الفهرس

المؤلفات

 الأ د يان

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.

ما هي الوجودية؟

هذا الكتاب الذي بين يديك وضع ليسلط بعض الضوء على المذهب الوجودي الذي اخذ يغزو بعض الأدمغة من الشباب الذين سعى المستعمرون لتفريغ أدمغتهم من الوعي الصحيح، فأخذ بعضهم يثملون من كل مستوفد ولو كان أتفه من كل تافه.

فان مثل الدماغ مثل المعدة، فإذا لم تجد المعدة الغذاء الطيب تطلبت حتى الخشارة، وكذلك إذا لم يجد الدماغ المعرفة الموزونة، والفكرة العادلة، طلب ما يملأه ولو كان زيغاً وزيفاً.

أرأيت الغني يستجدي من الفقير؟

إنه مثل شبابنا الذين هم أغنى الأغنياء من ناحية الفلسفة الاسلامية والعلوم النظرية، ومع ذلك يتسكعون على باب هذا وحانوت ذاك..

وذلك لما صنعه المستعمر بهم، حيث أفرغ مناهج التعليم والتربية عن الرصيد الضخم الذي كان للمسلمين في هذه العلوم. لقد كان مثال المسلمين إلى ما قبل نصف قرن مثال القطر الذي له جيش ضخم يحميه من هجمات الأعداء وعبث المفسدين..

نعم أخذ الأعداء من الخارج وجماعة من أهل القطر في الداخل يعملون لتبديد ذلك الجيش وتشتيت شمله، حتى سلخوا القطر من الجيش، فإذا بالأعداء يستبيحون المدينة.

وهكذا كان المسلمون.. لهم العقائد القوية المتينة، التي ليست فوقها قوة ومتانة في الناحيتين الطبيعية والإلهية، لقد أكسبتها الأزمان المتطاولة قوة ومنعة، بحيث لا يمكن أن يأتي آت بمزيد عليها… وإذا بالأعداء من الخارج، وجماعة من الجهال أو العملاء في الداخل يهجمون على ذلك الرصيد الضخم فينهبونه، ويبدلونه بشيء عجيب وخلط قليل وفي صورة بدائية يتعجب الإنسان كيف رضي المسلمون بهذا بعد ذلك.

والغريب أن الرصيد باق بعد لم يمح من الوجود وإنما محي من الأذهان، فمثله في ذلك مثل أحكام الإسلام التي لم تمح من القرآن الحكيم وبطون الكتب الإسلامية، وإنما محيت من المجتمعات، وأجهزة الحياة.

ولعل القارئ يحمل ما ذكرته على المبالغة أو سوء النظر إلى التراث الفلسفي الغربي، لكني واثق من أن المطالع لو ينظر إلى الكتاب البدائي المنطقي (الكبرى)(1) الذي حشر في ضمن كتاب (جامع المقدمات)(2) أول كتاب يقرؤه طلاب العلوم القديمة، أو الكتاب الإلهي البدائي (شرح الباب الحادي عشر)(3) الذي يقرؤه طلابنا في أول مرحلة تعليم الإلهيات، ثم يقيس بهما كل كتاب اخرج في الغرب لعلاج الفلسفة أو ما وراء الطبيعة، لرأى البون شاسعا بما لا يمكن أن يصدقه إنسان غير مطالع.

إن الفلسفة والالهيات الحديثة، آخذة بالسير من أول المرحلة، بينما الفلسفة والالهيات السابقة التي صقلها الإسلام بقر آنه العظيم وكلمات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكتاب نهج البلاغة وما إلى ذلك، واصلة في آخر مرحلة..

إذاً أليس من المؤسف أن نرى الإقبال على تلك دون هذه، وليست النسبة بينهما إلا كالنسبة بين آلات الحياكة اليدوية، والمكائن الصناعية الضخمة التي وصلت اليها الصناعة الحديثة في آخر أطوارها.

ولعل مثلاً واحداً يكفي لدرك مبدأ التفاوت: فالفلسفة الصحيحة تستحيل اجتماع النقيضين، والذي يشترط فيه ثمان وحدات هي: (الموضوع، المحمول، المكان، الشرط، الاضافة، الجزء والكل، القوة والفعل، الزمان) وهذا مطلب مذكور حتى في كتاب (الكبرى) البدائي..

بينما نرى أحد أساتذة الجامعات ـ وأتحاشى في تسميته حتى لايظن أني أقصد الهجوم عليه بالذات ـ يقول بعدم الاستحالة ويمثل بعمود له طرفان كل طرف له لون، فالذي يأتي من أحد الطرفين يقول انه بلون كذا، بينما الآتي من الطرف الآخر يخالفه قائلاً انه بلون ثان.

أرأيت البون الشاسع بين الفلسفتين؟

أليس هذا الكلام مثال ضحك واستهزاء؟

وأي ربط بين كلامك أيها الأستاذ الذي تريد به هدم الفلسفة الصحيحة التي ترى استحالة التناقض وبين ما ذكروا؟

أليس إنهم شرطوا وحدة المكان؟

أفلا علمت أن جهتي العمود مكانان، لا مكان واحد؟

وغريب جداً أن يكون مثل هذا الآراء هي الوارثة لآراء الفلسفة.

ثم يأتي بعد ذلك ـ أي بعد عدم الفهم للفلسفة الصحيحة وجعل الأباطيل المموّهة في مكانها ـ دور الخلط العجيب بين الموازين، فأنك لا تنظر إلى كتاب يعالج قضايا الفلسفة ـ على الطرز الحديث ـ إلا أخذك الغشيان من تداخل الأمور النظرية في الأمور العملية، ثم تداخل الحقائق في الأوهام، فبينما ترى الكتاب الفلسفي يتكلم عن أمر علمي نظري لا ربط له بالعمل إطلاقاً، إذ تجده أقحم موضوعاً عملياً في مصاف العلم والفلسفة‍‍! وحين تطالع منه أمراً له حظ من الحقيقة إذ يدور بك فيدخل في الموضوع سفسطة.

وهكذا ضاعت الحقائق… وجاءت أدوار الأوهام، وحيث أن كثيرا من شبابنا غير دارسين حتى للمنطق ـ فكيف بالفلسفة الصحيحة، حتى تصل النوبة إلى الالهيات العالية؟ ـ تراهم يتهافتون إلى كل ما يصدر اليهم من هنا أو هناك، يعبّون منه عبّاً.

ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحد؟ فانه يتعداه إلى حشر النظريات في عمل الحياة، فتراهم يتكتلون تحت شعارات الفلسفة، بمجرد أن إنساناً دعاهم إلى ذلك، ثم يصبغون حياتهم العملية والعقيدية بتلك الأصباغ الباهتة المهلهلة، وويل لك إذا قلت لهم: هذا باطل، أو أن الإسلام أحسن منه، فان ما يوجد في قاموس اللغة من ألفاظ الهجوم والاتهام يصب عليك.

وقد منيت أنا ـ بالذات ـ بمثل هذه الهجمات أربع مرات من أربع فئات مختلفة، كنا نقول لهم إن ما ورائكم لا حظ لها من الصواب ـ بمجرد الاشفاق عليهم والحث لهم على الأخذ بالطريقة المثلى ـ واظن انه قد حان أوان المرة الخامسة، إذ اكتب هذا الكتاب، لاقتطف فيه شيئاً من آراء المذهب الوجودي الذي أخذ يغزو بعض الأفكار، لأسلط عليها أضواءاً من الحقيقة حسب ما قرر في علم المنطق والكلام والفلسفة الإسلامية.

كما .. أن مما يؤخذ على الفلسفة الحديثة ـ بمختلف اتجاهاتها ـ انها تأخذ اللف والدوران والفهاهة العلمية في سبيل الوصول إلى الأهداف العلمية ـ صحت تلك الأهداف أو فسدت ـ فبينما تقدر الفلسفة الصحيحة أن تصل إلى النتيجة بعبارات قصيرة مفهمة، ترى الحديثة ـ لعدم نضجها وبدائية مناهجها ـ تلف بك وتدور وتأتي بألفاظ مكدسة وعبارات فارغة للوصول إلى ذلك الهدف، وكثيراً ما كنت أتذكر وأنا أطالع كتب الفلسفة الحديثة، المثال القائل:

إن أخوين كانا في مكان، فجاء رجل ثالث، فسأل أحد الحاضرين واحداً من الأخوين: من هذا الجائي؟ فقال: انه اخي، ثم سأل ذلك الحاضر الأخ الآخر: من هذا الجائي؟ فقال: انه ابن اخ زيد اللذين هما ولدا جدي وهو ابنه من جهة أبي.

أرأيت الفرق بين الفصاحة والفهاهة؟

فكلا الأخوين ذكر أن الجائي أخوه، لكن الأول ذكره في عبارة مفهمة، والثاني ذكره في عبارة تورث الدوخة والغثيان.

وهذا المثال ينطبق على الفلسفة الحديثة فيما إذا كانت النتيجة صحيحة، أما إذا كانت النتيجة باطلة، فالمثال خير منها.

وبعد .. فهذا هو الكتاب الخامس من سلسلة (بين الإسلام والأديان والمبادئ) حين أن المكتوب قبله:

(بين الإسلام ودارون)(4) .

و(ماذا في كتب النصارى؟)(5).

و (موقف الإسلام من الأحزاب المستوردة) (6).

و (هؤلاء اليهود)(7).

وهذه الكتب خرجت إلى عالم الطبع باستثناء الثالث…

فان وفقت بهذه السلسلة هداية أحد وإن كان إنساناً واحداً، فذلك مقصودي فلقد قال رسول الإسلام للإمام المرتضى (صلوات الله عليهما) :(لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس)(8).

وان خانني الحظ فيكفيني من ذلك أن الإسلام يقرر الأجر حتى على النية، فكيف بالعمل؟ على شرط أن يكون مقروناً بالإخلاص.

والله المسئول أن يوفقني لهذه الخدمة، وان يهب لي الإخلاص وان يقرر العمل برضاه..

( سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين) (9)، وهو الموفق المستعان.

كربلاء المقدسة           

محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي

 

1 ـ (الكبرى في المنطق) لمؤلفه السيد مير شريف، باللغة الفارسية وهو موجز في اوليات علم المنطق، ومثله كتاب (الموجز في المنطق) باللغة العربية، لآية الله السيد صادق الشيرازي (دام ظله).

2 ـ يشتمل الكتاب على 15 كراساً وكتاباً في الصرف والنحو والمنطق والأخلاق، من عدة مؤلفين، وقد جمعها بعض العلماء وأسماها (جامع المقدمات).

3 ـ للعلامة الحلي أبي منصور جمال الدين الحسن بن يوسف المطهر (648- 726هـ).

4 ـ يقع الكتاب في 80 صفحة من الحجم المتوسط، الطبعة الثانية عام 1392هـ من منشورات مكتبة القرآن الحكيم، فرع المغاولة حلب سوريا.

5 ـ يقع الكتاب في 54 صفحة من الحجم الكبير، الطبعة الأولى النجف الأشرف العراق.

6 ـ مخطوط .

7 ـ طبع مكررا، ويقع في 143 صفحة من الحجم المتوسط ، الطبعة الثانية عام 1404هـ مؤسسة الوفاء.

8 ـ مجموعة ورام: ج2 ص277 عن أمير المؤمنين … قال: (بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اليمن فقال لي: يا علي لا تقاتلن أحداً حتى تدعوه، وإيم الله لئن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت ولك ولاؤه يا علي).

وفي قصة خيبر قال (عليه السلام) لعلي … : (فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم) العمدة ص142 ح211، الفصل 17 في قوله لاعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. ومثله في بشارة المصطفى: ص193.

9 ـ سورة الصافات: 180-182.