فهرس الكتاب

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

مرجع التقليد والأمور العامة

حيث لو لم يكن ذلك لم يكن الحكم صحيحا وان قام به فقيه، وذلك لأن الفقهاء بمجموعهم نواب الإمام عليه السلام أو أن مجموعهم نائب نائب فكل من اختارته الأمة مرجعا   للتقليد،وكان حسب الأوصاف التي قررها الله سبحانه على لسان أوليائه المعصومين عليهم السلام ، كان في ضمن الشورى أما أن يستبد فقيه بالأمر فذلك خلاف الموازين.

أرأيت لو أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أرسل جماعة من أصحابه لأن يحكموا اليمن، منهم: سلمان، وحذيفة،  وعمار، وحبيب، والمقدد، أليس ذلك بمعنى حكمهم بمجموعهم بأكثرية الآراء؟ فلا يحق لأحدهم أن يستبد بالحكم ويعزل الآخرين بالقوة او بما أشبه القوة، كتهيئة الجو العام ضدهم حتى يعتزلوا هم بأنفسهم حذرا عن الغوغاء والهتك.

ومن الواضح أن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم( اللهم ارحم خلفائي) وقوله عليه السلام : ( فاني قد جعلته عليكم حاكما) وما أشبه يدل على حكومة أي فقيه اختارته الأمة مرجعا لتقليده، فأمور الصلاة، والصيام، والحج، وما اشبه،  من الأعمال الفردية،أو شبه الفردية كالعائلية- تنوط بمرجع تقليده لا ربط لسائر مراجع التقليد فيها، أما الأمور العامة كالاقتصاد العام والحرب، والسلم، والسياسة العامة، والاجتماع العام بما يرتبط بكل الأمة فلا بد فيها اجتماعهم وتمشية الأمر بأكثرية الآراء.

مراجع التقليد والرأي العام

وهنا سؤالان:

الأول: من أين أن المعيار تقليد قطاع من الأمة حتى يكون قول ذلك الفقيه حجة في الشورى، مع أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( الذين يأتون من بعدي) وقوله عليه السلام : ( من كان من الفقهاء صائنا لنفسه ) إلى غير ذلك، يشمل حتى الفقيه غير المرجع؟.

الثاني: ما هو معيار تقليد قطاع من الأمة أ وإذا كان لاحدهم مائة مليون مقلد وللأخر مليون فهل هما بمنزلة  واحدة ؟.

والجواب عن الأول: أن الأمة مخيرة في تقليد من تتوفر فيه الشرائط، أما واقعا كما إذا كانوا متساوين أو قلنا ان مع الاختلاف في الأعلمية والأعدلية والأورعية أيضا يكون لهم الخيار في تقليد الفاضل والمفضول- كما اختاره جملة من الفقهاء في الفقه- وذلك كما هو الحال في أئمة الجماعة المتعددين، والقضاة المتعددين والشهود المتعددين، فان إطلاق أدلتها يعطي اختيار الإنسان لأن يأم بهذا أو بذاك، أو يتقاضى الى هذا أو ذاك، أو يستشهد بهذين أو بهذين إلى غير ذلك.

فإذا اختار قسم كبير من الأمة زيدا وقسم عمروا وقسم زراره كان له ذلك الحق، ومعنى ذلك أن الشارع صدق تقليده وجعل زمام الأمر بيده، وفي رواية علي عليه السلام : ( أن يختاروا ). وبهذا تبين أن غير من اختير لا حجية في قوله بالنسبة إلى المختار لهم، فذلك مثل أن يكون هناك قاضيان لكل واحد صلاحية القضاء.

فهل لأحدهما الحق في فيصلة الأمر والحال أن المتنازعين رجعا إلى الآخر؟ وإنما لا يكون له الحق لانصراف الأدلة عنه، ولو حكم- والحال انهما راجعا غيره- هل يكون حكمه نافذا؟.

والجواب عن الثاني: انه حيث قد عرفت ان المعيار الشرائط الشرعية من العلم، والعدالة، وانتخاب الناس وما أشبه،  فاللازم أن يلاحظ هل أن الأمة تنتخب صاحب المليون للحكم أم لا لحق الأمة في تبعيض التقليد بأن تقول إني أقلد زيدا في ما عدا مسألة إدارته الحكم، أقلد عمروا في هذه المسألة فقط- على ما ذكره الفقهاء في بحث تبعيض التقليد ـ.

فإذا اختاروا صاحب المليون في الشورى كان منهم، وكانت النتيجة أنه صار صاحب عشرين مليون مثلا لتقليد الأمة له في هذه المسألة، لأن التبعيض في التقليد من التقليد في هذه المسألة الواحدة فرضا،  فهو كما إذا راجع المتنازعان المقلدان لزيد، في نزاعهم إلى عمرو، فان اختار الحاكم- على ما بأيدي الأمة ـ لا يلازم تقليدهم في سائر المسائل، نعم يشترط أن يكون المختار جامعا لشرائط الفتوى، على ما قرر في بحث التقليد والقضاء.

ثم إن مات أحدهم يرشح المراجع الباقين و احدا ممن له الصلاحية في سد مكانه، ويكون عونا لهم في إصدار الإحكام و إدارة الأمة إلى أن يقلده قطاع كبير.

لا يقال: أنه ليس منتخب اللامة في التقليد فكيف يحق له الحكم.

لأنه يقال: أنه منتخب المراجع، وكما يجعل المراجع بأكثرية الآراء القوة التأطيرية والتنفيذية والقضائية، كذلك يحق لهم أن يجعلوا جامعا للشرائط في استشارتهم، لاطلاق أدلة أنهم خلفاء وأمناء وحكام.

ولا يلزم أن يجتمع الفقهاء أعضاء الشورى في مكان واحد بل يمكن أن يكون أحدهم في العراق، وآخر في إيران،  وثالث في لبنان، ورابع في الهند، وخامس في باكستان، ثم يجتمع وكلائهم المنتدبون من قبلهم لهذا الشأن في مكان، وبمراجعة الفقهاء يحكمون بالأكثرية ويمضي الفقهاء ذلك.

حال ذلك حال الأمم المتحدة، أو جامعة الدول العربية، أو منظمة الوحدة الأفريقية أو ما أشبه ذلك- ولا مناقشة في المثال- حيث يرجع الممثلون إلى رؤساء حكوماتهم، وبعد أخذ موافقتهم يظهرون الرأي، والنتيجة إصدار الأمر بأكثرية آراء الدول.

وهنا يبقى سؤال: أنه كيف يحكم القضاة المنصوبون من قبل السلطة القضائية المستندة إلى شورى المرجعية، في مورد الاختلاف في الأحكام مثلا،  في نزاع خاص، أحد الفقهاء يرى أن الدار لزيد، وآخر يرى أن الدار لعمرو، فهل يحكم القاضي برأي هذا أو رأي ذاك؟.

والجواب:إنه إذا كان القاضي مجتهدا جامعا للشرائط- كما هو الرأي المشهور في باب القضاء حيث لا يجوّزون قضاء غير المجتهد العادل الجامع للشرائط- فهو يحكم حسب رأيه، على ما ذكرناه في الفقه، من أن الأمر كذلك حتى فيما إذا كان المتنازعان عند القاضي مجتهدين جامعي الشرائط.

أما إذا لم يكن كذلك بل فاضلا عادلا، لا  مجتهدا،كما هو رأي البعض، ولم نستبعده في الفقه، فان كان هناك أكثرية آراء في المسألة يعمل عليها- فيما كان المتنازعان من تقليدين و إلا فهما يأخذان برأي مرجع واحد، وهو يحكم لهما بذلك الرأي من غير محذور- وذلك لأدلة الشورى.

وان لم يكن أكثرية آراء، مثلت كان شورى المراجع من ستة، وكان نصفهم يرى الحكم الذي يقتضي أن الدار أو الزوجة لزيد ونصفهم الآخر يرى انهما لعمرو، فان أمكن القرعة فهي لكل أمر مشكل، والمورد من صغرياته، وإلا كان المحكم قاعدة العدل كما في الماليات أو الاحتياط كما في الفروج.

ثم البحث عن مثل ذلك ليس بمهم بعد إمكان إحالة فيصلة مثل هذه المشكلة، وان القاضي كيف يحكم في مورد الاختلاف بين المجتهدين أصحاب الشورى؟ إلى نفس شورى المراجع، فما استقر عليه رأيهم بأكثرية الآراء يعمل القضاة على طبقه.

أما كيف يمكن جمع الفقهاء المراجع في شورى الحاكمية العامة على الأمة،  فان ذلك ممكن بسبب الرأي العام، فان للرأي العام من القوة والضغط، ما يسقط الدول ويأتي بالدول، كما رأينا كيف أسقطت حكومة بريطانيا عن الهند بعد أن تعشعشت فيها ثلاثة قرون، وأتى بالدولة الحالية، وله أمثلة في التاريخ، حتى إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على عظمته، لاحظ الرأي العام، حيث يروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لبعض زوجاته ( لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين ) فانه صلى الله عليه وآله وسلم  تجنب أن يكون الرأي العام ضده- على فرض صحة هذا الحديث فيما لا يهم بقدر أهمية جمع الناس تحت راية: ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ).

وفي رواية أخرى ينقل عنه صلى الله عليه وآله وسلم : انه بعد قصة المؤامرة ضده في ليلة العقبة قال: ( لولا أن الناس يقولون أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم استنصر بجماعة من أصحابه ثم لما قوي أمره قتلهم ، لضربت أعناقهم ).

وهكذا نشاهد جملة من القصص الأخرى التي سجلت الرأي العام فيها ترك المعصوم عليه السلام  ما أراده ترجيحا للأهم على المهم- وهي قاعدة فقهية معروفة، جذورها في القرآن الكريم، حيث قال سبحانه: ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة و معارج عليها يظهرون).

بالإضافة إلى أنه حكم العقل، وقد قام عليه الإجماع مما يظهر ذلك من فتواهم بتقديم الزنا على الموت في قصة رفع علي عليه السلام الحد عن الزانية اضطرارا ،  وفتواهم بأن المسلمون يقتلون إذا تترس بهم الكفار، وقد طرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، المسلمين الذين جاؤوا إليه بعد المعاهدة مع الكفار تقديما للعهد حيث شكلوا فرقه بين مكة والمدينة في قصة مشهورة، وصلى على ابن أبي وقام على قبره لما كان لذلك من الأهمية في جذب أناس إلى الإسلام مع أن القاعدة العامة هي قوله سبحانه: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا، ولا تقم على قبره ) إلى غير ذلك مما يحتاج إلى رسالة مستقلة.

وكذلك سبب ضغط الرأي العام على علي عليه السلام فرفع يده عما أراده ، في قصص مشهورة.

أما قصص ضغط الرأي العام على الحكام فهي كثيرة، وقصة ضغط الرأي العام على يزيد في إذنه لصعود الإمام السجاد عليه السلام المنبر أشهر من أن تذكر، وقد كان يعلم أنه إن صعد لا ينزل إلا بفضيحة يزيد وفضيحة آل ابي سفيان،وأنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقا كبيرهم لا يقاس وصغيرهم جمرة لا تداس... وهكذا كان، فقد صعد عليه السلام المنبر ولم ينزل ألا بفضيحتهم الباقية إلى اليوم بعد اكثر من ثلاثة عشر قرنا، وبنفس الرأي العام الضاغط افرج عنهم عليه السلام وأذن لهم في إقامة العزاء.

كما أن أحد الخلفاء كان يحب جارية له اسمها( دريرة) ففوض الأمر إلى وزرائه وبنى خارج البلد في محل حسن الماء والهواء يسمى (بحيرة ) عمارة لنفسه ولها وذهب هو بصحبتها مستصحبا الزمارين والمغنين ومن إليهم إلى تلك العمارة، وبسبب الرأي العام الذي أوجده شاعر ضده هدم العمارة، ورجع إلى البلد، فقد انشأ الشاعر بيتين فانتشر في الأفواه انتشار النار في الهشيم، وخاف الخليفة الفضيحة، والبيتان هما:

ترك الناس بحيرة                   وبنى عند البحيرة

قاعد يضرب بالطبل               على حر دريرة

ثم أن الفقهاء المراجع إذا اجتمعت كلمتهم تمكنوا من تغيير ما فسد من المسلمين كما رأينا ذلك حين اجتمعوا في قصة إيقاف الروس عند حدود إيران الحالية، و إخراج الإنكليز عن إيران حين غزوها تحت شعار امتياز التنباك، وتبديل الملكية المطلقة إلى المشروطة في قصة الآخوند الخراساني (قده)، و إخراج الإنكليز عن العراق بعد احتلالها لها في ثورة العشرين (1920 م) و إخراج الإنكليز مرة ثانية عن العراق أبان الحرب العالمية الثانية، بل ان المراجع هم الذين هيئوا الأرضية الصالحة لإسقاط البهلوي الأول والعائلة الفيصلية،  في كل من إيران والعراق.

لوضوح إن المسلمين يتعلقون بعلمائهم، فإذا اتجهوا لهدم أو بناء تبعهم المسلمون، ولذا يهتم المستعمرون والحكام في أن لا يتحد المراجع، مهما وجدوا إلى ذلك سبيلاً.

وإذا اجتمعت كلمة المراجع أمكن إصلاح حال المسلمين، لا في البعد السياسي فحسب بل في كل الأبعاد وحتى قبل وصولهم إلى الحكم، فتستقيم قصة المال للحوزات العلمية، وتنتظم شؤون الحوزات ويقوى التبليغ الإسلامي في كل أقطار العالم، ويكون سدا إمام التبشير،وسائر المذاهب الباطلة، والأديان المخترعة كالبهائية، والقاديانية ، والوهابية، وما إليها،  ويمكن عمارة البلاد، وإنعاش العباد إلى غيرها مما لا يخفى.

وإذا اجتمعت كلمة المراجع، كان الدارسون والناهضون للاجتهاد، والخطباء، والمؤلفون  والمؤسسون ومن إليهم من فصائل الدينيين والعلميين كلهم من حفدة الشورى بما يعطي أفضل الثمار، فإنه بعد غياب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف إلى حين ظهوره فوض الأمر إلى المراجع الذين هم حملة علوم المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.

ثم أنه يأتي في المقام سؤال أنه إذا اختلف شورى الفقهاء بأكثرية الآراء أو جميعا- فرضا- مع مجلس الامة الذين انتخبوا لادارة الأمور، حيث تكون النسبة بين المجلسين، هما النسبة بين ( حاكم أعلى في الديمقراطية،وبين مجلس الامة ) إذ يلزم انتخاب مجلس الامة من جهة كونهم الخبراء في إدارة البلاد، فقهيا ودنيويا، فأيهما السلطة الأعلى في نفوذ رأيه في مورد الاختلاف؟.

والجواب : إن في المقام، احتمالات :

الأول: تقدم شورى الفقهاء لأنهم منصوبون من قبل الإمام عليه السلام.

الثاني: تقدم مجلس الامة لأنهم مورد رضى الله سبحانه لعلمهم وعدالتهم وخبرويتهم،  ورضى الأمة الذين أعطى الشارع بيدهم حق الاختيار، فمجلس الإمة في ذاته مورد تأييد الفقهاء، كما سيأتي، ومورد تأييد الأمة.

الثالث: مراجعة الامة في تقديم أي المجلسين في المسألة المتنازع فيها باستفتاء عام، فأيهما قدمت الامة كان المقدم، وذلك لأن الله سبحانه حيث أعطى الصلاحية للأمة بقول علي عليه السلام : ( يختاروا ) فملاكه آت في المقام، فكما في الحاكم الواحد للامة الحق في اختياره زمانا دون زمان لهم الحق في اختياره في مسألة دون مسألة، فهو كما إذا رجع المتنازعان في قضية الى هذا القاضي وفي قضية أخرى الى قاض آخر- مع فرض كون كليهما جامعا للشرائط-.

والاحتمال الثالث مع كونه أقرب الى العقل والى روح القانون أقرب الى ما ورد من جعل على  عليه السلام حق الأمة على نفسه باعطاء المشورة، بل استشارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين، بالاضافة الى أنه بملاك تقديم الموكل أي وكيليه فيما اذا تنازع الوكيلان في أمر، إذ المفروض أن مجلس الشورى والأمة كليهما وكيلان من قبل الامة، حيث لها حق الاختياربـ ( أن يقلدوه) و( يختاروا ) من جانب، وان الامة وكلت مجلس الشورى في ادارة شؤونه الدنيوية من جانب آخر.

فهو كما اذا راجع الفرد مرجعآ في دينياته، وطبيبا ومهندسا وخبيرا تجاريا في دنيوياته- فان الموضوعات كما قرر في الفقه، لا ترتبط بالفقيه، وانما بالإنسان، فاذا قال الفقيه: ان الخمر حرام، أخذ منه، ولكن اذا قال: هذه خمر، وتحقق لدى المقلد علما أو بطريق آخر أنها ليست بخمر لم يكن قول الفقيه حجة عليه حتى يلزم عليه اتباع رأي الفقيه في هذا الموضوع.

اقسام الاحزاب

الحريات التي منحها الإسلام للناس تعطي الحق لهم في تكوين الأحزاب لا بالمعنى الغربي، وحيث يلزم أن تكون البلاد الإسلامية في إطار الإسلام والأحزاب الممنوح لهم في التكوين على ثلاثة أقسام:

الأول: الأحزاب الإسلامية التي تنتهي إلى المراجع حيث إن الذي يتصرف في شؤون المسلمين إنما هم المراجع المنصوبون من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام .

فالمراجع يكونون الأحزاب الإسلامية التي يكونون عونا لهم في تطبيق الإسلام وتقديم الامة إلى الأمام وهذه الأحزاب بمعونة شورى المراجع ينتخبون القوى الثلاث.

والفرق بين الأحزاب بالمفهوم الاسلامي والمفهوم الغربي- المرفوض إسلاميا- أن: الأول يعمل حسب التطبيق الاسلامي فقط فهم يعملون تأطيرا لا تشريعا، بينما الثاني يعمل حسب الآراء سواء طابق الشرع أم لا .

فالقوى التي تصل إلى الحكم سواء المجلس، أو القضاء، أو الوزارة كلها تعمل في الإطار الإسلامي،  لا غير ذلك.

وهنا سؤال يفرض نفسه، وهو لو كان الإطار خاصا بالإسلام فماذا يعمل في الاحتياجات المتزايدة حسب العصر، مثلا الشوارع والمؤسسات لو تعارضت مع الوقف أو الملك الذي يأبى صاحبه إعطائه للشارع فان قدم الأول لزم رفع اليد عن قانون ( الوقوف على حسب ما وقفها أهلها  لا يحل مال امرء إلا بطيب نفسه) وان قدم الثاني لزم رفع اليد عن موازين بناء المدن والمؤسسات.

وهكذا أن قدم قانون المرور لزم رفع اليد عن حرية الإنسان في سياقته ، وان قدم قانون الحرية لزم رفع اليد عن قانون المرور.

وكذلك إن عمل بقانون ( العملات الصعبة ) في الدخول والخروج إلى البلاد لزم إسقاط حرية الإنسان في كل شأنه إلا المحرم وان عمل بالثاني، لزم إلغاء الأول؟.

والجواب ليس القانون الاسلامي خاصا بالأمور الحرفية و إنما للإسلام قوانين عامة تنطبق في كل زمان ومكان حسب مقتضيات الأمر ولذا سميناه ( التأطير) فهناك قانون الأهم والمهم وقانون لا ضرر إلى غير ذلك.

ففي المثال الأول،  إذا انطبق القانون على موازين الإعطاء للشارع أو للمؤسسة أو ما أشبه كالحدائق العامة بان كان ذلك أهم شرعا قدم على العناوين الأولية.

وفي المثالين الآخرين إذا كان في تطبيق القانون الأولي ضرر وقف لا ضرر أمام القانون الأولي.

وليس ذلك بمعنى الولاية الفضفاض، ولا بمعنى المصالح المرسلة، إذ ولاية الفقيه معناها العمل في الإطار الاسلامي، والمصالح المرسلة عبارة أخرى عن اختيار الحاكم أن يعمل ما يأتي بنظره ولو كان ذلك خلاف التشريع الاسلامي، فهي في عرض الكتاب والسنة، كما أن المعنى الفضفاض- الذي لم يقل به أحد لولاية الفقيه- عبارة أخرى عن المصالح المرسلة، ولا يقول بها علمائنا حيث لم يدل عليها دليل.

وعلى هذا فإذا رأى شورى الفقهاء بأكثرية الآراء شيئا صوابا من باب تطبيق القانون الثانوي جعلوه منهاج البلاد ما دام الاحتياج، ولا يكون له حينئذ صبغة القانون، بل الاستثناء، ولذا يحق لهم تغييره إلى مشابه آخر.

مثلا، جعلوا قانون المرور، في السير على اليمين،أو الوقوف عند الضوء الأحمر، أو دون مائة كيلومتر في الساعة، ثم أرادوا تغييره إلى السير على اليسار، أو الوقوف عند الضوء الأخضر، أو تطلق الحرية لدرجة السرعة، لأنه فتح هناك طريق آخر، فلا حاجة إلى التحديد وهكذا نحو ذلك.

مثلا جاء الوباء مما يخشى من موت الناس إذا شربوا الحليب فان الدولة تتلفه مع تعويض أصحابه جمعا بين الدليلين، كما قالوا في أكل المخمصة.

ومنه يعلم اشتراط الأمر في القوانين المجعولة، بنظر شورى الفقهاء، لا فقيه واحد، وكون ذلك المجعول حسب قانون ثانوي شرعي، وانه لا يتصف بالدوام بل بحالة الاستثناء فقط، وكل هذه الثلاثة تأباها المصالح المرسلة، أو ولاية الفقيه الفضفاض، إذ معنى ولايته المشروعة العمل في الإطار الإسلامي قانونا أوليا أو ثانويا.

الثاني: الأحزاب الوطنية التي تتكون من اجل بناء البلاد على شرط أن لا يخالف قانون الإسلام لا في برنامج عمله ولا في هدفه، بل يعمل في إطار شورى المرجعية ( التي هي السلطة العليا في الدولة)( والمجلس المنتخب من الأمة).

الثالث: الأحزاب للاقليات كالمسيحية واليهودية ونحوهما، فانهم لهم الحق في أن يعيشوا تحت ظل الإسلام في كمال الحرية والرفاه بشرط أن لا يخرجوا عن قوانين البلاد، كما أن كل فئة في الحكومات الديمقراطية كذلك فان الديمقراطية تعطي لهم الحق في أن يعيشوا بسلام بشرط أن لا يخرقوا قوانين البلاد.

قلنا إن المراجع يكوّنون الأحزاب الإسلامية، وانما يكون لهم ذلك من جهة حق الإنسان في الاستفادة من الحريات (غير المحرمة) كما قال سبحانه: (يضع عنهم اصرهم ) فكل شيء حلال ما عدا المحرمات التي هي معدودة مذكورة في كتب الفقه والحديث.

لماذا الاحزاب

ووجه الاحتياج إلى تكوين الأحزاب الإسلامية، هو إن الحزب مدرسة تهيئة الإفراد الصالحين لإدارة البلاد سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وبدون التهيئة الطويلة لا يصلح إنسان إلا إذا كان معصوما- أن يأخذ بالزمام، مهما كان موثقا رأى مختلف العلوم، وحصل على مختلف الشهادات العليا.

ومن الواضح أن من أسباب تحطم العالم الثالث عامة والإسلامي منه خاصة، عدم الخبروية للقائمين بأزمّة البلاد، فالانقلابيون مهما كانوا عسكريين أو شعبيين يؤخذون من الشارع ويوضعون في الدوائر، وحيث ليست لهم الخبروية يفسدون ويفسدون، وان فرض حسن نيتهم، وكانوا في أرقى درجات العلم والثقافة.

ثم ان ثلث المجتمع في الغالب شباب من بنين وبنات وحيث أن الشاب له طاقة يريد إبدائها، كما له حاجات يريد سدها، وعليه واجبات يلزم أن يقوم بها فبدون تجميعهم في وحدات تصرف طاقاتهم في الصالح، وتعطي حاجاتهم وتوجههم نحو واجباتهم يتجهون إلى الأحزاب الشرقية والغربية.

وهم قد نشروا شباكهم لاصطياد الشباب، لجعلهم أدوات هدم لبلادهم من اجل توفير حاجات الغرب والشرق وتكريس التأخير لبلاد الإسلام، بل العالم الثالث كله، كما رأينا ذلك في كل بلدان العالم الثالث، في ما يسمى بالأحزاب الوطنية، والشيوعية، والقومية، والوجودية.

فإذا لم نجمعهم نحن، كان معنى ذلك فسادهم وافسادهم .

ثم لما كانت الأحزاب الثورية في بلاد الإسلام، بل في كل العالم الثالث، سواء من وصل منهم إلى الحكم أولم يصل أساءوا اكبر الإساءة إلى الناس، تخوف الناس من اسم الحزب، ورأوا أن معنى الحزبي فرد هدام، وان الحزب الواصل إلى الحكم معناه الهدم والدمار، كما رأوا في مصر ناصر، وعراق قاسم.

وانه لا بد من الحزب- بالمعنى الذي ذكرناه- إذ بدون التجمع والانضمام لا يمكن للبلد أن يقف أمام التجمع الغربي الرأسمالي، والشرقي الشيوعي، حيث أن في الغرب ألف مليون منظم وان كانوا تحت حكومات، وتعدد أحزاب، وفي الشرق ألف وخمسمائة مليون منظم من الروس والصين.

كان اللازم على الأحزاب الإسلامية أبلغ الاهتمام لإزالة هذا الدرن من سمعتهم، وإلا لم يحظوا بالتفاف الناس حولهم ولا يأتي منهم الهدف المنشود، بل يسببوا كثرة المشكلة بتربية أفراد يكونون إلى الهدم اقرب منهم إلى ا لبناء.

إن الإنسان إذا رأى فردا من أهل بلد فلاني سرق، ثم رأى فردا ثانيا وثالثا ورابعا كلهم يسرقون، يبادر إلى ذهنه أن أهل البلد الفلاني كلهم سراق، إن هذه الكلية وان كانت غير صحيحة فان الجزئي لا يكون كاسبا ولا مكتسبا، إلا أن طبيعة البشر- غير العلمية- ذلك، وما هو العلاج والحال هذا؟ ولذا ليس أمام الفرد الخامس إلا أن يهتم غاية الاهتمام لإزالة هذه السمعة السيئة، و إلا طارده الناس.

فعلى الذين يريدون الانخراط في الحزب الإسلامي المرجعي أن يهتموا اكبر الاهتمام لان يتصفوا بالفضيلة خلقا وعملا، لا بمعنى أن يأخذوا بقدر الحق، بل بمعنى أن يتركوا حقهم لاجل سمعتهم، قال سبحانه: (ادفع بالتي هي احسن ) وقال سبحانه: (خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين ) وإلا فالوصول إلى الهدف سراب ليس إلا.

الاحزاب والحاجة الى الرأي العام

إن رجال الدين إذا أرادوا أن يأخذوا بالزمام احتاج الأمر إلى الرأي العام الضاغط، حتى يتهيأ الجو، والرأي العام بحاجة إلى أربعة أمور:

الأول: سلسلة كبيرة من الكتب بمئات الملايين، فان الأمور تبدأ بالوعي، وبدونه لا يتقدم شيء، صحيح إن الإذاعة والتلفزيون والصحف لها دور اكبر من الكتب لكنها ليست تحت إمكان رجال الدين، فلا بد وان يقتنع بالممكن من الكتب التوعوية المبنية لشورى المراجع، والأحزاب الحرة، والحريات الإسلامية، والاخوة الإسلامية، والاكتفاء الذاتي، والامة الواحدة بدون حدود جغرافية بين بلاد الإسلام وغيرها من الأمور المعنية بهذا الشأن.

ثم إن الوعي يحتاج إلى الحملة، والحملة هم المنظمون من أفراد الأمة، ولذا يلزم السعي إلى إشاعة روح التنظيم، وربط المنظمات بعضها ببعض في مؤتمرات، كماء السماء ينزل قطرات فتتجمع في عيون صغار ثم تتجمع تلك العيون في أنهر صغار وتتجمع تلك الأنهر في انهر كبار حتى تكون بحرا، والمؤتمرون يقومون بالإضرابات والمظاهرات السلمية حتى يحصل الانهيار في شكل الحكومات الحاضرة ومع زوالها تبنى على أنقاضها الحكومة الإسلامية الواحدة.

الثاني: أخلاقيات رجال الدين حيث أن الإخلاف من اجلب الأشياء للناس فان الأخلاقيات الرفيعة لها الحكومة على القلوب بينما الماديات لها الحكومة على الأبدان، والحكومة الروحية أقوى من الحكومة الجسدية، ولذا بقيت الأنبياء و الأئمة وذهبت الفراعنة والطغاة.

الثالث: إعطاء رجال الدين للناس حوائجهم المعنوية والمادية، وعليه فاللازم عليهم تأسيس المؤسسات الاقتصادية ، والاجتماعية، والفكرية، والثقافية، والتربوية، وغيرها، كالمدارس، والمعاهد، والبنوك، والمستشفيات، والمطابع، والمعامل، وغيرها حتى تثق بهم الأمة وتراهم المنقذين فتلتف حولهم وتطيع أوامرهم،وتأسيس المؤسسات جزء من إعطاء الحوائج- كما هو واضح ـ.

الرابع: أن يدخل رجال الدين في كل جوانب الحياة كما كان كذلك أبان الحكم الإسلامي- فيكون هناك مهندس رجل دين وطبيب رجل دين وفيزيائي رجل دين ومخترع رجل دين، وهكذا، حتى تمتزج بعض الأمة ببعض فينظر الناس إلى رجال الدين بنظر الاحترام والإجلال وإذا كان كذلك اتبعهم الناس تلقائيا وينفذ فيهم كلمة الإسلام التي يحملها رجال الدين.

أما الاقتناع بجهة التقليد، والخطابة، والتأليف، فهو اقتناع ببعض المهمة، والنتيجة لا تأتي، إلا بكل المهمة.

ثم ان من أهم ما يجب أن يعمل به العاملون لاعادة الدولة الإسلامية، والحكم الإسلامي، إعادة أخلاقيات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - بالمعنى الأعم للأخلاق- حيث أن ذلك هو الطريق الوحيد لاعادة حكم الإسلام، وإلا سار العاملون سيرا طويلا، وأخيرا لا يصلون إلى شيء، إن لم يصلوا إلى الأسوأ من الحالة السابقة.

إن اللازم على العاملين لاعادة حكم الإسلام إعطاء الاطمئنان الكامل للعلماء، والحكام، والأثرياء، وأعوان السلطات، انهم لو وصلوا إلى الحكم يكون شعارهم: خذ العفو واذهبوا أنتم الطلقاء فلا تؤخذ أموالهم ولا يحاكمون بما عملوا سابقا، ولا تحرمون من أي حق، بل إن شاء الناس انتخبوهم حسب الشروط الشرعية، وانما الدولة الإسلامية تريد تطبيق نظام الإسلام عبر الأنظمة السليمة ليس إلا، كما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه لم يصادر مال ثري، ولا قتل عالما واحدا، ونصب جملة من الرؤساء كما كانوا وبهذه الأخلاق النبوية تكون الحركة الإسلامية قد وفرت لنفسها الحب العميق حتى من أعدائها، وقلة المقاومة، واطمئنان الناس بالعدالة الإسلامية و إحسانها قال سبحانه: (إن الله يأمر بالعدل و الإحسان) وذلك يسهل الأمر للعاملين اكثر فأكثر.

أما إن كان الشعار، القتل، ونهب الأموال، والمحاكمة للحكام، وفقهاء السلطة، وتجريد الأثرياء من الأموال، و إنزال الكبار عن مناصبهم، وإدخالهم السجون والمعتقلات، فاللازم أن يطمئن الإنسان المريد للعمل أنه يسير إلى طريق مسدود، والزمان كفيل بأن يظهر سرابية أحلامه.

إن الناس يلتفون حول( أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) و( خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين)  و( فبما رحمة من الله لنت لهم) و( اليوم يوم المرحمة، اليوم تحفظ الحرمة)  و( اذهبوا أنتم الطلقاء ) و( إنك لعلى خلق عظيم).