الفهرس

موسوعة الكلمة

الصفحة الرئيسية

 

الحسن ومناوئوه[1]

لم يكن في الإسلام يوم في مشاجرة قومٍ اجتمعوا في محفلٍ، اكثر ضجيجاً، ولا أعلى كلاماً، ولا اشدّ مبالغةً في قولٍ، من يومٍ اجتمع فيه عند معاوية بن أبي سفيان، عمرو بن عثمان بن عفان، وعمرو بن العاص وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عتبة بن أبي معيط، والمغيرة بن شعبة، وقد تواطؤا على أمرٍ واحدٍ.

فقال عمروبن العاص لمعاوية: ألا تبعث إلى الحسن بن عليٍّ فتحضره فقد أحيا سيرة أبيه، وخفقت النّعال خلفه إن أمر فأطيع، وإن قال فصدق وهذان يرفعان به إلى ما هو اعظم منهما، فلو بعثت اليه فقصرنا به وبأبيه وسببناه وسببنا أباه، وصغّرنا بقدره وقدر أبيه، وقعدنا لذلك حتى صدق لك فيه.

فقال لهم معاوية: إني أخاف ان يقلّدكم قلائد، يبقى عليكم عارها حتى تدخلكم قبوركم، والله ما رأيته قطّ إلا كرهت جنابه، وهبت عتابه وإني إن بعثت إليه لأنصفته منكم.

قال عمرو بن العاص: أتخاف ان يتسامى باطله على حقّنا، ومرضه على صحّتنا؟

قال: لا.

قال: فابعث اذاً اليه.

فقال عتبة: هذا رأي لا أعرفه، والله ما تستطيعون ان تلقوه بأكثر ولا أعظم مما في أنفسكم عليه، ولا يلقاكم إلا بأعظم مما في نفسه عليكم، وانه لمن أهل بيتٍ خصمٍ وجدلٍ.

فبعثوا إلى الحسن (عليه السلام)، فلما أتاه الرسول، قال له: يدعوك معاوية.

قال: ومن عنده؟.

قال الرسول: عنده فلان وفلان، وسمّى كلاً منهم باسمه.

فقال الحسن (عليه السلام): مالهم، خرّ عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون.

ثم قال: يا جارية أبلغني ثيابي.

ثم قال: اللهم إني أدرأ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم بما شئت وأنّى شئت، من حولك وقوّتك يا ارحم الراحمين.

وقال للرسول: هذا كلام الفرج.

فلما أتى معاوية رحّب به وحيّاه وصافحه.

فقال الحسن (عليه السلام): إن الذي حييت به سلامة، والمصافحة أمنة.

فقال معاوية: أجل، إن هؤلاء بعثوا اليك وعصوني، ليقرورك ان عثمان قتل مظلوماً، وان أباك قتله، فاسمع منهم، ثم أجبهم بمثل ما يكلمونك ولا يمنعك مكاني من جوابهم.

فقال الحسن (عليه السلام): سبحان الله، البيت بيتك، والاذن فيه اليك، والله لئن أجبتهم إلى ما أرادوا، إني لاستحيي لك من الفحش، ولئن كانوا غلبوك إني لاستحيي لك من الضعف، فبأيهما تقرّ؟ ومن أيّهما تعتذر؟ أما أني لو علمت بمكانهم واجتماعهم، لجئت بعدتهم من بني هاشمٍ، ومع وحدتي هم أوحش مني مع جمعهم، فإنّ الله عزّ وجلّ لوليّي اليوم وفيما بعد اليوم، فليقولوا فأسمع، ولا حولولا قوة إلا بالله العلىّ العظيم.

فقال معاوية:، إني كرهت أن أدعوك، ولكنّ هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له، وإنّ لك منهم النصّف، ومني، وانما دعوناك لنقرّر ان عثمان قتل مظلوماً، وأن اباك قتله، فاستمع منهم، ثم أجبهم، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم، أن تتكلّم بكلّ لسان.

فتكلّم عمرو بن عثمان بن عفان فقال: ما سمعت كاليوم، أن بقي من بني عبد المطلب، على وجه الأرض من أحدٍ، بعد قتل الخليفة، عثمان بن عفان وكان (من) ابن اختهم، والفاضل في الإسلام منزلةً، والخاصّ برسول الله صلى الله عليه وآله أثرةً، فبئس كرامة الله حتى سفكوا دمه اعتداءً وطلباً لفتنة، وحسداً ونفاسةً، وطلب ما ليسوا بأهل لذلك، مع سوابقه ومنزلته من الله، ومن رسوله، ومن الإسلام، فياذلاه أن يكون (حسن) وسائر بني عبد المطلب: قتلة عثمان، أحياء يمشون على مناكب الأرض، وعثمان مضرج بدمه مع انّ لنافيكم تسعة عشر دماً بقتلى بني امية ببدرٍ!

ثم تكلّم عمرو بن العاص، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إي يا ابن أبي تراب! بعثنا اليك لنقرّرك أنّ اباك سمّ أبابكرٍ الصديق، واشترك في قتل عمر الفاروق، وقتل عثمان ذا النّورين مظلوماً، فادّعى ما ليس له بحق، ووقع فيه – وذكر الفتنة وعيّره بشأنها – ثم أضاف:

إنكم يا بني عبد المطلب! لم يكن الله يعطيكم الملك فترتكبون فيه مالا يحلّ لكم، ثم أنت يا (حسن) تحدّث نفسك بأنك كائن امير المؤمنين وليس عندك عقل ذلك، ولا رأيه، فكيف وقد سلبته، وتركت أحمق في قريش، وذلك لسوء عمل أبيك، وانما دعوناك لنسبك وأبيك، ثمّ انت لا تستطيع أن تعتب علينا ولا أن تكذّبنا في شيءٍ به، فان كنت ترى أنا كذبناك في شيءٍ وتقوّلنا عليك بالباطل، وادّعينا خلاف الحقّ فتكلم، والا فاعلم أنّك وأباك من شرّ خلق الله.

أمّا أبوك فقد كفانا الله قتله وتفردّ به، وأما انت فإنّك في أيدينا نتخير فيك، والله أن لو قتلناك، ما كان في قتلك إثم عند الله، ولا عيب عند الناس.

ثم تكلّم عتبة بن ابي سفيان، فكان أوّل ما ابتدأ به أن قال: يا حسن، إن اباك كان شرّ قريشٍ لقريش، أقطعه، أرحامها، واسفكه لدمائها، وإنّك لمن قتلة عثمان، وان في الحقّ أن نقتلك به، وانّ عليك القود في كتاب الله عزّ وجلّ، وإنّا قاتلوك به، فأمّا ابوك فقد تفرّد الله بقتله فكفاناه وأما رجاؤك للخلافة فلست منها لا في قدحة زندك، ولا في رجحة ميزانك.

ثم تكلّم الوليد بن عقبة بن ابي معيط بنحوٍ من كلام أصحابه، وقال: يا معاشر بني هاشم، كنتم أول من دبّ بعيب عثمان، وجمع الناس عليه، حتى قتلتموه حرصاً على الملك، وقطيعةً للرحم، واستهلاك الامة[2] وسفك دمائها حرصاً على الملك، وطلباً للدنيا الخسيسة وحمّاً لها، وكان عثمان خالكم فنعم الخال كان لكم، وكان صهركم فكان نعم الصهر لكم، قد كنتم أول من حسده، وطعن عليه، ثم وليتم قتله، فكيف رأيتم صنع الله بكم.

ثم تكلّم المغيرة، بن شعبة، وكان كلامه، وقوله كلّه وقوعاً في عليٍّ (عليه السلام) ثمّ قال: يا حسن إن عثمان قتل مظلوماً، فلم يكن لابيك في ذلك عذر بريءٍ، ولا اعتذار مذنبٍ، غير أنّا يا حسن قد ظننا لأبيك في ضمّه قتلته، وايوائه لهم وذبّه عنهم، أنّه بقتله راضٍ، وكان والله طويل السيف واللّسان: يقتل الحيّ، ويعيب الميت، وبنو امية خير لبني هاشمٍ من بني هاشمٍ لبني أمية، ومعاوية خير لك يا حسن منك لمعاوية.

وقد كان أبوك ناصب رسول الله صلّى الله عليه وآله في حياته، وأجلب عليه قبل موته، واراد قتله، فعلم ذلك من امره رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثمّ كره ان يبايع أبابكر حتى أتي به قوداً، ثم دسّ إليه فسقاه سمّاً فقتله، ثم نازع عمر حتى همّ أن يضرب رقبته، فعمل في قتله، ثم طعن على عثمان حتّى قتله، كلّ هؤلاء قد شرك في دمهم، فأيّ منزلةٍ له من الله يا حسن، وقد جعل الله السلطان لوليّ المقتول في كتابه المنزل، فمعاوية وليّ المقتول بغير حقّ، فكان من الحقّ لو قتلناك وأخاك والله مادم عليٍّ بخطرٍ من دم عثمان، وما كان الله ليجمع فيكم يا بني عبد المطلب الملك والنبوّة ثم سكت.

فتكلّم ابو محمدٍ الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما، فقال:

الحمد لله الذي هدى أوّلكم بأوّلنا، وآخركم بآخرنا، وصلى الله على سيدنا محمدٍ النبي وآله وسلم. إسمعوا منّي مقالتي، واعيروني فهمكم وبك ابدأ يا معاوية.

إنه لعمر الله يا أزرق، ما شتمني غيرك، وما هؤلاء شتموني، ولا سبّني غيرك، وما هؤلاء سبّوني، ولكن شتمتني وسببتني، فحشاً منك، وسوء رأي، وبغياً وعدوانا، وحسداً علينا، وعداوةً لمحمدٍ صلّى الله عليه وآله قديماً وحديثاً.

وإنّه والله لو كنت أنا وهؤلاء يا أزرق! مثاورين في مسجد رسول الله وحولنا المهاجرون والانصار ما قدروا أن يتكلمون بمثل ما تلكّموا به،. ولا استقبلوني بما استقبلوني به، فاسمعوا مني أيها الملأ المجتمعون المعاونون عليّ، ولا تكتموا حقاً علمتموه ولاتصدّقوا بباطلٍ نطقت به، وسأبدأ بك يا معاوية فلا اقول فيك إلا دون ما فيك.

أنشدكم بالله! هل تعلمون: انّ الرجل الذي شتمتموه صلّى إلى القبلتين كلتيهما، وأنت تراهما جميعاً ضلالةً، تعبد اللات والعزّى؟ وبايع البيعتين كلتيهما: بيعة الرضوان وبيعة الفتح، وأنت يا معاوية بالاولى كافر، وبالاخرى ناكث؟

أنشدكم بالله! هل تعلمون: انما أقول حقاً، أنه لقيكم مع رسول الله يوم بدرٍ، ومعه راية النبي، ومعك يا معاوية راية المشركين، تعبد اللات والعزّى، وترى حرب رسول الله والمؤمنين فرضا واجباً، ولقيكم يوم أحد، ومعه راية النبي، ومعك يا معاوية راية المشركين، ولقيكم يوم الاحزاب ومعه راية النبي، ومعك يا معاوية راية المشركين، كلّ ذلك يفلج الله حجته، ويحقّق دعوته، ويصدق احدوثته، وينصر رايته، وكلّ ذلك رسول الله يرى عنه راضياً في المواطن كلّها؟

ثم أنشدكم بالله هل تعلمون: أنّ رسول الله حاصر بني قريظة وبني النضير، ثمّ بعث عمر بن الخطاب ومعه راية المهاجرين، وسعد بن معاذ ومعه راية الانصار، فأمّا سعد بن معاذ فجرح وحمل جريحاً، وأما عمر فرجع وهو يجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه، فقال رسول الله (لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، كرّار، غير فرّار، ثمّ لا يرجع حتى يفتح الله عليه، فتعرّض لها أبو بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين والانصار، وعليّ يومئذٍ أرمد شديد الرمد، فدعاه رسول الله، فتفل في عينيه، فبرأ من الرمد، فأعطاه الراية فمضى ولم يثن حتى فتح الله (عليه) بمنّه وطوله[3] وأنت يومئذٍ بمكة عدوّ لله ورسوله، فهل يسوى بين رجلٍ نصح لله ولرسوله، ورجلٍ عادى الله ورسوله!؟

ثم اقسم بالله ما أسلم قلبك بعد، ولكنّ اللسان خائف، فهو يتكلّم بما ليس في القلب.

(ثم) أنشدكم بالله! أتعلمون: أن رسول الله استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، ولا سخطه ذلك ولا كرهه، وتكلّم فيه المنافقون، فقال: (لا تخلفني يا رسول الله. فاني لم اتخلّف عنك في غزوةٍ قط (فقال رسول الله (انت وصيّي وخليفتي في أهلي، بمنزلة هارون من موسى) ثم أخذ بيد عليّ: ثم قال: (ايّها الناس! من تولاني فقد تولّى الله، ومن تولّى عليّاً فقد تولاّني، ومن أطاعني فقد اطاع الله، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني ومن أحنّي فقد أحبّ الله، ومن أحبّ عليّاً فقد أحبني)؟

أنشدكم بالله! أتعلمون: أن رسول الله قال في حجة الوداع: (ايّها الناس! إني قد تركت فيكم مالم تضلّوا بعده، كتاب الله فأحلّوا حلاله وحرّموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنّا بما انزل الله من الكتاب، وأحبّوا اهل بيتي وعترتي، ووالوا من والاهم، وانصروهم على من عاداهم، وانهما لم يزالا فيكم، حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة).

ثم دعا – وهو على المنبر – عليّاً، فاجتذبه بيده فقال: (اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، اللهمّ من عادى عليّاً فلا تجعل له في الأرض مقعداً، ولا في السماء مصعداً، واجعله في اسفل دركٍ من النار).

أنشدكم بالله! اتعلمون: أنّ رسول الله قال له: (انت الذائد عن حوضي يوم القيامة! تذود عنه كما يذود أحدكم الغريبة من وسط إبله)؟

أنشدكم بالله! أتعلمون: انه دخل على رسول الله في مرضه الذي توفّي فيه، فبكى رسول الله، فقال عليّ: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: (يبكيني أني أعلم: أنّ لك في قلوب الرجال من أمتي ضغائن، لا يبدونها حتى أتولّى عنك)؟

أنشدكم بالله! أتعلمون: انّ رسول الله حين حضرته الوفاة، واجتمع أهل بيته قال: (الهمّ هؤلاء أهلي وعترتي، اللهمّ وال من والاهم، وانصرهم على من عاداهم) وقال: (انما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوحٍ، من دخل فيها نجا، ومن تخلّف عنها غرق)؟

أنشدكم بالله! أتعلمون: أن اصحاب رسول الله قد سلّموا عليه بالولاية في عهد رسول الله وحياته؟

أنشدكم بالله: أتعلمون أن عليّاً أول من حرّم الشهوات كلّها على نفسه، من أصحاب رسول الله فأنزل الله عزّ وجلّ (يا أيّها الّذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم، ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين وكلوا ممّا رزقكم الله حلالاً طيّباً واتّقوا الله الّذي أنتم به مؤمنون[4]).

وكان عنده علم المنايا، وعلم القضايا، وفصل الخطاب، ورسوخ العلم، ومنزل القرآن، وكان في رهطٍ لا نعلمهم، يتمّون عشرةً، نبّأهم الله أنهم به مؤمنون، وأنتم في رهطٍ قريبٍ من عدة اولئك لعنوا على لسان رسول الله، فأشهد لكم وأشهد عليكم أنّكم لعناء الله على لسان نبيّه، كلكم أهل البيت.

وأنشدكم بالله! هل تعلمون: انّ رسول الله بعث اليك، لتكتب لبني خزيمة، حين أصابهم خالد بن الوليد، فانصرف اليه الرسول فقال: هو يأكل، فأعاد الرسول اليك ثلاث مرات، كل ذلك ينصرف الرسول ويقول هو يأكل، فقال رسول الله، (اللهمّ لا تشبع بطنه) فهي والله في نهمتك وأكلك إلى يوم القيامة؟

أنشدكم بالله! هل تعلمون: إنما أقول حقاً إنك يا معاوية كنت تسوق بأبيك على جملٍ أحمر، ويقوده أخوك هذا القاعد، وهذا يوم الأحزاب، فعلن رسول الله، الراكب والقائد والسائق فكان أبوك الراكب وأنت يا أزرق السائق. واخوك هذا القاعد القائد؟

ثم أنشدكم بالله! هل تعلمون، أنّ رسول الله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن: أولهنّ حين خرج من مكة إلى المدينة، وأبو سفيان جاء من الشام، فوقع فيه أبو سفيان فسبّه وأوعده وهمّ أن يبطش به، ثم صرفه الله عزّ وجلّ عنه.

والثاني: يوم العير حيث طردها أبو سفيان، ليحرزها من رسول الله.

والثالث: يوم أحدٍ، يوم قال رسول الله: (الله مولانا ولا مولى لكم) وقال أبو سفيان: لنا العزى ولا لكم العزى، فلعنه الله وملائكته ورسوله والمؤمنون اجمعون.

والرابع: يوم حنين، يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش وهوازن، وجاء عيينة، بغطفان واليهود، فردّهم الله عزّ وجلّ بغيظهم لم ينالوا خيراً[5] هذا قول الله عزّ وجلّ له في سورتين في كلتيهما يسمّي أبا سفيان وأصحابه كفاراً، وأنت يا معاوية يومئذٍ مشرك على رأي أبيك بمكة، وعليّ يومئذٍ مع رسول الله وعلى رأيه ودينه.

والخامس: قول الله عزّ وجلّ (والهدي معكوفاً أن يبلغ محلّه) [6] وصددت أنت وأبوك ومشركو قريشٍ، رسول الله صلّى الله عليه وآله فلعنه الله لعنةً شملته وذرّيته إلى يوم القيامة.

والسادس: يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش، وجاء عيينة بن حصنٍ ابن بدر بغطفان، فلعن رسول الله القادة والاتباع والساقة إلى يوم القيامة فقيل يا رسول الله: أما في الأتباع مؤمن؟ فقال: لا تصيب اللعنة مؤمناً من الأتباع، وأما القادة فليس فيهم مؤمن ولا مجيب ولا ناجٍ.

والسابع: يوم الثنية، يوم شدّ على رسول الله اثني عشر رجلا، سبعة منهم من بني امية، وخمسة من سائر قريش، فلعن الله تبارك وتعالى ورسوله من حلّ الثنية غير النبي وسائقه وقائده؟

ثم أنشدكم بالله! هل تعلمون: أنّ أبا سفيان دخل على عثمان حين بويع في مسجد رسول الله فقال: يابن أخي هل علينا من عين؟ فقال: لا، فقال ابو سفيان، تداولواالخلافة، فتيان بني امية، فوالذي نفس أبي سفيان[7] بيده ما من جنةٍ ولا نار.

وأنشدكم بالله! أتعلمون أنّ أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بويع عثمان وقال: يابن اخي أخرج معي إلى بقيع الغرقد فخرج، حتى اذا توسّط القبور اجترّه فصاح بأعلى صوته: يا أهل القبور! الذي كنتم تقاتلونا عليه، صار بأيدينا وأنتم رميم، فقال الحسين بن علي: قبّح الله شيبتك، وقبّح وجهك، ثم نتريده وتركه، فلولا النعمان بن بشير أخذ بيده وردّه إلى المدينة، لهلك[8].

ومن لعنتك يا معاوية، أنّ أباك أبا سفيان كان يهمّ أن يسلم، فبعثت اليه بشعرٍ معروفٍ مرويٍّ في قريش وغيرهم، تنهاه عن الإسلام، وتصدّه، أو تنسى يا معاوية قولك لأبيك:

يا صخر لا تسلمن يوماً فتفضحنا *** بعد الذين ببدرٍ أصبحوا مزقا

خالي وعمّي وعم الأم ثالثهم *** وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا

لا تركننّ إلى أمرٍ تكلفنا *** والراقصات به في مكة الخرقا

فالموت أهون من قول العداة لقد *** حاد ابن حربٍ عن العزّى اذا فرقا

ومن سيّىء اعمالك: أنّ عمر بن الخطاب ولاّك الشام، فخنت به، وولاّك عثمان، فتربّصت به ريب المنون.

ثمّ اعظم من ذلك أنّك قاتلت علياً صلوات الله عليه وآله، وقد عرفت سوابقه وفضله وعلمه، على أمر هو أولى به منك، ومن غيرك عند الله وعند الناس، ولا دنية بل أوطأت الناس عشوةً، وأرقت دماء خلقٍ من خلق الله، بخدعك وكيدك وتمويهك، فعل من لا يؤمن بالمعاد، ولايخشى العقاب، فلما بلغ الكتاب أجله صرت إلى شرّ مثوى، وعليّ إلى خير منقلبٍ والله لك بالمرصاد.

فهذا لك يا معاوية خاصةً، وما أمسكت عنه من مساويك وعيوبك، فقد كرهت به التطويل، فهل تستطيع ان تردّ علينا شيئاً؟

وأما أنت يا عمر بن عثمان، فلم تكن حقيقاً لحمقك أن تتبع هذه الامور، فإنما مثلك مثل البعوضة اذ قالت للنخلة: استمسكي فاني اريد ان انزل عنك، فقالت لها النخلة: ما شعرت بوقوعك، فكيف يشق علي نزولك؟ وإني والله ما شعرت انّك تحسن أن تعادي لي فيشقّ علي ذلك، واني لمجيبك في الذي قلت.

ان سبّك عليّاً، أبنقص في حسبه؟ أو تباعده من رسول الله، أو بسوء بلاءٍ في الإسلام؟ أو بجورٍ في حكمٍ؟ أو رغبة في الدنيا؟ فان قلت واحدةً منها فقد كذبت، وأما قولك انّ لكم فينا تسعة عشر دماً بقتلى مشركي قريش بني أمية ببدرٍ، فإنّ الله ورسوله قتلهم، ولعمري ليقتلنّ من بني هاشم تسعة عشر وثلاثة بعد تسعة عشر، ثم يقتل من بني أمية تسعة عشر وتسعة عشر في موطنٍ واحدٍ، سوى ما قتل من بني امية لا يحصي عددهم إلا الله.

انّ رسول الله قال: (إذا بلغ ولد الوزغ ثلاثين رجلاً، أخذوا مال الله بينهم دولاً، وعباده خولا، وكتابه دغلا، فاذا بلغوا ثلاث مائة وعشراً، حقّتت عليهم اللعنة، ولهم، فإذا بلغوا أربع مائةٍ وخمسةً وسبعين، كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة) فأقبل الحكم بن أبي العاص وهم في ذلك الذّكر والكلام، فقال رسول الله: (أخفضوا أصواتكم[9] فإن الوزغ يسمع). وذلك حين رآهم رسول الله، ومن يملك بعده منهم أمره هذه الأمّة يعني في المنام، فساءه ذلك وشقّ عليه، فأنزل الله عزّ وجلّ في كتابه: (ليلة القدر خير من ألف شهرٍ) فأشهد لكم وأشهد عليكم ما سلطانكم بعد قتل عليٍّ إلاّ ألف شهر، التي أجّلها الله عزّ وجلّ في كتابه.

وامّا أنت يا عمرو بن العاص الشانىء اللعين الأبتر، فإنما أنت كلب، أوّل امرك امّك لبغيّة، وأنّك ولدت على فراشٍ مشترك، فتحا كمت فيك رجال قريشٍ، منهم أبو سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، وعثمان بن الحارث، والنضر بن الحارث بن كلدة، والعاص بن وائل، كلّهم يزعم انك ابنه، فغلبهم عليك من بين قريشٍ ألأمهم حسباً، وأخبثهم منصباً، وأعظمهم بغية.

ثمّ قمت خطيباً وقلت: أنا شانىء محمّد، وقال العاص بن وائل: إنّ محمداً رجل أبتر لا ولد له، فلو قد مات انقطع ذكره، فأنزل الله تبارك وتعالى: (إنّ شانئك هو الأبتر) فكانت أمّك تمشي إلى عبد قيسٍ لطلب البغية، تأتيهم في دورهم ورحالهم وبطون أوديتهم، ثم كنت في كلّ مشهدٍ يشهد رسول الله عدوّه، أشدّهم له عداوةً وأشدّهم له تكذيباً.

ثمّ كنت في أصحاب السفينة الذين أتوا النّجاشي، والمهرج الخارج إلى الحبشة، في الإشاطة بدم جعفر بن أبي طالب، وسائر المهاجرين إلى النّجاشي، فحاق المكر السيّىء بك، وجعل جدّك الاسفل، وأبطل أمنيتك وخيّب سعيك، وأكذب أحد وثتك، وجعل كلمة الذين كفروا السّفلى وكلمة الله هي العليا.

وأما قولك في عثمان، فأنت يا قليل الحياء والدين، ألهبت عليه ناراً ثم هربت إلى فلسطين تتربّص به الدّوائر، فلمّا أتاك (خبر) قتله، حبست نفسك على معاوية، فبعته دينك يا خبيث بدنيا غيرك، ولسنا نلومك على بغضنا، ولا نعاتبك على حبّنا، وانت عدوّ لبني هاشم في الجاهلية والإسلام، وقد هجوت رسول الله بسبعين بيتاً من شعر. فقال رسول الله: (اللّهمّ إني لا أحسن الشّعر، ولا ينبغي لي أن أقوله، فالعن عمرو بن العاص بكلّ بيتٍ (الف) لعنة. فعليك إذاً من الله ما لا يحصى من اللعن وبالله ما نصرت عثمان حيّاً، ولا غضبت له مقتولاً، ويحك يابن العاص، ألست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النّجاشي:

تقول ابنتي: أين هذا الرحيل *** وما السّير مني بمستنكر

فقلت: ذريني فانّي امرؤ *** أريد النّجاشيّ في جعفر

لأكويه من عنده كيّةً *** أقيم بها نخوة الأصعر

وشأني أحمد من بينهم *** وأقوالهم فيه بالمنكر

وأجري على عتبةٍ جاهداً *** ولو كان كالذهب الأحمر

ولا أنثني عن بني هاشمٍ *** وما اسطعت في الغيب والمحضر

فإن قبل العتب منّي له *** وإلاّ لويت له مشفري

ثم أنت يا عمرو المؤثر دنيا غيرك على دينك، أهديت إلى النّجاشيّ الهدايا، ورحت إليه رحلتك الثانية، ولم تنهك الأولى عن الثانية، كلّ ذلك ترجع مغلولاً حسيراً، تريد بذلك هلاك جعفرٍ وأصحابه، فلما أخطأك ما رجوت وأمّلت، أحلت على صاحبك عمارة بن الوليد.

وأمّا أنت يا وليد بن عقبة، فوالله ما ألومك أن تبغض عليّاً، وقد جلدك في الخمر ثمانين سوطاً، وقتل أباك بين يدي رسول الله، وأنت الّذي سمّاه الله: الفاسق. وسمّى عليّاً: المؤمن، حيث تفاخرتما، فقلت له: اسكت يا عليّ، فأنا اشجع منك جناناً، وأطول منك لساناً، فقال لك عليّ: اسكت ياوليد، فأنا مؤمن وأنت فاسق، فأنزل الله في موافقة قوله: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون) [10] ثمّ أنزل على موافقة قوله: (إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) [11] ويحك يا وليد! مهما نسبت فلا تنس قول الشاعر فيك وفي عليٍّ (عليه السلام):

أنزل الله في الكتاب علينا *** في عليٍّ وفي الوليد قرانا

فتبوّا الوليد منزل كفرٍ *** وعليّ تبوّأ الإيمانا

ليس من كان مؤمناً يعبد الله *** كمن كان فاسقاً خوّانا

سوف يدعى الوليد بعد قليل *** وعليّ إلى الجزاء عيانا

فعليّ يجزى هناك جناناً *** وهناك الوليد يجزى هوانا[12]

وما أنت وذكر قريش، وإنما أنت ابن عليجٍ من أهلِ صفّورية يقال له: ذكوان.

وأمّا زعمك أنّا قتلنا عثمان، فوالله ما استطاع طلحة والزبير وعاشئة أن يقولوا ذلك لعليّ بن أبي طالب، فكيف تقوله أنت؟ ولو سالت أمّك: من أبوك، إذ تركت ذكوان، فألصقتك بعقبة بن أبي معيط، اكتست بذلك عند نفسها سناءً ورفعة، مع ما أعدّ الله لك ولأبيك وأمّك من العار والخزي في الدّنيا والآخرة، وما الله بظلاّمٍ للعبيد.

ثم أنت يا وليد – والله – اكبر في الميلاد ممّن تدّعي له النّسب، فكيف تسبّ عليّاً؟ ولو اشتغلت بنفسك لبينت نسبك إلى أبيك، لا إلى من تدّ عي له، ولقد قالت لك أمّك: يا بنيّ أبوك – والله – ألأم وأخبث من عقبة.

وأما أنت يا عتبة بن أبي سفيان، فوالله ما أنت بحصيف فأجاوبك ولا عاقل فأعاتبك، وما عندك خير يرجى ولا شرّ يخشى، وما كنت لو سببت عليّاً لأغار به عليك لأنك عندي لست بكفوٍ لعبد عبد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأردّ عليك وأعاتبك، ولكنّ الله عزّ وجلّ، لك ولأبيك وأمّك وأخيك بالمرصاد، فأنت ذرّيّة آبائك الذين ذكرهم الله في القرآن فقال: (عاملة ناصبة تصلى ناراً حاميةً تسقى من عينٍ أنيةٍ – إلى قوله – من جوعٍ) [13].

وأمّا وعيدك إيّاي بقتلي فهلاً قتلت الّذي وجدته على فراشك مع حليلتك، وقد غلبك على فرجها، وشاركك في ولدها، حتّى الصق بك ولداً ليس لك، ويلاً لك لو شغلت نفسك بطلب ثارك منه كنت جديراً وبذلك حرياً، غذ تسومني القتل وتوعدني به، أما تستحي من قول نصر بن الحجّاج فيك:

يا للرّجال وحادث الأزمان *** ولسبّةٍ تخزي أبا سفيان

نبئت عتبة هيّأته عرسه *** لصداقه الهذلي من اللحيان

ألفاه معها في الفراش فلم يكن *** فحلا وأمسك خشية النّسوان

لا تعتبن يا عتب نفسك حبّها *** إنّ النساء حبائل الشّيطان!

ولا ألومك أن تسبّ علياً، وقد قتل أخاك مبارزةً، واشترك هو وحمزة بن عبد المطلب في قتل جدّك، حتى أصلاهما (الله) على أيديهما نارجهنّم، وأذاقهما العذاب الأليم، (ونفي عمك بأمر رسول الله) [14].

وأمّا رجائي الخلافة، فلعمر الله لئن رجوتها، فإنّ لي فيها لملتمساً وما أنت بنظير أخيك، ولا خليفة أبيك، لأنّ اخاك اكثر تمرداً على الله وأشدّ طلباً لإراقة دماء المسلمين، وطلب ما ليس له بأهل، يخادع الناس ويمكرهم، ويمكر الله، والله خير الماكرين.

وأمّا قولك: إن عليّاً كان شرّ قريشٍ لقريش، فوالله ما حقّر مرحوماً ولا قتل مظلوماً.

وأما انت يا مغيرة بن شعبة، فإنك لله عدوّ، ولكتابه نابذ، ولنبيّه مكذّب، وانت الزّاني وقد وجب عليك الرّجم، وشهد عليك العدول البررة الأتقياء، فأخّر رجمك، ودفع الحق بالباطل، والصدق بالأغاليط، وذلك لما أعدّ الله لك من العذاب الأليم، والخزي في الحياة الدّنيا، ولعذاب الآخرة أخزى.

وأنت ضربت فاطمة بنت رسول الله حتى أدميتها، وألقت ما في بطنها، استذلالاً منك لرسول الله، ومخالفةً منك لأمره، وانتهاكاً لحرمته وقد قال لها رسول الله: (انت سيدة نساء أهل الجنّة) والله مصيرك إلى النار، وجاعل وبال ما نطقت به عليك.

فبأيّ الثلاثة[15] سببت عليّاً، انقصاً من حسبه؟ ام بعداً من رسول الله ام سوء بلاءٍ في الإسلام، ام جوراً في حكم، أم رغبةً في الدّنيا؟ ان قلت بها فقد كذبت وكذبك النّاس.

اتزعم أن عليّاً قتل عثمان مظلوماً؟ فعليّ والله أتقى وأنقى من لائمه في ذلك، ولعمرى إن كان علي قتل عثمان مظلوماً، فوالله ما انت من ذلك في شيء، فما نصرته حيّاً، ولا تعصّبت له ميتاً، وما زالت الطائف دارك، تتبع البغايا، وتحيي أمر الجاهلية، وتميت الإسلام حتّى كان في أمس (ما كان).

وامّا اعتراضك في بني هاشم وبني أميّة، فهو ادعاؤك إلى معاوية، واما قولك في شأن الإمارة، وقول اصحابك في الملك الذي ملكتموه، فقد ملك فرعون مصر اربعمائة سنة، وموسى وهارون عليهما السلام نبيّان مرسلان يلقيان ما يلقيان، وهو ملك الله يعطيه البرّ والفاجر وقال الله عز وجل: (وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين[16]) وقال: (وإذا اردنا أن نهلك قريةً أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها، فحقّ عليها القول، فدمّرناها تدميراً) [17].

ثم قام الحسن (عليه السلام) فنفض ثيابه، وهو يقول: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات) هم والله يا معاوية: انت واصحابك هؤلاء وشيعتك (والطيبات للطيّبين والطيّبون للطيّبات أولئك مبرّؤون ممّا يقولون لهم مغفرة ورزق كريم[18]) هم عليّ بن أبي طالبٍ واصحابه وشيعته.

ثم خرج وهو يقول: (ذق وبال ما كسبت يداك، وما جنيت، وما قد أعدّ الله لك ولهم من الخزي في الحياة الدّنيا والعذاب الأليم في الآخرة).

فقال معاوية لأصحابه: وانتم فذوقوا وبال ما قد جنيتم، فقال له الوليد بن عقبة: والله ماذقنا إلا كما ذقت، ولا اجترأ إلا عليك، فقال معاوية: ألم اقل لكم إنكم لن تنتصفوا من الرجل؟ فهل[19] اطعتموني أول مرة، أو انتصرتم من الرجل اذ فضحكم، والله ما قام حتى أظلم عليّ البيت وهممت أن اسطو به، فليس فيكم خير، اليوم ولا بعد اليوم.

وسمع مروان بن الحكم بما لقي معاوية وأصحابه المذكورون من الحسن بن عليٍّ (عليه السلام)، فأتاهم فوجدهم عند معاوية في البيت، فسألهم: ما الّذي بلغني عن الحسن وزعله؟ قالوا: قد كان ذلك، فقال لهم مروان: فهلا أحضرتموني ذلك، فوالله لأسبّنّه، ولأسبّنّ أباه، وأهل البيت سبّاً تغنّي به الإماء والعبيد، فقال معاوية، والقوم: لم يفتك شيء – وهم يعلمون من مروان بذر لسانٍ وفحش – فقال مروان: فأرسل اليه يا معاوية، فأرسل معاوية إلى الحسن بن عليٍّ عليهما السلام؛ فلما جاءه الرسول، قال له الحسن (عليه السلام): (ما يريد هذا الطاغية، منّي؟ والله لئن أعاد الكلام، لأوقرنّ مسامعه، ما يبقى عليه عاره وشناره إلى يوم القيامة).

فأقبل الحسن (عليه السلام)، فلمّا أن جاءهم وجدهم بالمجلس، على حالتهم التي تركهم فيها، غير أنّ مروان قد حضر معهم في هذا الوقت فمشى الحسن (عليه السلام) حتّى جلس على السرير مع معاوية، وعمرو ابن العاص، ثم قال الحسن (عليه السلام) لمعاوية: لم أرسلت إليّ؟ قال: لست انا أرسلت اليك، ولكنّ مروان الذي أرسل اليك.

فقال مروان: انت يا حسن السباب رجال قريش؟ فقال: وما الذي أردت؟ فقال: والله لأسبّنّك واباك وأهل بيتك سبّاً تغنّي به الإماء والعبيد، فقال الحسن بن عليٍّ عليهما السلام: أمّا أنت يا مروان، فلست أنا سببتك ولا سببت أباك، ولكنّ الله عزّ وجلّ لعنك ولعن أباك، وأهل بيتك وذرّيّتك، وما خرج من صلب ابيك إلى يومِ القيامة على لسان نبيّه محمّد.

والله يا مروان: ما تنكر أنت ولا أحد ممّن حضر هذه اللعنة من رسول الله لك ولأبيك من قبلك، وما زادك الله يا مروان بما خوّفك إلا طغياناً كبيراً، صدق الله وصدق رسوله، يقول: (والشجرة الملعونة في القرآن، ونخوّفهم فما يزيدهم إلاّ طغياناً كبيراً) [20] وأنت يا مروان وذرّيتك الشجرة الملعونة في القرآن عن رسول الله فوثب معاوية فوضع يده على فم الحسن (عليه السلام) وقال: يا أبا محمّد ما كنت فحّاشاً، فنفض الحسن (عليه السلام) ثوبه، وقام وخرج، فتفرّق القوم عن المجلس بغيظ وحزنٍ وسواد الوجوه[21].

الحسن ومناوئوه[22]

2

واجتمع معاوية مع بطانته، فجعل بعضهم يفخر على بعضٍ ويتطاول بالمآثر المكذوبة، فأراد معاوية أن يضحك عليهم فقال لهم: -

أكثرتم الفخر، فلو حضركم الحسن بن عليّ، وعبد الله بن عبّاسٍ لقصّرا من أعنّتكم ماطال.

فقال زياد لمعاوية: -

وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ ما يقومان لمروان بن الحكم في غرب منطقة، ولا لنا في بواذخنا، فابعث اليهما في غدٍ حتى تسمع كلامنا.

فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص مستشيراً.

ما تقول؟

فقال ابن العاص: إبعث إليهما غداً.

فلما كان من غدٍ بعث معاوية ابنه يزيد، إلى الإمام الحسن وعبد الله ابن عبّاس. فأتياه فلمّا استقر بهما المجلس، التفت اليهما معاوية، مبتدئاً: -

إني أجلّكما وأرفع قدركما عن المسامرة باللّيل، ولا سيّما أنت يا أبا محمّد، فإنك ابن رسول الله، وسيد شباب أهل الجنّة.

ثم قال ابن العاص:

يا حسن، إنّا قد تفاوضنا، فقلنا: إنّ رجال بني امية اصبر عند اللّقاء، وأمضى في الوغى، وأوفى عهداً، وأكرم خيماً، وامنع لما وراء ظهورهم، من بني عبد المطّلب.

ثم سكت. فقال مروان بن الحكم:

وكيف لا نكون كذلك، وقد قارعناكم فغلبناكم، وحاربناكم فملكناكم فان شئنا عفونا وإن شئنا بطشنا.

ولما سكت مروان، تكلّم زياد فقال:

ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله، ويجحدوا الخير في سلطانه نحن أهل الحملة في الحروب، ولنا الفضل على سائر النّاس قديماً وحديثاً.

فقال الإمام (عليه السلام): -

ليس من العجز أن يصمت الرجل عند إيراد الحجّة، ولكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا، ويصوّر الباطل بصورة الحقّ.

ثم وجّه (عليه السلام) خطابه إلى عمرو بن العاص فقال له: -

يا عمرو، افتخاراً بالكذب، وجرأةً على الإفك؟ مازلت أعرف مثالبك الخبيثة، أبديها مرةً وأمسك عنها أخرى، فتأبى إلا انهماكاً في الضّلالة، أتذكر مصابيح الدّجى، واعلام الهدى، وفرسان الطّراد، وحتوف الأقران، وأبناء الطّعان، وربيع الضّيفان، ومعدن النّبوة، ومهبط العلم؟ وزعمتم أنّكم أحمى لما وراء ظهوركم، وقد تبيّن ذلك يوم بدرٍ حين نكصت الأبطال، وتساورت الأقران واقتحمت اللّيوث، واعتركت المنية، وقامت رحاها على قطبها، وافترّت عن نابها، وطار شرار الحرب، فقتلنا رجالكم ومن النبيّ على ذراريكم، فكنتم لعمري في ذلك اليوم غير مانعين لما وراء ظهوركم، من بني عبد المطلّب.

ثم التفت إلى مروان، فقال له: -

وأمّا انت يا مروان، فما أنت والإكثار في قريشٍ وانت طليق، وأبوك طريد، يتقلّب من خزايةٍ إلى سوأة، ولد جيء بك إلى أمير المؤمنين، فلمّا رأيت الضرغام قد دميت براثنه، واشتبكت انيابه، كنت كما قال القائل: -

ليث إذا سمع الليوث زئيره بصبصن ثم قذفن بالأبعار[23]

فلمّا منّ عليك بالعفو، وأرخى خناقك بعد ما ضاق عليك، وغصصت بريقك، لم تقعد معنا مقعد أهل الشّكر، ولكن تساوينا وتجارينا[24] ونحن مما لا يدركنا عار ولا يلحقنا خزاية.

ثم وجّه (عليه السلام) خطابه إلى زيادٍ فقال له: -

وما أنت يا زياد وقريشاً؟ لا أعرف لك فيها أديماً صحيحاً، ولا فرعاً نابتاً، ولا قديماً ثابتاً، ولا منبتاً كريماً، بل كانت امّك بغيّاً، تداولها رجال قريشٍ وفجّار العرب، فلمّا ولدت، لم تعرف لك العرب والداً، فادّعاك هذا – وأشار إلى معاوية – بعد ممات أبيه، مالك افتخار، تكفيك سميّة، ويكفينا رسول الله وأبي عليّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام): سيد المؤمنين، الذي لم يرتدّ على عقبيه، وعمّي حمزة سيد الشّهداء، وجعفر الطيّار، وأنا وأخي سيّدا شباب أهل الجنّة.

ثمّ انعطف على ابن عباسٍ قائلاً: -

يا ابن العمّ، إنما هي بغاث الطيّر انقضّ عليها أجدل.

وأراد ابن عبّاسٍ أن يتكلم، فخاف معاوية من حديثه، فأقسم عليه أن يسكت، فسكت.

ثم خرج الإمام وابن عباس، فالتفت معاوية إلى بطانته مستهزئاً بهم:

- أجاد عمرو الكلام لولا أنّ حجته دحضت، وتكلم مروان، لولا أنه نكص، ثم التفت إلى زياد، فأنكر عليه هذا التّدخّل قائلاً: -

ما دعاك إلى محاورته، ما كنت إلاّ كالحجل في كفّ البازي؟

فقال ابن العاص لمعاوية: -

_ ألا رميت من ورائنا؟

فردّ عليه معاوية: -

- إذاً كنت شريككم في الجهل، افاخر رجلاً رسول الله جدّه، وهو سيّد من مضى ومن بقي، وامّه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين.

ثم التفت إلى ابن العاص: -

- والله لئن سمع به أهل الشام لهي السّوءة السوآء.

فقال عمرو: -

- لقد أبقى عليك ولكنّه طحن مروان وزياداً طحن الرّحى بثفالها، ووطأهما وطء البازل القراد بمنسمه.

فقال زياد: -

- قد والله فعل، ولكنّ معاوية يأبى الا الإغراء بيننا وبينهم، لا جرم والله لا شهدت مجلساً يكونان فيه، إلا كنت معهما على من فاخرهما.

وخلص ابن عبّاسٍ بالإمام، فقبّل ما بين عينيه وأظهر الاعجاب بحديثه، وردّه على القوم قائلاً: -

_ أفديك يا بن العمّ، والله ما زال بحرك يزخر، وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا.

التتمة

[1] الاحتجاج: روي عن الشعبي، وابي مخنف، ويزيد بن ابي حبيب المصري: انهم قالوا:..

[2] هكذا في النسخ والمصدر ص – 138. وقد صححه في الأصل المطبوع هكذا: واستملاك الامة، وليس بشيء.

[3] هذه القصة انما جرت بخيبر لا في حصار بني قريظة، ولعله من خطأ الرواة.

[4] المائدة: 87.

[5] اشارة إلى قوله تعالى في الاحزاب: 26 (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال..) وهذا في غزوة الاحزاب. واما الثانية من السورتين، فكأنه اراد قوله تعالى: في الفتح: 24: (وهو الذي كف ايديهم عنكم وايديكم عنهم ببطن مكة – إلى قوله تعالى – هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام..) الآية. وهذا في الحديبية.

وكيف كان ففي الحديث اضطراب واضح، حيث ان اباسفيان، وعيينة بن حصن كانا في حنين مسلمين وقد اعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحد منهما مائة بعير من الفيء تاليفاً لقلبيهما وقد كان لعيينة بن حصن في اخذ عجوز من عجائز هوازن سهماً من الغنيمة شأن من الشأن، راجع سيرة ابن هشام ج 2 – 490 – 493.

[6] الفتح 25.

[7] ذكره ابن عبد البر، في الاستيعاب بذيل الاصابة ج 4 – ص 87.

[8] فيه غرابة حيث أنه كان للحسين (عليه السلام) حين ولي عثمان الخلافة اكثر من عشرين سنة، فكيف اجتره ابو سفيان؟ وكيف نتريده؟ وكيف كان يهلك لولا النعمان بن بشير؟.

[9] اخفضوا اقوالكم) خ ل. اخرجه الحاكم بالاسناد إلى علي (عليه السلام) وهكذا ابي ذر وابي سعيد الخدري، وصححه راجع مستدرك الحاكم ج 4 – ص 480.

[10] سورة السجدة آية 18.

[11] سورة الحجرات آية 6.

[12] الامالي المجلس 74 الرقم 4.

[13] الغاشية آية 3.

[14] ما بين العلامتين لا يناسب عتبة بن أبي سفيان وهو اخو معاوية لأبويه، وانما يناسب الوليد بن عقبة أخا عثمان بن عفان لأمه أروى بنت كريز، والحكم بن أبي العاص طريد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ولعينه عم عثمان حقيقة. وعم الوليد بن عقبة بهذا السبب، والظاهر انه من اضطراب في الرواية.

[15] الظاهر جعل الثلاثة الاخيرة واحداً حتى يصح (فبأي الثلاثة).

[16] الانبياء آية 111.

[17] الإسراء ىية 16.

[18] النور آية 26.

[19] فهلاظ.

[20] الاسراء آية 60.

[21] راجع الاحتجاج ص 137 – 143، وقد نقل القصة بنحو آخر في تذكرة خواص الامة لسبط ابن الجوزي ص 114 – 116 واسندها إلى اهل السير، ثم شرح غريب ألفاظها من 116 – 119.

ونقل كثيراً من مثالب هؤلاء عن كتاب المثالب لهشام بن محمد الكلبي فراجع (البحار ج 44 – ص 70 – 86. الطبعة الحديثة).

[22] حياة الإمام الحسن ج 2- 271 – 276 .

[23] ويروى: رمين بالأبعار.

[24] هكذا جاء في الاصل، والاصح: ولكن كيف تساوينا.