الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

السنة والإجماع

السنة تؤيد الإجماع، فقد روي عنه (ص) عن طريق العامة والخاصة قوله: (لن تجتمع أمتي على ضلالة)(1)، وهذا الحديث موافق للعقل أيضاً.

أمّا على مذهب الشيعة من وجود الإمام المعصوم في الأمّة دائماً فمن المعلوم ذلك، وأما على مذهب العامة من عدم لزومه ـ وإن كان هذا الالتزام منهم ينافي ما رووه عنه (ص): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية)(2) ـ فمن الواضح أن كل الأمة لو اجتمعوا على ضلالة، لزم انقطاع الحجّة في ذلك المورد الذي اجتمعوا فيه على الضلالة، سواء كان في الأصول أو الفروع، والعقل والشرع دلاّ على أن دين الله لا ينقطع.

ثم هل المراد الأمة كلهم، أو أهل العلم والحل والعقد منهم؟ فالأول ظاهر لفظ (الأمّة)، والثاني بقرينة استبعاد اجتماع كل الأمّة على شيء إلاّ على الأوليات الواضحة، بينما (على ضلالة) أعم منها.

أما تطبيق العامة لهذه الكبرى الكلية على خلافة (فُلان) فهو اشتباه، إذ لم تجتمع الأمة عليه أبداً لا في ذلك اليوم ولا ما بعده، وتطبيق صغرى ليست من تلك الكبرى لا يلزم عدم صحة الكبرى.

بل يمكن الاستدلال على الحديث المذكور ـ بالإضافة إلى العقل المتقدم ـ بالكتاب العزيز، حيث قال سبحانه: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنم وساءت مصيراً)(3) حيث الظاهر أن الجملة الثانية ليست تأكيداً للجملة الأولى بل تأسيساً، أو (سبيل المؤمنين) يشمل أقوالهم وأفعالهم، لأن كلاً منهما يمهّد السبيل.

القياس والاستحسان

لا حجة في القياس، والاستحسان، والرأي، والمصالح المرسلة. وقد نفت السنة ذلك، تارةً بالالتزام بحصرها الدليل في الكتاب السنة؛ أو منضمان إلى الإجماع والعقل حسب دليلهما، وتارةً بالمطابقة.

والقياس، عبارة عن: قياس موضوع على موضوع آخر، ليسحب إلى الثاني حكم الأول.

والاستحسان: أن يرى الحكم الفلاني حسناً للموضوع الفلاني، وإن لم يدل عليه أحد الأدلة الأربعة ـ في نظره ـ وإنما قلنا: في نظره، لأنّا نرى أنه ليس موضوع، إلاّ له حكم مبين بأحد الأدلة الأربعة جزئياً أو كلياً.

والرأي، معناه: أن يرى الحكم الفلاني للموضوع الفلاني. وبينه وبين الاستحسان من وجه، إذ ربما يستحسن الإنسان حكماً لكن لا يراه عملاً لمحذور في نظره، أو يرى تطبيقه لكنه لا يستحسنه وإنما لمصلحة يراه.

والمصالح المرسلة، معناها: أن هناك مواضيع لم يرد بأحكامها شرع ـ كما يرون ـ فاللازم جعل الحكم لها.

وبذلك تبيّن عدم الانسياق في الأربعة، فإنّ الأخير في الموضوع، والثلاثة في الحكم، وربما يُقال غير ذلك.

وعلى أي حال، فالشيعة لا يرَون أيّاً منها، ففي (روضة الكافي): عن الصادق (ع) في حديث طويل: (وكما أنه لم يكن لأحد من الناس مع محمد (ص) أن يُأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقاييسه خلافاً لأمر محمد (ص)، كذلك لم يكن لأحد بعد محمد (ص) أن يُأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقاييسه)(4)، وعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (ع): ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سُنّة، فننظر فيها؟ فقال (ع): (لا، أمّا إنك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على الله)(5)، إلى غيرها من الروايات التي هي فوق حد التواتر، بل قال بعض العلماء: إن الروايات التي وردت في النهي عن القياس زهاء خمس مائة رواية.

رواية الأُنثى والأخرس والأُمي

تقبل رواية الأُنثى والخُنثى، فلا يشترط في الرواية الذكور لإطلاق الأدلة، وقد ادّعى بعض العلماء الاتفاق على ذلك. كما لا يشترط في الشهادة الذكورة، إلاّ فــي موارد خاصة مذكورة في كتاب الشهادات، نعم المرأة لا تصلح للإمارة والقضاء والفتوى، بما ذكر من أدلتها في مواضعها، نعم تصح لها إمامة الجماعة للنساء، كما نصب رسول الله (ص) أمّ ورقة إماماً للنساء، وليس عليها الجهاد الابتدائي بل الدفاعي مع توفر الشرائط

كما لا يشترط فيها الحرية أيضاً لما تقدم، ولا يشترط عدم القرابة، بل تصح رواية الوالد عن ولده وبالعكس وهكذا سائر الأقرباء، وكذلك تقبل رواية العدو على عدوه وعن عدوه، إلاّ فيما لم يكن ثقة، فهو شرط آخر تقدم الكلام فيه.

ولا يشترط القدرة على الكتابة، ولا النطق، ولا البصر، فيما أمكن الأداء بغيرها، كغير الكاتب ينطق، والأخرس يؤشر، مثلاً يُسأل منه: هل قال الإمام (ع) كذا؟ فيشير برأسه (لا) أو (نعم). أما عدم اشتراط البصر فأوضح.

وقد تقدم الكلام في الصغر وأنه إذا تحمّله فيه وأداه في الكبر، قُبل لإطلاق أدلته.

أما المروءة، فإذا قلنا باشتراط العدالة، وقلنا بأن خلاف المروءة خلافها، كانت شرطاً، وإلاّ لا. وقد تقدم إن اللازم الثقة، كما أنه قد تقدم عدم اشتراط التعدد، وعدم اشتراط الاستقامة إذا كان الراوي ثقة. وقد روى أصحابنا عن الكيسانية والفطحية ومن أشبههم، ولم يتوقفوا في العمل برواياتهم، بالإضافة إلى بعض الروايات الخاصة في الأمور المتقدمة.

عمل العدلان برواية، هل يعتبر تزكية؟

إذا عمل العدل الذي تعتبر تزكيته، وقلنا: إن تزكية العدل كافية، أو عمل عدلان برواية لا يعلم سندها أو بعض سندها بجمعه الشرائط، فهل يكون العمل تزكية؟ الظاهر نعم، لكن الكلام في تحقق الموضوع، إذ من المحتمل أن عمله مستند إلى القرائن، خلافاً لما يحكى عن المفيد و(النهاية) وغيرها من: أن العمل لا يفيد التعديل. ولم يُعلم وجهه، إلاّ إذا أريد عدم تحقّق الموضوع، فهو خارج عن البحث.

قال في (المفاتيح): والظن هنا يقوم مقام العلم، ولعله مبنيٌّ على الظنون الرجالية، أو على الانسداد، أو على ما ذكرناه في الأصول من: أن بناء العقلاء على العمل بالظن في جميع أمورهم، والشارع لم ينه عنه، لأن الآيات والروايات الناهية في باب أصول الدين ونحوه، لا أنها رادعة كردعهم عن القياس، وإلاّ فعلى المشهور: الظن لا يقوم مقام العلم.

وشرط كونه تعديلاً: أن يُعلم بأن العدل عمل بالرواية، فإذا أفتى على طبقها واحتملنا ـ احتمالاً عقلائياً ـ أن مستنده غير هذه الرواية، لم يكن وجه لكونه تزكية.

وعليه، فإذا عُلم بأن المستند هذه الرواية، وأنه ليس بمعونة القرائن، فلا يهم أن يذكر العامل الرواية أو لا يذكرها، أو أن يذكر السند أو لا يذكره.

وكذلك الحال إذا قلنا بكفاية الوثاقة، وعلمنا بأن العامل لا يعمل إلاّ بالخبر الموثّق.

ومنه يعلم الكلام فيما إذا حكم القاضي بشيء، وعلمنا أنه مستند إلى الشاهدين الفلانيّين وأنه لم يعمل إلاّ بهما مجرداً عن القرائن، فإنه تعديل أيضاً.

كما أن تقليد من لا يُقلّد إلاّ الأعلم، شهادةً بأعلميته بالشروط المذكورة.

وإذا خالف العدل رواية، وعلمنا أنه لا يُخالف من جهة القرائن أو ما أشبه، يكون شهادةً على الجرح، لما تقدم من أنه لا فرق بين التزكية والجرح فيما ذكر.

وعلى ما تقدم، فلا فرق بين التزكية والجرح اللفظيين أو العمليين أو التقريريين لوحدة الملاك في الجميع، فقول بعضهم: بأن العمل مرجوح بالنسبة إلى التزكية بالقول، وبالنسبة إلى الحكم بالشهادة ـ لأن باب الشهادة أعلى من باب الرواية، ولذلك اشترط فيه ما لم يشترط في باب الرواية، فكان الاحتياط والاحتراز فيه أتم وأدنى ـ غير ظاهر الوجه.

ويأتي في المقام، لو عمل شخص وجرح آخر أو بالعكس، أو عمل أحدهما ولم يعمل الآخر، وهكذا بالنسبة إلى التقرير، لأن الجميع من باب واحد كما عرفت. ومثل ذلك: لو رأيناه يعمل تارة ولا يعمل أخرى، أو يعمل ويجرح أو بالعكس، وذلك بالنسبة إلى التقرير.

التنجيز والإعذار

دلّت الأربعة على أن لكل قضية حكماً عند الله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه جعل الطرق إلى تلك الأحكام إما طرقاً موصلة وإما طرقاً معينة من قبله تعالى، يُثيب عليها من سلكها سواء وصل إلى تلك الأحكام الواقعية أم لا، مثل: (كل شــيء هو لك حلال)(6)، و(كل شيء لك طـــاهر)(7)، و(إقرار العقلاء علــى أنفسهم جائز)(8)، و(أخوك ديـــنك فاحتط لدينك بما شئت)(9)، إلى غيره من الآيات والروايات. والإجماع من الإمامية والعقل عليه واضح.

وقد ذكرنا في الأصول: أن الظاهر أن الطرق التي لا تصل إلى الحكام الواقعية تنجيز وإعذار، لا أحكام ظاهرية، كما قال به غير واحد. ولذا فوجوه الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية غير هذا، محل نظر. وحيث إن هذه الكلية تشمل السنة ذكرناه هنا.

 

1 ـ راجع كنز العمال ح 1658 ـ 1663.

2 ـ الوسائل: ج 11 ص 492 باب 33 من أبواب الأمر والنهي ح 23.

3 ـ ورة النساء؛ الآية 115.

4 ـ الكافي: ج8، ص401.

5 ـ الكافي: ج 1 ص 56 ح 11.

6 ـ الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4.

7 ـ راجع الوسائل: ج 2 ص 1053 باب 37 من أبواب النجاسات.

8 ـ الوسائل: ج 16 ص 111 باب 3 من كتاب الإقرار ح 2.

9 ـ الوسائل: ج 18 ص 123 باب 12 من أبواب صفات القاضي ح 41.