الفهرس

المؤلفات

 الأ د يان

الصفحة الرئيسية

 

الوجودية وأقسامها

الوجودية تنقسم إلى قسمين: (وجودية) ملحدة، و(وجودية مسيحية).

أما الوجودية الملحدة فمن أبطالها في عصرنا الحاضر: (جان بول سار تر) وقد ولد عام (1905م) ومارس التدريس في (الهافر) ثم في المعهد الفرنسي بـ (برلين)، واعتقل عام (1940) ولبث سنة كاملة في السجن، ثم تخلى عن مهنة التدريس وقد تأثر في فلسفته بمؤلفات (هوسرل)(1) و(هيجدر)… وقد كان شيوعياً في ابتداء أمره، ثم عدل عن ذلك إلى (الوجودية) التي تزعمها، وصار على طرفي نقيض مع الشيوعية، ولذا كل من الفريقين يحارب الآخر ويهاجمه أشد مهاجمة، لكنه بعد يعتقد بأن المستقبل للاشتراكية، لأن ظروفها باقية، ولسارتر مكان خاص في (باريس) يرتاده مريدوه، ولهم أشكال غريبة وهيئات خاصة من حيث الملبس وما إليه، لكن (سارتر) بمبدئه (الوجودي) عاجز عن الإدارة التي تتطلبها الظروف الراهنة، ولذا يتنبأ المراقبون السياسيون للتيارات: أن مبدأه مكتوب عليه بالفشل..ولسارتر آراء خاصة حول (الكون) و(الإنسان) و(النظام) و(الأخلاق) وما اليها، وكثيراً ما يميل إلى صب آرائه في القوالب القصصية، مما يجعل فهم آرائه أصعب، والوجودية ليست مبدءاً اخترعها هو بل كانت من ذي قبل وإنما نفخ فيها وجعل لها قوالب جديدة.

أما الوجودية المسيحية فمن أبطالها: (غابريل مارسال).

وهاتان الوجوديتان، وإن كان بينهما نقاط من التفاهم، إلا أن بينهما نقاطا أكثر من التخالف… كالاختلاف الكثير بين اتجاهات رجال كل تيار من (الملحدة) و(المسيحية) فالوجودية فرق ومذاهب، وان جمعت الكل خطوط رئيسية.. ولقد كان للفراغ العقائدي الذي حصل عند كثير من شباب المسلمين، والاغراء الذي يصاحب الوجودية أثر فعال في تبني بعض الشباب لهذه الفكرة..

لكن الظروف كفيلة بانقشاع السحاب وشروق الإسلام على تلك الأدمغة التي انخرطت في هذا الاتجاه.

من المآخذ على الوجودية

ننقل هنا بعض الفصل السادس من كتاب (رمضان لاوند) (وجودية ووجوديون) للاطلاع على بعض المآخذ التي أخذت على (سارتر) وان حاول ردها في كتاب (الوجودية مذهب انساني) لكن الحقيقة أن نقول: مطالعة كتاب سارتر تعطي اعترافه ـ ولو بعض الاعتراف بهذه المآخذ ـ والأستاذ (لاوند) وان ذكر في نفس هذا الفصل مقتطفات من ردود (سارتر) لكن المطالعة المستوعبة لكتب سارتر تعطي دليلاً على صحة جملة من الإيرادات…

كما أن كثيراً من الوجوديين في (باريس) و(بيروت) وغيرهما أعطوا أدلة حية على صدق المآخذ.

واليك ما ذكره (لاوند) في الفصل المذكور:

« 1ـ دعوة الوجودية إلى الخمول، ودفعها إلى اليأس.

2ـ تقوية الروح الفردية الحالمة، التي تبتعد عن المجتمع ومشاكله الراهنة.

3ـ استحالة تحقيق أي انتاج ذي طابع اجتماعي عام.

4ـ اكتفاء الوجودية بتصوير مظاهر الحياة الحقيرة:من جبن وفسق وضعف وميوعة، ونسيانها مظاهر الحياة الآملة القوية التي تؤمن بمستقبل عظيم.

5ـ الوجودية لا تؤمن بالتعاون الاجتماعي.

6ـ تنكر الوجودية لفكرة الله، وتنكرها للقيم الالهية، وخلوها من مواقف جدية انسانية في الحياة.

7ـ الوجودية أداة للتفسخ الاجتماعي لأنها تحول دون أن يصدر أي من الناس حكماً على تصرفات الآخرين، بحيث يكون كل فرد عالماً قائماً بذاته في مجتمع يحتاج إلى التعاون، والانضواء الجماعي والمسؤولية المشتركة المتبادلة». 

بدائية المباحث

لا يشك من له أقل إلمام بالمنطق والكلام والفلسفة صعوبة هذه العلوم الثلاثة، حتى أن بعض مباحث هذه العلوم لتحتاج إلى دراسات طويلة سابقة، ومطالعات ومباحثات كثيرة، حتى يعلم المراد منها، فكيف إذا أريد الانتخاب والاختيار.

وأصعب من ذلك الاسفاف بسطح معلوماتها إلى مستوى العامة الذين لا خبرة لهم بالنسبة إلى هذه العلوم، ولا أقصد بالعامة الذين لا حظ لهم من العلم والمعرفة، بل الأعم منهم ومن الذين لهم الحظ لكن في غير هذه العلوم.

أرأيت من يطلع على خصوصيات المثلثات، ومزايا الجبر والمقابلة، يتمكن أن يفهم دقائق مسائل الطب أو الفيزياء؟

كلا! لأن كل علم له مزايا وموازين، لا ترتبط بموازين العلم الآخر ومزاياه.

والنسبة بين العلوم الثلاثة، وسائر العلوم ابعد من النسبة بين الهندسة وبين الطب ـ في المثال ـ .

ولذا ـ أنا بالذات ـ كنت ألاقي الحيرة حينما يكلمني مثقف حول مسائل هذه العلوم، فان ثقافته غير المعمقة كانت مانعة عن رضوخه بالأجوبة التي أقولها، وعدم درايته في هذه العلوم الثلاثة كان سدّاً دون تمكني من إقناعه بالنتائج، ومن المعلوم أن الاسفاف بالمطالب العالية، إلى مثل هذه المستويات أمر صعب، بل أحياناً يصل إلى درجة الاستحالة.

لذا فإني مضطر في هذا الكتاب الذي اقصد فيه نقد الفلسفة الوجودية، لعرضه على قرّاء من هذا القبيل، إلى أمرين:

الأول: الإتيان بالمطالب في ألبسة بدائية، في غاية السهولة وربما يسبب ذلك فوات مغزى المطلب.

الثاني: الاقتضاب في المطالب، فان المطالب الفلسفية ـ كما يعرفها المطلع ـ ذات سلاسل متصلة الحلقات مما لابد في فهم الأخير منها إلى فهم الوسط، وفي فهم الوسط منها إلى فهم الأول.

وانما ساق إلى ذلك لا لأجل الإفهام المستقبلية لهذا الكتاب فقط، بل لأجل أن فلاسفة الغرب المعاصرين إذا قيست مطالبهم إلى مطالب فلاسفة الأقدمين، وبالأخص فلاسفة الإسلام منهم ـ سيّما بعد التحميص والتدقيق ـ كانت بدائية إلى أبعد الحدود، حتى يمكن أن يقال إن النسبة أبعد من نسبة الكوخ إلى القصر.

وهذا ليس ادعاءاً فارغاً، وإنما يكفي شاهداً على ذلك أقل نظر باطلاع على كتاب:

(شرح التجريد) للعلامة(2) أو (القوشجي)(3) أو (المنظومة)(4) أو (الأسفار)(5)..

وكتاب (الوجود والعدم) لسارتر، أو (هذه هي الوجودية) لبول، و (المدخل إلى فلسفة ديكارت) لكمال، أو (الوجودية مذهب إنساني) لسارتر، أو (وجودية ووجوديون) للاوند، أو ما أشبه.

وإني بالرغم من ضعف اعتقادي بقسم من الفلسفة القديمة لأمرين:

الأول: بعض الدعاوى الفارغة الموجودة فيها، كدعوى العقول العشرة، وما أشبه.

الثاني: بعض الطبيعيات التي برهنوا عليها ببراهين غير صحيحة، ثم جاء الاكتشاف الحديث ليفند تلك الآراء بالمكتشفات الحديثة الخاضعة للحس والتجربة. ولذا لا أعتقد من الفلسفة إلا بالمقدار البديهي ـ كما فصلت ذلك نوعاً ما في كتابي (شرح المنظومة) ـ (6).

إلا أن مباني تلك الفلسفة ـ باستثناء الأمرين المذكورين ـ لها من المتانة والنضج القدر الكبير، وعلى أي.. فبدائية مباحث هذا الكتاب إنما هي لضغط العوامل المذكورة.

كما انه ينبغي أن أقول كلمة أخرى لأهدئ من روع اتباع الفلسفة الوجودية: إني إنما كتبت هذا الكتاب بالروح العلمية البحتة كما هي عادة الباحثين، وبالأخص طلاب العلوم الإسلامية الذين يباحثون ويناقشون لظهور الحق، والحق وحده، لا بالروح السياسي أو ما أشبه بناءاً على ما اختلط العلم بالسياسة في ظروفنا الحاضرة، فان العلم إذا خالطه شيء من الأغراض سبب انحرافه في كثير من الأحيان.

القصة.. الوجودية

لا شك أن القصة أقرب إلى تركيز المطالب في الذهن، فان الذهن بتشوقه لاستماع القصة، يتركز فيه ما يلقى إليه من القصص، وحيث كان المطلب مندمجاً في القصة، يبقى المطلب في الذهن تبعاً، بل يؤثر فيع ترغيباً وترهيباً وحثاً أكثر فأكثر..

وهذا هو سر القصص القرآنية، كما ألمع إلى ذلك القرآن الكريم بنفسه حيث قال :( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) (7).

كما أن الإنسان بفطرته الأولية اهتدى إلى ذلك منذ عشرات القرون، فقصص (كليلة ودمنة) الحِكَمية إنما صبغت لأجل هذه الغاية.

لكن ذلك كله إنما يكون بالنسبة إلى الأمور القريبة من الإحساس، كالترغيب إلى الصدق، والتنفير عن الخيانة أو ما أشبه ذلك.

أما الأمور البعيدة عن الإحساس، وبالأخص المطالب الفلسفية ـ من الدرجة الثانية أو الثالثة ـ فالقصة إنما توجب البشاعة فيها، وتوجب تضاعف العبء على الفهم، لأن الذهن يلتفت تارة إلى القصة بما أنها تعطي المطلب الفلسفي، وتارة إلى المطلب الفلسفي بالذات، بخلاف ما لو صببت المطلب في قالب علمي، وأريته عارياً عن الحشو والزوائد إلى الاذهان.

مثلاً: دليل التمانع الدال على استحالة التعدد في المبدأ الأول، إذا وضع في قالب القصة، ابتعد عن الفهم.. اللهم إلا إذا أراد الإنسان (الخطابة) بمعناها المنطقي، لا إعطاء الدليل الفلسفي.

ولذا.. نجد أن الكتب الثلاثة لسارتر (وقف التنفيذ) و(سن الرشد) و(الحزن العميق) لا يكاد يدرك المراد منها،إلا إذا علم المطالع من الخارج المراد، أو كان دقيقاً أكثر دقة من الدقة الكافية لفهم المطالب الفلسفية.. واليك شاهداً من ذلك.

في كتاب (الغثيان)(8):

«إذا كنت جالساً في تلك الساعة على مقعد من مقاعد الحديقة العامة، وكانت جذور شجرة الكستناء تغوص في الأرض تماماً تحت مقعدي، وكنت قد نسيت أن تلك جذور، وتلاشت الكلمات معها معاني الأشياء، ووجوه استخدامها والمرتكزات الضعيفة التي خطها الناس على سطحها، إذ كنت أجلس حاني الظهر قليلاً، منعكس الرأس وحيداً في مواجهة هذه الكتلة السوداء المعقدة، وهي جامدة تماماً، ثبت الذعر في قلبي، ثم ألم بي فجأة هذا الإلهام.

وكانت هذه الرؤية قطعت أنفاسي، وقبل هذه الأيام الأخيرة لم أحس قط بما تعني كلمة (وجود) احساسي بها الآن، إذ كنت كالآخرين الذين يتنزهون على شاطئ البحر في ثيابهم الربيعية، وكنت أقول مثلهم: «البحر لهو» اخضر، وهذه النقطة «هي» بيضاء، وهذه «هي» قبرة تحلق في الفضاء.. ولكنني ما كنت أحس بأن هذه ا‎لاشياء توجد، بان القبرة هي قبرة موجودة، أن الوجود يتخفى عادة ويخبئ نفسه، فهو هنا حولنا وفينا، وهو نحن، ولا نستطيع لفظ كلمتين دون أن نتحدث عنه، وفي النهاية لا تستطيع لمسه، وإذا كنت أظن أنني أفكر فيه، تبين لي أنني لم «أكن أفكر شيئاً» فقد كان رأسي خالياً، أو كان فيه كلمة واحدة هي كلمة «الكينونة» أو كنت أفكر …».

أرأيت كيف أن القصة المتقدمة صارت عبئاً على الذهن؟ أليس كان الأقرب إلى الذهب أن يقول: «الوجود شامل لجميع الأشياء، فكل شيء موجود ، فالبحر والقبرة والشجرة موجودات»؟

أما القصة فإنها تجلب الذهن إلى نفسها، أولا، ثم يضطرب الذهن بين القصة والغاية المرادة منها، وهذا الذي ذكرناه ليس إشكالاً علمياً على هذه الطريقة، وإنما مجرد تنبيه إلى خطأ هذه الفكرة، اعني صب المطالب الفلسفية في القوالب القصصية.

أما ما تقوله: (دي بوفوار) في (الوجودية وحكمة الأمم) عذراً لصب المطالب في القصص: «إذا كانت وحدة الماهوية تختص بالفلسفة العادية، فالقصة الطويلة وحدها هي التي تتيح وصف انبثاق الوجود وتدفقه العجيبين، في حقيقتهما الكاملة الغريبة الآتية».

فذلك بنفسه يحتاج إلى التفسير والحل، فكيف يمكن أن يجعل هذا العذر مبرراً لأصل القصة، فكيف بالطويلة منها؟

الوجود والماهية

هنا (ذهن) و(خارج).

فما يتصور في الذهن، يسمى (ذهنياً)، وما يكون في الخارج يسمى (خارجياً).

مثلاً: إذا تصورت (إنساناً ذا رأسين) أو تصورت (زيداً) أو تصورت (جبلاً من ياقوت) سمي كل ذلك (ذهنياً) لأن موطنه عالم الذهن.

أما (زيد) و (البرتقال الموجود على الشجرة) و(الجسر المعلق في بغداد) و (مرقد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف) فكل ذلك خارجي، لوجودها في العالم (خارجاً عن الذهن).

ثم .. إن هذه الأمور الخارجية، كل واحد منها له جزءان (المهية) و(الوجود).

و(المهية) هي الأمر الخاص بكل فئة من الأشياء، و(الوجود) هو الأمر العام الشامل لجميع الأشياء. مثلاً: (الإنسان) و(الفرس) و(النخل) و(الماء) و(الذهب) كلها مشتركة في أن الجميع (موجودة) ولذا يحمل الموجود عليها، فتقول: (الإنسان موجود) (الفرس موجود) وهكذا.

وذلك بخلاف (المهية) فان حقيقة الإنسان ومهيته، غير حقيقة الفرس ومهيته، وكذلك بالنسبة إلى سائر الموجودات.

وان شئت وضوح ذلك مثلت الوجود بـ (الضياء) الذي يغمر الأشياء، فكل ما في الغرفة يشع عليه ضياء المصباح، بينما لكل واحد مما في الغرفة حقيقة خاصة بها.

وإنما تسمى (المهية) بهذا الاسم اشتقاقاً من (ما هي).

ثم إن (الوجود) و(المهية) إنما يتصور فيهما الاثنينية عقلا، أما خارجاً، فلا يعقل الانفكاك بينهما إذ (الوجود) البحت بلا مهية غير معقول (في الممكنات)، كما انه لا يمكن أن يكون في الخارج (مهية) مجردة بلا وجود.

وكيف كان.. فالكلام حول الوجود والمهية طويل جداً.. وإنما ذكرنا هذا القدر لتعرف اجمال المطلب ثم تنظر إلى انه كيف يرتطم هؤلاء الفلاسفة الجدد، الذين اتسموا بسمة الفلسفة، في متاهات، ونكتفي بأمثلة قليلة.

فالوجودي الكاثوليكي، ج: مارسيل(9)، يقول:

«لقد طالما شغلتني مشكلة اسبقية الماهية بالنسبة إلى الوجود» وهو يفهم من كلمة (ماهية) «ما لا يتعدى المدرك» أي الأفكار العامة التي نستخدمها في التفكير ـ كما يفسره بول فلكييه ـ: وهو يرى أيضاً كل إنسان هو الذي سيحدد ما يكون وهو الذي يختار ماهيته الفردية «فنحن لسنا في الواقع إلا ما نصيّره».

أرأيت كيف خبط (مارسيل) الفلسفة بالأوهام، فأي ربط بين (المهية) وبين (ما لا يتعدى المدرك)، فانك لا تجد كتاباً من كتب الفلسفة الناضجة، إلا تراه يبين أن (المهية) ما لها موطن في كل من عالمي (الذهن) و(الخارج).

ثم.. ما معنى (المهية الفردية) إلا اصطلاحاً غير ناضج. فالفرد له مقومات تكوينية، كما أن له تفكيراً يمكن به من تغيير بعض أنحاء سلوكه، وكلا الأمرين لا يرتبطان بالمهية بالمعنى الفلسفي.

أما (سارتر) الوجودي الملحد، فله فلسفة نيّة مدهشة في عدم النضج، لا حول موضوع (الوجود) و (المهية) فحسب، بل حول كل مفهوم فلسفي، وأراني اضطر إلى نقل جملة من كلامه.

ففي كتاب (وجودية ووجوديين) ص52 نقلاً عن مجلة (العمل) 27 كانون الأول 1944 ما نصه:

«التعابير الفلسفية ما يدل على أن لكل شيء من الأشياء ماهية ووجوداً، فالماهية هي مجموعة ثابتة من الخصائص، والوجود هو نوع من الحضور الفعلي في العالم… يعتقد كثير من الناس أن المهية تأتي أولاً ثم يتبعها الوجود، إن أطول هذه الفكرة موجودة في التفكير الديني: بدليل أن من يريد بناء بيت يحسب أن يعرف بدقة صورة هذا البيت وهيئته وهنا تسبق الماهية، وكذلك شأن من يؤمنون بأن الله هو خالق الناس انهم يعتقدون أن خلق الله قد تمّ بعد أن استعان بفكرته عنهم، وهي ماهيتهم، أما الذين لم يحتفظوا بإيمانهم بالله فقد احتفظوا بهذه الفكرة التقليدية القديمة بان الشيء لايتحقق وجوده ما لم يكن منسجماً مع ماهيته، وقد رأى القرن الثامن عشر كله، أن هناك ماهية مشتركة عامة، لكل الرجال دعيت بالطبيعة البشرية، وخلافاً لهؤلاء جميعاً تؤكد الوجودية: أن الوجود يسبق المهية عند الإنسان فقط والإنسان وحده، يعنى هذا ببساطة كلية: أن الإنسان يكون أولا، أي يتحقق وجوده ثم يصبح بعد ذلك هذا أو ذاك».

إن هذا الكلام الفج ليتعجب منه الإنسان ايما تعجب.

فأولا.. أي ربط بين القول بأصالة المهية أو أصالة الوجود، وبين الإيمان بالله وعدم الإيمان به؟

وثانياً.. أي ربط بين المهية، وبين التصور؟

وثالثاً.. ما معنى الانسجام بين الماهية والوجود؟

ورابعاً.. ما معنى كون المهية مجموعة ثابتة من الخصائص، والوجود هو نوع من الحضور الفعلي؟

وخامساً.. لا معنى إطلاقاً لان الوجود يسبق المهية عند الإنسان فقط، دون ما سواه.

وسادساً.. من الذي كان يزعم أن خلق الله قد تم بعد أن استعان بفكرته عليهم؟

1: أن مسألة أصالة الوجود أو المهية، كما قررها الفلاسفة شيء يرتبط بالآثار ، لا بالإيمان إطلاقاً .. فالقائل بأصالة المهية يقول: بأن الآثار لها، والقائل بأصالة الوجود يقول بأن الآثار له، ويمكن أن يكون كل واحد منهما مؤمناً كما يمكن أن يكون كل واحد منهما ملحداً، أو أحدهما مؤمناً، والآخر ملحداً ـ هذا مؤمن وذلك ملحد أو بالعكس ـ .

2: والمهية لا ربط لها بالتصور، فهي بمعنى الحقيقة التي تأتي في الذهن كما تأتي في الخارج.

3: والمراد بانسجام المهية مع الوجود ـ الذي قاله الفلاسفة ـ إن من المهيات ما لا يعقل وجودها كشريك الباري وأعظمية الجزء من الكل، وما أشبه.. كما أن من المهيات ما يعقل وجودها، وهذا القسم تارة توجد ـ كالإنسان ـ وتارة لا توجد ـ كجبل فضة ـ وهذا كما تراه لا ربط له بكلام (سارتر) إطلاقاً.

4: والمهية والوجود قد عرفت تعريفهما ـ إجمالا ـ في أول هذا الفصل، ولا ربط لما ذكره (سارتر) بما تقدم.

5: ولم يدع أحد من الفلاسفة أسبقية الوجود على المهية خارجاً أو بالعكس، وإنما كلامهم في مقام التصور، كما أن العقل يتصور تقدم حركة اليد على حركة المفتاح، وإن كانا مقارنين في الوجود.

6: والله سبحانه لا يفكر إطلاقاً، فالتفكير من صفات الممكن لاالواجب ـ ولم يقل بتفكيره أحد من الفلاسفة ـ .

وجود الله تعالى

هل رأيت أثراً بدون مؤثر؟

وإذا رأيت الأثر ولم تر المؤثر، فهل يمكن أن تقتنع بأنه لا مؤثر لهذا الأثر؟

فإذا رأيت (قلماً) أو (ساعة) أو (مصباحاً) أو (صورة إنسان) ولم تر الذي صنع هذه الأشياء، ثم سألت عن الصانع لها؟ فقيل لك: انه لا صانع لها.. فهل تقبل كلام المجيب أم تضحك من كلامه؟

وإذا قال لك: انك لم تر الصانع، فيكف تؤمن بوجوده، فلعل (القلم) صنع من نفسه؟ فهل يهديك عقلك إلى القبول؟

إن هذه أمثلة على وجود الله تعالى.. فإذا كانت الصورة المنقوشة لا بد لها من صانع، فكيف يمكن أن يكون أصل الصورة ـ أي الإنسان ـ بلا صانع؟

والحاصل: إن العقل يرى ـ بالفطرة ـ ضرورة وجود صانع للكون، ومن يقول لا يهديني عقلي إلى ذلك، فهو أما غير ملتفت أو كاذب.

ثم يأتي بعد ذلك دور السؤال: إذا كان الصانع موجوداً، فلماذا لا نراه؟

والجواب: إن كثيراً من الأشياء موجودة ولا نراها، فالهواء موجودة ولا نراها، والقوة في الأسلاك الكهربائية موجودة ولانراها، والعقل في الإنسان موجود ولا نراه، والروح في الحي موجود ولا نراه، والأمواج في الفضاء موجودة ولا نراها… إلى ألف مثال ومثال…

ومن قال: بأن كل شيء موجود لا بد وأن يرى؟

ويأتي بعد هذا وذك دور سؤال ثالث، وهو: لماذا لا تكون الطبيعة هي الخالقة؟

والجواب: لا يمكن أن تكون الطبيعة خالقة، إذ الطبيعة جاهلة عاجزة، وهل يمكن أن يصنع هذه المصنوعات شيء جاهل عاجز؟ وهذا السؤال مثل أن يقال: إن هذا القصر الفخم المؤثث من صنع الطبيعة، لا من صنع مهندسين وصناع، فالجواب عن هذا الكلام هو الجواب عن قول من يزعم أن الطبيعة هي الخالقة!!

ويأتي بعد الأسئلة الثلاثة، سؤال آخر: هو انه لو كان الله هو الخالق لكل شيء، فمن هو خالق الله؟

والجواب ـ باللسان العلمي ـ أن الشيء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: (واجب الوجود) ‍‍و (ممكن الوجود) و(ممتنع الوجود).

فالواجب وجوده ابدي دائمي، لم يكن في وقت من الأوقات معدوماً حتى يحتاج إلى الإيجاد والموجد …

والممكن الوجود، هو الذي يمكن وجوده وعدمه، وكان في القديم معدوماً ولذا يحتاج إلى الإيجاد والموجد ، كجميع ما في الكون من المخلوقات، حيث لم تكن، ثم كانت ..

والممتنع الوجود، هو الذي لا يمكن أن يوجد، مثل شريك الباري، لاستلزم ذلك المحال، وما يستلزم المحال فهو محال.

إذاً: فرق بين (الله) وبين (ما سواه) فالأول غني عن الخالق والثاني محتاج إلى الخالق.

ولنوضح ذلك بمثال بدائي ـ ولا مناقشة في الأمثال ـ حلاء كل شيء من السكر، أما حلاء السكر فمن نفسه.. نور كل شيء بالشمس، لكن نور الشمس من نفسها.. دهونة كل شيء بالدهن لكن دهونة الدهن من ذاته.. إدراك الإنسان بالعقل، لكن إدراك العقل ذاتي له.. وكذلك وجود كل شيء بالله، أما وجود الله فمن نفسه.

وهذا باللسان الفلسفي: كل ما بالغير لابد وان ينتهي إلى ما بالذات، أما ما بالذات فلا ينتهي إلى غيره، وإلا لزم (الخلف) أولاً، و(الدور أو التسلسل) ثانياً.

ثم… إن الله سبحانه ليس مركباً من (وجود) و(مهية) لأن التركيب من خواص الممكن، والله ليس بممكن ـ كما عرفت ـ بل واجب .. وانما الله سبحانه (وجود) لا تشوبه المهية إطلاقاً، إذا عرفت هذه الأسس ـ إجمالاً ـ فانظر إلى كلمات هؤلاء:

يقول (سارتر) في كتابه (الوجودية مذهب انساني):

كتب دستويفسكي، يقول: «إذا لم يكن الله موجوداً فان كل شيء يصبح مسموحاً» من هنا تنطلق الوجودية، فالإنسان متروك لا يعتني به أحد، لأنه لا يجد لا في نفسه ولا خارجها شيئاً يتمسك به ويتعلق باهدابه، إلى أن يقول: «فإذا كان الله غير موجود فإننا لا نجد أمامنا قيماً تسير تصرفاتنا وتجعلها شرعية».

ويقول سارتر في كتابه (الوجود والعدم) في صدد نفي الإله:

«هناك تناقض ضمني في الفكرة التي تقول: بوجود كائن يستمد وجوده من نفسه».

ويقول في كتابه (الغثيان):

«كل موجود يولد دون مبرر، ويعيش بسبب ضعفه وخوفه،ويموت بفعل المصادفة».

ويقول (أوغسطين) ـ وهذا ليس ملحداً وإنما نأتي بكلامه دلالة على كيفية فهمه لله تعالى ـ :

«الماهيات كلها موجودة في الذات الالهية».

إلى غيرها من الكلمات النافية لله، أو المثبتة لله على غير هدى.

ثم يأتي بعد ذلك دور من لا ينفي ومن لا يثبت بل يرى كلا الأمرين تجديفاً، يقول (كير كجارد) :

«إن كان من التجديف إنكار وجود الله فمن التجديف الأفظع أن نأتي لنثبت له وجوده».

إلى غيرها من الكلمات التي هي من هذا القبيل.

1ـ فما الدليل ـ يا سارتر ـ على عدم وجود الله؟

بل الدليل كما تقدم يثبت وجوده.. وإذا كان هذا الأمر المهم الذي يرتبط به السلوك ـ بله الآخرة ـ لا يستحق عناية الاستدلال، فما هو الذي يستحق عناية الاستدلال؟

يقول (لاوند) في كتابه (وجودية ووجوديون):

«البحث في الإله عند سارتر قصير جداً، ذلك لأن سارتر لايؤمن بوجود إله، وهو من ناحية اخرى قليل الكلام في هذا الموضوع رغم إلحاده الذي لا يحاول أن يبرره في أكثر ما يكتبه».

إن عرفان أن هناك (مبدءاً) و (معاداً) أم لا، من أهم الأمور التي تشغل بال الإنسان منذ الابتداء، وسيظل يشغل باله إلى الانتهاء.. فان الإنسان لا بد أن يكيف سلوكه تبعاً لأحد الأمرين من الايجاب والنفي، فكيف يمكن أن يستسهل في هذا الأمر المهم.

إننا نعتقد بوجود الله ونقيم عليه الأدلة، ونرى أن الذي لا يهتم إلى هذه الناحية بعيد عن نداء فطرته؟

2ـ ثم أي تناقض في القول بوجود الله؟ فلقد عرفت أن القول بعدم وجوده خلاف البداهة العقلية.. وقد تقدم في الأمثلة المقربة للمسألة (نور الشمس) وما أشبه، فهل (سارتر) يقول بالتناقض في كل ذلك؟

3ـ وهناك فرق بين (عدم المبرر) وبين (عدم معرفة المبرر) وكيف يعيش كل موجود بسبب ضعفه وخوفه؟ أليس هذا أفظع أنواع التجديف؟

ثم.. المصادفة ما معناها؟ فإن أريد عدم العلة، فمن أين ذلك؟ وان أريد أن (العلية) مطلقاً في كل شيء باطلة، فالأمر انكر، فانه لو قال سارتر بذلك لزم ان نقول له (الفكرة الوجودية ظهرت بلا علة، أي بلا فكرة) و(الذين دخلوا في هذا النظام وقبلوا بهذه الفكرة لم يكن لهم في ذلك علة من مطالعة كتب والاستماع إلى خطابات بهذا الشأن) وهكذا.. وهكذا.

وقد صدق من قال: (إن الإنسان إذا لم يلتزم بأساس صحيح، لابد وان يخبط عشواء في ألف موضوع).

4ـ ثم نأتي إلى كلام (أوغسطين) ونقول: ما معنى (أن المهيات كلها كانت موجودة في ذات الله) فما تقصد بالمهية؟ ثم ما تقصد بأنها كانت موجودة في ذات الله؟ وما الدليل على ذلك؟

إن (المهية) حقيقة الشيء التي بها يكون الشيء شيئاً خاصاً دون سواه، فحقيقة الإنسان التي بها يكون الإنسان إنساناً لا فرساً ولاحجراً، ولا ماءاً، ‎تسمى (مهية) وهكذا (مهية) سائر الأشياء.. وهذه المهيات قبل وجودها في الخارج (ذهنية) بحتة.. فلا معنى لوجود المهيات في ذات الله.

ثم .. انه قد ثبت في علم الفلسفة والكلام استحالة الاثنينية ـ بكل صورها ـ بالنسبة إلى الله تعالى، فأي معنى لوجود شيء فيه؟

5ـ أما كيف يكون كل من الاثبات والنفي تجديفاً، فذلك مما لابد أن يفسره القائل؟

ألست ترى أن ضرورة إثبات كل قائل بمبدأ، مبدأه بدليل، سواء كان مبدأ علمياً أو تجريبياً ؟ وكذلك القائل بنفي شيء، أيصح أن يقول إنسان: (المربع المستوي الأضلاع أكبر من المخمس الذي كل ضلع له يساوي ضلع المربع) ثم يقول إنسان آخر: إن الأمر بالعكس… وإذا سئل كل واحد عن الدليل احجم عن ذلك؟

فإذا كان الاثبات والنفي في هذه القضية البسيطة بحاجة إلى الدليل، فماذا ترى بالنسبة إلى قضية (المبدأ) التي يتوقف عليها سلوك الإنسان ـ بله الآخرة ـ؟

ولقد ذكرت في هذا الفصل كلام الملحد والمؤمن والمتردد، لتعرف إلى أي مستوى واطئ وصلت الفلسفة العليا عند هؤلاء، التي ينبغي أن تكون في مقدمة المهام الإنسانية.

فهم حقائق الأشياء

إذا دخلت (صيدلية) ورأيت فيها (قناني) عديدة، ثم علمت أن كل واحدة منها تنفع لمرض خاص أو عرفت حجوم القناني وألوانها، ومقادير السائلات التي فيها، وما أشبه.. فهناك يبقى سؤال آخر وهو: ما حقائق هذه السوائل..؟

ويجاب: بأن السائل في هذه القنينة مركب من كذا وكذا، والسائل في القنينة الثانية مؤلف من كذا وكذا..إلى غير ذلك.

ولكن هل ينتهي الأمر إلى هذا الحد؟

كلا!

إذ يبقى سؤال يتفطن إليه الأذكياء، وهو أن (الماء) الموجود في هذه السوائل ـ مثلاً ـ عماذا يتركب؟

وإذا أجيب عن هذا السؤال بأنه مركب من (الهيدروجين والأوكسجين) يبقى سؤال: (ما هي حقيقة الأوكسجين ـ مثلاً ـ )؟

إلى هذا الحد ينتهي العلم، أو يخطو خطوة أخرى إلى الأمام، ثم يقف، وعلامة الاستفهام بادية على شفته (؟).

إن فهم حقائق الأشياء، من أشكل الأمور، ولذا قال (السيد الشريف): «إن معرفة حقائق الأشياء مشكلة».

وقال (الفيلسوف السبزواري)(10) في باب (الوجود):

«مفهومه من أعرف الأشياء وكنهه في غاية الخفــاء»

وهذا هو الذي سبب التجاء (أفلاطون)(11) إلى (مُثله) حيث قال في تمثيله (بالكهف) في الكتاب السابع من الجمهورية: 

«فلنتصوّر كهفاً عميقاً فيه مساجين أسرى، مقيدون منذ ولادتهم، يولون وجوههم شطر الجدار القائم، في منتهى أعماق الكهف، وعليه يلقى ضياء الشمس ظلال الأشخاص والأشياء التي تمر في الخارج قرب المدخل، وإذا كان الأسرى المساكين لا يعرفون إلا هذه الظلال على الجدران، فانهم يعتدون انها هي الحقيقة، ولا حقيقة سواها، ولو جر هؤلاء إلى خارج الكهف ليروا ضياء الشمس، أو الأشياء التي كانوا ينعمون النظر في ظلالها لغشيت أبصارهم وانبهرت فلا ترى شيئاً، وهكذا يحتاج هؤلاء إلى تدرب طويل ليستطيعوا تثبيت أنظارهم في هذه الأشياء، ورؤية الواقع كما هو، وعندئذ يعلمون أن مشاهد الكهف لم تكن غير أوهام وظلال».

ولعله إلى هذا أشير في الحديث الشريف: (من عرف نفسه فقد عرف ربه)(12) إذا كان معناه: كما يستحيل معرفته كنه الرب يستحيل معرفته كنه النفس..

وقد ذكروا في سبب جهالة الإنسان بالحقائق، أن العلم احاطة من العالم بالمعلوم، والمتساويان لا يحيط أحدهما بالآخر، كما لايحيط احدهما بنفسه، للزوم الأوسعية والمغايرة بين المحيط والمحاط، فكيف يمكن احاطة الإنسان بحقيقة نفسه، أو حقيقة ما يساويه في المهية الامكانية؟

لكن هل عدم درك حقائق الأشياء يسبب أن يوجد في الإنسان شعوراً حاداً وضجراً وسأماً؟

كلا! بل العكس، فان محيط قدرة الإنسان ليس ضيقاً جداً من جميع الجهات، فعلى الإنسان العاقل أن يعمل فيما يقدر ولا يضجر عما لا يقدر، وفي المثل: (ايقاد شمعة تشق الظلمة خير من البكاء على فراق الشمس طول الليل).

أما الوجوديون فهم بالعكس.. فان عدم فهم الحقائق يوجد فيهم الشعور الحاد، ثم الضجر والكسل والترهل.

يقول (بول فلكييه):

«لكن الإنسان لا يفهم الكون، ولا يفهم ذاته… وبسبب عدم خضوع الواقع للمعقول يحمل الوجودي شعوراً حاداً كثيراً ما يصبح معذباً مؤلماً ــ إلى أن يقول: ــ إذا فالإنسان يتقدم في طريق الحياة وسط ليل أليل، لا نجوم فيه، وعلى طريق محفوفة بالمزالق والهاويات، وقد يقول قائل فلينتظر الصباح! فنجيب هذا مستحيل لأن الصباح لن ينبلج أبداً».

ولعل هذا هو السبب لما ظهر عند الوجوديين من الكسل والبطالة، كما يقول (رمضان لاوند) في كتابه (وجودية ووجوديون):

«فبدت لأول مرة في أزياء فريق الشبان والشابات أشكال غريبة، وبدت هذه الغرابة نفسها في السلوك والأندية التي فيها يجتمعون، والابهاء التي فيها يتواعدون، كما ظهرت عندهم ميول شديدة نحو اللامبالاة، والرغبة في اقتناص الفرص، والاستمتاع بأكبر قدر ممكن من الملذات والمسرات، يقابل هذا كله بذل الأقل الممكن من الجهد في العمل المتعب، والانتاج الايجابي، والتأنق في الملبس والمطعم والمشرب، وتصفيف الشعر والنظافة، بحيث أصبح الوجوديون في نظر المراقب اللبناني: موطناً للكسل والخمول، والوسخ والبوهيمية البلهاء، واللامبالاة بكل قيمة، وبكل عمل ايجابي ــ ثم يقول: ــ وأتاحت لي مجاورتي لأبناء الحي اللاتيني أن اتصل بالوجوديين الذين كانوا يجتمعون في أندية في مشارب شارع سان ـ جرمان ـ دي ـ بري، فكانت صورتهم هناك ـ أي في باريس ـ شبيهة بصورتهم في بعض زوايا بيروت ومشاربها».

أصالة الوجود

هناك نزاع قديم بين الفلاسفة حول (أصالة الوجود) و(أصالة المهية)، والسبب في هذا النزاع ومعناه، بصورة موجزة:

أن كل موجود له (جهة اشتراك مع الموجودات الأخر) وهي (الوجود).. و(جهة امتياز عن الآخرين) وهي (المهية)، فالانسان والفرس والماء ـ مثلا ـ كلها موجودات، بينما كل واحد منها لها خواص خاصة بها لا يتعداها إلى غيره، وحيث انه لا يمكن أن يقال بأن كلا من (الوجود) و(المهية) أصيلا، إذ يلزم منه أن يكون كل شيء شيئين، وان تكون للمهية المجردة تقرر في الخارج .. قالوا: بأصالة أحدهما، وانه إما الوجود أو المهية هو الأصل المتقرر، والآخر اعتباري لا موطن له إلا في الذهن.

فمن الذين ذهبوا إلى (أصالة الوجود) وان (المهية) حد له، لاأن له تحققاً خارجياً : (السبزواري) حيث قال في منظومته:

إن الوجود عندنا أصيل دليل من خالفنا عليــل

ومن الذين ذهبوا إلى (أصالة المهية) وان (الوجود) ليس لها تقرر في الخارج (السهروردي).

هذا موجز النزاع في هذا الموضوع، وموجز سبب النزاع.

وأنت ترى انه لا ربط لهذا النزاع بـ (الوجودية) الحاضرة إطلاقاً.. إنا سواء قلنا بأصالة الوجود أو أصالة المهية أي ربط بين كلامنا وبين أن نكون (وجودياً) أو لا نكون وجودياً؟

إن كلاً من القائل بأصالة الوجود، والقائل بأصالة المهية لا يشك في سائر القيم والأمور المرتبطة بالموجود، ولا يترتب على هذا النزاع الفلسفي الاهتمام بالموجود أو الوجود، أو عدم الاهتمام به، وإنما هذا نزاع علمي محض للتعرف على حقيقة شيء، ومعرفة الواقع، أرأيت لو تنازع اثنان في بعد (المجرة الفلانية) عنا: ألف سنة ضوئية أو خمسة آلاف سنة ضوئية ـ مثلاً ـ هل يترتب على ذلك سلوك أو قيمة أو اجتماع؟

وبهذا تعرف أن تشدد الوجودي في أصالة الوجود ليربط الأمر بـ (الفكرة الوجودية) المرتبطة بالقيمة والاجتماع وما إلى ذلك، من قبيل ربط (النزاع في بعد تلك المجرة) بالقيم والاجتماع وما اليهما.

يقول (بول فلكييه):

«الوجودية كما يفهم من هذه الكلمة تتميز ـ قبل كل شيء ـ بميلها إلى التشديد على أهمية الوجود، فالوجودي لا يهتم كثيراً بالماهويات والامكانات والمفاهيم المجردة، وهو على طرفي نقيض والروح الرياضية فان اهتمامه يتجه نحو ما هو موجود، أو على الأصح نحو وجود ما هو موجود».

ثم.. انه قد تقرر في الفلسفة قسمان من العلوم: (العلم النظري) والثاني (العلم العملي)، وشأن الأول الكليات وما أشبه لأنه وضع للبقاء ولتحديد السلوك والعقيدة العامين.. كما أن شأن الثاني الأمور المرتبطة بالأعمال الفردية ـ سواء الفرد في ضمن الاجتماع أو الفرد في إطار نفسه ـ فلم تكن الفلسفة أهملت جانب الفرد، كما لم تهمل جانب الاجتماع.

فالفلسفة الوجودية التي تبرر موقفها باهمال الفلسفات القديمة جانب الفرد، إما جاهلة أو متجاهلة، يقول الاستاذ مكي في مقدمة ترجمته لكتاب (الوجودية مذهب انساني):

«فكل نظرية فلسفية كانت تعتبر الأفراد متشابهين، ولذلك كانت الدراسة الفلسفية بدل أن تنصب على الوجود الفردي تتعمد حيناً المجتمع فرداً ينصهر فيه كل فرد، وتعمد حيناً آخر إلى تجريد الفرد من كل صفاته الفردية حتى يصح أن يعتبر مطابق الصفات لأي فرد آخر فيصح عندها أن يكون مجال بحث، أما الفرد المتميز بفرديته وأخلاقه الخاصة وشخصيته الخلاقة ووجوده الذي لا يصح أن يعتبر نسخة مطابقة لأصل هذا الفرد لم يكن يجد عند جميع النظريات الفلسفية المجردة عن الحياة أي تجاوب مع الأمة وآماله وهكذا ضاع الفرد‍»!.

مقاييس الكون

للكون مقاييس لا يحيد عنها، كمقاييس الليل والنهار، والفصول الأربعة، والمد والجزر، واختلاف أحوال القمر، وكذلك مقاييس خلقة النبات والحيوان… إلى غيرها.

ولولا هذه المقاييس لم يهتد الإنسان إلى شيء ما إطلاقاً، فان مكتشف الكهرباء ـ مثلاً ـ وجد المقاييس التي تبين أن تشكيلات خاصة في أجهزة معينة تولد الطاقة الكهربائية، أما المقاييس فهي باقية مستمرة سواء بقي المكتشف أم مات؟ وهكذا بالنسبة إلى سائر المقاييس.

وكذلك الإنسان يولد، ويموت، ويعيش حسب مقاييس خاصة ـ علمنا بعضها، ولم نعلم البعض الآخر ـ وعلماء النفس والاجتماع والطب وما اليها، كل محاولاتهم فهم تلك المقاييس وتحقيقها.

بقي شيء، وهو أن قسماً من السلوك البشري خاضع لإرادة الإنسان ذاته، فالإنسان يتمكن أن يتعلم كما يتمكن أن يبقى جاهلاً، ويتمكن أن يزاول مهنة التجارة كما يتمكن أن يزاول مهنة المحاماة وهكذا...

أما في السلوك فكل من الصدق والأمانة وحسن المعاشرة والغيرة والإقدام وأضدادها باختياره.

وقد حددت الأديان ـ والإسلام بصورة خاصة ـ السلوك تحديداً وفق الحكمة والمصلحة، كما حددت الفلاسفة السلوك أيضاً تحديداً يتفق في بعض بنوده مع الأديان، ويختلف في بعض بنوده مع الأديان.

وكل تحديد وضع بمنتهى الدقة ـ خصوصاً في الإسلام ـ حتى أن الحيد عن ذلك التحديد يورث خبالاً وفسادا… ويكون المثل في ذلك مثل سيارة حدد سيرها المتوسط بمائة كيلو في الساعة، فالمائة والخمسون خطر، والخمسون ضياع وقت.

وأقل نظرة إلى كتب الفقه وكتب الأخلاق، كاف في إدراك هذه الحقيقة.. كما أن الالمام بشيء من أساليب الحياة، والتعمق في الأعمال والأحوال، يكفي لإدراك طرف من المصلحة في كل مقياس وضع لهذه الغاية.

أما الوجودي فانه لا يؤمن بذلك، ولذا تراه يتخبط خبط عشواء، فانه ليس من اليسير تقليب القوانين، وإنما يتلقى الذي يريد التقليب ألف صدمة وصدمة، وأخيراً تكفهر الحياة، حتى تكون كلها ليلا قاتماً.

يقول (بول فلكييه) في كتابه (هذه هي الوجودية):

«ولكي نفهم تماماً، إلى أي حد تبلغ مأساة الحياة قوة في نظر الوجودي المنسجم مع مبادئه، ليس علينا إلا أن نذكر الأخلاقية الماهوية، وسواء نظرنا إلى كبار فلاسفة اليونان، أو المفكرين المسيحيين أو ملاحدة القرن الثامن عشر، أو نسبي القرن التاسع عشر، رأيناهم جميعاً يؤمنون بوجود نموذج انساني، أو مثال ينظرون إليه انه المثل الأعلى، ويرون انه يجمل بالانسان إن لم نقل يتحتم عليه أن يطمح إلى بلوغه.

وعلى العكس نرى (الوجودي) المنسجم مع مبادئه لا يعترف بأي مقياس، على كل إنسان أن يصنع مقاييسه بنفسه وما يجب أن يكونه ليس مكتوباً في أي مكان، بل عليه أن يبتكره، ولاشك في أن بوسعه اللجوء إلى موجه ينصح له ويهديه فيتخلى عن توجيه حياته ويترك زمامها لسواه ممن يثق بهم، ولكن اختيار هذا الموجّه أو هذا القائد، يتطلب معرفة ببعض مبادئ الحياة، وهذا يصعب كثيراً في بعض الأحيان».

ثم يقول:

«وباطراح كل عالم مثالي، واعتباره تصورات خيالية مجردة، يصل الوجوديون إلى هذا التناقض المؤلم، وهو أن عليهم الاختيار دون أن يكون لديهم أي مبدأ للاختيار، أو أي مقياس يشير عليهم انهم أحسنوا صنعا باختيارهم، أو أساؤوا».

وغير خفي على الإنسان الواعي الخطر الذي يكمن في مثل هذا الفكر: (لا مقياس، فافعل ما شئت) ولذا نرى ما ينجم عن هذا الرأي سبب أكبر قدر من الأضرار على العالم.

واليك مثلا، نذكره من مجلة حضارة الإسلام، ذو الحجة 1384 ص136:

«أما بالنسبة لمجال القيم والمثل والأفكار، فان الانسانية قد استقرت خلال تجاربها المتلاحقة، عبر المدى الطويل، على قيم محدودة في مجال الفرد والجماعة، وقد مهرت هذه القيم العالي من عرقها ودموعها ودمائها، لذلك فان أي تغيير تخبطي عشوائي، لمجرد التغيير سيؤدي إلى مزيد من الضلال والتيه والتمزّق والألم، ولن يتم هذا التغيير العشوائي، إلا على حساب سعادة الإنسان.

إن سببا أساسياً من أسباب الاضطراب والقلق في العصر الحديث هو التغيير المستمر للقيم، هذا التغيير السريع الذي يفوق حدّ التصور، فلو أخذنا قيمة من قيم العصر الحديث، (كالحرية) مثلاً، ورسمنا لتغيرها خطاً بيانياً خلال فترة القرن التاسع عشر والقرن العشرين (م) لوصلنا إلى خط رجراج متذبذب، أقصى درجات التذبذب، فمفهوم الحرية بعد الثورة الفرنسية،كان يعني إعطاء الإنسان بعض حرياته الشخصية، ثم تغير مفهوم الحــــرية فأصبح يعني عند الرأسمالي حرية جمع الثروات الطائلة واحتكار الأرزاق واســــتغلال البشر، ثم تغير المفهوم، فأصبح يعني عند الشيوعي إقامة دكتاتورية وحشية تنحر دماء الناس وتزهق أرواحهم، وأخيراً أصبح مفهوم الحرية يعنى عند الفاشستي، تسلط شخصي على مقدرات أمة كاملة.

إن الاختلاف في مفهوم الحرية من مجتمع إلى آخر يبلغ حد التناقض الكامل، وما هذا الاختلاف والتباين في المفهوم إلا لأن أشخاصاً ألّهوا أنفسهم، ووجهوا قطاعات بشرية كاملة، فرسموا خطوط سيرها حسب أهوائهم واجتهاداتهم القاصرة، كان في الماضي منهم ماركس واليوم… سارتر وغدا غيرهم».

ويبقى هنا سؤال يفرض نفسه، وهو انه إذا كان من الضروري اتباع المقاييس الواقعية، فماذا ـ يا ترى ـ المنهج الذي يلزم على الإنسان أن يتبعه للحصول على تلك المقاييس، بينما نرى الاختلاف الكبير في المقاييس.

والاجابة عن ذلك:

أ ـ إما بطريقة الايمان… أن يتبع الإنسان (الفطرة الأصلية المودعة في الإنسان) مما بينها الأنبياء المرسلون (عليهم السلام) .

ب ـ وأما بطريقة الفحص والاجتهاد، فكما قال (ديكارت) ــ كما في كتاب (المدخل إلى فلسفة ديكارت) ـــ:

«أن أرفض مطلق شيء على انه حق، ما لم يتبين بالبداهة لي انه مثل ذلك، أعنى أن أتجنب التسرع والتشبث بآراء سابقة، لا اخذ من أحكامي إلا ما يتمثله عقلي بوضوح تام، وتمييز كامل بحيث لا يعود لدي مجال للشك فيه».

 

1 - هوسرل، آدموند (1895 ـ 1938) فيلسوف نمساوي، أسس (الفينومينولوجيا) أو علم الظاهرات، من أشهر آثاره (مباحثات منطقية) و(تأملات ديكارتية) و (علم النفس الفينومينولوجي).

2 - العلامة الحلي الحسن بن سديد الدين يوسف بن زين الدين على بن مطهر الحلي (648 ـ 726هـ).

3 - القوشجي : المولى علاء الدين علي بن محمد الذي حصل في حداثة سنة غالب العلوم قرأ على علماء سمرقند وعلى الفاضل القاضي زاده الرومي وقرأ على الأمير الغ بيك، وله تصانيف: شرح التجريد المشهور بالشرح الجديد، والرسالة المحمدية في الحساب، والرسالة الفتحية في علم الهيئة وله حاشية على أوائل شرح الكشاف للتفتازاني وتوفي بمدينة قسطنطينية سنة 879 ودفن بجوار أبي أيوب وهبة الله.

4 - للمحقق السبزواري هادي بن مهدي السبزواري الخراساني (1212ـ 1289هـ).

5 - الأسفار الأربعة في الحكمة المتعالية لملا ميرزا الشيرازي محمد بن إبراهيم الشيرازي المتوفي سنة 1050هـ من تلامذة المير داماد.

6 - وراجع أيضا موسوعة الفقه، المقدمة، كتاب العقائد.

7 - سورة يوسف: 111.

8 - لسارتر جان بول واسمه بالإنكليزية: la Nausee.

9 - مارسيل غابرييل (1889ـ 1973م) فيلسوف فرنسي، اعتبر الفلسفة بادئ الأمر ضرباً من الفكر مغالياً في التجريد، بيد أن الخبرات التي تمت له خلال الحرب العالمية الأولى انتهت به إلى ابتداع فلسفة قوامها التجربة الإنسانية فكان بذلك أول الوجوديين الفرنسيين، وتختلف وجودية مارسيل عن وجودية سارتر وأحزابه من حيث عدم إنكارها وجود الله. من آثاره (لغز الوجود) Le MeStere De Letre عام 1951م.

10 - المحقق الحاج هادي بن مهدي السبزواري الخراساني (1212 ـ 1289هـ) في كتاب المنظومة.

11 - أفلاطون (428 ـ 347 ق.م) فيلسوف يوناني يعد هو وسقراط وارسطو واضعي الأسس الفلسفية للثقافة الغربية، معظم مؤلفاته محاورات عالج فيها موضوعات مختلفة كالرياضيات والسياسة والتربية ..، وأشهر محاورات أفلاطون كتاب (الجمهورية) The Republic وقد رسم فيه صورة للمدينة الفاضلة كما تخيلها معلناً أن لا صلاح للجنس البشري إلا إذا أصبح الفلاسفة حكاما أو أصبح الحكام فلاسفة.

12 - نهج البلاغة، الكلمات القصار 339، شرح النهج: ج20 ص292. متشابه القرآن: ج1 ص44 عن النبي ‚ . غوالي اللئالي: ج4 ص102 ح149. غرر الحكم ودرر الكلم ص232 ح4637 الفصل الأول في النفس. مصباح الشريعة ص13 ب5 .