الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

القيادة الرشيدة ووحدة الأمة

قام الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي (رحمه الله)[1] خلال قيادته لثورة العشرين ضد قوات الاحتلال البريطانية، بخطوات واسعة في سبيل تحقيق وحدة الأمة، وجعلها قوة موحدة متماسكة ضد الاحتلال، وإزالة الخلافات من خلال هذه الوحدة بين السنة والشيعة، في الحركة السياسية، فقد وجّه (رحمه الله) عدة رسائل إلى شخصيات سُنية وشيعية، يطلب منها الاتحاد والتعاون.

ففي رسالة بعثها إلى جعفر أبو التمن، بتاريخ (3 رجب 1338هـ) جاء فيها:

سرَّنا اتحاد كلمة الأمة البغدادية، واندفاع علمائها ووجوهها وأعيانها، إلى المطالبة بحقوق الأمة المشروعة، ومقاصدها المقدسة، فشكر الله سعيك ومساعي إخوانك وأقرانك من الأشراف، وحقق المولى آمالنا وآمال علماء وفضلاء حاضرتكم، الذين قاموا بواجباتهم الإسلامية.

هذا وإننا نوصيكم أن تراعوا في مجتمعاتكم قواعد الدين الحنيف، والشرع الشريف، فتظهروا أنفسكم بمظهر الأمة المتينة الجديرة بالاستقلال التام، المنزّهة عن الوصاية الذميمة، وان تحفظوا حقوق مواطنيكم الكتابيين الداخلين في ذمة الإسلام، وان تستمروا في رعاية الأجانب الغرباء، وتصونوا نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، محترمين كرامة شعائرهم الدينية، كما أوصانا بذلك نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله) والسلام عليكم وعلى العلماء والأشراف والأعيان.

وجاء في رسالة ثانية أرسلها بتاريخ (4 رجب 1338هـ) إلى الشيخ أحمد الداود أحد علماء السنة في بغداد:

تلقيت بالابتهاج برقيتكم، فما وجدتها أعربت مقدراً، ولا أبرزت مستتراً، هذا ما أعتقده في عامة المسلمين أن يكونوا على مبدأ القرآن، ومنهج الحق، وقول الصدق، فكيف بمن ربّي في حجر العلم.. ولا أرى أنه يسرك أن تراني مقتنعاً بما عاهدت عليه الله وقد أخذ في ذلك عليك عهدك من قبل أن يبرأك... وليكن التوفيق رائدك في عمل الخير، وكن لساناً ناطقاً بالصواب، داعياً إلى الشرع الشريف أهله، سالكاً بهم محجته البيضاء...

ومن رسالة أخرى أرسلها الميرزا الشيرازي (رحمه الله) في (3 رجب) إلى الشيخ موحان الخير الله أحد رؤساء عشائر المنتفك جاء فيها:

.. إن جميع المسلمين إخوان، تجمعهم كلمة الإسلام، وراية القرآن الكريم والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فالواجب علينا جميعاً الاتفاق والاتحاد والتواصل والوداد، وترك الاختلاف، والسعي في كل ما يوجب الائتلاف، وتوحيد الكلمة، وجمع شتات الأمة، والتعاون على البر والتقوى، والتوافق في كل ما يرضي الله تعالى، فإنكم إن كنتم كذلك جمعتم بين خير الدنيا والآخرة، ونلتم الدرجة العلياء، والشرف الدائم والذكر الخالد...

ولكن حينما نستقرئ أحداث ثورة العشرين نرى أن استجابة السنة لم تكن بنفس المستوى الذي تحرك فيه علماء الشيعة، وشيوخ العشائر بشكل خاص، والشيعة كأفراد بشكل عام، في مقاومة الإنكليز وعملائهم في الداخل، فقد ظل بعض شيوخ العشائر السنية وبعض علمائها يوالون الإنكليز.

والسبب في ذلك عدم انسجامهم مع فكرة تأسيس حكومة مستقلة في العراق، إذ أنهم كانوا يعلمون بأن من الطبيعي أن تكون الحكومة القادمة شيعية، باعتبار أن القائد العام للثورة كان شيعياً، بل ومرجعاً دينياً، وهو الإمام الشيرازي (رحمه الله)، ومعه علماء الشيعة، ومركز قوة المقاومة العشائرية بيد العشائر الشيعية، فمن الطبيعي أن تكون الحكومة شيعية أيضاً[2]؛ لذلك اتجه بعض السنة وقتها إلى موالاة الحكم البريطاني، ضد أبناء شعبهم ودينهم، ليحقق لهم مطامحهم في الحكم والخلاص من الشيعة بالرغم من حدوث التقارب الشيعي السني تحت مظلة الميرزا الشيرازي خلال التحضير للثورة ولكن موالاة بعض السنة للحكم البريطاني مكن الانكليز من تقييد ومحاصرة الثورة.

[1] هو الشيخ محمد تقي بن الميرزا محب علي بن أبي الحسن الميرزا محمد علي الحائري الشيرازي زعيم الثورة العراقية، ولد بشيراز عام (1256هـ) ونشأ في الحائر الشريف، فقرأ فيه الأوليات ومقدمات العلوم، وحضر على أفاضلها حتى برع وكمل، فهاجر إلى سامراء في أوائل المهاجرين، فحضر على المجدد الشيرازي (رحمه الله) حتى صار من أجلاء تلاميذه وأركان بحثه، وبعد أن توفى أستاذه الجليل تعين للخلافة بالاستحقاق والأولوية والانتخاب، فقام بالوظائف من الإفتاء والتدريس وتربية العلماء. ولم تشغله مرجعيته العظمى وأشغاله الكثيرة عن النظر في أمور الناس خاصهم وعامهم، وحسبك من أعماله الجبارة موقفه الجليل في الثورة العراقية، وإصداره تلك الفتوى الخطيرة التي أقامت العراق وأقعدته لما كان لها من الوقع العظيم في النفوس وقال فيها: إن المسلم لا يجوز له أن يختار غير المسلم حاكماً عليه. فهو (رحمه الله) فدى استقلال العراق بنفسه وأولاده. وكان العراقيون طوع إرادته لا يصدرون إلا عن رأيه وكانت اجتماعاتهم تعقد في بيته في كربلاء مرات عدة. توفي (رحمه الله) في الثالث عشر من ذي الحجة عام (1338هـ) ودفن في الصحن الشريف ومقبرته فيه مشهورة. راجع طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر: ج1 ص261 الرقم 561، وراجع الأعلام لخير الدين الزركلي: ج6 ص64.

[2] وللأغلبية الساحقة في العدد كما مر سابقاً.