الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

التجزي في الحكم والقضاء والفتوى

الحكم والقضاء والفتوى، خاصات بالمجتهد العادل الجامع للشرائط، كتاباً وسنة وإجماعاً.

نعم لا يبعد القضاء للمتجزي، بل أجازه بعضٌ للمقلد العارف بأحكامه دقيقاً، خصوصاً فيما لم يتوفر المجتهد كأكثر القرى والأرياف، ولا يمكن إلزام الناس بالرجوع إلى المدن المتوفر فيها المجتهد الجامع للشرائط في قضاياهم، وهذا غير بعيد لما ذكرناه في كتاب القضاء.

ويدل على أحكام الثلاثة جملة من الروايات وهي كثيرة نذكر منها، خبر عمر بن حنظلة، عن الصادق (ع) عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دَين أو ميراث، إلى أن قال: (انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فارضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد، والراد علينا راد على الله، وهو على حد الشرك بالله عزّ وجلّ)(1).

وخبر أبي خديجة، عن الصادق (ع) قال: (إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا، فاجعلوه بينكم قاضياً، فإني جعلته قاضياً فتحاكموا إليه)(2).

وخبر (البحار) المسند إلى العسكري (ع)، عن الصادق (ع) وفيه: (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه)(3). وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم.

والتوقيع المروي بخط مولانا صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف): (أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله)(4).

وعن (البحار)، عن (المحاسن): قال أبو جعفر (ع): (ما يقول العلماء فاتّبعوا)(5).

ومفهوم ما رواه ابن شبرمة قال: ما أذكر حديثاً سمعته عن جعفر بن محمد (ع) إلاّ كاد يتصدّع قلبي، قال: قال أبي عن جدي رسول الله (ص). قال ابن شبرمة: واقسم بالله ما كذب أبوه على جدّه، ولا كذب جده على رسول الله (ص) فقال: قال رسول الله (ص): (من عمل بالمقاييس فقد هلك وأهلك، من أفتى الناس وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك)(6) ـ كذا رواه في (البحار) وغيره ـ .

وعن (العوالي): قال النبي (ص): (من أفتى الناس بغير علم كان ما يفسده من الدين أكثر مما يصلحه)(7)، و(من أفتى الناس، وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ، والمحكم من المتشابه، فقد هلك وأهلك)(8).

وعن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (ع) قال: (من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله، لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه)(9).

وعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال لي أبو عبد الله (ع): (إيّاك وخصلتين ففيهما هلك من هلك، إيّاك أن تُفتي الناس برأيك، وتدين بما لا تعلم)(10).

وفي رواية مفضل بن زيد، عن الصادق (ع): (أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال، أنهاك أن تدين الله بالباطل، وتُفتي الناس بما لا تعلم)(11).

إلى غيرها من الروايات الكثيرة.

ثم إذا كان هناك مجتهدون متعددون متساوون، كان المقلد مخيراً في تقليد أيّهم شاء، وإن كان بعضهم أفضل فضيلة منصوصة كالأعلمية، فإن قلنا بوجوب تقليده لم يبق مجال للآخر، وإلا جاز مع أفضلية المفضل.

وإذا صار الجميع محل الابتلاء، بأن كانوا في شورى الحكم فإن حصل التوافق فلا إشكال، وإن اختلفوا أخذ بالأكثر لدليل الشورى، وإن تساووا كان المجال للقرعة.

ويجوز للإنسان أن يقلد واحداً أو جماعة فإن اتفقوا فهو، وإن اختلفوا مع الفضيلة المذكورة أخذ بالأفضل، وبدونه تخير لأنه لا دليل على ترجيح أحدهما على الآخر.

كما يجوز للإنسان أن يراجع أي قاضٍ شاء إذا كان هناك قضاة متعددون، كما يجوز مراجعة شورى القضاة فإن اتفقوا فهو، وإلاّ أخذ بالأكثر، وإن لم يكن أكثر وأقل بل تساووا، كان اللازم مراجعة قاضٍ آخــر إن كان، وإلاّ كان المجال للصلح والاحتياط وقاعدة العدل كلٌّ في موضعه.

وإذا فرض وجود المجتهد فهو وإلاّ، أو فرض عدم وصول اليد إليه قلد الأموات حسب ما يذكر في الأحياء من الترجيح والتساوي. ولا تلازم ما بين الفتوى والقضاء، فيجوز تقليد واحد والقضاء إلى الآخر. والقاضي المعين من قبل السلطة المشروعة لا يزاحم القاضي الشرعي، غير المعين فللإنسان أن يراجع أيّهما شاء وللآخر احترام قضائه. نعم يجوز الاستئناف والتميز، كما ذكرنا في بعض مباحث الفقه.

السنة والكتاب معاً

كما لا تنفع السنة بدون الكتاب، بأن يقول شخص: إني أعمل بالسنة لا الكتاب مطلقاً، والإخباريون إنما يقولون بعملهم بالكتاب المفسّر بالسنة، بحجة إنه حرّف وبدّل أو ما أشبه، فلا حجيّة فيه إطلاقاً.

كذلك لا ينفع الكتاب بدون السنة، فقد قال الرسول (ص): (كتاب الله وعترتي)(12)، أو (سنتي)(13)، وقد تقدم تفسير كل واحد من الحديثين.

وقد ذهب بعض المنحرفين إلى ذلك بحجة أن السنة تفسير للكتاب حسب زمانهم، والكتاب يبقى والسنة تذهب حيث يذهب الزمان، وأن السنة قد دُسّ فيها أحاديث مكذوبة على رسول الله (ص) وأهل بيته، وقد قال (ص): (كثرت عليّ الكذّابة)(14).

واستدلّ بعضهم بقول عمر: (حسبنا كتاب الله)(15)، وبما عمله معاوية من جعل القرآن حكماً، وبما فعله الحسين (ع) من نشر القرآن على رأسه يوم عاشوراء، وبأنّا نرى في السنة خرافات كما لا يخفى على ما راجع البخاري وغيره، مما يسلب الاعتماد عليها.

وبما رواه مسلم ـ كما نقله العامة ـ أن رسول الله (ص) حين هاجر إلى المدينة رأى أهلها يؤبّرون النخل فقال لهم: لو لم تفعلوا لصلح، فتركوه ففسد التمر، فمرّ الرسول (ص) بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت يا رسول الله كذا وكذا، فعملنا بقولك ففسد التمر، فقال (ص): (اعملوا كما كنتم تعملون، فأنتم أعلم بأمر دنياكم)(16).

وهذه الحجج ـ بالإضافة إلى كونها خلاف الضرورة والإجماع، وإنما مثل حجج العكس كما ذكرنا ـ يُردّ على:

أولها: إن التفسير لم يكن خاصاً بزمانهم بل مطلقاً، ولو جاء هذا الاحتمال في السنة جاء في الكتاب أيضاً، كما ذكر بعض المنحرفين مثلاً في التزويج بالأربع، واختصاص المرأة بزوجها، وحرمة الربا، ووجوب الجهاد، واستحباب كثرة النسل، إلى غير ذلك.

وعلى ثانيها: إن السنة نُقّحت بجهود علمائنا الأخيار ـ بالنسبة لنا، بل وحتى بالنسبة إلى العامة عندهم ـ وما ميزان الاعتدال للذهبي ونحوه إلاّ دليل على ذلك.

وعلى ثالثها: إن عمر أخطأ في مقالته حتى أنه نفسه كان يسأل الصحابة عن السنة، ولو كان حسبه كتاب الله لما توقف في حكم، ولم يقل: (لولا علي لهلك عمر)(17)إلى غير ذلك، ومعاوية بمكره فعل كذا، كما اعترف به الشيعة بأجمعهم وطائفة من منصفي السنة.

وأمّا قصّة الحسين (ع): فإثبات الشيء لا ينفي ما عداه، ولذا استدل الإمام بالسنة حيث قال لمحاربيه: (اسألوا أصحاب رسول الله (ص)). وإنما نشر القرآن على رأسه الشريف دليلاً على أنه عامل بالقرآن، وليس كما يزعمون خارجياً، وأن القرآن يحرّم قتله حيث قال سبحانه: (ومن قتل نفساً بغير نفس)(18) إلى غيره.

أمّا وجود الخرافات: فهي محدودة معلومة، وبناء العقلاء على العمل ـ إلاّ ما ظهر الخلاف ـ في كل شؤونهم. فإن الطبيب والمهندس وغيرهما إذا اشتبه أو تعمد مرات، فهل يسلب الاعتماد منه؟

وأما قصة (أنتم أعلم): فحديث مختلق، فهل النبي لا يعلم حتى قدر فلاّح؟ ثم أليست أمور الدنيا كلها من الدين، فإن الإسلام بالضرورة جاء لتنظيم الدين والدنيا وإسعاد الناس فيهما، ولعل مختلق القصة كان من أعداء الإسلام فأراد أن يقول أن الرسول الذي لا يعرف هذا الأمر الجزئي، فكيف يؤتمن على أمور الدين المهمة؟ ثم ألم يقل الله سبحانه: (وما ينطق عن الهوى)(19)، فهل نطقه هذا كان عن الوحي أو الهوى ـ والعياذ بالله ـ ؟

ثم زهاء مائة آية تصر عـــلى إرجاع الــناس إلى السنـــة، فماذا يفعل القائل بـ(حسبنا كتاب الله) بهذه الآيات مثل: (فلا وربك..)(20)، و(من يطع الرسول)(21)، وغيرها.

وماذا يفعل هؤلاء بخصوصيات كل العبادات من ركعات الصلاة، وأنصبة الزكاة، ومناسك الحج، وغيرها وغيرها، أليست تؤخذ كلها من السنة المطهرة؟

وبذلك يظهر أنه لا فرق بين الطائفة الأولى التي تترك السنة مطلقاً، وبين الطائفة الثانية التي تجعل أقوال الرسول حجة في العبادات فقط، أمّا ما يرتبط بأمور الدنيا من المعاملات وغيرها فهي راجعة إلى الناس، وهذا الرأي جاء من الغرب الذي يقول: (دع ما لقيصر...).

وقد روى العامة ـ كما في (الفتح الكبير) والترمذي باختلاف ما ـ أنه روى أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن المقداد: أن رسول الله (ص) قال: (يوشك أن يقعد الرجل متكئاً على أريكته يحدّث بحديثٍ من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، إلا وإنّ ما حرّم رسول الله (ص) مثل ما حرّم الله)(22).

نقل الحديث بالمعنى

هل جواز تفسير السنة المطهرة خاص بالتفسير اللفظي، بأن يبدل لفظاً بلفظٍ أظهر، بدون صبّ الجملة كما يفيد المعنى في جملة أخرى، أو عام يشملهما، مثلاً: يحق له أن يقول في (الحمد لله رب العالمين): الله سبحانه وتعالى الذي رب العالمين هو المستحق الوحيد للحمد، أو أعم من ذلك أيضاً بأن يزيد وينقص حسب ما يستفاد من قرائن المقام والمقال؟

الجواب: لم يكن ذلك بعيد للسيرة المستمرة عند الوعاظ والخطباء ومن إليهم، والعلماء يجلسون تحت منبرهم بلا إنكار، وللأشعار التي ذكرت كلام الرسول والأئمة (ع) بزيادة ونقيصة مثلاً: قال الرسول في غدير خم: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم والِ من والاه، وعاد من عاداه)(23).

ففسره (حسان) بقوله:

يقول فمن مولاكم وولــيكم          فقالوا ولم يبـــدوا هناك التعاديا

إلهك مولانا وأنــت ولــينا          ولن تجدن في ذلك اليوم عاصياً

إلى قوله:

هناك دعا اللّهم وال وليه          وكن للذي عادى علياً معادياً

إلى غيرها من الأشعار المفسرة لكلامهم (ع) في الجملة.

بالإضافة إلى أنه مصداق (إرادة المعنى) كما في الأحاديث مثل (صحيح مسلم): قلت لأبي عبد الله (ع): أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص؟ قال: (إن كنت تريد معانيه فلا بأس)(24)، وخبر داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله (ع): إني أسمع الكلام منك فأريد أن أرويه كما سمعته منك فلا يجيء؟ قال: (تتعمد ذلك؟) قلت: لا، فقال: (تريد المعاني؟) قلت: نعم، قال: (فلا بأس)(25). وخبره الآخر حين سُئل: أسمع الحديث منك فلعلي لا أرويه كما سمعته؟ فقال: (إن أصبت فيه فلا بأس إنما هو بمنزلة تعال، وهلُمّ، واقعد، واجلس)(26).

والعامة أيضاً رووا بهذا المعنى، وإنه جرى على ذلك بناء العقلاء حيث يرَون أن هذا هو التفسير الذي لا يضر، والشارع لم يغير بناءهم. لكن اللازم الاحتياط مهما أمكن.

لا يقال: للفظ والتركيب خصوصيات تفوت بالتبديل والتغيير، فكيف بالثالث؟ وكثيراً ما تكون عناية المتكلم بتلك الخصوصيات، ولذا قال (ع): (إن الله وإن كان مقلب الأبصار لكن لا تزده في دعائك فلا تقول: يا مقلب القلوب والأبصار)(27)، ولذا نرى أنه قد ورد (إن الله يضل)(28)، (وعلم آدم الأسماء)(29)، و(أم نحن الزارعون)(30)، وما أشبه. ومع ذلك لا يجوز إطلاق (المضل والمعلم والزارع) على الله سبحانه، مع أن المادة واحدة؟

لأنه يقال: هذا وإن كان تاماً، إلاّ أن الطريقة العقلائية، وما ذكرناه من سائر الأدلة ـ مضافاً إلى عدم إمكان غير ذلك في المحاورات، ولزوم تعطيل الترجمة إلى سائر اللغات ـ أوجب الجواز. وهذا بحث طويل أردنا الإلماع إليه بمناسبة بحثنا عن السنة، وإن كان هذا شاملاً لكتابي أيضاً.

ومثل هذا التسامح قدره الشرع في سائر الأمور مثلاً: (الكرّ كذا شبراً) مع وضوح اختلاف الأشبار حتى في المتعارف، و(الصاع والوسق والمد كذا) مع وضوح اختلافها كثيراً حيث لم تكن هناك معامل تصب المقادير المذكورة بدقة، وفي الوضوء: (ما دارت عليه الإبهام والوسطى) مع وضوح أنهما في الأفراد مختلفة سعة وضيقاً من جهة الوجه، فربما تستوعبان أكثر في إنسان من إنسان آخر.

الردع عن اتّباع المصلحة وترك التشريع

قد عرفت أنه لا شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنة، فدعوى العامة وبعض الخاصة الاعتماد على (المصلحة) ـ إن أريد به ما هو مشمول لهما ـ فلا داعي إلى ذكر المصلحة. وإن كان المراد ما هو خارج عنهما فلا وجه له، إذ لا حق بالعمل بالخارج عنهما، فإنه وإن كان لا شك أن التشريع لوحظ فيه المصلحة، لكن لا شك أيضاً أنه لا يجوز اتّباعنا للمصلحة وترك التشريع مع وضوح أن بينهما ـ فيما نفهم من المصلحة ـ عموماً من وجه.

هذا بالإضافة إلى أن معنى ذلك إدخال العقل في دين الله حكماً أو موضوعاً، مع تواتر الروايات والضرورة عندنا بأن دين الله لا يُدرك بالعقل، فإن كل قوم بمناسبات يرَون المصلحة في غير ما يراه قوم آخرون.

لا يقال: فكيف جعلتم من أدلة الأحكام العقل؟ وكيف ورد في الروايات أنه حجة باطنة؟

لأنه يقال: الحديث الأول في درك الجزئّيات، أن أجزاء الصّلاة وشرائطها كذا، وأن خصوصيات الحج والاعتكاف كذا، وهكذا. والحديث الثاني في العقائد والكليات، ولذا كثر في القرآن الحكيم والسنة المطهرة والإلماع إليه: (أفلا يعقلون)، و(لأولي الألباب)، وما أشبه. ونجد بالضرورة فهمنا لكثير من المصالح في الأحكام الكلية.

وبذلك تبيّن أن المصلحة على أقسام: فقسم اعتبرها الشارع وإن كان فيها بعض الأضرار، مثل مصلحة الصوم والحج والجهاد والخمس والزكاة، وما أشبه. وقسم ألغاها الشارع وإن كان فيها بعض المنافع، قال سبحانه: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما)(31).

وقسم سكت عنها الشارع لا أقرها ولا أبطلها، وهذا القسم لا يعمل به لا للنص على عدمه، بل لأن في كل واقعة حكماً مستفاداً من الكتاب والسنة، على نحو الجزئية مثل نـــكاح أربع، أو عـــلى نــحو الكلية مثل: (خلق لكم ما فـــي الأرض جميعا)(32)، و(أحلّ الله البيع)(33)، و(أوفوا بالعقود)(34)، و(إلاّ ما اضطررتم)(35)، وحديث الرفع، وحديث الاستصحاب، وما أشبه ذلك.

فاللازم ملاحظة انطباق إحدى تلك الكليات على المورد إيجاباً أو سلباً، وليست المصلحة وعدمها في نظر الفقيه مثار الأخذ والرد.

فلو دلّ الاستصــحاب على الجواز ولم تكن مصلحة أخذ بالاستصحاب، بل ولو تصور الفقيه أنه مفسدة، ما لم يدخل في (الضرر) ونحوه، ولو دلّ على المنع وكانت أخذ به لا بها. وهكذا.

السنة تنظم حياة الإنسان

ما في الكتاب والسنة ـ مما يسمى بالفقه، وقد عرفت فيما تقدم حال الإجماع والعقل ـ يكفي تنظيم حياة الإنسان مع ربه، ومع نفسه، ومع مجتمعه. وكل ذلك ينقسم إلى الأحكام الخمسة المعروفة.

وقد تجدد بعض الاصطلاحات في الحال الحاضر، وإن كان المسمى قديماً ـ وله اصطلاح آخر، فباستثناء العقيدة التي هي من شأن القلب، وتفصيله مذكور في كتب العقائد ـ الفقه يُنظّم علاقة الإنسان بالله سبحانه ويسمى بالعبادات، سواء كانت بدنية محضة كالصلاة والصيام والطهارات الثلاث، أو مالية محضة كالخمس والزكاة حيث تحتاجان إلى النية. أما المظالم ومجهول المالك وما أشبه فهي مالية غير عبادية، وهي بين الإنسان والمجتمع، أو منهما كالحج حيث إنه مالية بدنية.

وعلاقة الإنسان المعاملية مع الناس كالبيع والشراء والشركة والرهن والوكالة والكفالة والهبة والعارية والإجازة والمضاربة ونحوها، ويسمى في الاصطلاح الحديث بـ(القانون المدني) أو (القانون التجاري).

وعلاقة الإنسان في المرافعات، ويسمى بالقضاء والشهادات، ويسمى في الاصطلاح الحديث بـ(قانون المرافعات).

وعلاقة الحاكم بالمحكوم وبالعكس، من الأمور المرتبطة بالدولة، ويسمى في الاصطلاح الحديث بـ(القانون الدستوري).

وعلاقة المسلمين بغيرهم سواء في الحرب أو في السلم، ويسمى في الاصطلاح الحديث بـ(القانون الدولي).

وعلاقة الإنسان بما بعده من الوصايا والمواريث ـ مضافاً إلى ما ينظم الأسرة كالنكاح والطلاق والخلع والمباراة والنسب والحضانة ـ ونحوها، ويسمى في الاصطلاح الحديث بـ(قانون الأحوال الشخصية).

وعلاقة الإنسان بنفسه في المأكل والمشرب والمسكن والمركب وسائر سلوكياته.

وعلاقة الإنسان في باب الجرائم مجرماً وطرفه، مما ذكر في كتاب الحدود والقصاص والتعزيرات، ويسمى في الاصطلاح الحديث بـ(القانون الجزائي).

ومن ذلك تبين أن الشريعة لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصته وأن كل حكم يريده الإنسان موجود في الشريعة.

وحتى أن مــا حدث من الموضوعات لها أحكام في الشريعة من جهة العمومات والإطلاقات والأصول العملية، كقوانين البنوك، والتأمين، والشركات الحديثة ونحوها.

ومن المعلوم أن غالب هذه الأمور توجد في السنة المطهرة، وإن كانت أحكام كثيرة توجد في الكتاب العزيز حسب ما ذكروه في آيات الأحكام، وبهذه المناسبة ذكرناها في هذا الكتاب.

الأخبار الموضوعة

لا شك في وجود الأخبار المكذوبة المنسوبة إلى الرسول (ص)، بل دلّ على ذلك متواتر الروايات والتي منها: (ستكثر عليّ الكذّابة، ألا ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)(36). فإن هذا الحديث يثبت المطلوب سواء كان كذباً أو صدقاً كما لا يخفى، فإذا عارض المنسوب إليه دليلاً عقلياً قطعياً ولم يكن قابلاً للتأويل مثل: (إن الله يضحك) تبين كذبه، وإلاّ فإن أمكن التأويل وكان طريقه ثقة، قدم على الطرح، إذ يكون حاله حينئذٍ حال: (الرحمان على العرش)(37) وما أشبه.

ثم إن حديث الرسول (ص)، وحاله حال سائر الأحاديث، يحتاج العمل به إلى الفحص.

أما ما ذكره صاحب (الوسائل) وبعض آخر ـ من عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كلام النبي (ص) المروي من غير جهة الأئمة (ع) ما لم يعلم تفسيره منهم ـ فغير ظاهر الوجه. إذ هل يشك في خبر رواه أمثال سلمان وأبي ذر؟ ولماذا؟ نعم إذا كان الراوي غير ثقة، أو في السند إنسان غير ثقة لم يقبل منه، بل حاله حال الروايات عن سائر المعصومين (ع). نعم إذا قلنا بالنسخ في الحديث أُضيف على التخصيص ونحوه.

فعن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله (ص) لا يُتّهمون بالكذب، فيجيء منكم خلافه؟ قال (ع): (إن الحديث يُنسخ كما يُنسخ القرآن)(38). وعن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال: قلت: أخبرني عن أصحاب محمد (ص) صدقوا على محمد (ص) أم كذبوا؟ قال: (بل صدقوا) قلت: فما بالهم اختلفوا؟ قال: (إن الرجل كان يأتي رسول الله (ص) فيسأله المسألة، فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيئه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً)(39).

ولا يخفى احتمال هذين الحديثين للتقية، حيث لم يتمكن الإمام (ع) من تكذيبهم، فتذرع بذلك لإسقاط رواياتهم، خصوصاً قوله (ع) في الحديث الثاني: (صَدَقوا)، وخصوصاً وجمعٌ مع العلماء أنكروا النسخ حتى في القرآن الحكيم، كما ذكره البلاغي وغيره.

ويؤيد التقية قول الصادق (ع) ـ في حديث: قال رسول الله (ص): (أنا مدينة العلم وعلي بابها) ـ : (وكذب من زعم أنه يدخل المدينة إلاّ من قبل الباب)(40)، ويؤيده أيضاً ما رواه الكليني، عن الهلالي، عن أمير المؤمنين (ع). فراجع (الوسائل) في الباب المذكور.

ولا يخفى أنه كل ما في أخبار الرسول (ص) من كذب عليه، كذلك في أخبار الأئمة (ع)، والعلماء نقحوها عن مثل ذلك. والله المستعان.

15 / صفر / 1413 هـ

 

1 ـ الكافي: ج 1 ص 67 ح 10.

2 ـ الوسائل: ج 18 ص 4 باب 1 من أبواب صفات القاضي ح 5.

3 ـ البحار: ج 2 ص 88 ح 12.

4 ـ الاحتجاج: ص 470 .

5 ـ أنظر البحار: ج 2 ص 98 ح 51.

6 ـ البحار: ج 2 ص 298 ح 18.

7 ـ عوالي اللآلي: ج 4 ص 65 ح 22.

8 ـ الكافي: ج 1 ص 43 ح 9.

9 ـ الكافي: ج 1 ص 42 ح 3.

10 ـ الكافي: ج 1 ص 42 ح 2.

11 ـ الكافي: ج 1 ص 42 ح 1.

12 ـ الوسائل: ج 18 ص 19 باب 5 من أبواب صفات القاضي ح 9.

13 ـ كنز العمال: ج 1 ص 173 ح 175 ـ 176.

14 ـ البحار: ج 2 ص 225 ح 2.

15 ـ مسند أحمد: ج 1 ص 325.

16 ـ صحيح مسلم: ج 4 ص 1836 ح 141.

17 ـ لاختصاص: ص 111.

18 ـ سورة المائدة؛ الآية: 32.

19 ـ سورة النجم؛ الآية: 3.

20 ـ سورة النساء؛ الآية: 65.

21 ـ سورة النساء؛ الآية: 80.

22 ـ مسند أحمد: ج 4 ص 132.

23 ـ الكافي: ج 1 ص 294 ح 3.

24 ـ الكافي: ج 1 ص 51 ح 2.

25 ـ الكافي: ج 1 ص 51 ح3.

26 ـ البحار: ج 2 ص 161 ح 17.

27 ـ مفاتيح الجنان المعرّب للشيخ عباس القمي: ص 385 ط مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ لبنان.

28 ـ سورة الرعد؛ الآية: 27.

29 ـ سورة البقرة؛ الآية: 31.

30 ـ سورة الواقعة؛ الآية: 64.

31 ـ سورة البقرة؛ الآية: 219.

32 ـ سورة البقرة؛ الآية: 29.

33 ـ سورة البقرة؛ الآية: 275.

34 ـ سورة المائدة؛ الآية: 1.

35 ـ سورة الأنعام؛ الآية: 119.

36 ـ البحار: ج 2 ص 225 ح2.

37 ـ سورة طه؛ الآية: 5.

38 ـ الكافي: ج 1 ص 64 ح 2.

39 ـ الكافي: ج 1 ص 65 ح 3.

40 ـ الكافي: ج 2 ص 239 ح 27.