فهرس الكتاب

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم  

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلـى آله المعصومين

ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين 

مرّ العراق بمراحل عصيبة فـي تأريخه السياسي، وقد تكالبت عليـه قوى الشرّ للنيل مـن مكانته المرموقة، ولنهب ثرواته وخيراته ، فحكمه العثمانيون قرابة أربعة قرون بين مدّ وجزر، وعانـى الشعب خلالها الضنك والحرمان السياسي والاضطهـاد العرقي والتأخر الثقافي وسوء الأحوال الاجتماعية ، واستمر علـى هذا المنوال حتى احتلال العراق من قبل البريطانيين عام 1333هـ‍.

وكان الإنجليز أشد وطأة واكثر حقدا من العثمانيين فـي التفرقة والتمييز الطائفي والاعتماد علـى سياسة: (فرّق تسد).

وقد نهبوا ثروات العراق وفرضوا عليه أنظمة ومبادئ لا تتفـق مـع معتقـدات الشعـب الدينية وأوضاعه الاجتماعية ومناهجه الفكرية ، وفرضـوا عليه ضرائب قاسية وأوجدوا الشقاق والتناحر بين العشائر.

وكان من جملة ما يخططـون لـه تغيير البنية التحتية للمجتمع العراقي عبر توطين ملايين من الهنود السيخ في المناطق الجنوبية من العـراق ، وربط هـذه المناطق من الناحية الإدارية بإمارة بومباي الهندية إضافة إلى مسخ الهوية الإسلامية للشعب وربطـه بعجلة الثقافة الغربية ، وهيئوا لذلك الوسائل والسبل .

ولكن الحـوزة العلمية بقيادتها الدينية المتمثلة بالإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي والـذي يعدّ رائد التحرير في العراق ـ تصدت لهذه المؤامرة.

فانتفض الشعب ، وأخرج القوات الغازية مــن أرض الرافـدين، والـتي كانت تعدّ قوتها من الناحية العسكرية من الدول المتفوقة عددا وعـدّة ، وكانت تعيش نشوة الانتصار فـي الحـرب العالمية الأولى ، وكانت توصف بالإمبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس.

فانهزمت القوات البريطانية مقابل(المكوار)، بعد أن تكبّدت خسائر فادحة بالأرواح والمعدّات.

ولكن الإنجليز لم يتركوا العـراق سـدىً، فاغتالوا زعيمه بالسّم، وخططوا لتجيير الثورة وتحريفها بعد أن اقتنعوا إن الحكم المباشر للعراق غير مجد ، فاتخذوا أسلوباً آخر للاحتلال وهـو الانتـداب، ففرضـوا عليـه

 الطائفية والملوكية ونصبوا فيصلا ملكاً على العراق عام 1339ه‍، بعد أن أُخرج من بلاد الشام بعد أن حكمها سنتين، فاستخدم هو الآخر سياسة التمييز الطائفي وجعل العراق مستعمرة للإنجليز يديرها المندوب السامي(بيرسي كوكس) وتذرعـوا بأن أوضـاع العراق الداخلية والظروف الدولية لا تسمح له بالاستقلال والاعتماد علـى الذات ، واستخدمـوا كافة الحيل وشتى الوسائل لغرس فكرة الانتداب .

فعلى سبيل المثال : كانـوا يرسلون ولدين من أبناء رئيس كل عشيرة إلـى إسطنبول للالتحاق بالمدرسة العسكرية لتعلّم فنون الحرب ولغرس فكرة الوصاية على العراق وأنه لا يصلح لهذه الوصاية إلاّ الإنجليز .

والطريف في الأمر : إن اغلب أعضاء مجلس البرلمان وأعضاء الوزارات وأصحاب الرتب العسكرية في الثلاثينيات والأربعينيات كانوا من خرّيجي هذه المدرسة.

وعندما أحـس البريطانيون بالصحـوة الشعبية، وتطلّع العراقيون نحـو الاستقلال انتهجـوا منهجاً آخر واتخـذوا مصطلحـا معسولاً آخـر لتكريس الاحتلال لا يختلف فـي جوهره عن الانتداب ، فأعلنوا الاستقلال الصوري ودخول العراق فـي عصبة الأمم، والذي بموجبه فُرض على العراق أن يقبل التبعية لبريطانيا )الوصاية» لمدة خمس وعشرين سنة ، وأن يُمنح امتياز استخراج النفط إلـى الشركات البريطانية ، وأن تسنّ القوانـين بواسـطة المستشارين البريطانيين ، وأن تنظم الجيوش والميزانية وفق ما ترتضيه بريطانيا

وابتدأت هـذه الحقبة الزمنية مـن الثاني من جمادى الثانية عام 1351هـ‍ واستمرت إلى الثلاثين من صفر عام 1360هـ‍ أي شملت أواخر عـهد فيصل الأول وعهد غازي الذي عُيّن خلفاً لوالده حتى مقتله فـي السادس والعشرين من ذي الحجة عام 1358هـ‍، وعهد فيصل الثاني الـذي عُيّن هو الآخر ملكاً على العراق ، وبما أنه كان صغيراً فعُيّن الأمير عبد الإله وصيّاً إلى أن عُزل عن الوصاية اثر حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1360هـ‍.

وخلال فترة الاستقلال الصوري قيِّد العراق بأصفاد التبعية، واشتد الخناق علـى الأغلبية من حيث المشاركة في القرار السياسي وواعتلت صيحات الاحتجاج علـى الوضع القائم من قبل علماء المسلمين لرفع الظلـم والحيف عـن الشعب ودعت إلى إزالة التفرقة الطائفية التي انتهجتها الحكومات.

فعلى سبيل المثـال : بعث الشيخ كاشف الغطاء عام 1354هـ‍ (1) بمذكرة للملك غازي أبدى استياءه من تقييد حرية الصحافة والتمييز الطائفي الذي لحق بالأكثرية الشيعية، وتجريدهم مـن حقيقتهم الوطنية، ودعى إلى إلغاء الضرائب وتقليل عدد الموظفين في الدوائر الحكومية ودعى إلى تهذيب مناهج وزارة المعارف وجعل الدروس الدينية كسائر الدروس الأخرى، ودعـى إلـى مراعاة العدالة في تقسيم المراكز الصحية والعمرانية بيــن أبناء الــشعب وخاصة فـــي الجنوب والعتبات المقدسة(2). إن الحكومات التي تعاقبت علـى العراق فـي العهد الملكي أبقت العراق ضمن رابطـة الشعـوب البريطانية. ـ ومن يتصفح بنـود المعاهـدات الـتي أبرمت خلال تلك الفترة مع بريطانيا تتجلى له هذه الحقيقة.

ثم اشتدت محـنة الشعب فـي حقبة الأربعينيات والخمسينيات ، وعصفت به رياح الاستغـلال وتقاذفته أمواج التبعية ، وخنقت فيه الأحزاب وزُيّفت الانتخابات وقُيّدت الصحافة ، وتردّت الأوضاع المعيشية للناس ، وحُظر النشاط السياسي وعلى الخصوص في فترة

الاحتلال العسكري الإنجليزي الثاني عام 1360هـ(3).

وفـي العهد الجمهوري الـذي ابتـدأ بحكم قاسم والأخـوين عبد السلام وعبد الرحمـن عارف والبكر وصدام ، أي منذ السادس والعشرين من ذي الحجة عام 1377هـ (4) ولحدّ الآن ، دخل العـراق مرحلة جديدة مـن الكبت الفكري والاضطهاد السياسي والحرمان من التمتـع بالحقـوق ، وأضحت الطائـفية والاستبداد  والديكتاتوريـة والابتعاد عـن الدين والقيم السماوية أساسيات العمل السياسي .

وفي هذه الفترة بدأ الحكم العسكري للبلاد ، ومنعت الأحزاب الإسلامية من ممارسة نشاطاتها، وانعدمت الحيـاة النيابية ، واتسعت عمليات الاعتقـال العشوائي والتهجير المبرمج ، والتصفية الجسدية، وأضحى الشعب يعيش الجوع والحرمان والكبت والديكتاتورية والأمراض النفسية والعقد الاجتماعية .

والخلاصة أصبح العراق يعيش الذلّ والتبعية وفقدان الكرامة نتيجة ظلم حكامه وابتعاده عن سنن الله وموازينه.

ولكي يعود العـراق إلـى الاستقـرار والاستقلال وان يحكم نفسه ، لابـد من إزالة الطائفية وتغيير منهجية

حكامه ولابد لنا من  الرجوع إلى سنن الله تعالى ، وقد فَصّلتُ ذلك في كتاب ( إذا قام الإسلام في العراق ) ، والله الموفق وهو المستعان.

قم المقدسة      

محمد الشيرازي   

ربيع الثاني 1416هـ‍  

1 ـ في الشهر الثالث عام 1935م وذلك لترد الأوضاع وحدوث ثورة شعبية عارمة بين عام 1353-1355هـ‍ (1934-1936م) وسميت بثورة الرميثة ، والتي كشفت عن استياء الشيعة من سياسية التمييز الطائفي ورفضهم للواقع المرّ ، وقمع السلطة لهم .

2 ـ وتتضمّن هـذه المذكرة اثنتي عشر مادة ، دوّنها عبد الرزاق الحسني في كتابه : تأريخ الوزارات العراقية ص101 .

3 ـ دخلت القـوات البريطانيـة العاصمـة بغـداد فـي نيسـان عام 1941م .

4 ـ الرابع عشر من تمّوز عام 1958م .