الفهرس

المؤلفات

 الأ د يان

الصفحة الرئيسية

 

الفضيلة

من البديهي لدى كل أحد: أن القاضي إذا أعطى الحق لصاحب الحق، فعل فعلاً حسناً، وإذا أعطاه للمبطل فعل فعلاً سيئاً..

وان الثري إذا بذل قسماً من ثروته لفقير يتضور جوعاً فعل جميلاً، وإذا منعه عن ذلك حتى مات فعل فعلاً قبيحاً..

وان الشخص الذي هو عضو في حكومة إذا أخذ اخبار حكومته السرية وأعطاها لحكومة أجنبية فعل فعلاً شائناً، وإذا تحفظ على أسرار حكومته عمل عملاً حسناً.

وهكذا قل في سائر أقسام (الفضيلة) و (الرذيلة) فانهما بديهيتان فطريتان، لا يختلف فيها إلا من اختلت فطرته، وانسلخ عن موازين النفس، سواء كان ذلك الإنسان دينياً، أم فيلسوفاً، أم إنساناً عادياً ملحداً.

وقد تنازع ـ قديماً ـ (الاشاعرة) و(غيرهم) حول (الحسن والقبيح العقليين) فالأولون كانوا ينكرون ذلك، والآخرون كانوا يثبتونهما، ومع ذلك فالأشاعرة قالوا بالحسن والقبح الشرعيين، أما أن يكون هناك من ينكر الفضيلة، فلا يذكر له التواريخ وما إليها خبراً.

حتى جاء (الوجودي: ج، مارسيل) فذهب إلى هذا المذهب.

يقول: (بول فولكييه):

«ومسرح جبريل مارسيل نفسه يوحي الينا بان هذا الاتصال مستحيل تحقيقه، أو على الأقل المحافظة عليه، ويوحي إلينا أيضاً بان الفضيلة نفسها بدلاً من أن تكون عاملاً من عوامل التوحيد والاتصال، تخلق جواً يسمم العلاقات الإنسانية».

إذاً فَلنا أن نسأل: هل أن الرذيلة تكون عاملاً من عوامل التوحيد والاتصال؟

فان كان الجواب: (نعم) كان مخالفاً للبديهية ـ كما عرفت ـ وإن كان الجواب (لا) كان اللازم منه (لزوم ارتفاع النقيضين أو ارتفاع الضدين لا ثالث لهما) وكلاهما مستحيل بالبداهة.

بين الإفراط والتفريط

في المثل القديم: (الجاهل أما مُفرط أو مفرّط).

مثلاً: من جهل المقدار من الدواء الذي يحقن في جسمه لأن يبرأ، لا يخلو أما أن يزيد في الدواء فيورث خبالا، أو ينقص منه فيوجب طول المرض.

ولقد صدق القرآن العظيم حيث قال: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا) (1)… وفي المثل: (خير الأمور أوسطها)(2) والذين لايريدون الرضوخ للواقع الفطري لابد وان ينزلقوا في احدى الهاويتين.

وكذلك وقع قطاعات كبيرة من الناس في (تأليه المجتمع: الماركسي) أو (تأليه الفرد: الوجودي)، فماركس لا يرى للفرد أية قيمة، وإنما هي آلة بسيطة في معمل كبير.. وسارتر، يرى كل القيمة للفرد دون المجتمع.

وكلا الأمرين باطل ضار، لأن الإنسان خلق ذا جانبين: جانباً فردياً يلزم أن يراعى، وجانبا اجتماعياً يجب أن يلاحظ، وإلا لزم الخبال والفساد.

يقول الأستاذ (لاوند) ـ بعد ما قرأ كتاب (الأيدي القذرة) لـ(جان بول سارتر) ـ :

«فادركت بعد قراءة هذه الرواية: أن التناقض الحياتي والفكري والنفسي بين الوجودية والشيوعية ظاهرة واضحة جلية، فالوجودية محاولة لتكوين مجتمع قاعدته الفرد (الخالق لنفسه) والمحدث لوجوده، بوعيه لهذا الوجود يصنع لنفسه المقاييس، ويتحمل مسؤولية القيم باعتباره مصدراً لها، فهو عالم كامل قائم بذاته، وحقيقته هي وجوده وماهيته الإنسانية نتاج طبيعي لهذا الوجود.

أما الشيوعية فهي محاولة لتكوين مجتمع قاعدته (الطبقة) أو ( الكل المجتمعي) فهو خالق لنفسه محدث لوجوده، بوعيه لهذا الوجود يصنع لنفسه المقاييس، ويتحمل مسؤولية القيم باعتباره مصدراً لها، انه عالم كامل قائم بذاته، وحقيقته هي الوجود المجتمعي، أما ماهيته فهي مادة هذا الوجود، بمعنى آخر لا ماهية له في مفهوم فلسفة ما وراء الطبيعة.

فالوجودية تأليه للفرد، والشيوعية تأليه للطبقة الاجتماعية وللمجتمع نفسه».

دقة الإسلام وشموليته

الإسلام ـ بما انه دين الله الذي اختاره للبشر لسعادته ورفاهه ـ أشمل وأدق وأكثر ملائمة للبشر في جميع أدواره واعصاره.

وكلما طالع الإنسان الأديان والمبادئ، وقارنها بالإسلام ظهر له جلاء الإسلام أكثر فاكثر.

ومن عجيب أمر الإسلام ـ ولا عجب لدى الدقة، في دين أنزله اله الكون العالم بما يصلح البشر ـ أمران:

الأمر الأول:

انه لم يترك شيئاً ولو ضئيلاً مما يحتاج إليه البشر في مراحل الحياة الطويلة إلا أوضحه وبيّنه، إما بالنص والصراحة، وإما باعطاء القواعد العامة الكلية..

حتى انك إذا اجتهدت واجهدت نفسك لتجد أمراً ـ ولو صغيراً ـ مما يحتاج إليه البشر من قبل الولادة إلى بعد الممات سكت عنه الإسلام ولم يبينه، لم تجد ذلك إطلاقاً، سواء كان ذلك مرتبطاً بالسياسية، أو الثقافة، أو الاقتصاد، أو الاجتماع، أو الجيش، أو العائلة، أو الحرب، أو السلم، أو المعاهدات الدولية، أو الحقوق والواجبات ـ العامة والخاصة ـ أو الدولة، أو المجتمع، أو الفرد أو غيرها… أو غيرها…

وهذا الكلام ليس ادعاءاً فارغاً، بل له شواهد، حتى بالنسبة إلى غير المؤمن بالاسلام، أما المؤمن : فلقد صرح الكتاب والسنة وعلماء المسلمين بهذه الحقيقة، ويكفيه إيمانه في التصديق بهذه الحقيقة ،

ونذكر من شواهد الممكن التعرف اليها:

1ـ الاختبار الشخصي، بمطالعة الإسلام، مطالعة مستوعبة.

2ـ مطالعة كتاب واحد كُتب في الفقه، وهو (جواهر الكلام) الذي يحتوي على نيف وخمسين ألف قانون(3)، مع أن هذا الكتاب إنما يتعرض للمسائل الفقهية، أما المسائل العقيدية، أو المسائل الأخلاقية، وما إلى ذلك، فليس في هذا الكتاب تعرض لها ـ لأن الكتاب إنما يعني الفقه دون ما سواه ـ مع احتفال الإسلام بالعقيدة والأخلاق احتفالاً مدهشاً… حتى انك لا تجد مسألة عقيدية أو أخلاقية إلا والاسلام تعرض لها بصورة مسهبة مستوعبة.

3ـ تاريخ المسلمين الطويل، فان الإسلام حكم ما يقارب الأربعة عشر قرناً أكبر رقعة من الأرض، وكان الذي ينظم جميع شؤون المسلمين، في هذه المدة الطويلة وفي هذه الرقعة الفسيحة ـ شؤونهم الداخلية والخارجية ـ إنما كان الإسلام والاسلام وحده.

أما بالنسبة إلى العقيدة والأخلاق… فمطالعة كتاب (شرح التجريد) للعلامة الحلي(4)، وكتاب (جامع السعادات)(5) للعلامة النراقي(6) كافٍ في الدلالة على ما نقول ـ بله الكتب المفصلة الكثيرة ـ.

الأمر الثاني:

إن جميع أسس الإسلام الاعتقادية، وأحكامه المرتبطة بالعبادة أو المعاملة أو ما أشبه، وما بيّنه من الأخلاقيات أو حذر عنه من المحرمات، أو رغب إليه من الواجبات، كلها تكون بمقاييس دقيقة، وأدلة صحيحة، وموازين عادلة، حتى انك لا تجد أصلاً من الأصول إلا والبرهان العقلي يكتنفه ولا حكماً من الأحكام إلا والدليل المنطقي يسنده.

وهذا وإن كان ـ في بادئ النظر ـ يرى دعوى كبيرة إلا أن المطالع في الأصول والأحكام يلمسها لمساً ويتيقن بصدقها تيقناً..

ولعل مطالعة كتبي البدائية ـ (العقائد الإسلامية)(7): في العقيدة.. و (الفضيلة الإسلامية)(8): في الأخلاق.. و (في ظل الإسلام)(9): في بعض الجوانب الاخر ـ تعطي صورة موجزة عن صدق هذا الادعاء، ولو وفقني الله سبحانه اكتب كتاباً عاماً حول الخطوط العريضة المبينة لمنطقية الأحكام، كما نقل عن العلامة الأجل (الشيخ عبد الله) مؤلف (الحاشية على التهذيب في المنطق) انه قال: (أتمكن من الاتيان بالبرهان العقلي، لكل مسألة من المسائل الشرعية)..

بل هذا هو الذي فهمه المسلمون من يومهم الأول ولذا كانوا يسألون العلل عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، مما جمع بعضها (الشيخ الصدوق رحمه الله )(10) في كتابه الشريف (علل الشرائع)(11) ولعله إلى هذا يشير القرآن الحكيم في آيات متعددة، حيث يخاطب العقل والعقلاء ويجعل المجد لمن عقل وتدبر وتفكر، وما إلى ذلك.

وكيف كان.. فمن الجدير بالمسلم أن لا ينساق إلى الآراء والمبادئ ـ مهما كان لونها ومنبتها والداعون إليها ـ إلا بعد أن ييئس من الإسلام ــ لو فرض ذلك ــ.. وذلك لا يكون إلا بعد مطالعة الإسلام مطالعة دقيقة ثم مقارنته بذلك المبدأ والفكرة.. ولو حصل هذا لم يكن يأس قطعاً، بل العكس.. يتدفق نحوه النور الإسلامي الذي يبهره، ويصرفه عن كل ما عداه.

والله سبحانه المسؤول أن يوفقنا جميعاً لرضاه، وهو المستعان.

كربلاء المقدسة           

محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي

 

1 - سورة البقرة: 143.

2 - أعلام الورى: ص307 الفصل 4. شرح النهج: ج16 ص117.

3 - ويمكن مراجعة موسوعة الفقه للإمام الشيرازي (المؤلف) فإنها تقع في 150 مجلداً وفي أكثر من سبعين الف صفحة من القطع الكبير وتحتوي على مختلف المسائل الفقهية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية والطبية والبيئية والنفسية والحقوقية والقانونية و….

4 - انظر الصفحة 33 الهامش.

5 - كتاب أخلاقي شامل لمختلف الفضائل والرذائل ويقع في ثلاثة مجلدات.

6 - الملا محمد مهدي بن أبي ذر النراقي الكاشاني (1128 ـ 1209) صاحب كتاب (معتمد الشيعة في أحكام الشريعة) و(جامع السعادات).

7 - يبحث الكتاب عن اصول الدين الخمسة وأدلتها، التوحيد، صفات الله سبحانه الجمالية والجلاليه، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد، ويقع في 200 صفحة من الحجم المتوسط. طبع ثلاث مرات، الطبعة الأولى 1380هـ 1960م، الطبعة الثانية 1399هـ 1979م دار الجميع للنشر بيروت لبنان، الطبعة الثالثة: 1419هـ 1998م دار الصادق بيروت، لبنان. وقد ترجم إلى الفارسية ايضا.

8 - هذا الكتاب موسوعة مختصرة في علم الأخلاق، وقد كتبه الإمام الشيرازي بتوصية من والده المعظم آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي (قدس سره). ويقع في أربعة اجزاء طبعت مستقلة، وقد جمعها مؤسسة الوفاء في مجلد واحد 504 صفحة من الحجم الكبير وطبعته سنة 1402هـ، بيروت لبنان.

9 - يبحث الكتاب عن الانسان، السلم، القضاء، الدين والدنيا، النشاط، الحيوان والنبات، النكاح، العائلة، المتقاربون، المعاملات، المرأة، الثروة في ظل الاسلام. ويقع في 196صفحة من الحجم المتوسط، وطبع اكثر من مرة: في العراق في النجف الاشرف، وفي لبنان مؤسسة الفكر الاسلامي. ومنشورات مكتبة الامام الحسين (عليه السلام) الكويت في ضمن كتاب (هكذا الاسلام). وقد ترجم إلى الفارسية أيضا.

10 - الشيخ الصدوق:هو ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بابويه القمي (306 ـ 381هـ) صاحب التصانيف العديدة القيمة منها: (من لا يحضره الفقيه) و(التوحيد) و(ثواب الأعمال) و(عقاب الأعمال) و(الخصال) و(صفات الشيعة) و(علل الشرائع) و(عيون أخبار الرضا … ) و(كفاية النصوص) و…

11 - كتاب ضخم يحتوي على ما ورد عن رسول الله ‚ وأهل بيته الطاهرين … في فلسفة الأحكام والشرائع وما أشبه.