الفهرس

المؤلفات

 الأ د يان

الصفحة الرئيسية

 

الحضارة

المسلم: للحضارة معنىً واسع، فإنها تشمل:

الزراعة، الطبخ، اللباس، الآلة، الزواج، وغيرها.

فما اعتقادك في أصل حضارة الإنسان يا دارون؟

دارون:

الزراعة

فإن الإنسان، لبث ـ بعد أن تحول عن القرد ـ مئات الألوف من السنين يقتات على حشائش الأرض، لا يعرف الزراعة، وقد عرف الزراعة بواسطة دفن الأموات، فإنه كان إذا دفن ميتاً وضع بعض الأثمار معه حتى يأكلها، اعتقاداً منه بأنه يحتاج إلى الطعام بعد وفاته.

فكانت البذور التي في الأثمار تنمو، بل تنمو بسرعة لأنها تتغذى بسماد الجثة المدفونة، فكان هذا داعية إلى تنبهه إلى الزراعة.

المسلم: من أين لك هذا؟

دارون: هذه نظرية ارتأيها، وإلا فمن أين عرف الإنسان الزراعة؟!

المسلم: قيل لـ(جحا): أين وسط الأرض؟ قال: حيث وقف حماري، وإلا فاذرع. قيل له: كم عدد كواكب السماء؟ قال: بعدد شعرات جسد حماري، وإلا فاحسب.

وهذا مثلك في قولك: وإلا فما هو السبب؟

وما المانع أن يكون الزرع بوحي من السماء، كما يقول الدين؟

ثم ما المانع من أن يكون اهتداء الإنسان إليه بواسطة ما رآه من نبات الأرض، فأخذ النبات ووضعه في محل آخر، فنبت هناك. ومن هنا كان عرفانه؟

دارون: أُفكر.

المسلم: فكّر.

ثم ما سبب الطبخ بنظرك؟

دارون:

الطبخ

فالإنسان القديم لم يكن يعرف النار، وكان يقتات الحشائش وما يصيده، ولا بد أن يكون الإنسان إنما رأى النار ـ أول رؤيته ـ في الغابات وقت القيظ، حين يجتمع الجفاف والحر، فإن النار تحدث في الغابات، في مثل هذه الأوقات.

هذا هو بِدء معرفة الإنسان بالنار.

أما كيفية استخراجها، فلم تعلم إلى الآن. لكني أظن أن الإنسان رأى خروج النار من بين حجرين، إذا وقع أحدهما على الآخر، فاتخذه وسيلة لقدح النار.

ولذا نرى أن جميع المتوحشين يعرفون كيفية قدحها بالزند. وهذا هو بِدء معرفة الناس بالنار، وأخذوا يطبخون.

أما كيف عرف الإنسان طبخ اللحم؟ فإنه يسهل إذا عرفنا من أين اعتاد الإنسان أكل اللحم، بعد أن كان يأكل النبات، حين كان قرداً.

وسبب هذا:

أن الأصل في أكل الإنسان اللحم: هو أنه أراد بذلك القوة فإن هذه العادة نشأت ـ أولاً ـ لرغبة الإنسان في الحصول على قوة الرجل المقتول أو الميت، فإنه كان يأكل قلبه أو دماغه أو عضواً آخر منه، كي يصير شجاعاً جريئاً، كالرجل المقتول، ثم تعدّاه إلى أكل الحيوان.

المسلم: من أين هذه الفلسفة الطويلة، في أصل النار، وأصل الطبخ، وأصل أكل الإنسان اللحم؟

دارون: هكذا سنح بخاطري. والذي يشهد بذلك عدم اعتياد بعض الناس أكل اللحم، وما يكثر عند المتوحشين من أكل القاتل بعض أعضاء المقتول.

المسلم: وأي ربط بين هذين وبين ما ذكر؟

نعم، الصحيح هو أنك سنح بخاطرك هذا، كما سنح بخاطرك من قبل أشياء وأشياء، نود أن نعرف الدليل عليها.

دارود: أُفكر.

المسلم: فكّر!

ثم ما سبب اللباس بنظرك؟

دارون:

اللباس

فالإنسان أول ما صار إنساناً، متطوراً عن القرد، كان جلده مكسواً بالشعر، ولم يخرج من شعره إلا بالتدريج، كما هي سنة التطور.

والعامل الجنسي لعب دوراً هاماً في سلخ الإنسان من شعره.

فإن المرأة التي كانت أقل شعراً، كانت أكثر عدداً من حيث رغبة الرجال إليها.

ثم كثر نسلها من هذه الجهة.

فزال الشعر من جسد الأولاد والأحفاد تدريجياً.

ثم لم يكن الإنسان يلبس شيئاً لأجل الوقاية، بل لأجل الزينة.

وذلك أن الرجل كان إذا قتل حيواناً، وضع فروته أو جلده على كتفه للفخر والتزين وإظهار البطولة.

ثم لما رآه يقيه من الحر والبرد، شرع يلبس الجلد.

ونافسه الآخرون في العمل، حتى صارت عادة.

ثم تطور اللباس إلى أن وصل إلى هذا الحد المعتاد اليوم.

المسلم: وهل يدل دليل على هذا التطور الذي ذكرت، أم أنك تقوله من عند نفسك؟

دارون: بل هذه نظرية، ولم يقم عليها دليل، إلا ما نراه من عري بعض المتوحشين، وتدرج اللباس عندنا من بسيط إلى جميل.

المسلم: فهل عري المتوحش دليل على أن الإنسان كان كذلك بهذه الفلسفة الوهمية؟

إن كلامك هذا يشبه كلام ذلك الرئيس البدوي، حيث عرض عليه أتباعه سكيناً مكسوراً كبيراً ـ ولم يكن رأى قبل ذلك هكذا سكيناً، ولكنه كان رأى عند نجار منشاراً ـ فلما استفسروا منه: ما هذا؟

فقال بعد فكر طويل: إن هذا منشار صغير، لم تنبت له ـ بعد ـ أسنان!

فمن أين لك أن تثبت هذا التطور الذي زعمت في اللباس؟

دارون: أُفكر.

المسلم: فكّر.

وهل لك نظرية حول الآلة؟

دارون: نعم.

الآلة

فقد تبدلت أحوال الإنسان بالنسبة إليها، ومرت بالإنسان إلى اليوم الحاضر أربعة عصور مختلفة:

1ـ عصر البداوة.

2ـ عصر الحجر.

3ـ عصر البرونز.

4ـ عصر الحديد.

فقد مرت بالإنسان مئات الألوف من السنين، وهو لا يعرف الآلة إطلاقاً، ثم أخذ يعالج قتل الحيوان لصيده، وقلع الأشجار للتدفئة، بالأحجار والأصداف والقرون والخشب والعظم، وهذا هو العصر الحجري.

وبعد ذلك أخذ يصنع الآلة من البرونز.

إلى أن وصل إلى عصرنا الحاضر، الذي أخذ يصنع الآلة فيه من الحديد.

المسلم: وما دليلك على هذا؟

دارون: الدليل أمران:

1ـ وجود هذه الآلات القديمة في بعض الحفريات، وعند جماعات من المتوحشين.

2ـ تداولها إلى الآن في بعض المدن.

المسلم: وهل ذلك دليل على هذا الترتيب المزعوم؟ إنا لا ننكر التطور في الجملة في بعض الأشياء، كما نراه بالنسبة إلى آلات العمل ووسائل النقل وما إليها. أما أن نظفر ببعض الحفريات فنعلل ما قبل التاريخ بأوهام فذلك ما يأباه العلم والمنطق، وإن مثلك أيها الأستاذ مثل من يقول:

إن الإنسان كان في الزمان القديم قبل مئات الألوف من السنين طويلاً طولاً مدهشاً، ثم صار أقل طولاً وأقل طولاً، حتى وصل إلى هذا الحد الذي نجده الآن، ثم يستدل لذلك بوجود الكواكب، والجبال، والبحار، وبعض العمارات الشاهقة، فيقول:

كان الإنسان طويلاً جداً، وفي ذلك العصر صنع الكواكب ووضعها في السماء، ثم صار أقصر وحينذاك صنع الجبال وحفر البحار. ثم بعد ذلك صار أقل طولاً، فبنى بعض العمارات الشاهقة كقلعة بعلبك ـ مثلاً ـ حتى وصل إلى حده الآن فجعل يبني البيوت المتواضعة.

فهل ترى هذا الكلام منطقياً أو علمياً؟ وهل ترى استدلاله بالكواكب والجبال وبوجود أشخاص طوال في المجتمع ما يثبت كلامه؟

وأي فرق بين مزاعمك وبين هذا الكلام؟

دارون: أُفكر.

المسلم: فكّر.

وما نظريتك في الزواج؟

دارون: 

الزواج

لم يكن الإنسان القديم، بعد تحوله عن القرد، يعرف الزواج المتعارف، وإنما كان كل همه إفراغ شهوته الجنسية، ولذا كان كل رجل زوجاً لأي امرأة يتمكن منها وبالعكس، ومما زاد في هذه الفوضى أن الإنسان لم يكن مستقراً في مكان لأنه لم يعرف بعدُ الزراعة، ليرتبط بالأرض، فكان الإنسان في سير دائم طلباً للطعام.

وفي هذه المدة ظهرت عادة السبي، فإن بعض الذكور كانوا يجدون مشقة في الحصول على الأنثى فيخاطرون بالقتال ويخطفون فتاة أو صبية. وهذه العادة علّمت الإنسان الحرب.

وبعدما ارتبط الإنسان بالأرض بسبب الزراعة أخذ الزواج صورة أخرى. وكان من الشائع أن يستأثر رجل قوي بعدة نساء.

حتى انتهى المطاف إلى الزواج المعاصر الآن.

المسلم: ومن أين لك هذه النظرية في الزواج؟

دارون: لم أجد ذلك في تاريخ أو دين، وإنما له شواهد.

المسلم: ما هي هذه الشواهد؟

دارون:

1ـ لا يزال بين الهمج الآن عادات تمارس في العرس، تدل على أن السبي هو أصل الزواج، فالزوج يتظاهر بخطف المرأة بين ولولة النساء وصراخ الفتاة.

2ـ من المتحضرين من يلقي الرز في وجوه الحاضرين ويحمل الزوجة، وذلك مما لا نتمكن من تفسيره إلا بأن يكون هذا العمل تقليداً لخطف العروس وكفاح الآخرين لمنعه، الذين كانا متداولين عند الإنسان الأول.

3ـ إن بعض الأمم تحرّم التزويج من العشيرة ـ كالصينيين ـ مما يدل على أن الإنسان الأول كان يعتبر السبي وسيلة إلى الزواج، ولا يمكن السبي من العشيرة.

4ـ الصداق الذي يدفع لأهل المرأة لا يمكن تفسيره إلا بأنه كان فِدية عن المرأة المخطوفة، فاتّخذ عندنا هذه الصورة.

المسلم: هل عادة همجية وظريفة عند بعض الناس في الأعراس، وتحريم أمة الزواج من العشيرة، وتفسير مختلق للصداق، يبرر مزاعمك حول الزواج؟

وأي ربط بين دعواك، وهذه الأدلة؟

وهذا يقرب من أن يقول أحد: إن نثر الحلوى في العرس رمز تقليدي لنثر الشجاع المختطف للمرأة رؤوسَ المانعين عن خطفها، وإن الإطعام تقليد لما كان تفعله الحيوانات من أكل أجزاء من المقتولين في المعركة، وإن الشموع التي تضاء في محافل الأعراس بقايا من عادة الإنسان الأول الذي كان يضرب الناس ـ إذا أراد خطف الفتاة ـ بالعيدان فإن العود يشبه الشمع.. فهل تقول بهذه الحقائق العلمية التجريبية يا دارون؟

دارون: أُفكر.

المسلم: فكّر.. ولكن كان الأفضل أن تفكر قبل أن تطرح نظريتك في السوق.

وهل لك نظرية حول حواس الإنسان؟

دارون: نعم.

المسلم: وما هي؟

دارون:

الحواس

إني أرى أن الإنسان كان قبل ملايين السنين مختلفاً من حيث الحواس عن الإنسان اليوم، فقد كان يُبصر بجميع جسمه، ويسمع بجميع جسمه.

ويمشي على جميع جسمه، ويتذوق بجميع جسمه، ويشم بجميع جسمه، وهكذا.

وكان أضعف حاسة من الإنسان المعاصر.

ثم طرأ ـ بسبب التطور ـ فيه أمران:

1ـ تخصّص بعض أجزاء الجسم لبعض الأعمال: فتخصّصت العين للنظر، والأذن للسمع، واليد للبطش، والرِّجل للمشي، والفم للأكل، والأنف للشم، وهكذا.

2ـ ضعف بعض الحواس، وقوة بعضها الأخر بحسب حاجته إلى بعضها أكثر من الحاجة إلى البعض الآخر، فمثلاً: بينما نرى حاسة البصر قوية، نجد حاسة الشم ضعيفة. حتى أن التطور في المستقبل ربما يسبب ذهاب حاسة الشم بالمرة، بينما يقوي حاسة العين ـ كما تقدم نقله ـ بالنسبة إلى الإنسان المستقبل.

المسلم: ومن أين تقول هذا؟ وهل لك دليل؟

دارون: هذه نظرية ارتأيتها، وما عليّ أن يقبل أحد أو لم يقبل.

المسلم: فكيف صار هذا التخصّص؟ هل فعله عاقل ذو شعور، أم جاهل؟

ومن هو ذلك العاقل الحكيم الذي فعل هذا؟

دارون: أُفكر!!