الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

مشكلتان رئيسيتان

إن بحثنا يدور حول التحولات التي تجري في العراق، وقد طالعت الكثير عن ماضي العراق وحاضره، فوجدت أن فيه مشاكل قد تكون مشتركة في كل البلاد الإسلامية، وقد تكون خاصة به تبعاً لتركيبة الشعب أو لجغرافية منطقته، أو لتاريخه المليء بالأحداث الساخنة والمتميزة، إلا أن حقيقة الأمر هي أن مشكلتين رئيسيتين موجودتين في العراق:

أولهما: عدم الوعي والتخلف في ميادين السياسة والحقوق، وغيرها من ميادين الحياة المهمة، وهذا التخلف جعل الكثير من أبناء الشعب لا يعرف ما يدور حوله من مكائد ومؤامرات استعمارية.

وثانيهما: سيطرة الأقلية على الأكثرية.

فالمشكلة لا تقتصر على سلب الحقوق ومصادرة تضحيات الأكثرية، بل تتعداهما إلى أن المستفيد من هذه التضحيات هم أناس بعيدون عن الجهاد والتضحية، سوى أنهم مرتبطون ببريطانيا، وقبلها كانوا يقتاتون على الحكم العثماني، فهم يتحينون الفرص الملائمة ليضربوا أصحاب الحق. في حين أن الشيعة يشكلون نسبة 85% من مجموع الشعب[1]. وهم الذين وقفوا بوجه الاستعمار البريطاني ومن قبله العثمانيين وقدموا الشهداء والتضحيات الجليلة، ولكننا نراهم معزولين ومبعدين عن الحكم، ويعانون من الظلم والاضطهاد، فضلاً عن أن القانون الديمقراطي الذي يحكم أوسع رقعة جغرافية من العالم اليوم يقضي بأن الاتجاه السياسي والمذهبي للدولة يجب أن يختاره الشعب طبق ميزان التوزيع وحق الأكثرية، مع احترام حقوق الأقليات، فنسبة 85% هي التي يجب أن تحكم في العراق مع ضمان احترام حقوق الأقليات الأخرى بقدر نسبتها التي أشرنا إليها.

سؤال

والسؤال هنا: لو كان هدف الطاغية صدام[2] هو العمل الحزبي السياسي فقط، وليس التعصب المذهبي، فلماذا كل هذه المحاربة للشيعة، لماذا هذا التبعيد؟ ولماذا كل هذه الضغوط على الحوزات العلمية الشيعية؟ وليس هذا منحصراً في صدام وحده، بل كل الذين جاءوا إلى السلطة من ملكيين وبعثيين وقوميين وشيوعيين وغيرهم، مما يكشف عن كون حقيقة الحكم في العراق بشتى صوره وأصنافه راجع إلى الاضطهاد المذهبي والتعصب الطائفي.

نصب تأريخي

عبد المحسن السعدون[3] من الشخصيات التي يرد أسمها في تاريخ العراق الذي تسلّم منصب رئاسة الوزراء في العراق، وكان يتمتع آنذاك بقدرة عالية في تنفيذ أوامره، وكان عميلاً شديد الولاء لبريطانيا، وقد استفادت منه كثيراً في تمرير مؤامراتها على العراق. ومن شنائع ما قام به هو إبعاد العديد من علماء الشيعة وبعض مراجعهم، ومنهم المرحوم السيد أبو الحسن الأصفهاني (قده)[4] إلى إيران، لكن مع كل ذلك فإن نصبه التذكاري لا يزال موجوداً في بغداد، وإن بعض الشيعة لا يسألون من هو هذا الشخص؟ وماذا كان؟ وكيف بقي تمثاله قائماً في شوارع بغداد إلى الآن؟

ولا يدرون أن هذا التمثال هو لذلك الشخص، الذي أبعد المراجع العظام، وزعماء الطائفة الشيعية الموقرة من العراق إلى إيران، والشيء العجيب أن الحكومات الملكية تأتي ثم الشيوعيون والديمقراطيون والجمهوريون، وهذا التمثال موجود من دون أن تتعرض له الحكومات المتعددة بسوء؛ وذلك لأن كل هذه الحكومات التي جاءت إلى السلطة كانت ـ وما زالت ـ تعمل ضد الشيعة، وهدفها قمع الشيعة وسحق حقوقها[5].

التعصب الشديد ضد الشيعة

في أيام الحكم الملكي في العراق قررنا أن نؤسس مدرسة باسم مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)، ولكن لأن السلطة كانت بيد السُّنة (الذين يشكلون 12% من الشعب)[6]، فإن الحكومة رفضت أن تمنحنا الإجازة لذلك؛ لأنها تعد ذلك تقوية للشيعة، وقالت: يجب أن تغيروا اسم هذه المدرسة إلى اسم آخر، إلا أننا بذلنا السعي الكثير ولمدة ستة أشهر حتى استطعنا أن نبقي اسم المدرسة (مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام))، أما لو كانت المدرسة تحمل اسماً لغير أئمة الشيعة (عليهم السلام) أو لا يرمز إلى التشيع لكانت الإجازة تمنح بفترة قليلة جداً وبلا صعوبة!

[1] هذه إحصائية أجراها السيد محمد الصدر رئيس الوزراء العراق أواخر الأربعينيات. للتفصيل راجع كتاب تلك الأيام للإمام المؤلف (دام ظله) نشر مؤسسة الوعي الإسلامي للتحقيق والطباعة والنشر /بيروت ـ لبنان.

[2] صدام التكريتي، الطاغوت الذي صاغه الغرب وفق متطلبات المنطقة وظروفها السياسية، وحافظ علـى أمنـه الشخصي فـي أدق الظروف وأحلك اللحظات، ولد عام (1939م) في قرية العوجة جنوب تكريت تبعـد مائـة ميل شمال بغداد، والـده كان يعمل فراشاً في السفارة البريطانية، كانت أمه صبيحة (صبحة) طلفاح تستلم مخصّصات تقاعد زوجها من السفارة، تزوجت صبيحة من أربعة أزواج ثالثهـم إبراهيـم الحسن ورابعهم زبن الحسن وكان صدام يتنقل معها من بيت زوج إلى زوج آخر ـ هذا عدا علاقاتها المشبوهة المعروفة لكل من ابتلى بمعرفتها ـ تنامت لديـه روح الانتقـام، ابتدأ عمليات القتل وهو في السابعة عشر، اشترك مع بعض عناصر البعث في اغتيال عبد الكريم قاسم عام (1959م) هرب إلى سوريا ومنها إلى مصر، اشترك في انقلاب (17 تموز 1968م). وفي عام (1970م) أصبح صدام نائباً لمجلس قيادة الثورة ورئاسة الجمهورية في حال غياب البكر عن البلاد. وفي عام (1979م) أصبح رئيساً للجمهورية بعد أن أقصى البكر عن الحكم ومنح نفسه مهيب ركن، هاجم إيران (1980م) فاندلعت حرب الخليج الأولى واستمرت ثمان سنوات، احتل الكويت (1990م) فاندلعت حرب الخليج الثانية واخرج الجيش العراقي منها، وقامت قوات الحلفاء بقيادة أمريكا بتدمير العراق ووضع العراق تحت حصار طويل الأمد، انتفض الشعب فقمع صدام انتفاضة الشعب العراقي بوحشية لا مثيل لها فقُدر أعداد من قتلوا وأعدموا واختفوا ما يزيد على 300 ألف عراقي.

[3] تسلم عبد المحسن السعدون رئاسة الوزراء في العراق، في عهد الملك فيصل الأول عام 1922م بعد استقالة حكومة عبد الرحمن النقيب. كان السعدون متحمساً لأجراء انتخابات المجلس التأسيسي، والمعاهدة العراقية البريطانية، التي كانت من صنيعة بريطانيا، فوقفت بريطانيا إلى جانبه، ومعها الملك في سبيل ضرب المعارضة الدينية المتمثلة بالمراجع العظام، أمثال السيد أبي الحسن الأصفهاني، والميرزا النائيني، والشيخ مهدي الخالصي (قدهم) والعشائر العراقية، ومن أجل قمع المعارضة قام السعدون بتسفير الشيخ الخالصي وأولاده إلى (جدة) والسيد أبي الحسن والميرزا النائيني وجماعة من العلماء آنذاك إلى إيران، ويبلغ عددهم (26) عالماً.

راجع كتاب تاريخ العراق السياسي، لطفي جعفر فرج: ص87.

[4] هو السيد أبو الحسن بن السيد محمد بن السيد عبد الحميد الموسوي الأصفهاني ولد سنة (1284هـ) في أصفهان ورد إلى النجف الأشرف أواخر القرن الثالث عشر، أقام في كربلاء مدة، وبعد وفاة السيد محمد كاظم اليزدي (رحمه الله) رشح (رحمه الله) للزعامة الدينية، وبعد وفاة الشيخ أحمد كاشف الغطاء (رحمه الله) والشيخ الميرزا حسين النائيني (رحمه الله) تهيأ له (رحمه الله) الظهور بالمرجعية العامة. توفي (قده) في ذي الحجة عام (1365هـ) في الكاظمية ونقل جثمانه إلى النجف ودفن في الصحن الغروي الشريف. أنظر معارف الرجال: ج1 ص46 الرقم 21.

[5] حتى كأن هذا التمثال يذكرهم بجرائم صاحبه فيستلهمون منه الإجرام والحقد على الشيعة، إن خمدت جذوته في نفوسهم.

[6] بموجب الإحصائية التي جرت في عهد رئيس الوزراء للسيد محمد الصدر (رحمه الله).