الفهرس

المؤلفات

 الأ د يان

الصفحة الرئيسية

 

الأخلاق

المسلم: أفدنا ـ يا دارون، عافاك الله ـ بباقي معلوماتك الجليلة، فإنا متعطشون إلى مناهل ثقافتك المترعة!

فما ترى في منشأ تولد (الأخلاق)، وكيف تطورت إلى ما نراه اليوم؟

دارون: دعني عن المزاح، فإني أتكلم عن الحقائق لا عن الأوهام، وعن ما قادتني التجربة والعلم إليه، لا عن ما قاله الأنبياء والمصلحون.

المسلم: تفضل، وبيّن كيفية نشأة الأخلاق؟

دارون: لا بد لنا من ذكر أمرين مهمين، حتى نعرف نشأة الأخلاق، وهما:

1ـ الطوطم.

2ـ الطبو.

أما الطوطم: فهو الحيوان المحترم، الذي لا يجوز قتله.

وأما الطبو: فهو الشيء المحرّم عند المتوحشين.

وهذان هما سببا ولادة المحرّمات، والمحرمات هي التي ولّدت الأخلاق.

المسلم: اشرح، من فضلك!

دارون:

إن نساء المتوحشين، ما كنّ يعرفن أن الرجل هو سبب الحمل في المرأة، فإذا مرّت المرأة الحبلى على ثعبان أو عظاية أو سنح لها طائر أو حيوان، اعتقدت أن هذا الحيوان هو سبب حملها وولادة الطفل. فإذا ولدت وشبّ ابنها، صار هذا الحيوان طوطماً له، لا يجوز أن يقتله أو يؤذيه، للصلة التي توهمت الأُم وجودها بينه وبين الطفل. وربما كان في ذلك أصل لتقديس بعض الحيوان بعد ذلك.

وهذه هي ولادة الطوطم.

المسلم: دعنا قبل أن تتكلم عن الطبو، أسألك عن شيء.

دارون: وما هو؟

المسلم: من أين تقول هذا؟ ولم كانت المرأة تعتقد أن الحيوان سبب حبلها، دون الرجل؟

دارون: إني لا أقول هذا القول، إلا لأني رأيت أن بعض الناس يحترمون بعض أصناف الحيوان. دون أن أعرف له سبباً آخر، فلابد أن يكون هو السبب.

المسلم: وهل هذا من العلم؟

إنه يشبه إلى حد بعيد، ما يُنقل:

من أن جماعة من المتوحشين ظفروا بجلد سلحفاة، ولما عجزوا عن فهم ما هو؟ رجعوا إلى رئيسهم، واستفسروا منه، فقال ـ بعد أن تأسف على قلة معرفتهم ـ : إنه أحد شيئين: إمّا ملفوفة ـ وهي طعام مطبوخ من ورق الكرم ملفوفاً بالأرز والدهن واللحم وشيء من السكر ـ أو حمام!

ثم استدل لذلك، بأنه يعرف كل شيء إلا هذين الشيئين!

فلا بد وأن يكون هذا الشيء الذي وجدوه، أحدهما.

والآن اشرح لنا الطبو!

دارون: الطبو.

وهي لفظة (بولينيزية) عممها العلماء على كل ما هو محرّم عند المتوحشين، وفكرة التحريم عند المتوحش تختلف عما نفهمه من هذه الكلمة، فمثلاً: زوجة الأب طبو لأولاده، أي يحرم عليهم أن ينظروا إليها، أو أن يتعاملوا معها، فإذا فعلوا ذلك صاروا هم طبواً، يحرّم على رجال القبيلة، أن ينظروا إليهم؛ أو يتعاملوا معهم.

فمن ارتكب شيئاً محرّماً عند المتوحشين، صار نجساً يحرم على سائر أفراد القيلة النظر إليه. فمن ارتكب طبواً، صار هو نفسه طبواً.

ومن الطبو نشأت الأخلاق. إذ عرف الإنسان ما يجوز له أن يعمله، وما يجب عليه أن يتجنبه(1).

وهذا بنظري هو منشأ الأخلاق.

المسلم: فمن أين فهمت أيها الأُستاذ أصل الطبو؟

ثم كيف ربطته بالأخلاق؟

وهل كون الصدق حسناً، والكذب قبيحاً.

أو كون الأمانة فضيلة، والخيانة رذيلة.

مرتبط بالطبو؟

ولو فرضنا أن الطبو لم يكن، فهل العقل لم يكن يحكم بهذه الأمور؟!

دارون: أُفكر.

المسلم: فكّر.

ولكن أرجوك أن لا يكون جوابك من قبيل نظرياتك حول الأخلاق، والدين، واللغة، وما إليها.

 

1 ـ انظر (نظرية التطور وأصل الإنسان) لسلامة موسى.