الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

ضروريات الدين

المسائل الضرورية ـ التي هي ضرورية في كل الطبقات ـ لا تحتاج إلى دليل آخر، من غير فرق بين ضرورة الدين كوجوب الصلاة، أو المذهب كضرورة كون الأئمة اثني عشر.

وقد ذكرنا في بعض الكتب: إن مخالف الضروري كافر، إذا رجع إلى تكذيب الرسول (ص)، حيث إن معناه عدم الاعتقاد بالرسول، كما ألمع إليه الفقيه الهمداني وغيره.

أما إطلاق أن منكر الضروري كافر، فليس عليه دليل واضح.

وبعد ذلك، فلا يهم أن يكون ضرورياً في كل الطبقات أم لا، مثل: عدم سهو النبي (ص)، لم يكن ضرورياً في زمان الصدوق، ومع ذلك لو أكره إنسان بما رجع إلى تكذيبه (ص) كفر، وإلا فلا.

ولا فرق في ذلك بين المرتبط بالأحكام أو لا ـ سلباً وإيجاباً ـ فقد وجد في زماننا جماعة سموا أنفسهم بأهل القرآن، لا يعملون بأحاديث الرسول (ص) إطلاقاً، مدّعين أنه كثر فيها الخلط متناً والضعف سنداً، مما لا يُعلم صدقه عن كذبه.

كما وجد في زماننا بعض من اعتقد لزوم إسقاط كل لفظ (قل) من القرآن الحكيم، لأنه خطاب إلى الرسول، فاللازم أن يقرأ (هو الله أحد)، و(أعوذ برب الناس)، وهكذا.

كما وجد من أنكر العذاب إطلاقاً، لأنه خلاف الرأفة التي اتصف الله بها مع عدم احتياجه إليه. ومن أنكر وجود الثواب والعقاب، وقال: إنه تشبيهات وتحريضات، كما يرغّب ويخوّف الأب ولده بما لا واقع له.

لكن كل ذلك لم يكن إلاّ شبهة في قبال البديهة، وليس كلامنا الآن فيه، وإنما في أن المنكر إذا لم يكن إنكاره راجعاً إلى تكذيب الله والرسول (ص)، لم يكن كافراً.

العسر والحرج

قد ذكر في الأصول أن الحرج نفسي والعسر جسدي، وإن كان يُطلق كل منهما عليهما معاً إذا انفرد، والله سبحانه يريد اليسر ولا يريد العسر، والظاهر أن الجملة الثانية تأسيس، لا تأكيد؛ لأنه من الممكن إرادة كليهما، مثل إرادته الليل وإرادته النهار.

والعسر المنفي عزيمة في مواردها، ورخصة في مواردها، كالضرر. ولذا قالوا: بأن الصوم الضرري إذا كان بحد المنع من النقيض حرم، وإلاّ جاز لأنه مقتضى المنّة، على تفصيل ذكرناه في الفقه.

لكن، هل العسر المنفي في الواجبات والمحرمات فقط، أو يشمل المستحب والمكروه؛ فالعسر إلى حد الحرمة إذا تعارض مع الوجوب سقط الوجوب حتى جوازه، أو يخير حسب كون الأهمية مانعة من النقيض، أو لا؟

ولذا فالأقسام ثلاثة: واجب الفعل في ما إذا كان العسر لا بحد المانعة؛ ولذا يعسر الوضوء في الشتاء مع ذلك يجب، وواجب الترك في عكسه، ومخيّر بينهما في ما إذا لم يكن ترجيح، أو كان الترجيح لا بحدّ إسقاط الطرف الآخر.

ومنه يعلم حال الحرام الذي يقع الإنسان من تركه في العسر، فإنه يجب فعله، أو يخيّر حسب ما ذكر في الواجب في الأقسام الثلاثة، فلمس الأجنبية المحرّم يجب عليها إعطاء نفسها للطبيب المداوي ليلمسها إذا كانت من المرض في عسر شديد. هذا كله مما لا إشكال فيه.

وإنما الكلام في أن العسر كما يرفعهما، هل يرفع المستحب والمكروه؟ المشهور لا، لأنه ليس إلزاماً فيصح أن يقول سبحانه: أنت مجاز في ترك المستحب وفعل المكروه، فاستحبابه وكراهته لا يوجبان عليك عسراً.

لكن بما أن المستحب معناه أن الأفضل لك الفعل، وهو لا يجتمع مع (يريد الله بكم اليسر)(1)، و(ما جعل عليكم في الدين من حرج)(2) فإذا ندب إليه فقد أراده، فكيف يقول لا أريده؟ وكذلك فقد جعله، فكيف يقول ما جعلته؟

وبذلك ظهر وجه النظر في قول السيد الطباطبائي في (مفاتيحه): لو كان العسر والحرج مستلزمين لدفع التكليف الاستحبابي، للزم سقوط كثير من المستحبات، وهو باطل قطعاً، وقد نبّه على هذا جدّي (قدّس سره).

أقول: من أين البطلان قطعاً؟ لا يُقال: لأنّا نرى أنه يصح الإتيان بالمستحب العسر بلا إشكال، ولذا يفعله كثير من المتدينين. وقد ذكرنا في بعض المباحث أن السيرة حجة لكشفها عن السنة، وكذلك المرتكز في أذهان المتشرعة حيث إن الارتكاز لا يكون إلاّ من السنة، مثلاً: إذا عرضت على المتشرعة هذه المسألة بكون الثوب ضيقاً لاصقاً ببدن المرأة بحيث يظهر كل تقاطيع جسدها أمام الأجنبي لا يشكّون في الحرمة، مع إنه لم يصرّح به في كتاب ولم يرد بخصوصه دليل.

هذا مضافاً إلى إنّا نرى إتعاب الرسول (ص) والزهراء والأئمة (ع) أنفسهم في المستحبات وهم أسوة، فذلك يكشف عن عدم إسقاط العسر المستحب، على أنه ورد (أفضل الأعمال أحمزها)(3).

أقول: بعدما عرفت من الوجه العقلي، لا بد أن نقول أن ذلك للملاك لا لشمول النص، أما الحديث الأخير، فالظاهر أن المراد به أن العمل الأحمز أحسن نتيجة من العمل الأسهل، مثلاً: دراسة الطب الصعبة توجب أثاراً أحسن من صرف الوقت في البقالة.

هذا بالإضافة إلى أن الأئمة (ع) لا يُقاس بهم، لأنهم كما قال علي (ع): (كيلا يتبيّغ بالفقير فقره)(4)، وقد بيّن ذلك (ع) في كلام له لـ(علاء) الذي تزهد في البصرة، فشكاه إليه أخوه.

ومما تقدم تبيّن عدم معقولية استحباب المستحبات المتعارضة التي لا يسع وقت المكلف لأدائها، فهل يعقل الأمر بأشياء لا يمكن المكلف من جمعها في الواجب بأن يقول: أنقذ الغريقين، فكيف بالمستحب؟ كما لو فرض أن الليل لا يسع قراءة مائة مرة (حمم الدخان)، وألف مرة (إنّا أنزلناه)، فيقول المولى: ائت بها على سبيل الاستحباب، فهو مثل أن يقول: كن يوم عرفة في حرم الحسين (ع) وفي حرم مكة ـ على سبيل الاستحباب ـ فإنه من الأمر بالمحال، ومثله في الاستحالة الأمر بالواجب والمستحب فيما لا يمكن الجمع بينهما.

نعم لا إشكال في وجود الملاك في أي منهما في المستحبين، أمّا في الواجب والمستحب فحيث يُقال بأن الأمر بالشيء لا ينهى عن ضده، صحّ المستحب ملاكاً إذا ترك الواجب وفعله.

ومنه يعلم الكلام في النهيين المتزاحمين، كما إذا قال: لا تزن بهما في آنٍ واحد، فإن التكليف فرع القدرة، وما لا قدرة على فعله لا قدرة على تركه، ولذا إذا قال له ذلك، صحّ أن يقول العبد: وهل لي قدرة مباشرتهما معاً حتى تنهاني عن ذلك؟

البراءة فيما لا نص فيه

المشهور بين الفقهاء قديماً وحديثاً، بل أُدّعي عليه الإجماع أن كل مورد لم يرد فيه نص بأحد الأحكام الأربعة الاقتضائية مع المنع من النقيض أو بدونه، البراءة. ويدل عليه بالإضافة إلى مثل: (وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً)(5)، و(خلق لكم ما في الأرض جميعاً)(6) والسيرة القطعية، فإن المسلمين منذ صدر الإسلام إلى اليوم لم يكونوا في مختلف شؤونهم الفردية والاجتماعية ـ من الحركات والسكنات واللباس والأكل والشرب والوقاع والسفر وغير ذلك ـ يتوقفون عمّا يريدون إلاّ أن يرد فيه نص، بل كانوا بالعكس لا يتوقفون إلاّ بورود النص على التحريم.

جملة من الروايات مثل قوله (ع): (كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي)(7)، ورواية (الفقيه): (كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي)(8)، وقوله (ع): (الأشياء مطلقة ما لم يرد عليك أمر أو نهي)(9) ـ فيما رواه (البحار) مسنداً عن الحسين، عن أبي عبد الله (ع) ـ وعن (العوالي): عن الصادق (ع): قال: (كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نص)(10). والظاهر أن المراد بالنص الدليل، لا الاصطلاحي المقابل للظاهر، وحيث قد تكلمنا حول ذلك في الأصول لا داعي إلى تفصيله هنا.

كما أن الأصل الذي عليه غير واحد من الفقهاء كالشهيد الثاني وصاحب العروة وغيرهم، أن كل عقد لم يدل الشرع على المنع عنه كالربا والكالي بالكالي فهو مشروع، كعقد التأمين، والعقد السابح المتداول الآن، والمغارسة، وعقد الشركة بأن يشترك جماعة في شيء ويكون الربح بينهم بالتساوي أو غير التساوي، مثل أن يكون المال من شخص، والأرض من آخر، والبذر من ثالث، والعوامل من رابع، والتعب من خامس وهكذا، فيكون الثمر بينهم بالتساوي أو الاختلاف.

وذلك لإطلاق (أوفوا بالعقود)(11)، ونحوه من العمومات والمطلقات.

ومنه الشخصيات الحقوقية مثل: جعل صندوق يجمع فيه المال لإعطاء القروض ونحوها، حتى يكون الصندوق هو الطرف لا الأشخاص، وبعبارة أخرى تكون الهيئة المنتخبة هي المشرفة، وتغيرها وتبدلها لا يضر في المعاملة، وهكذا يكون حال الحكومات الانتخابية التي تكون بموازين الشريعة.

أمّا غيرها، فالظاهر أن الأموال والمناصب فيها تحتاج إلى إذن الحاكم الشرعي، إذ المال يكون من مجهول المالك، خلافاً لمن يرى ملك هذه الحكومات. لكنا ذكرنا في بعض كتبنا أن إقامة الدليل على مثل ذلك مشكل.

وبالنسبة إلى العقود الحديثة يرى بعضٌ عدم صحتها، لشرطهم كون العقد في زمانهم (ع)، لكنه أيضاً محل نقاش.

الميسور لا يسقط بالمعسور

قاعدة الميسور قد دلت عليها الآية، والرواية، والإجماع، والعقل. فالآية قوله سبحانه: (فــاتقوا الله ما استطعتم)(12) فإطلاق أدلة الأحكام بضميمة الآية يدل على الإتيان بالمستطاع.

فإن قلت: إنه ربما كان مستطاعاً لكنه عسر وحرج وضرر؟

قلت: حيث منفي هذه الثلاثة، ولقد قال سبحانه: (ولا تحمل علينا إصراً)(13) يدل على المستطاع بدون الأربعة، و(ما) تشمل المستطاع الأفرادي والأجزائي، فإن لم يستطع كل أيام الصيام أتى بالمقدار المستطاع منه من يوم إلى تسعة وعشرين يوماً، وإذا لم يستطع كل أجزاء الصلاة أتى بالمستطاع منها، حتى إنّا ذكرنا في الفقه أن مقتضى القاعدة الإتيان بالصلاة الفاقدة للطهورين لأن (الصلاة لا تترك بحال)(14). نعم لعل من الاحتياط أن يأتي بصورة التيمّم إذا تمكن، لأنه نوع تواضع فهو ميسور، مضافاً إلى ورود مثله في التيمّم عند النوم على فراشه وإن لم أجد قائلاً به، هذا ولعله يدل عليه أيضاً: (يريد الله بكم اليسر)(15).

أمّا الروايات فهي ثلاثة: النبوي (ص): (إذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم)(16)، وليس ظاهر (ما) الزمان، كما أنه لا يبعد أن يشمل ـ أصلاً أو ملاكاً ـ الأفراد والأجزاء أيضاً.

والعلويان (ع): (الميسور لا يسقط بالمعسور)(17)، و(ما لا يدرك كله لا يترك كله)(18)، وهما أيضاً يشملان ـ كالنبوي ـ الأجزاء والجزئيات.

وأمّا الإجماع: فقد ادّعاه غير واحد، بالإضافة إلى أنه الموجود في كتبهم على ما تتبّعناه، وإشكال بعضهم في السند أو الدلالة لا يهم بعد الشهرة المحققة، و(إن المجمع عليه لا ريب فيه)(19)، فهو كإشكالهم في كثير من مباحث الفقه والأصول، في حين أنهم يعملون بما استشكل عليه.

قال في (مفاتيح الأصول): قال جدي (قدّس سره): والأخبار الثلاثة يذكرها الفقهاء في كتبهم الاستدلالية على وجه القبول وعدم الطعن في السند، ونقلت في (الغوالي) عنهم (ع) ومشهورة في السنة جميع المسلمين يذكرونها ويتمسكون بها في محاوراتهم ومعاملاتهم من غير نكير. انتهى.

ومن راجع كتب الأصول والفقه يراهم يتمسكون بالثلاثة وكفى بذلك حجة، كما يتمسكون بما يشابههما من (نهي النبي (ص) عن الغرر، ونهيه عن بيع الغرر)(20)، إلى غير ذلك.

نعم لا إشكال في أن الأولى فحص الأدلة الأخرى أيضاً في الجزئيات التي هي مصاديقها، مثل الاستدلال بالاستصحاب في غسل بقية اليد في الأقطع، والمسح على جبيرة الميت، حيث يستدل فيه برواية عبد الأعلى، إلى غير ذلك.

نعم لا إشكال في لزوم صدق (الميسور) ونحوه، إذ الموضوع يؤخذ من العرف في كل مكان، إلاّ إذا تصرّف الشارع فيه، كما ذكروا في الموضوعات المستنبطة.

وأن لا يكون دليل على الإتيان بالميسور، فهو من باب التقييد كما قيد أغلب المطلقات، فإن ذلك لا يكون إشكالاً على الرواية.

فلا يُقال: إنه لا يؤخذ بالميسور في باب الصوم، كما إذا تمكن من الإمساك ساعات فقط، كما لا يُقال: إنه لا ميسور في الحج إذا لم يتمكن من الوقوفين، إلى غير ذلك من الاستثناءات.

ولا يخفى أن الأجزاء التحليلية غير مشمولة للقاعدة، فلو قال: ائتني بإنسان فتمكن من الفرس، لا يأتي به، إذ ليس ميسور الإنسان عرفاً، وإن كان شاملاً للحيوانية التي هي في ضمن الإنسان أيضاً.

ومنه يعلم صحة الإتيان بالوضوء منكوساً لمن لا يتمكن من الإتيان به مستوياً، حيث إنه عرفاً ميسور الغسل، ولذا يجوز في التقية. نعم ليس من الميسور عكس الأعضاء، كما ليس منه عكس أعمال الحج.

الاستقراء والتمثيل في الأحكام

الاستقراء ليس بحجة كما هو المشهور، وقال بعضٌ بحجيّته. وذلك لأنه إذا لم يورث العلم، يكون من القياس وإن أورث الظن لما عرفت من (أن الظن لا يغني من الحق شيئاً)(21)، وما ذكرناه من عمل العقلاء بالظن إنما هو في الموضوعات لا الأحكام.

ومثل الاستقراء التمثيل، بأن ينتقل من جزئي إلى الحكم الكلي فينتقل إلى الجزئي الآخر، فإنه لو كان معلوماً صح وكان الاستناد حينئذٍ إلى العلم، لا إليه (حاله حال الاستقراء) وإلاّ فلا.

أمّا أن الاستقراء والتمثيل هل يوجبان العلم أم لا؟ فهو تابع لاستنباط الفقيه بالمناسبات المغروسة في ذهنه، والقرائن التي يستظهرها من الحال والمقال.

ومن أمثلة ذلك: كون النافلة كالفريضة في الخصوصيات إلاّ ما استثني، فقد ادّعى غير واحد من الفقهاء ذلك، وأن طبيعة الصلاة واحدة، فما ذكر في باب الفريضة يأتي في النافلة أيضاً. وكذلك سائر العبادات كالحج والوضوء والغسل، لكن الدليل في وحدتهما من هذه الحيثية ليس خاصاً بالاستقراء والتمثيل، كما لا يخفى على من راجع الفقه.

كما أن من أمثلة ذلك: قاعدة العدل، فقد رأينا مواضع ثلاثة عشر في الروايات، حكم الشارع فيها بمقتضى قاعدة العدل، وجماعة من الفقهاء كـ(الجواهر) حكم بالعموم ـ كما لم نستبعده أيضاً ـ إلاّ أن بعضهم أشكل فيه وقال: لا دليل عليه، والموارد الخاصة لا تكون دليلاً على العموم.

وكذلك من أمثلته: ما قاله الرسول (ص) في الحج: (لا حرج.. لا حرج..)(22)، فهل ذلك عام في كل أبواب الحج؟ ويؤيده ما ورد فيمن أخطأ بلبس المخيط: (أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه)(23) أم ذلك خاص بالموارد التي ذكرها الرسول (ص).

ومن أمثلته: استفادة عموم نجاسة الدم من ذي النفس من الموارد الخاصة، حيث فهم ذلك المشهور من الفقهاء حتى تعدوا إلى دم البيض، أم لا فالأصل في المشكوك الطهارة، كما أفتى بذلك أو مال إليه جماعة من الفقهاء كالفقيه الهمداني والسيد الخال وغيرهما. إلى غيرها من الأمثلة التي يجدها المتتبع في الكتب الفقهية.

ولا يخفى أن الانتقال من الجزئي إلى الكلي ومنه إلى سائر الجزئيات ـ المسمى بالاستقراء ـ ليس في الموارد الضرورية، كانتقالنا من حرارة النار في بلدنا إلى حرارة كل نار في العالم، فهو من العلم لا من الاستقراء.

ولذا مثله المحقق في (المعارج) بأنه هو الحكم على جملة، يحكم لوجوده فيما اعتبر من جزئيات تلك الجملة، ومثاله: أن تستقرئ الزنج فتجد كل موجود منهم أسود، فتحكم بالسواد على ما لم تره كما حكمت على من رأيته، وحاصله التسوية من غير جامع.

أقول: والجامع قد يكون النص الأعم من الظاهر، كأن يبني حكماً على موضوع، ثم يقول إنه لأمر كذا، حيث إن الظاهر منه أنه الوجه الوحيد في الحكم، فيتعدى من ذلك الموضوع إلى الموضوع الآخر.

وقد يكون العلة المذكورة، أو كالعلة، مثل قوله (ع): (فلان ثقة فاسمع له) إذ لم تُذكر العلة، وإنما ذكر ما بمنزلة العلة، والعرف يفهم منه العلية.

وقد يكون المستنبط قطعاً، وهذا أيضاً يوجب التعدي، أما ما عدا الثلاثة فهو من القياس والتمثيل وربما الاستقراء.

نعم من يرى الانسداد وتحقق الظن بشرائطه من ما ذكر، يقول بالحجّية.

اللّهُمّ إلاّ إذا قيل بأن القياس يجب أن لا يتدخل في الشريعة إطلاقاً، فيبقى الاستقراء الظني.

القول في العدالة

ورود لفظ العدالة في الشرع قليل، مثل قوله سبحانه: (ذوي عدل منكم)(24)، وفي الرواية: (أعدلهما)، إلى غير ذلك. والعدل أصله من العدول، بمعنى الميل من جانب إلى جانب، مثله مثل (الحنيف)، ثم اشتهر في الاستقامة، لأن العدول من الباطل إلى الحق استقامة، وإن كان ما معناه كثير، كقوله سبحانه: (إن جاءكم فاسق)(25)، وقوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا)(26) إلى أمثلها مما كرر في الكتاب والسنة.

نعم كثر استعمال العدالة في كلمات الفقهاء، وقد ذكرنا في كتاب (التقليد) تفصيل الكلام في العدالة، فلا داعي إلى تكراره.

ولا يبعد استعمالها في كل دين لمن كان عادلاً عندهم، وإن صحّ قوله (ع): (الملك العادل)(27) كان من ذلك. أمّا ما ذهب إليه بعض الفقهاء، من كفاية العدالة عند كل أهل ملة في قبول شهادتهم. فالظاهر أنه غير تام إلاّ بالنسبة إلى ذويهم لا مطلقاً، نعم يشمله (قاعدة الإلزام) إن التزم بذلك، سواء في عدالة أهل دينهم أو عدالة غير أهل دينهم، مثلاً: إذا قال اليهودي: أقبل قول العدل، كفى حجة عليه، كما أنه إذا قال: أقبل قول العدل من المسيحيين، كان من مصاديق الإلزام.

وقد تقدم أن الوثاقة تكفي في الراوي، أما في الإمام والمرجع والشاهد فلا يتم إلاّ العدالة، ولذا صح الأخذ من الواقفية ونحوهم، ولم يصح الثلاثة منهم ـ بالنسبة إلينا ـ وإن صح بالنسبة إلى أهل مذهبهم، أو من يرى كفاية الوثاقة من غيرهم، كالواقفية على الكيسانية مثلاً.

قال المجلسي في (البحار): وأما العدالة فقد اختلف كلام الأصحاب فيها اختلافاً كثيراً في باب الإمامة وباب الشهادة، والظاهر أنه لا فرق عندهم في العدالة في المقامين، وإن كان يظهر من الأخبار أن الأمر في الصّلاة أسهل منه في الشهادة، ولعل السرّ فيه أن الشهادة يبتني عليها الفروج والدماء والأموال والحدود والمواريث، فينبغي الاهتمام فيها بخلاف الصّلاة، فإنه ليس الغرض منها إلاّ اجتماع المؤمنين وائتلافهم واستجابة دعواتهم، ونقص الإمام وفسقه وكفره ـ أي إذا لم يعلم المأموم بها ـ لا يضر بصلاة المأموم، ولذا اكتفى بحسن ظاهر الإمام وعدم العلم بفسقه. انتهى.

وكأنّه أخذ ذلك من قصة صلاة إنسان مع إمام من خراسان إلى الكوفة، ثم تبيّن أنّه يهودي، فقال الإمام: لا بأس بصلاته. مما ذكر في باب الجماعة.

 

1 ـ سورة البقرة؛ الآية: 185.

2 ـ سورة الحج؛ الآية: 78.

3 ـ البحار: ج 67 ص 191 ح2.

4 ـ نهج البلاغة: الخطبة 209.

5 ـ سورة الإسراء؛ الآية: 15.

6 ـ سورة البقرة؛ الآية: 29.

7 ـ الوسائل: ج 4 ص 917 باب 19 من أبواب القنوت ح 3.

8 ـ الفقيه: ج 1 ص 208 ح 22.

9 ـ مستدرك الوسائل ـ كتاب القضاء ـ باب (12) من أبواب صفات القاضي ـ ح7.

10 ـ عوالي اللآلي: ج 2 ص 44 ح 111.

11 ـ سورة المائدة؛ الآية: 1.

12 ـ سورة التغابن؛ الآية: 16.

13 ـ سورة البقرة؛ الآية: 286.

14 ـ الوسائل: ج 3 ص 175 باب 39 من أبواب المواقيت ح 4.

15 ـ سورة البقرة؛ الآية: 185.

16 ـ عوالي اللآلي: ج 4 ص 58 ح 206.

17 ـ عوالي اللآلي: ج 4 ص 58 ح 205.

18 ـ عوالي اللآلي: ج 4 ص 58 ح 207.

19 ـ الوسائل: ج 18 ص 80 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 19.

20 ـ عوالي اللآلي: ج 2 ص 248 ح 17.

21 ـ سورة النجم؛ الآية: 28.

22 ـ وسائل الشيعة ـ كتاب الحج.

23 ـ الوسائل: ج 5 ص 344 باب 30 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح1.

24 ـ سورة الطلاق؛ الآية: 2.

25 ـ سورة الحجرات؛ الآية: 6.

26 ـ سورة هود؛ الآية: 113.

27 ـ بحار الأنوار: ج15، ص254.