الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

اشتراك الإناث والذكور في التكليف

ما ورد في السنة وقبلها في القرآن الحكيم من ألفاظ (جمع الذكور) وما أشبه مثل: (يا أيها الذين آمنوا)(1)، و(هدى للمتقين)(2)، و(إنما المؤمنون الذين إذا ذُكــــر الله وجلت قلوبهم)(3)، وما أشبه يــعم الذكور والإناث. ومثله قولـــهم (ع): (يعيد)(4)، و(لا يعتد بشكه)(5)، و(لا ينقض اليقين بالشك)(6)، وذلك للإجماع على الاشتراك في التكليف إلاّ ما خرج، ولذا لم يشك أحد من الفقهاء في كون الإطلاقات والعمومات شاملة للصنفين، وكذلك الخنثى إذا قيل إنه طبيعة ثالثة، بل يشمل ذلك حتى لفظ (الرجال) مثل: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)(7)، وكذلك المبهمات، مثل: (من روى حديثاً).

ولا يستبعد أن يشمل لفظ (النساء) للذكور أيضاً، إذا لم تكن قرينة للخصوصية مثل خطاب القنوت لمريم (ع)، وإنما جاء الأكثر بلفظ (الذكور) لأنهم المبتلى بهم غالباً، حيث النساء يُدرن شأن الوضع والحمل والبيت ونحو ذلك.

ويؤيد ذلك، بل يدل عليه قوله سبحانه: (اهبطوا بعضكم لبعض عدو)(8) شمل حواء أيضاً، وقوله سبحانه: (ادخلوا الباب سجداً)(9) حيث شمل نساء بني إسرائيل.

لا يُقال: إنه بالقرينة، كما في الآية الأولى.

لأنه يُقال: إذا كان الخطاب لم يقيد شمل الإناث أيضاً ـ عرفاً ـ ولا يأتي الإشكال في الآية الثانية.

ولا يُقال: نرى في بعض الآيات ذكر الرجال والنساء، ولو كان الجمع يشمل لم يحتج إلى ذكرهن، مثل قوله سبحانه: (إن المسلمين والمسلمات)(10).

لأنه يُقال: السر هو ما روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله إن النساء قلن: ما نرى الله ذكر إلاّ الرجال(11)، فأنزل الله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات) مما يظهر منه إنه جبر لخاطرهن.

ومنه يعلم شمول الخطابات للصغار أيضاً، وإن لم يكن التكليف واجباً عليهم، سواء كان بلفظ الذكور، أو الإناث، أو المبهم، أو مثل: (الصبيان). ولذا لم يشك المشهور في شموله للصبايا في باب الحج، وإن أشكل عليه (المستند) لكنه ليس على ما ينبغي، كما ذكرناه في كتاب الحج.

السنة تؤيد الدليل العقلي

السنة تؤيد الدليل العقلي، وإن كان الدليل العقلي لا يحتاج إلى التأييد، فإن العقل شبه ما بالذات، وما بالغير يحتاج إليه، لا أنه يحتاج إلى ما بالغير. وكلما خالف النقل العقل القطعي أخذ بالثاني وأوّل الأوّل مثل: (ومن كان في هذه أعمى)(12)، و(الرحمن على العرش)(13)، وما أشبه ذلك. هذا بالإضافة إلى النقل الذي دل على ما دل عليه العقل.

والروايات في هذا الباب متواترة نذكر بعضها: ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) قال: (لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إليَّ منك ولا أكملتك إلاّ فيمن أحب، أما إني إيّاك آمر، وإياك أُنهي، وإيّاك أُعاقب، وإياك أُثيب)(14).

وخبر هشام، قال أبو عبد الله (ع): (لمّا خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إليّ منك، بك أعطي، وعليك أُثيب)(15).

وخبر محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) قال: (لمّا خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسن منك، إيّاك آمر، وإيّاك أُنهي)(16)، وخبر أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) قال: (إن الله خلق العقل فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: ألا وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ منك، لك الثواب، وعليك العقاب)(17)، وفي (الرسائل): عن بعض أصحابنا رفعه، عنهم (ع): (إن الله خلق العقل فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت شيئاً أحسن منك أو أحب إليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي)(18)، إلى غيرها من الروايات.

بالإضافة إلى الآيات الدالة على أن الأمر منوط بالعقل، وإلى ما دل على أن لله حجّتين: الظاهرة، وهم الأنبياء، والباطنة وهو العقل. ولا ينافي ذلك ما ورد من (أن دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة)(19) إذ المراد: الخصوصيات الشرعيّة، مثل أوقات الصلوات وشرائطها، وأنصبة الزكوات وأوقاتها، وأحكام الحج وخصوصياتها.

نعم هذه الجزئيات يمكن درجها تحت الكليّات المعقولة مثل: كلّي العبادة للخالق المنعم، وكلّي إعطاء المال للفقراء والمساكين، وكلّي تجمّع المسلمين في مكان واحد. مما ذكرنا بعضها في (عبادات الإسلام) وغيره.

ضرورة الأخذ بالحديث واتّباعه

السنة المتواترة تؤيد الحديث وتحرّض على الأخذ به واتّباعه. ففي رواية ابن حنظلة، عن الصادق (ع)، عن رجلين من أصحابنا بينهما مناعة ـ إلى أن قال ـ : (ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حَكَماً، فإني قد جعلته عليهم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه، فإنما استخف بحكم الله، وعلينا رد، والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حد الشرك بالله)(20)، وخبر معاوية: قلت لأبي عبد الله (ع): رجل راوية لحديثكم ـ إلى أن قال ـ : فقال: (الراوية لحديثنا يشدد به قلوب شيعتنا، أفضل من ألف عابد)(21).

وخبر علي بن حنظلة قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (اعرفوا منازل الناس على قدر رواياتهم عنا)(22).

وخبر أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن (ع) قال: سألته وقلت: مَن أُعامل أو عمّن آخذ، وقول مَن أقبل؟ فقال له: (العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنه الثقة المأمون)، قال: وسألت أبا محمد عن مثل ذلك؟ فقال له: (العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عني فعني يؤدّيان، وما قالا لك عني فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنهما الثقتان المأمونان)(23).

وعن الهاشمي، قال: سألت أبا عبد الله (ع): عن المتعة، فقال: (ألق عبد الملك بن جريح فسله عنها، فإن عنده منها علماً) فلقيته، فأملى عليّ شيئاً كثيراً في استحلالها(24).

وعن الصدوق، قال علي (ع): (قال رسول الله (ص): اللّهُمَّ ارحم خلفائي ـ ثلاثاً ـ قيل: يا رسول الله ومَن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنّتي)(25).

وعن أبان بن عثمان: أن أبا عبد الله (ع) قال له: (إن أبان بن تـــغلب روى عني روايــة كثيرة، فـــما رواه لك عـنـــّي فأروه عنّي)(26).

وفي توقيع مولانا الحجّة (عجل الله تعالى فرجه الشريف): (أما ما سُئلت عنه أرشدك الله وثبّتك ـ إلى أن قال ـ : وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله، وأمّا محمد بن عثمان العمري فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه كتابي)(27).

وعن الهروي، قال: سمعت الرضا (ع) يقول: (رحم الله إمرءاً أحيى أمرنا) قلت: وكيف يحيي أمركم؟ قال: (يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس)(28).

وعن الحسين بن روح، عن أبي محمد الحسن بن علي (ع): أنه سُئل عن كتب بني فضال؟ فقال: (خذوا بما روَوا، وذروا ما رأوا)(29).

وعن العقرقوفي: قلت لأبي عبد الله (ع): ربما احتجنا إلى أن نسأل عن الشيء، فمن نسأل؟ قال: (عليك بالأسدي) يعني أبا بصير(30). إلى غيرها من الروايات الكثيرة.

 

1 ـ سورة النساء؛ الآية: 136.

2 ـ سورة البقرة؛ الآية: 2.

3 ـ سورة الأنفال؛ الآية: 2.

4 ـ الوسائل: ج 5 ص 329 باب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 2.

5 ـ الوسائل: ج 5 ص 321 باب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 3.

6 ـ الوسائل: ج 5 ص 321 باب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 3.

7 ـ سورة التوبة؛ الآية: 108.

8 ـ سورة البقرة؛ الآية: 36.

9 ـ سورة البقرة؛ الآية: 58.

10 ـ سورة الأحزاب؛ الآية: 35.

11 ـ تفسير القرآن العظيم ـ للحافظ ابن كثير ـ : ج 3 ـ ص 775.

12 ـ سورة الإسراء؛ الآية: 72.

13 ـ سورة طه؛ الآية: 5.

14 ـ الكافي: ج 1 ص 10 ح 1.

15 ـ المحاسن: ص 192 ح 7.

16 ـ المحاسن: ص 192 ح 5.

17 ـ المحاسن: ص 192 ح 4.

18 ـ المحاسن: ص 194 ح 13.

19 ـ مستدرك الوسائل: ج17، ص262.

20 ـ الكافي: ج 1 ص 67 ح 10.

21 ـ الكافي: ج 1 ص 33 ح 9.

22 ـ الكافي: ج 1 ص 50 ح 13.

23 ـ الكافي: ج 1 ص 330 ح1.

24 ـ الوسائل: ج 14 ص 447 باب 4 من أبواب المتعة ح8.

25 ـ الفقيه: ج 4 ص 302 ح 95.

26 ـ الوسائل: ج 18 ص 65 باب 8 من أبواب صفات القاضي ح 49.

27 ـ الاحتجاج: ص 470.

28 ـ الوسائل: ج 18 ص 66 باب 8 من أبواب صفات القاضي ح 52.

29 ـ الوسائل: ج 18 ص 72 باب 8 من أبواب صفات القاضي ح 79.

30 ـ رجال الكشي: ص 171 ح 291.