الفهرس

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

كلمة الله هي العليا

إنني من خلال تجاربي القليلة علمت أن كلمة الله هي العليا دائماً.

كما وجدت إن الشعوب هي صاحبة الكلمة.

وذلك لأن كلمة الله هي الكلمة الصحيحة، والصحة مطابقة للفطرة الإنسانية إذا وجدت من يقولها، ويدعو إليها.

كما إن الشعب بما له من الضغط المستمر الهائل لابد وأن ينتصر على من ليس له مثل هذا الضغط أعني الحكومات، ولذا فان الحكومات الدينية تبقى لأنها لا تلاقي ضغطاً من قبل الشعب، وبعدها البقاء للحكومات الديمقراطية، لأنها هي الشعب.

وأفضلية الحكومات الدينية على الحكومات الديمقراطية، ـ ونقصد بها طبعاً الديني الصحيح ـ أن الأولى تعتمد على الشعب وعلى الواقع، بينما تعتمد الثانية على الشعب فقط.

ولذا فإني أنصح من بصدد الحكم إن أراد لنفسه البقاء أن يعتمد على الدين واقعاً، لا صورة وخداعاً، فإن الخداع إن دام ساعة فإنه لا يدوم إلى قيام الساعة.

مع متصرف كربلاء

وانطلاقاً من هذه النظرية فإني كنت منذ الانقلاب بل وقبله حيث أرى ضغط الشعب على حكومة (نوري السعيد)[1] مطمئناً بأن هذه الحكومات في طريقها إلى الزوال، وقد شرحت بعض هذا الشيء لمتصرف[2] كربلاء (حسن الوداي)[3] الذي جاء إلى كربلاء في عام (1963).

حيث جاء البعث بقطار (الانكلو أمريكي) حسب تعبير أحد قادته، وهو (علي صالح السعدي)[4] الذي صار وزيراً للداخلية، فقد جاءني هذا المتصرف ليزورني، ومعه رئيس البلدية، وبعض رجال الدين من أصدقائي.

فقلت له: إنكم إذا أردتم البقاء لابد وأن تراعوا حرمتين:

1: حرمة الدين.

2: وحرمة الشعب.

حيث إنكم إذا لم تراعوا حرمة الدين لابد وأن المتدينين وهم الكثرة الكاثرة في العراق يقفون ضدكم ولا طاقة لكم بهم، فانهم قوة هائلة مهما بدوا متفككين غير منتظمين في مرفق من مرافق التقدم.

وإذا لم تراعوا حرمة الناس فإنهم يضغطون ويضغطون إلى أن يسببوا انفجاراً عليكم.

ثم ذكرت له تفشي القمار في كربلاء من بعد ما جاءوا إلى الحكم بعد أن كان ممنوعاً في كربلاء المقدسة.

قال: لكننا نطلق الحريات لمن أراد، فان من مبادئ حزب البعث الحرية؟

قلت: وهل أنكم مستعدون أن تطلقوا حريات الشيوعيين أيضاً ليفعلوا ما شاؤوا؟ حيث إن البعثيين قبل ذلك كانوا ضد الشيوعيين مائة في المائة، بحكم إن أسياد الأولين كان الغرب، وأسياد الآخرين كان الشرق.

أجاب هكذا، قال: كلا، لأنهم يهدّمون البلاد.

قلت: فالقمار أيضاً يهدم البلاد، لكن كل هدم من نوع، فهدم القمار من نوع الاقتصاد والصحة، بل ويصل أحياناً إلى هدم الاجتماع، أما هدم الشيوعية فمن حيث السياسة أولاً ويتبعها سائر أقسام الهدم.

ولم يجد المتصرف جواباً إلا الضحك..

وقد صار ما تنبأت به إذ سقط حكمهم في أيام قلائل، كما هو معروف حيث إنهم لم يكونوا يراعون حرمات الله تعالى ولا حرمات الأمة.

دفاعاً عن السيد الحكيم (رحمه الله)

ولنمثل لقوة ضغط المتدينين، بمثال حدث في زمان قاسم[5]، فقد هاجمت جريدة (الحضارة) ذات النزعة الشيوعية الإمام السيد محسن الحكيم (رحمه الله)[6] وإذا بغالب المدن في الجنوب تغلق الأسواق استنكاراً، مع أن الإرهاب كان مسيطراً، وأغلقنا نحن أيضاً المحال التجارية في كربلاء المقدسة مما ظهر للحكومة قوة لم تكن تتصورها، واضطرت إلى أن تبعث إلينا من يقول: إن بغداد اتخذت التدابير الصارمة ضد الجريدة المذكورة، فأؤمر أن يفتح الناس محالهم.

لكني كنت أعلم بكذب الكلام، فقلت: إن دين الناس هو الذي حتم عليهم الغلق، لا أنا، فأعتذر أن أتدخل في الأمر قبل أن نعلم علماً قطعياً إن بغداد اتخذت تدابير صارمة ضد جريدة (الحضارة).

ولما يئسوا مني التمسوا أناساً آخرين وعملوا ضغوطاً وإرهاباً، حتى تمكنوا من فتح المحلات التجارية، ولكن بعد ذلك تبين كذبهم وأنهم لم يتخذوا أي تدابير ضدها، بل صدرت الجريدة في يوم غد وكأنه لم يكن شيء بالأمس، لكن الجرائد عرفت أن حمى رجال الدين لا يمس، وإلا كانت الجماهير على استعداد لأن تقف منها موقف المناوئ.

ومن ذلك الحين إلى حين مجيء البعثيين مرة ثانية إلى الحكم في قطار (انكلو إمريكي) كانت الحكومة وأجهزة الإعلام، تتحاشى من تجربة الخطأ مرة ثانية، وحتى في زمن حكم البعث الثاني، وقضايا الأخ السيد حسن والسيد مهدي الحكيم لم يدم تهجم الحكومة والإعلام على رجال الدين بل انسحبت من الميدان بعد مناورة بسيطة، حيث إن الأمة هاجمت الحكومة بكل قواها.

كلمة للعاملين

ولكن هنا كلمة يجب أن لا تفوت السامع، وهي إن الإنسان الذي يريد العمل يجب أن لا يغتر بهاتين القوتين، قوة الأمة وقوة الدين، إذ حكمهما حكم ماء السماء، إن لم يشق له أنهر ويزرع بسقيه، لم يأت بالثمر، وفي المثل: قيراط من العمل خير من قنطار من الكلام.

إن القوتين تشكلان رتلاً خامساً ـ على الاصطلاح ـ والرتل الخامس لا يكفي وحده، بل اللازم أن يفجر الإنسان هاتين القوتين بالعمل المنظم الحازم الذي يكون على المستوى اللائق.

إن قاسم ترجم قوة الشعب ضد نوري السعيد إلى الثورة، فاستفاد من هذه القوة، كما إن أبا مسلم الخراساني ترجم قوة الدين ضد الأمويين إلى إزاحة حكمهم والإتيان ببني العباس.

ومن الواضح أن ترجمة القوتين إلى العمل صعب جداً، لأن الناس عادة مستعدون للكلام والضغط وليسوا مستعدين للعمل، وبهذه المناسبة أذكر حادثتين يدل كلاهما على أن كثيراً من الناس ليسوا مستعدين للعمل مهما كانت عواطفهم إلى جانب.

في أيام العهد الملكي

فقد اتفق في أيام العهد الملكي أن تعدّت جهة خاصة على رجل من رجال الدين، فهاجت وماجت كربلاء للحادث، واجتمعنا نحن في إحدى المدارس الدينية لوضع حد لمثل هذا التعدي حتى لا يتكرر في المستقبل، وقرر المجتمعون الذهاب إلى متصرف اللواء، ولما حانت ساعة الذهاب أخذ المتحمسون يفر الواحد تلو الآخر، حتى لم يبق منهم إلا أنا وأربعة، واستقلينا الواسطة (الربل) وفي أثناء الطريق نزل أحدهم بحجة أن له عملاً، فلم نمض إلى المتصرف إلا أربعة فقط.

اعتقال السيد مرتضى القزويني

وفي حادث ثان، اعتقلت السلطة في زمن قاسم (السيد مرتضى القزويني)[7].

فاجتمعنا في إحدى المدارس الدينية لأجل التفكير في كيفية إنقاذه، وكان الجو ملبّداً بالإرهاب، وكان يخشى على السيد من الإعدام، وقلنا: إن القرار المبدئي أن نذهب إلى نفس السيد في (السراي) ـ مركز الاعتقال ـ قبل أن يُذهب به إلى بغداد، لعلنا نتمكن من إقناع السلطة بإطلاق سراحه ولو بالكفالة، أو نرى ماذا هو رأي السيد في الأمر.

فلم يبدِ المجتمعون المتحمسون استعداداً بالذهاب إلى المتصرف، بل تسللوا لواذاً، حتى لم يبق إلا أنا و (السيد صادق الشهرستاني)[8] وإنسان آخر.

واستقلينا الواسطة التي اقلتنا إلى دار المتصرف، ولكن الشخص الثالث نزل في أثناء الطريق، بحجة تافهة، فلم نقابل السيد والمسؤولين في تلك الليلة إلا نحن الاثنين، مع إن العواطف كلها كانت مع السيد.

...[9].

[1] مرت ترجمته.

[2] المتصرف: اصطلاح قديم يراد به المحافظ اليوم.

[3] حسن الوداي، عيّن محافظاً لمدينة كربلاء عـام 1383ه (1963م)، وبقـي في منصبه لمدة ثمانية أشهر فقط، ويعدّ المتصرف رقم 38 من بدأ تأسيس الحكومة العراقية.

[4] علي صالح السعدي: زعيم الحزب والمساهم في حركة شباط 1963م ونائب رئيس الوزراء آنذاك.

[5] مرت ترجمته.

[6] آية الله العظمى المرجع الديني الكبير السيد محسن بن مهدي بن صالح بن أحمد الطباطبائي الحكيم، ولد (رحمه الله) في شوال 1306هـ / 1889م في بلدة بنت جبيل بلبنان، توفي والده عام 1312هـ وعمره آنذاك ست سنوات وتركه مع والدته وأخيه الأكبر آية الله السيد محمود الحكيم (قدس سره) والذي يكبره بعشر سنوات لتتولى الأم والأخ الكبير تربيته ورعايته. وكان أمين سر القيادة في ثورة العراق على البريطانيين سنة 1938م قبل أن يكون المرجع الأعلى، صنف العديد من الكتب القيمة، قيل إنها تقارب خمسين مؤلفاً، أجلها (مستمسك العروة الوثقى) و (توضيح المسائل) و (حقائق الأصول) و (دليل الناسك في المناسك)، ومن أعماله تأسيس المكتبة العامة المعروفة باسم (مكتبة آية الله الحكيم العامة) في النجف الأشرف وهو أول من أسس مكتبة عامة فيها، كما أنشأ لها فروعاً في مدن العراق، واندونيسيا وسورية ولبنان. أصدر فتواه الشهيرة بتكفير الشيوعية والكشف عن صبغتها الإلحادية في 17/ شعبان/ 1379هـ أيار 1960م واعتبر أن الشيوعية كفر وإلحاد ونشر الفتوى في جريدة العراق آنذاك. تعرض للمضايقة من قبل حزب البعث في العراق. توفي ببغداد عام 1390هـ /1970م ودفن في النجف الأشرف وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً في تاريخ العراق حيث عطلت الأسواق وخرجت المدن عن بكرة أبيها لوداعه (رحمه الله).

[7] آية الله السيد مرتضى بن السيد محمد صادق القزويني، ولد عام 1350هـ خطيب شهير وشاعر أديب وعلم من أعلام العلم والأدب والخطابة، قاوم المد الأحمر في العراق أثناء حكم قاسم عام 1958م، اعتقلته السلطات الظالمة في العراق عدة مرات، وعذب خلالها ونفي إلى شمال العراق، هاجر إلى الكويت ثم ايران ثم امريكا، وأسس العديد من المؤسسات الإسلامية في دول عديدة، له عدة أبناء علماء وفضلاء وخطباء.

[8] السيد صادق الحسيني المرعشي الشهرستاني (رحمه الله)، كان من وجهاء مدينة كربلاء المقدسة، عاصر المرجعين الشهيرين: السيد حسين القمي (رحمه الله) والميرزا مهدي الشيرازي (رحمه الله)، حيث كان ملازماً للأخير وقد رافقه في سفرته إلى الديار المقدسة في مكة والمدينة، كان له محل عطارة في أول سوق العطارين بكربلاء، وكان يقوم بتنظيم رحلات دينية إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج. توفي بكربلاء ودفن فيها.

[9] إلى هنا انتهى ما وجدناه من الدفتر الخطي الرابع، ويبدو أنه كان للبحث صلة. الناشر