الفهرس

المؤلفات

 الأ د يان

الصفحة الرئيسية

 

الدين

المسلم: وهل لك نظرية حول الدين؟

دارون: نعم نظرية مهمة جداً.

المسلم: وما هي؟

دارون: اجتاز الإنسان مراحل بالنسبة إلى الدين، وهي:

1 ـ الأفكار.

2 ـ السحر والكهانة.

3 ـ الوثنية.

4 ـ التوحيد.

5 ـ العلم.

المسلم: اشرح، من فضلك!!

دارون: نعم:

1 ـ الإنسان القديم، كان كل همه بطنه وفرجه، لا يعرف شيئاً غيرهما، كسائر أفراد القرد، ثم عرف الزراعة، وأُمّنت له زوجته بعد مئات الآلاف من السنين، فأخذ يتأمل في السماء والأرض ما هما؟ ومن هنا نشأت الأفكار.

2 ـ ثم أخذ يفكر في الموت:

فإن الموت الطبيعي لم يكن من مألوف الإنسان، وكان أكثر ما يرى الموت عند القتل، أو التردّي، أو الغرق، فيعرف عندئذ سببه، أما أن الموت يحصل بلا سبب، فهذا ما لم يكن يعقله، لذلك صار يعتقد: أن الإنسان عندما يموت وحده بشيخوخة أو مرض، إنما يحدث له هذا الموت بفعل إنسان بعيد عنه أراد له المرض أو الموت، ونجح في تحقيق إرادته بطرق خفية، خارجة عن نطاق مداركه، ومن هنا نشأ السحر.

3 ـ ثم أن الإنسان رأى بعض الأشخاص يُغمى عليهم، ثم يفيقون، ورأى في الرؤيا أن بعض الأموات يُكلّمونه، فاعتقد أن الإنسان ليس نهايته الموت، لما رأى من حياة الإنسان بعد موته ظناً منه في حالة (الإغماء)، ولما رأى في (الرؤيا)، ومن هنا نشأ الاعتقاد بالآخرة، ونشأ إلى جنبه احترام الجثة، واحترام الجثة جرّ إلى عبادة الأصنام، لأنهم كانوا ينحتون شبيه الميت ـ إذا كان عظيماً ـ ويعبدونه، أي يحترمونه. ومن هنا نشأت الوثنية.

4 ـ وحيث إن بعض الأمم لم تكن تعرف صناعة التماثيل والأصنام، وأرادت اللحوق بجيرانها من حيث احترام الآلهة، اخترعت لنفسها إلهاً واحداً.

5 ـ ثم جاء العلم وأبطل الجميع.

المسلم: وأي علم هذا الذي أبطل الجميع؟ هل هو علمك، وعلم أمثالك، الذي كان كله كلاماً؟!

ما دليلك على هذه النظرية الطويلة العريضة العميقة؟

دارون: هكذا قادتني فكرتي، ولا دليل لي على ذلك.

المسلم: أولاً:

من أين تُثبت أن الإنسان الأول كان كما زعمت؟ فإن الأديان تقول: إن الإنسان الأول كان نبياً من الأنبياء، وهو آدم (عليه السلام).

وما دليلك على ردّ هذا القول؟

ومن أين لك هذه الفلسفة (المزعومة) بالنسبة إلى الموت، في المرحلة الثانية التي زعمت أنها منشأ السحر والكهانة؟

ومن أين تُثبت أن الإنسان رأى من يُغمى عليه، ورأى الميت في المنام، ثم تنبأ بما ذكرت في المرحلة الثالثة التي زعمت أنها منشأ الوثنية؟

ومن أين تقول أن بعض الأمم لم تكن تعرف صنعة التماثيل في المرحلة الرابعة التي زعمت أنها منشأ الإله الواحد؟ ثم أليست البلاد العربية كانت تعرف صنع التماثيل؟ فلماذا آمنت بإلهٍ واحد؟

ثم كيف تدّعي أن العلم أبطل الكل؟

إنه بالعكس أثبت الوحدانية، التي كانت هي المرحلة الأولى والثانية والأخيرة، لو فرض هناك مراحل على زعمك.

إن العلم.. بالعكس، أبطل كلامك الذي يدل على قلّة ثقافتك، التي تدل على أنك لم تطّلع حتى على كتاب واحدٍ عن الإسلام. ودعنا عن سائر الأديان.

إن مثلك ومثل القائلين بالإله الواحد:

مثل رجلين اصطحبا، أحدهما مؤمن والآخر ملحد.

فمرّا أثناء سفرهم بحديقة غنّاء ذات أطيارٍ جميلة، وأزهارٍ نظرة، وأشجارٍ مثمرة، وأنهارٍ جارية، تحتفّ بقصر فخم مؤثث بأحسن الرياش، وأجمل الأثاث، فيه مكتبة تحوي أُلوف الكتب في العلوم المختلفة، ومكيفات هواءٍ، وفرشٍ ثمينة.

فقال المؤمن: هذه الحديقة بمحتوياتها من صنع مهندس قدير، وصنوف مختلفة من مهرة الصناعيين والفلاحين.

وقال الملحد: كلا! لم ترهم عيني، وإني لا أؤمن إلا بالمحسوس.

فقال المؤمن: فمَن صنع هذه الأشياء كلها؟

قال الملحد ـ بعد تفكير طويل ـ :

نقلت الرياح الأحجار من جبل هناك على بعد ثلاثة أميال، ونحتتها بمرور الأزمنة، حتى صار هذا القصر.

ونقلت الأشجار من غابة هناك على بعد أربعة فراسخ، وغرستها بطول الأزمنة حتى صارت الحديقة!

ونقلت بعض جذاذ الصوف من أغنام راعٍ كان يمرّ بالقرب، ثم حلجتها الرياح بضربها بالجدران والأراضي، ونسجتها وصنعت منه الفرش بمرور الأزمنة!!

ونقلت كمية من القطن، ثم صنعتها أوراقاً، ثم كتبت عليها بمرور الأزمنة، حتى صارت المكتبة!

ونقلت، ونقلت، وفعلت، وفعلت.

إلى أن اكتمل القصر بما فيه، كما ترى.

قال المؤمن: دعنا عن كل هذا الهذيان، فأنت الذي لا تؤمن إلا بالحس.

هل شاهدت ما ذكرت؟

قال الملحد: لا، لم أشاهد، ولكنها نظرية.

قل المؤمن: فكيف تقول بما لم تشاهد؟

فانقطع الملحد، ولم يحر جواباً!

وأنت يا دارون، هل شاهدت ما ذكرت من ترتيب مراحل تطور الدين؟

دارون: لا، لم أشاهد، ولكنها نظرية.

المسلم: وهل ذلك دليل على ذلك؟

دارون: لا.

المسلم: فكيف تقول إذن بهذا الكلام الذي هو إلى هذيان المصروعين، أشبه منه بكلام الأصحاء؟

دارون: أُفكر!