب على ذلك الإنسان الذي يُراد إلقاؤه في البحر تقديم نفسه لحفظ الإنسانين أو لا يجب عليه، فيجوز له الهرب والاختفاء مما يلقى بسببه النفران؟

لو قيل: بأن الله قدم ذلك ـ لأنه سبحانه إله المجموع ـ وجب عليه تقديم نفسه، ولو لم يقل بذلك فلا دليل على وجوب تقديم نفسه قرباناً لهما.

الجرح والتعديل 

الكلام في الجرح هو الكلام في التعديل لوحدة الملاك وإطلاق الأدلة، والتفصيل بينهما بالاحتياج إلى الشاهدين في الأول، والاكتفاء بالواحد في الثاني، غير ظاهر الوجه. ولذا جرت السيرة على قبول قول الجارح من الرجاليين ولو كان واحداً.

لا يُقال: نرى أنهم متعددون كالشيخ والعلامة، ونحوهما.

لأنه يُقال: المتأخر أخذ من المتقدم، ونادراً ما يوجد نفران جارحان في العرض. وكذلك حال التعديل.

ومن نافلة القول أن نقول: إنه لا اعتبار بجرح أولاد الأئمة وأصحابهم، كما لا اعتبار برمي الخلفاء وأهل تواريخهم شخصاً بالزندقة أو ما أشبه، فإن القرينة العامة تمنع عن العمل بالأصل، بالإضافة إلى القرائن الخاصة في كثير من الموارد.

أما الخلفاء وأهل تواريخهم، فمن الواضح أنهم كانوا يتهمون مخالفيهم بمختلف التهم التي منها الزندقة، حتى يروا أنفسهم محل الصلاح في قتل وتعذيب ومصادرة أموال مخالفيهم. فإن السياسة تجعل من الرسول (ص) كاهناً ومجنوناً وساحراً ومسحوراً، ومن علي (ع) كاذباً وحريصاً على الملك، ومن الحسن والحسين (ع) خارجان عن الدين، ومن الصادق (ع) والباقر (ع) شراً من النصارى واليهود، إلى غير ذلك مما ملأوا تواريخهم به. فهل يعتمد على مثل هؤلاء في أقوالهم وتواريخهم بعد وضوح كذبهم ودجلهم على أطهر عباد الله من المعصومين (ع).

وأما أولاد الأئمة وأصحابهم، فمن الواضح أن السياسة إذا لم تتمكن من رمي نفس الرسول وآله الأطهار بنحو، فإنها تعمد إلى رمي أولادهم وأصحابهم. ويؤيد ذلك أنّا لم نجد خبراً فيه شرائط الحجية في كل تلك التجريحات أخذاً من رميهم عبد الرحمان بن علي (ع)، وإلى رميهم جعفر عم الإمام المهدي (عج).

هذا مع وضوح أن الإرسال في مثل كتاب الطبرسي ونحوه مانع عن الأخذ به، وإن القرائن في نفس تلك التجريحات تمنع من الأخذ والنسبة الشائعة. فهل الإمام لا يخرج من السجن إلاّ وجعفر معه بالنسبة إلى الخمّار المدعي لمقام الإمامة؟ وهل يقول الرسول (ص) أن جعفرَ لقّب بالصادق لأن هناك جعفرَ كاذباً؟ ولا يسأل شخص فلماذا لقب الباقر بالباقر، والهادي بالهادي، والكاظم بالكاظم، والجواد بالجواد؟ فهل هناك أيضاً من لا يبقر، ومن لا يهدي، ومن لا يكظم، ومن لا يجود منهم (ع)، إلى غيرها من القرائن التي لا موضع للكلام فيها.

ومن راجع تاريخ كلماتهم حول المختار، وتاريخ ابن حجلة حول الحاكم الفاطمي، ورأى كثرة تناقضاتهم ورمي الكلام على عواهنه فيهم، لم يشك في ما ذكرناه.

ثم إنه يقبل الجرح والتعديل مطلقين، كأن يقول: فاسق أو منحرف، أو: لا يقبل كلامه أو كاذب، أو يقول: عادل أو ثقة أو صدوق إلى غير ذلك. وذلك لأنه مقتضى إطلاق الأدلة، حيث إن أهل الخبرة مسموعو الكلام بدون ذكر الدليل عند العقلاء، فلا يُسأل من الطبيب من أين تقول أنه مرض كذا؟ أو أن شفاءه يحصل بعد كذا؟ وكذا لا يُسأل عن المهندس من أين تقول في الأربعة المتناسبة إذ ضرب أحد الوسطين في الآخر وقسم على الطرف المعلوم حصل الطرف المجهول؟ وكذا بالنسبة إلى المقوم والفقيه والقاضي وغيرهم.

ولذا قالوا: لو كان من ذوي البصائر بهذا الشأن لم يكن معنى للاستفسار، بل يُعيّر من يسألهم كما إذا سُئل السائق من أين تقول أن طريق النجف نحو الجنوب؟ وللسفّان أن طريق الكراجي نحو الشمال؟ إلى غير ذلك.

فالقول بأنه يستفسر ـ مستدلاً بأنه مع اختلاف المجتهدين في معنى العدالة والجرح وعدد الكبائر وغير ذلك، لا يكفي كونه ذا بصيرة، إذ لعله يبنى كلامه على مذهبه، ولا يعلم موافقته للعالم أو المجتهد ـ غير ظاهر الوجه بعد إطلاق الأدلة وبناء العقلاء، وإلا أتى هذا الدليل في كل أهل خبرة، لوضوح اختلاف الأطباء والمهندسين وسائر الخبراء في كثير من الموازين. بل ينهدم بذلك قول ذي اليد: فمن أين هو يوافق رأي السائل؟ فلعله يرى التطهير بكُرٍ يشمل سبع وعشرين شبراً، ولعله يرى تحريم عشر رضعات، إلى غير ذلك. ولذا جرت السيرة بين أهل الرجال على صِرف الجرح والتعديل ويؤخذ بقولهم فيهما، كما جرت السيرة بين العقلاء على قبول قول أهل الخبرة مطلقاً من دون ذكر السبب، كأهل العلوم من اللغويين والصرفيين والنحويين والبلاغيين، وغيرهم.

عند تعارض الجرح والتعديل

أما اعتبار أن يكون القائل خبيراً، فقد تقدم وجهه في اعتبار أن يكون ضابطاً، وإذا تعارض الجرح والتعديل، فإن كان أحدهما أتقن وأدق أُخذ به، ولا يعتنى بقول الآخر، لأنه بناء العقلاء في تعارض أهل الخبرة، ولذا نراهم يعملون بقول أدق الأطباء في ما تعارض في أن المرض سل أو سرطان إلى غيرهم من أهل الخبرة.

كما أنه إذا كان أحدهما أقوى دليلاً فيما ذكرا الدليلين أخذ به، مثلاً قال أحدهما: إنه لم يره يرتكب معصية في كل يوم يراه طول سنة، وقال الآخر: إنه رآه بعد سنة شرب الخمر، أو رآه في بعض الليالي كذلك، حيث لا يراه الفرد الأول. وفي عكسه قال الجارح: إنه رآه يشرب الخمر، وقال المعدل: إنه يعلم أن شربه للخمر للاضطرار المحلل للشرب، فإن الثاني فيهما أقوى صحة، وإلا تعارضا وتساقطا ويكون كفاقد الجرح والتعديل من المجهولين، إذ لا أولوية لأحدهما على الآخر.

ولو كان بين المعدل والجارح من وجه أو مطلق، لم يقدم أحدهما على الآخر. أما في الأول فواضح، وأما في الثاني فلأنه ليس من الظاهر والأظهر، والنص والظاهر، حيث يقدم الأقوى في باب الأدلة، بل يراه العرف معارضاً، فلو قال أحدهما: كل من في الدار عادل، وقال الآخر: زيد الذي في الدار فاسق، تعارضا في زيد، وإن ذكر أحدهما له بالنص والآخر بالعموم.

وكذلك حال سائر أهل الخبرة، كما إذا قال طبيب: كل من في المستشفى مبتلى بالسل، وقال آخر: إن زيداً الذي فيها ليس فيه سل، ولا فرق في التعارض بينهما، المعاصرة والعدم والاختلاف، فلو فرض أن معاصر فارس القزويني قال: إنه ثقة، وقال النجاشي: إنه ليس بثقة، كان من المعارضة.

ولا يقال: إن المعاصر أعلم لفرض وثاقة النجاشي الذي لا يقول الكلام إلاّ عن الموازين، ولو كان أمكن الجمع بين المعدل والجارح جمع بينهما، كما لو قال الشيخ: إنه ثقة، وقال النجاشي: إنه فاسق، إذ من الممكن أن يكون ثقة يشرب الخمر، كما أن من الممكن أن يكون ثقة مع وقف أو نحوه، ومثله لو قال أحدهما: إنه كان فاسقاً في سنة ألف، وقال الآخر: كان عادلاً في سنة ألف وخمسة، وكذلك حال العكس. وهكذا الحال لو كانا في زمانين وهو في زمانهما، فإنه يقدم القول المتأخر فيه، كما إذا عاصر زيد في سنة مائه، وعمرو في سنة واحد ومائة.

وهل يقدم أحدهما لكثرة العدد، كما إذا عدله اثنان وجرحه واحد؟ بناء العقلاء على ذلك في أهل الخبرة المتعارضة، وأما المشهور بين الفقهاء في الشهود، العدم وإن دل على ذلك بعض الروايات. نعم إذا كثر العددان مع اختلاف بسيط، فليس بناؤهم ذلك، كما إذا عدّله عشرة وجرحه أحد عشر.

نعم لا بناء على التقدم في ما إذا كان مع أحدهما الكيف ومع الآخر الكم، كما إذا كان الأدق واحداً وطرفه اثنين.

العدالة

ثم لا إشكال في أن العدالة كسائر الصفات النفسية ذات مرات، لكن الكلام في أنه هل يختلف المشروط منها في المرجع والقاضي وإمام الجماعة والشاهد؟ قال بذلك بعض فقال بلزوم أن يكون في المرجع أقوى من القاضي وهكذا. وهذا وإن كان قريباً من الاعتبار إلا أن إطلاق اشتراط العدالة فيهم ـ وهي لفظ يؤخذ من العرف ـ ينافي مــا ذكره، ولعل وجه الاعتبار المذكور انصراف الأدلة، فإن من يناط به أموال المسلمين وأعراضهم وأنفسهم يجب أن يكون في أعلى درجات العدالة، بخلاف إمام الجماعة الذي ليس له شأن إلا التقدم في الصلاة.

وهكذا بقي شيء، وهو أنه كما لا يجوز العمل بالخبر دون الفحص عن معارضه، كذلك لا يجوز العمل بقول المزكي أو الجارح بدون الفحص عن المعارض، وذلك للديل الذي ذكروه في الخبر، إذ الإنسان مكلف بالفحص عن حكم الله سبحانه، وذلك كما يأتي في الدلالة وجهة الصدور، كذلك يأتي في السند. فإذا قال الشيخ: ثقة أو ضعيف، لا يمكن الاكتفاء به بدون الفحص في كتب النجاشي وابن الغضائري وغيرهما، فإذا لم يوجد المعارض أو وجد الوفاق فنعم الأمر، وإذا وجد المعارض يجب إعمال ما ذكرناه سابقاً.

ولا فرق بين أن يقول الشيخ: هو ثقة، أو رواه فلان بسند صحيح، أو موثق، في أنه توثيق. أما إذا قال الشيخ مثلاً: حدثني عدل أو ثقة أو ما أشبه مما لا مجال للفحص عنه، أمكن الأخذ به إذ الفحص لا ينتهي إلى نتيجة.

النقل بالمضمون

لا إشكال نصاً وفتوى في جواز نقل الحديث بالمعنى، سواء في نفس لغة العرب أو سائر اللغات، بل على ذلك بناء العقلاء كافة، لكن بشرط أن يكون الناقل عارفاً بمعاني الألفاظ والجمل التركيبية والقرائن المكتنفة بالكلام، مما يحتاج إلى اللغة والصرف والنحو والبلاغة ومعرفة العرف حسب المقدور، وذلك بالإضافة إلى الأدلة الثلاثة المتقدمة، يدل عليه حكايات القرآن الحكيم عن القصص السابقة، فإنها كانت غالباً بغير لغة العرب، لكن لا يقاس عليه حيث أحاطه الله سبحانه باللغات والخصوصيات وإن كان مؤيداً.

أما من منع عن ذلك مطلقاً أو في غير المرادف، فقد استدل باختلاف المزايا مما لا يعلمها إلاّ علام الغيوب وأولياؤه، واشتمال الأصل على المحكم والمتشابه الذي لا يعلمه إلاّ الله والراسخون في العلــم، واشتماله على النص والأظهر والظاهر، وسعة لغة العرب دون غيرها.

وفي الكل ما لا يخفى، إذ بعد تماميتها يردّ بالأهم والمهم، بعد عدم تيسر اللغة لكل متدين من العرب فكيف بغير العرب؟ مضافاً إلى أنه يردّ على الأول أنه، إن أريد باختلاف المزايا الأعم، مما لا مدخلية له في الحكم، ففيه أنه لا يضر، وإن أراد الخاص ففيه عدم تمامية الكلام.

وفي الثاني إن المتشابه إن فسّر في كلامهم فهو، وإلا فالأصل أيضاً غير مكلف به، وحينئذٍ لا حاجة إلى نقله إلى نفس اللغة أو لغة أخرى. ومنه يعرف الجواب عن الثالث والرابع.

ومنه يعلم أنه إذا كان للفظ معنيان كـ(القرء) واستظهر الناقل أحدهما، فالأفضل أن يأتي بالأصل وما فهم من تفسيره، كما أن اللازم محاولة التطبيق بين الأصل والنقل مهما أمكن، مثلاً إذا ورد: (فإذا بقي مقدار ذلك ـ أي مقدار صلاة العصر ـ فقد خرج وقت الظهر)(1)، فإنه لا يفسره بمقدار أربع ركعات، إذ الصلاة في السفر ركعتان، بل صلاة الغريق تسبيحات، إلى غير ذلك.

ولا يخفى أنّا استظهرنا في الأُصول عدم وجود المرادف في لغة العرب بقدر ما تتبعنا، وإنما تختلف الخصوصيات في ما يعتقد أنها مترادفات، مثلاً: ينسب إلى علي (ع) أنه قال: (أنا الذي سمتني ...)(2) أتى بأربعة ألفاظ للأسد، وليست مكررة، بل (حيدر) يقال للأسد حين ينحدر من الجبل ونحوه، و(ضرغام) حين يكون في الأجمة، و(ليث) حين يفترس، و(قسورة) حين يعقب الصيد. على تفصيل ذكرناه في بعض الكتب.

كما أن قولنا: لا بد من معرفة العرف، لأنه بدونه لا يتمكن الإنسان من الفهم، مثلاً: بعض الفُرس يفسرون (الرحمن الرحيم) بـ(بخشنده مهربان)، مع أن وحدة المادة تدل على وحدة المعنى، واللفظان من مادة واحدة، والظاهر أن الفارق: إن الأول مربوط بالظاهر والثاني بالباطن، فمن يعطي زيداً عن ترحم يسمى (رحماناً)، ومن يعطف عليه قلباً يسمى (رحيماً)، فهما في قبال (فظاً غليظ القلب)(3) أحدهما للظاهر، والآخر للباطن. ولو شكّ في التغيير بسبب ابتعاد الزمان، فالأصل عدمه.

ومما تقدم ظهر وجه النظر في استدلال المانع بقوله (ص): (نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها، وبلّغها من لم يسمعها، فربّ حامل فقهٍ غير فقيه، وربّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه)(4)، بضميمة أن أداءه كما سمعه إنما يتحقق بنقل نفس اللفظ، ويقابله نقضاً الاستدلال بما ترجم في زمان الرسول (ص)، مثل قول حسان حسب نظم مقالة الرسول (ص) يقول: (من وليكم وأولى بكم من أنفسكم)(5)، مع أنه ليس لفظ الرسول (ص)، وكذلك قول الشاعر حيث نظم وعظه بقوله :

إلاّ إنما الإنسان ضيف لأهله          يقــيم قلــيلاً فيهم ثم يرحل

إلى غير ذلك.

ولو شكّ في وجود قرينة حالية أو مقالية أو ما أشبه عند الخطاب كان الأصل العدم، ولا يضر به اكتشاف بعض الاشتباهات من هذا النوع، كقوله (ع): (إن الله خلق آدم على صورته)(6)، قيل عندما قال شخص لآخر: (لعنه الله ومن على صورته)، فحيث فقد بعض العامة القرينة الحالية أرجع الضمير إلى (الله) مما سبب التشبيه. والكلام في هذا البحث طويل، موضعه الكتب البلاغية المطولة.

المرسل

لا يقبل المرسل، كما إذا قال: عن رجل، أو: عن بعض أصحابنا ـ فيما إذا لم يصطلح على الثقة بذلك ـ ولا المقطوع بأن حذف الواسطة، كأن يروي إنسان عن محمد بن مسلم وبينهما قرن من الزمان، ولا ما لم يذكر فيه المعصوم، لعدم شمول أدلة الحجية لأمثالها، إلا إذا كان المرسل لا يرسل إلاّ عن الثقة أو من أصحاب الإجماع أو قامت الشهرة ولو الفتوائية على طبقه ـ حيث الظاهر من قوله (ع): (فإن المجمع عليه لا ريب فيه)(7) الملاك ـ ومثله حال المقطوع وغير مذكور الإمام، فإنه إذا أعلن بأنه لا يروي إلا بواسطة ثقة أو لا يروي إلا عن الإمام كفى.

ومنه يعلم أن القولين الأخيرين بالقبول مطلقاً، لأن رواية الثقة تكفي وإلا كان تزويراً، أو الرد مطلقاً، لأن شرط قبول الرواية معرفة عدالة الراوي أو وثاقته، والعدالة أو الوثاقة عند الراوي لا تلازم إياهما عندنا، غير ظاهر الوجه، بعد أن التزوير أخص فلا يستدل به على الأعم، و(ثقاتنا) يشمل مثل رواية ابن أبي عمير الذي يُعرف أنه لا يرسل إلا عن ثقة، وقد تقدم. إلى غير ذلك.

ويأتي مثل هذا الكلام في الدلالة والقرائن المحيطة بالظواهر، فإنا نجد أُلوف الأوامر والنواهي في مختلف أبواب الفقه ظاهرها الوجوب والتحريم، لكن العلماء لم يعملوا بظواهرها وإنما حملوها على الفضيلة فعلاً أو تركاً، فلو كان المعيار علمنا لزم إضافة كثير من الواجبات والمحرمات، بل إنما اللازم الاعتماد على فهمهم من جهة ما وجدوه من القرائن.

وكذلك حال فتوى الفقيه في باب التسامح في أدلة السنن مما لم نجد به دليلاً، نعم يجب أن لا يوجد الدليل على خلافه، كما في (وضع الخاتم تحت لسان الميت) الذي أفتى به (العروة) فإنه ليس من مصاديق أدلة التسامح، والرجاء في مثل ذلك إن أريد به مصداق (ابتغوا إليه الوسيلة)(8) وما أشبه، كان منطبقاً وإلا فليس من الرجاء المعهود في اصطلاحهم. ثم إن ما يروى من أحاديث أبي هريرة ونحوها في كتبنا، الظاهر أنهم ذكروها لاكتنافها ببعض القرائن، وإلا فحال أمثاله أشهر من أن يذكر. وعليه فلا بأس بالعمل بها كما هي سيرة علمائنا، كأعمال ليلة الرغائب ونحوها.

ومما تقدم يظهر الكلام في اعتمادنا عليهم في جهة الصدور، إذا لم نتمكن نحن من الفحص لوحدة الملاك والدليل في كل من السند والدلالة وجهة الصدور.

المجهولون من الرواة

ذكر المؤرخون أن أصحاب رسول الله (ص) مائتين وخمسين ألف، وأن المسلمين في زمانه سبعة ملايين من مائة وخمسين مليون كل بشر ذلك اليوم، أي ما نسبته إلى الكل كواحد في واحد وعشرين تقريباً، والتواريخ عامة وخاصة ساكتة عن أحوال الكثرة الكثيرة منهم، بل أكثرهم لا يعرف له حتى الاسم، ومن يعرف له الاسم أكثرهم مجهولون، وأكثر من ذكر العامة من غير المجهولين عندهم مجهولون عندنا.

والأصل في الصحابة عند العامة العدالة، لكن ذلك ينافي ما تكرر في القرآن الحكيم من نفاق المنافقين وفي السنّة، حتى عند السنّة من أخبار عرضهم عليه (ص) في الحوض، إلى غير ذلك من المباحث الكلامية المشهورة.

وعلى هذا فلا يمكن الاعتماد على الصحابي إلا إذا ثبت وثاقته، وحديث: (أصحابي كالنجوم)(9) مختلق وُضع أمام حديث: (مثل أهل بيتي مثل النجوم)(10). كما وُضـــع حديث: (سيدا كـــهول)(11) و(فلان سقفها)(12) في مثال حـــديث: (سيدا شباب)(13) و(علي بابها)(14). وحديث العلم الإجمالي بنفاق جملة من الصحابة ولا يعلم أعيانهم، كان اللازم الاجتناب إلا عن من علم وثاقته، قال سبحانه: (اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم)(15) حيث أوجب سبحانه الاجتناب للعلم الإجمالي بإثمية بعض الظن، والاجتناب في مورد العلـــم الإجمالي هو المـــشهور قديماً وحديثاً نصاً وشهرةّ، قال (ع): (يهريقـــهما ويتيمم)(16) على ما فصلوه في الأصول.

أسباب الجهالة

وللجهالة أسباب، منها: أن عمر منع عن الكتابة ودام ذلك ـ في غير الشيعة الذين كانوا مضطهدين ومهاجمين أيضاً ـ إلى زمان عمر بن عبد العزيز حيث أجاز الكتابة، وبعد موته رجع الأمر إلى ما كان حتى في زمان العباسيين، بل وزاد الأمر مشكلة رواج وضع الحديث لا من زمان معاوية فحسب، بل من قبله أيضاً وإنما في زمانه قوي الوضع قوة شديدة، حتى أن العامة بأنفسهم ذكروا هذا الأمر، فنرى البخاري يختار كتابه الذي لا يحتوي على أكثر من زهاء ستمائة ألف حديث مع أنه كان قريب العهد بزمان النبوة، أي في زمان الإمام العسكري (ع).

وإذا كان هذا حال الصحابة الذين أسلموا على يد الرسول (ص) وسمعوا حديثه وخدموه، فكيف يكون حال التابعين الذين ربّاهم أمثال معاوية؟!

لا يُقال: إذا كان الأمر كذلك، فكيف تقدّم الرسول (ص) ذلك التقدّم الهائل، وهل يمكن التقدم بالمنافقين؟

لأنه يُقال: كلامنا في مرحلة الإثبات لا مرحلة الثبوت، فلا شك أنه كان مع الرسول (ص) كثرة كبيرة من المخلصين، أما المعرفة بهم فانسد طريقها بسبب تغير السلطة ومنع الكتابة، بالإضافة إلى حصول التغير في غير واحد منهم، كما أخبر القرآن الحكيم بقوله: (أفإن مات أو قتل)(17).

أما حديث: (ارتد الناس)(18)، فالظاهر أنه مختلق، أو محمول على بعض ما لا ينافي القطع، إذ نعلم أن الإرهاب أسكت الناس وغير واحد عارضوا، أمثال مالك بن نويرة وقبيلته، هذا بالإضافة إلى أن الارتداد لم يشمل غير أهل المدينة. وفي حديثٍ أن الإمام (ع) أنكر صحة حديث: (ارتد الناس إلا كذا)(19).

العمل بالأخبار

المعايير في العمل بالخبر أحد أمرين:

الأول: وثاقته ـ عندنا ـ بدون إعراض المشهور عن دلالته، أو إشكالهم لجهة صدوره، أما المستثنى منه فلإطلاقات الأدلة كما عرفت، وأما المستثنى فلأن الإعراض عنه كاسر كما أن الأخذ به جابر، وذلك لأنه يكشف عن خللٍ فيه أو قوة ـ كما سيأتي ـ والأول يرفع الوثوق المطلوب كما يفهم من قوله (ع): (ثقاتنا) وغيره، والثاني يوجب الوثاقة المطلوبة.

الثاني: عمل المشهور به، وإن لم يكن معتمداً عندنا، فيشمله ملاك (فإن المجمع عليه لا ريب فيه)(20)، كما يشمل الإعراض قوله (ع): (ويترك الشاذ)(21)، وقوله (ع): (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)(22)، وما أشبههما.

وإذا جاز الاعتماد، لا ينظر إلى أن أيّ الخبرين أقوى سنداً في مورد التعارض، كما ذكر في بحث التعادل والترجيح، كما لا ينظر في تعارض الشهود أن أيّهما أقوى ملكةً، وما أشبه.

تصنيف العلامة للأخبار

والمشهور أن العلامة صنف الخبر ـ باعتبار اختلاف أحوال رُواته في الاتصاف بالإيمان والعدالة والضبط، وعدمها ـ إلى أربعة أنواع:

الأول: الصحيح، وهو ما كان جميع سلسلة سنده إماميين ممدوحين بالتوثيق، مع الاتصال.

الثاني: الحسن، وهو ما كانوا إماميين ممدوحين بغير التوثيق كلاً أو بعضاً مع توثيق الباقي، فإنه في عدم توثيق الكل أو عدم توثيق البعض فالنتيجة كما قالوا تابعة لأخس المقدمتين، ومرادهم بذلك أنه لا يرتب عليه أثر غير الأخس لا أنه حقيقة كذلك، إذ لا يعقل التساوي بين الضعيف من كل الجهات، والضعيف من بعض الجهات، لوضوح أن الاعتبار غالباً على نحو المقولة الحقيقة ـ مع فارق الحقيقة والاعتبار ـ ، فإنه إذا وضع السقف على أعمدة من حديد كان للسقف عمر كذا، فإذا وضع على أعمدة من خزف كان له فرضاً نصف عمره، فلو فرض أن وضع على أعمدة نصفها حديد ونصفها خزف كان له ثلاثة أرباع العمر الأول. فقولهم: (الأخس)، لا يعني أنه كأعمدة الخزف، بل يعني أنه ليس كأعمدة الحديد، وإلاّ لزم التساوي فيما لا تساوي له وهو خلف. وإذا كان في الحقيقة كذا يكون في الاعتبار مثله، ومرادنا بالاعتبار في المقام الأعم من الانتزاع، إذ الغالب أن العقلاء يعتبرونه على نحو الحقيقة وإن صحّ أن يعتبروا على غير نحوه. أما الانتزاع فلا يعقل إلا أن يكون على نحو الحقيقة، توضيحه: إن المعتبر يعتبر غالباً أن نصف الشيء له نصف القيمة، لكنه يصح أن يعتبره مساوياً للشيء، أو له أكثر من النصف أو أقل، إذ الاعتبار بيد المعتبر يعتبره كيف ما شاء.

أما الانتزاع فليس بيده، فهل يُعقل أن يعتبر الأربعة فرداً أو الثلاثة زوجاً؟ وما نحن فيه من قسم الانتزاع الاصطلاحي، فإن البقاء للسقف الحديدي ضعف البقاء للسقف الخزفي، ولا يعقل أن يكون البقاء للسقف المشكّل منهما كأحدهما، أو كشيء ثالث غير المنصف منهما.

وما نحن فيه من الخبر المشكّل من القوي والضعيف، إن لوحظ باعتبار الواقع كان له بعض القوة بالنسبة، وإن لوحظ باعتبار اعتبار المعتبر كان كالضعيف في عدم الحجية مطلقاً. ومن الاستطراد في الاطّراد القول: بأن قول المنطقيين بدون الشرائط المذكورة في باب الأقيسة لا ينتج القياس، يراد به الكلية، وإلا قد ينتج مثلاً شرط الشكل الأول (مغكب)، فإذا قلنا: زيد حُر ـ وبعض الأحرار بيض ـ أمكن استفادة بياض زيد فيما إذا كان في الواقع كذلك، لكن النتيجة ليست كلية وإنما يجب أن تعرف من الخارج.

الثالث: الموثق، وهو ما كان كلهم أو بعضهم غير إمامي مع توثيق الكل، وقد يسمى بالقوي أيضاً، وقد يطلق القوي على ما كان رجاله إماميين مسكوتاً عن مدحهم وذمهم، كأحمد بن عبد الله بن جعفر الحميري.

الرابع: الضعيف، وهو ما لم يكن فيه شروط أحد الثلاثة. والصحيح والموثق حجة، أما الحسن فليس بها إلا إذا أفاد مدحه التثبت، فيشمله قوله (ع): (حتى يستبين)(23)، بل وقوله تعالى: (فتبينوا)(24)، إلى غير ذلك، أو عملوا به فيسمى مقبولاً. وقد عرفت أن الشهرة جابرة، وهناك تفصيل في ما ذكرناه واصطلاحات أخرى محلها علم الدراية والرجال.

ثم إن هذا الاصطلاح منسوب إلى المتأخرين ولم يكن معروفاً عند القدماء، بل كانوا يطلقون الصحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه ـ مما سنذكر جملة منها ـ وإنما اختلف الاصطلاحان لاختلاف المبنَيين، فإن القدماء كان مبناهم في باب التعارض الأخذ بمقتضى الروايات العلاجية أو التخيير، كما أختاره الكليني، ولذا لم يكن مهماً عندهم أقسام الحديث المعتمد عليه.

أما المتأخرون فكثير منهم اعتمدوا على الترجيحات المستنبطة وإن لم تكن منصوصة، كما ذُكر وجه ذلك الشيخ المرتضى في باب العلاج. ومن المعلوم أن المبنى المذكور ينتهي إلى ترجيح الصحيح على الآخرين، وترجيح الحسن على الموثق باعتبار الإمامية، حيث قال (ع): (لا تأخذ دينك عن الخائنين)(25)، وقال (ع) بالاجتناب حتى لا يكون حكامهم إليه أميل أو عكسه، باعتبار أن الأصل في الخبر الوثاقة وهي حاصلة في الموثق دون الحسن ـ على اختلاف الرأيين ـ .

وعلى أي حال فإن القدماء كانوا يطلقون الصحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه من القرائن، كتكرره في أصل، أو وجوده في أصلين أو أكثر، أو وجوده في أصل أحد من الجماعة الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم، أو أجمعت العصابة على تصديقهم أو على العمل بروايتهم ـ كعمار الساباطي ـ ، أو وقوع الرواية في أحد الكتب المعروضة على الأئمة (ع) فأثنوا على مؤلفيها ـ ككتب الحلبي، ويونس، وابن شاذان ـ ، أو كونه مأخوذاً عن أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليهم ـ ككتاب ابن مهزيار ـ أو كونه فيما قال الإمام عنه: (خذوا بما رووا)(26)، أو ما أشبه ذلك.

كما أن من أسباب الوثاقة ـ عندهم ـ قولهم: عين، أو وجه، أو من وجوه أصحابنا، أو أوجه من فلان. فيما كان المفضّل عليه ثقة، أو كون الراوي من مشايخ الإجازة، أو كونه وكيلاً لأحد الأئمة الأئمة (ع) خصوصاً في أمور الدين ـ إلا إذا علم بانحرافه بعد ذلك، كعلي بن حمزة ـ ، أو رواية بعض الأجلاء عنه مما يستبعد عرفاً روايتهم عن الضعفاء خصوصاً الذين لا يروون رواية الضعفاء، أو يروي عنه الذين قال العلماء فيهم: إنهم لا يروون إلا عن ثقة ـ كصفوان، والبزنطي ـ أو كان ممن اعتمد القميون عليه، أو وقوعه في سندٍ قُدِحَ في غيره، مما يدل أنه غير مقدوح، أو كأن الرواية موجودة في (الكافي) و(من لا يحضر الفقيه) لما ذكر في أولهما.

وقد تقدم الجواب عن إشكال أن من المحتمل اختلاف نظرنا ونظرهما في الوثاقة، وإذا انضم إليهما كتابا الشيخ كان أقوى، وكذا إذا أكثر الكليني الرواية (عن رجل) أو (الفقيه)، أو كانت الرواية معمولاً بها عند السيد وابن إدريس ممن لا يجوّز العمل بخبر الواحد، إلى غيرها من القرائن الكثيرة المذكورة في كتب الرجال. وقد ذكر الحاج النوري (ره) جملة من ذلك بتفصيل، كما سبقه إلى ذلك (القوانين) وغيره. فمن أراده راجعها.

 

1 ـ الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت ح 7.

2 ـ بحار الأنوار: ج21، ص9.

3 ـ سورة آل عمران: الآية 159.

4 ـ الكافي: ج 1 ص 403 ح 1.

5 ـ الكافي: ج 1 ص 295 ح 3.

6 ـ الكافي: ج 1 ص 134 ح 4.

7 ـ الكافي: ج1 ص 68 ح 10.

8 ـ سورة المائدة: الآية 35.

9 ـ البحار: ج 23 ص 156 ح 118.

10 ـ البحار: ج 24 ص 82 ح 32.

11 ـ النهاية: ج 4 ص 213 مادة (كهل).

12 ـ الصوارم المهرقة ـ للقاضي التستري ـ ص 132.

13 ـ البحار: ج 43 ص 237 ح 2.

14 ـ الوسائل: ج 18 ص 20 باب 5 من أبواب صفات القاضي ح 11.

15 ـ سورة الحجرات؛ الآية: 12.

16 ـ الوسائل: ج 1 ص 124 باب 12 من أبواب الماء المطلق ح 1.

17 ـ سورة آل عمران؛ الآية: 144.

18 ـ البحار: ج 22 ص 352 ح 80.

19 ـ البحار: ج 22 ص 352 ح 80.

20 ـ الكافي: ج 1 ص 68 ح 10.

21 ـ الكافي: ج 1 ص 68 ح 10.

22 ـ الوسائل: ج 18 ص 122 باب 12 من أبواب صفات القاضي ح 38.

23 ـ الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4.

24 ـ سورة النساء، الآية: 94.

25 ـ أنظر الوسائل: ج 18 ص 109 باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 42.

26 ـ الوسائل: ج 18 ص 72 باب 8 من أبواب صفات القاضي ح 79.