الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

الكلام في أقوال أولاد الأئمة (عليهم السلام)

الظاهر حجية أقوال أمثال: العباس، وعلي الأكبر، وزينب، والسيدة المعصومة ومن أشبههم (ع). لقطعنا بأنهم لا يقولون إلا ما تعلّموه من المعصومين، خصوصاً وقد قرأ الحسين (ع) بالنسبة إلى ولده: (ذرية بعضها من بعض)(1)، وقال بالنسبة إلى العباس: (بنفسي أنت)(2)، وقال السجاد (ع) بالنسبة إلى عمته: (وأنت بحمد الله عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة)(3)، وورد في حق المعصومة (ع) إن: (من زارها وجبت له الجنة)(4). فإيثار العباس دليل على استحباب الإيثار، بالإضافة إلى الأدلة الأخرى، كما أن خطبة العقيلة ونطحها جبينها دليل على ما يدلان عليه، إلى غير ذلك.

أما بالنسبة إلى الملائكة، فالظاهر عدم الإشكال في حجية كلامهم، خصوصاً وقد كان الرسول (ص) يقول لجبرائيل: (غطني)، والسيدتان فاطمة الزهراء ومريم البتول، لا شك في حجية أقوالهما لعصمتهما، كما سبق الإلماع إليه.

بل لا يبعد التعدي من الأولين إلى أمثال سلمان وأبي ذر ونحوهما، خصوصاً بعد قول الرسول (ص) في حق الأول أنه: (منا أهل البيت)(5)، وفي حق الثاني: (ما أظلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر)(6)، بل قوله في حق عمار: (مؤمن مُلئ مشاشه إيماناً)(7).

كما أن المعصومين قولهم وفعلهم حجة بالنسبة إلى النساء، كذلك الصديقة الطاهرة قولها وفعلها حجة بالنسبة إلى الرجال، للاشتراك في التكليف.

وإني لم أجد عن السيدة المعصومة (ع) ما يكون دالاً على حكم، لكن شهادة الأئمة (ع) بأن: (من زارها وجبت له الجنة)(8)، تدل على أرفع مقام، بل تجعلها قريبة من المعصومين. وعلى اصطلاح بعضهم أن أمثالها لهم العصمة الصغرى، ومعناها الملكة القوية جداً، وإن لم تكن كملكة الأنبياء والأئمة والصديقتين الزهراء ومريم (ع).

القول في نهج البلاغة والصحيفة و… 

من السنّة والروايات نهج البلاغة، فإنها وإن لم تُذكر أسنادها، إلا أن وثاقة الرضي الذي ليس أقل من ابن أبي عمير ـ إن لم يكن فوقه ـ يجعله مثله، في كون مراسيله كالمسانيد. ولذا لم يزل الفقهاء يعتمدون عليه قولاً وتقريراً.

وكذلك من السنة المعتمدة الصحيفة السجادية، وما في بعض سندها من قول الراوي: (إنهم للعلم وإنّا للسيف)(9) غير ضار، لأنه من التقية كما لا يخفى، كما أن ما قال الشعراء بحضورهم ـ سواء جعلوا كلامهم شعراً أمثال شعر حسان بن ثابت حول مقالات النبي (ص)، أو ابتدأوا بالشعر أمثال أشعار الفرزدق ودعبل ونحوهما ـ يكون من التقرير الذي يجعله حجة.

ثم لا يخفى أن هناك فرقاً بين أن يكون الكتاب حجة، أو المؤلف حجة لا يذكر في كتابه إلا الحجة، مثل الكليني والصدوق. فإن الثاني يؤخذ به ما لم يظهر خلافه، والقول بأن من الممكن الاختلاف الاجتهادي بين الكليني والصدوق في حجية السند، وبين رأينا في ذلك، فلا يمكن الاعتماد عليه، أو أنا وجدنا بعض الروايات الضعيفة في الكتابين فلا يمكن الاعتماد الكلي عليهما، غير وارد، إذ لو جرى هذا الإشكال لكان حال الرجاليين ـ ولو كانــوا في كمال الوثاقة ـ حال ذلك، فمن أين أن الشيخ والنجاشي وابن طاووس وغيرهم لم يختلفوا عنّا في خصوصيات العدالة والوثاقة؟ ووجداننا لبعض الروايات الضعيفة كالاستثناء لا يضر بالمستثنى منه. نعم لا صحة لما يقال: (الكافي كافٍ لشيعتنا)، فإنه ليس من الرواية بشيء، ولعله اشتبه من قولهم (ع) في (كهيعص)(10): (كاف كافٍ لشيعتنا) أي أن هذا اللفظ رمز من الله لكفاية أمر الشيعة بشرط تحقق الموضوع، كما هو شرط في كل حكم يراد بناؤه على موضوع، سواء من الأحكام الشرعية أو غيرها.

تعبّد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة

قد يتكلم حول تعبد النبي (ص) قبل البعثة بدين نفسه وحياً من جهة الكلام، وقد يتكلم حوله من جهة الحجية والأسوة والذي عليه الإمامية، ودلت عليه الأدلة القطعية إنه (ص) كان قبل البعثة متعبداً بشريعة نفسه الموصى إليه من قبل الله سبحانه، لكنه لم يكن رسولاً، لما ذكر في الكلام من أن بين النبي والرسول العموم المطلق، وقد قال (ص): (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)(11)، فقول بعض العامة بأنه لم يكن متعبداً بشيء إطلاقاً ـ مستدلاً بقوله تعالى: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان)(12)، وقوله: (ووجدك ضالاً فهدى)(13)، أو كان متعبداً بشريعة نوح أو إبراهيم أو موسى أو عيسى أو كل الشرائع من كلٍّ أحسنه، مستدلين بقوله سبحانه: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم)(14)، وقوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً)(15)، أو أن دين موسى كان آخر الأديان قبله (ص)، وإنما عيسى مكمل له لقوله سبحانه (ولأُحلّ لكم بعض الذي حرم عليكم)(16) بضميمة، فاللازم أن يكون متعبداً به، أو أن عيسى هو آخر نبي يفرض على الناس اتّباعه ولا يكون النبي (ص) أقل من سائر الناس، أو أنه كان آخذاً بأحسن كل الشرائع لقوله سبحانه: (فبهداهم اقتده)(17)، أو ما أشبه ذلك ـ غير تام.

إذ بالإضافة إلى الآيات والروايات الدالة على تعبده (ص) لا يمكن أن لا يكون متعبداً، وإلاّ لزم أن يكون كسائر الجُهّال ـ والعياذ بالله ـ أو أسوأ حالاً من النصارى الذين كانوا على دين عيسى.

أما (ما كنت تدري) فواضح أن الدراية من الله، والممكن بنفسه لا يعلم شيئاً، و(ووجدك ضالاًّ) معناه: أنه كالجوهر الذي يضل في تيهٍ حيث كان المشركون لا يعرفون قدره.

أما الآيات المتقدمة، فالمراد بها: أصول العقائد والأخلاق، والعبادة والمعاملة المشتركة بين الجميع، ولذا قال سبحانه: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه)(18). وتفصيل الكلام في ذلك في كتب الكلام.

الاختلاف في أقوالهم (عليهم السلام)

الاختلاف في أقوال المعصومين (ع) وسيرهم على نوعين:

الأول: الاختلاف الذي يلزم أن يعالج ببحث التعادل والترجيح، مثل الروايتين: (ثمن العذرة من السحت)(19)، و(لا بأس ببيع العذرة)(20)، إلى غير ذلك.

الثاني: لاختلاف الموضوع، وليس هو من الاختلاف المصطلح الذي يحتاج إلى العلاج، بل يحتاج ـ عقائدياً ـ إلى فهم مختلف الظروف والشرائط، وحكم هذا الاختلاف حكم القصر والتمام من الاختياريين أو حكم الاختيار والاضطرار من الحكمين الطوليين. وقد أوجز ذلك بعض العلماء: بأن الإنسان الذي يريد هدفاً خاصاً قد يلزمه السير نهاراً وليلاً، براً وبحراً، جبلاً وسهلاً، غابة ومسطحاً، فهو يحتاج في الليل إلى الضياء، وفي البحر إلى السفينة، وفي الغابة إلى السلاح، وفي الجبل إلى المصعد، وهكذا. والمعصومون يمثلون تلك الأدوار، فقد صالح الحسن (ع) كما صالح الرسول نفسه (ص) في الحديبية، وحارب الحسين (ع) ـ كما يسير في الغابة حيث يحتاج إلى سلاح يدفع به الأعداء ـ كما حارب الرسول (ص) الذين جاءوا لقتاله، ونشر السجاد (ع) الدعاء وقام بالتربية، وقام الباقران (ع) بنشر العلوم والمعارف، وهكذا. مع أن الهدف واحد والسائر واحد، وإنما الاختلاف بالزمان والمكان والظروف والشرائط والخصوصيات.

ولا يخفى أنه مع تشخيص الموضوع يلزم اتباع ذلك الإمام الذي كان له ظرف مشابه فعمل ما عمل حسب ظرفه، وقد تختلف الاجتهادات في أن الظرف مثل ظرف أيهم؟ فاللازم الجهد للتشخيص فيعمل حسبه، وللمصيب أجران: أجر الانقياد، وأجر مطابقة الواقع، وللمخطئ أجر، أجر الانقياد.

القول في الرؤيا

الرؤيا ليست حجة على المشهور، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه، بل لو اعتمد على الرؤيا لزم دين جديد، حتى أن القائل بحجية الظن إنما يقول بها لو فرض حصوله من الطريق المتعارف، وإلاّ فهل يقول به إذا حصل من طيران الغراب وجريان الميزاب؟ ولذا نرى أن الانسدادي يستدل بالأدلة الأربعة فقط في كلماته. نعم قال صاحب (القوانين) ـ بعد استشكاله في الحجية ـ : مع أن ترك الاعتماد مطلقاً، حتى فيما لو لم يخالفه شيء، أيضاً مشكل، سيما إذا حصل الظن بصحته، وخصوصاً لمن كان أغلب رؤياه صادقة.

أقول: وكلامه هذا فيه تدافع، فما معنى (مطلقاً)، فهل يقول بالحجية إذا لم يخالفه شيء ولم يحصل الظن؟ وما معنى (خصوصاً)، فهل الغلبة توجب الحجية؟

ويدل على العدم ـ بالإضافة إلى حصر الأمر في الثقلين، وليس هذا من الثقلين قطعاً، وأنه يوجب التهافت حيث يرى أحدهما ضد ما رآه الآخر، وأنه يوجب اختلال النظام حيث يرى إن فلاناً سرق متاعه، أو قتل بعض أقربائه، أو زنى ببعض نسائه، إلى غير ذلك ـ الأخبار المتعددة الصريحة أو الملوّحة بالعدم، مثل الأخبار الدالة ـ في باب الآذان ـ : (إن دين الله سبحانه أعز من أن يرى في النوم)(21)، وما دلّ على أن فاطمة (ع) رأت الشيطان كما فسره رسول الله (ص)، في قصة أكلهم اللحم المسموم.

رؤيا المفيد حيث رأى فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) ومعها الحسنين (ع) وقالت له في المنام: يا شيخ، علمهما الفقه. بينما ظهر أنها زوجة الناصر والولدان الرضي والمرتضى. ورؤيا المحقق حيث أخرج المجنون من المسجدن مع إنها (ع) أمرته في المنام بعدم إخراجه، وقولها له بعد ذلك: أنت المحقق. إلى غير ذلك.

وبذلك تبين أن ما يمكن أن يستدل به للاحتمال المذكور بين ضعيف السند، وضعيف الدلالة، ومتروك العمل قطعاً، وبعضها محتمل التقية، مثل رواية ابن فضال عن الرضا (ع)، أنه قال رجل من أهل خراسان: يا بن رسول الله رأيت رسول الله (ص) في المنام ـ إلى أن قال ـ : إن رسول الله (ص) قال: (من رآني في منامه فقد رآني، لأن الشيطان لا يتمثل في صورتي)(22)، ورواية التمر الصيحاني مع الإمام الرضا (ع) حيث قال: (لو زادك جدي رسول الله (ص) لزدناك)(23)، ورواية سليم بن قيس عن أمير المؤمنين (ع) في حديث: (من رآني نائماً رآني يقظاناً)(24)، وفي معناه رواية أخرى من طريق العامة، ورواية هاشم بن سالم عن الصادق (ع) قال: سمعته يقول: (رأي المؤمن ورؤياه في آخر الزمان على سبعين جزءً من أجزاء النبوة)(25)، وعن معمّر بن خلاد عن الرضا (ع) قال: (إن رسول الله (ص) كان إذا أصبح قال لأصحابه: هل من مبشرات؟)(26)، أي رؤيا تبشر.

لا يُقال: فكيف ذكرت رُئيّات في القرآن الحكيم، كرؤيا إبراهيم ويوسف والملك وصاحبيه في السجن، ورؤيا الرسول (ص) دخول المسجد الحرام، والشجرة الملعونة؟

لأنه يُقال: أما الأنبياء كالأوصياء رؤياهم وحي، وإما الملك وصاحبا السجن فمن المعلوم أن الأنبياء والأوصياء يعلمون صحيح الرؤيا من الفاسدة ومن المختلطة، فليس يقاس ذلك بسائر الناس الذين ليسوا كذلك. هذا بالإضافة إلى أن الرؤيا تحتاج إلى التفسير الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم.

وقد رأى إنسان شخصاً من خشب، على فرس من خشب، وبيده سيف من خشب يلوح به في الهواء، فقال له الصادق (ع): (اتقِ الله ولا تأكل أموال الناس)(27) إلى غير ذلك. ولذا فسّر يوسف الرؤيا وغير الرؤيا على حد سواء.

لا يقال: فكيف فسّر غير الرؤيا؟ لأنه يقال: الكلام قد يدل على المستقبل، حيث يجري على لسان الإنسان تلقائياً.

 

1 ـ سورة آل عمران؛ الآية: 34.

2 ـ الطبري: ج 6 ص 237.

3 ـ الاحتجاج: ج 2 ص 31 خطبة السيدة زينب (ع).

4 ـ البحار: ج 99 ص 267 ح 5.

5 ـ البحار: ج 22 ص 326 ح 28.

6 ـ البحار: ج 22 ص 329 ح 38.

7 ـ البحار: ج 22 ص 319 ح 4.

8 ـ البحار: ج 99 ص 267 ح5.

9 ـ أنظر الصحيفة السجادية ص 5 من منشورات المستشارية الثقافية الإيرانية بدمشق.

10 ـ سورة مريم؛ الآية: 1.

11 ـ بحار الأنوار: ج16، ص402.

12 ـ سورة الشورى؛ الآية: 52.

13 ـ سورة الضحى؛ الآية: 7.

14 ـ سورة النمل؛ الآية: 123.

15 ـ سورة الشورى، الآية: 13.

16 ـ سورة آل عمران؛ الآية: 50.

17 ـ سورة الأنعام؛ الآية: 90.

18 ـ سورة البقرة؛ الآية: 130.

19 ـ الوسائل: ج 12 ص 126 باب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 1.

20 ـ الوسائل: ج 12 ص 126 باب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 2.

21 ـ الكافي: ج3، ص482.

22 ـ الفقيه: ج 2 ص 350 باب 217 ح 33.

23 ـ أمالي المفيد: ص 336 ح 6.

24 ـ البحار: ج 58 ص 211.

25 ـ الكافي: ج 8 ص 90 ح 58.

26 ـ البحار: ج 58 ص 177 ح 39. والكافي: ج 8 ص 90 ح 59.

27 ـ بحار الأنوار: ج 58 ص 163 ح 12.