فهرس الكتاب

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الحرية المسؤولة

ليس معنى الحرية الفوضى في النظام أو في القائمين بالنظام، كما وجدناها في أول الانقلابات التي حدثت في مصر والعراق وباقي البلدان، فان الناس اخذوا يعملون ما يشاءون من الأمور الفوضوية، كما أن الحكومات الانقلابية جاءت بأناس لا خبرة لهم إطلاقا ، بل ولا علم لهم أحيانا إلى المراكز الحساسة في الدولة، مما سبب تبعثر الأمور والخبال والفساد غير المتصور.

بل الحرية معناها إطلاق تصرف الناس في إطار المعقول فاللازم جعل إطار للحريات، وليس ذلك بمعنى الكبت بل بمعنى أن لا يضر الإنسان نفسه ولا غيره، فمثلا الزراعة والتجارة والحيازة والصناعة حرة، لكن اللازم أن لا يزرع الزارع الحشيش الضار، ولا يتاجر التاجر بما يوجب الغش والاحتكار والربا، والأمور الضارة، ولا يحوز الحائز حق الآخرين، مثلا هناك مائة صياد كل صياد يصيد من البحرعشر كيلوات من السمك لقوته وقوت عائلته عينا أو ثمنا فلا يحق لاحدهم أن يصيد حصة الآخرين، حتى يبقى أولئك بلا طعام .

الاستيراد حر والتصدير حر بما لا يوجب البطالة في الأول،  حيث لا يجد عمال البلد عمل بعد توفر البضاعة الأجنبية في الأسواق مما تغني عن البضاعة الوطنية، ولا العوز في الثاني حتى لا يجد أهل البلد قوتهم لان المصدر أخرجه إلى الأجانب رجاء مزيد الربح، وهكذا حال الصناعة وغيرها.

والخط الفاصل بين الكبت والمسؤولية دقيق يجب أن تتظافر جهود المخلصين من علماء الإسلام الوعاة أهل الاختصاص من الدكاترة والمهندسين ونحوهم في صب الصيغة الملائمة المحددة بين (يضع عنهم اصرهم) وبين ( لا ضرر ولا ضرار).

أما الدوائر فاللازم أن تكون وسطا بين التفريط والإفراط فلا تضخم في الموظفين مما فوق ضروري الاحتياج- كما هو الحال في كل بلادنا، حيث مشوا وراء الغرب والشرق من غير هدى- ولا تقصير في القدر المحتاج إليه.

وحيث أن الحريات في الإسلام كثيرة جدا فالقدر المحتاج إليه من الموظفين اقل من عشر الموظفين في الحال الحاضر، إن كثرة الموظفين أملتها على حكام بلاد الإسلام الجهل والغرور والأنانية والتقليد، فإذا أخذ الإسلام بالزمام، وشكلت لجان من كلتا الطائفتين من المثقفين الزمنيّين والإسلاميين لا بد وان توضع الأمور في نصابها.

فالأعمال  تكون بيد الناس إطلاقا إلا ما خرج فالمطارات، والقطارات، والسيارات، والمستشفيات والمصارف، ومعاهد العلم، وغيرها تكون بيد الناس والدولة مشرفة فقط في عدم الإجحاف.

إلى غير ذلك من أسباب قلة الموظفين.

هذا من ناحية الكم.

أما الكيف، فلا بد للموظف من العلم و الخبروية الحاصلة بالممارسة والتدرج في الرقي، مثلا من مدير الناحية الصغيرة، إلى الناحية الكبيرة إلى ما دون المحافظة إلى المحافظة الصغيرة ثم الكبيرة، إلى الوزارة وهكذا.

يضاف إليهما الأخلاق والإيمان والرقابة، بدون تدخل المحسوبية والمنسوبية.

لا يقال: كيف بالخبروية والرقابة مع العلم أن الحكومة الإسلامية التي تأتي جديدة لا تدرج فيها بعد والرقابة غير ممكنة من الأكبر من الموظف لأنه نصبه ولا ممن دونه لانه منصوب منه فلا يجرؤ على محاسبة رئيسه!.

لانه يقال: الخبروية حصلت من طول استمرار خدمة الموظف في الحركة، مما يعادل طول خدمته في التدرج، بالإضافة إلى إمكان استخدام الموظفين السابقين ذوي الماضي ا لحسن،أما الرقابة فإنها تحصل من القوى المقابلة للقوى الحاكمة، حيث فرضنا في فصل سابق لزوم الأحزاب الحرة الإسلامية، فحكومة الظل تراقب حكومة النور، وبذلك  تتم الأمور الثلاثة: المؤهلات الذاتية، الخبروية الزمنية، والرقابة الاجتماعية.  

الوعي والتنظيم

أن من أهم ما يوجب رجوع الحريات إلى البلاد الإسلامية ، الوعي، والتنظيم، فالأول نور يسبب رؤية المسلمين دائهم ودوائهم، والثاني يوجب أن يكون لهذا النور حملة يحملونها إلى أقاصي بلاد الإسلام، وقد أكد الإسلام على كليهما، وبدون أن تنظم الحوزة تحت إشراف مراجع التقليد، لا يمكن تنظيم الحوزة، وان عمل لاجل تنظيمها مرجع واحد، كما يلزم أن يكون التنظيم بالاختيار لا بالإجبار، فمن شاء مميزات التنظيم المادية والمعنوية دخل فيه ومن لم يشأ لم يدخل، أما القسر فأنه لا يدوم، وليس معنى التنظيم مجرد شيء، لا أول له ولا آخر، بل معناه الاستيعاب، من الأول إلى الأخير: كمية الدرس و كيفيته، المكان، الزمان، المدرسة، المعاش، العمر، بعد التخرج ماذا يكون؟ ومن أين معاشه؟ الاختصاصات، والى غير ذلك، مما يقرره شورى المرجعية بأكثرية الآراء.

وما دام لم تنظم الحوزة العلمية لا يمكن التنظيم الصحيح الدقيق في الشباب الذين إذا لم ينظمهم المراجع انخرطوا في شباك الغرب والشرق، من الأحزاب الشيوعية، والقومية، والوجودية، والوطنية المرتبطة وفي أحابيل الفساد التي نشرها الكفار في كل بلاد الإسلام بواسطة عملائهم.

هذا من جهة التنظيم، أما من جهة الوعي، فهل يمكن بدون ملايين الكتب وعشرات الألوف من المكتبات للمطالعة ودور النشر، والجرائد والمجلات والندوات، والمد ارس، والمعاهد، و الراديوات والتلفزيونات، في عالم يعج بالثقافة المنحرفة بما لو قيس الوعي الإسلامي بين الشباب بالوعي الشرقي والغربي بالنسبة إليهم، كان شيئا ضئيلا جدا.

ولذا نشاهد أن الإسلام اهتم أول ما اهتم بالوعي، وقد تخرج عن مدرسة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الشيء المدهش من حملة الوعي من الرجال والنساء، وأول مؤلف في الإسلام هو الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام في ما يسمى بـ (كتاب علي عليه السلام) وأول مؤلفة في الإسلام- بمعنى التسبيب- هي فاطمة الزهراء عليها السلام ، في ما يسمى بـ(مصحف فاطمة سلام الله عليها)- والمصحف في اللغة بمعنى (الكتاب)- وتلاميذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يصلون إلى ربع مليون على ما ذكره بعض، ولا إحصاء لتلاميذ الإمام علي عليه السلام والظاهر انهم يصلون إلى الملايين، ولا نعلم عدد تلاميذ الزهراء سلام الله عليها، حيث لم يحفظهم التاريخ الذي بأيدينا، نعم نعلم أن دارها كانت مدرسة لتعليم النساء  بمعنى المدرسة في ذلك اليوم، لا المدرسة المصطلحة حالا- وقد تعلم منها سلام الله عليها الرجال أيضا.

وروى الكثيرون عن الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام  وكلماتهما المنتشرة في كتب الفقه والحديث والتفسير والتاريخ شاهدة على ذلك.

أما نشر الإمام السجاد عليه السلام للعلم وتربيته للعلماء فيظهر من صحفه السجادية المتعددة ورسالته في الحقوق ورواياته الكثيرة وكلماته القصار وخطبه ومناظراته، أما الصحيفة المعروفة بالسجادية فقد أودع فيها لباب العلم والحكمة، وفي البحار عن والد محمد تقي المجلسي قدس سره إن الأسانيد المرتبطة بها تزيد على ألف ألف سند، كما إن الإمام عليه السلام كان يربي العبيد ويجعلهم علماء أتقياء وينشر هم في البلاد لاعطاء الأمة الوعي، وقد جمع بعضهم الأصحاب والرواة عنه عليه السلام  فأوصلهم إلى ثلاثمائة راو ومحدث، كما أنه نقل عن (سيد الأهل) إن عدد العبيد الذين اشتراهم السيد السجاد عليه السلام ورباهم ثم حررهم لينشروا العلم والأخلاق بين الناس وصل إلى خمسين ألف والإمامان الباقر والصادق عليهما السلام  ملأوا الدنيا علما مع انهما كانا يعيشان في فترة من حياتهما في اظلم تاريخ من بني أمية وبني العباس، وإذا علمنا أن عمر بن عبد العزيز كان أوسط بني أمية بالوعي السياسي، وعلمنا انه لم يعين الإمام الباقر لأخذ الحديث منه مع انه عين عروة ابن الزبير وأبا بكر بن سليمان وعبد الله بن عبد الله وغيرهم لأخذ الحديث منهم، ظهر ما كان فيه الإمام من الضغط والإعراض من طرف الدولة الأموية ومع ذلك فالأصحاب والرواة عنه عليه السلام على ما أحصاه بعضهم زهاء ألف إنسان، أما الإمام الصادق عليه السلام فالرواة عنه أربعة آلاف على المشهور، لكن في بعض الكتب انهم عشرون ألف إنسان.

أما الإمام الكاظم عليه السلام  فقد عاش في احلك الايام: العصر الهاروني الأسود الذي كان شهوته في السجن والتعذيب والقتل وخصوصا لابناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولذا سجن الإمام الكاظم عليه السلام  مدة طويلة- كما هو مشهور- ومع ذلك فقد أنهى بعضهم تلاميذه إلى ألف تلميذ.

والإمام الرضا عليه السلام  مع الضيق الذي أورده عليه المأمون وقتله أخيرا بالسم تمكن أن ينشر العلم والحديث وقد أنهى بعضهم أصحابه وتلاميذه فكانوا زهاء تسعمائة.

والإمام الجواد والإمام الهادي والإمام العسكري ،عليه السلام ملأوا الدنيا بالعلم والحكمة، وقد روى عن الإمام الجواد عليه السلام  وحده في مجلس واحد (طويل طبعا) ثلاثون ألف مسألة وقد عد بعضهم الأصحاب والرواة عن هؤلاء المعصومين الثلاثة فكانوا زهاء تسعمائة.

والإمام المهدي عليه الصلاة والسلام مع انه عاش ظاهرا أو في غيبته الصغرى، في فترة مظلمة، فقد نشر العلم والفضيلة بواسطة  نوابه الأربعة المشهورين، كما قد روى عنه مباشرة أحاديث مذكورة في كتب الحديث والفقه وغيرها، وبذلك يظهر ما للوعي من أهمية كبرى في إنهاض الأمة و أعادة الدولة الإسلامية الواحدة.

التحلي بصفة الثبات

إن الجماعة التي تريد إرجاع الحرية إلى بلاد الإسلام - بما يرجع إليها من قوانين الإسلام- هم سبب فشل أنفسهم، قبل أن يكون السبب غيرهم من المستعمرين والحكام المرتبطين بهم، انهم يأخذون في التنظيم، والتأسيس، وجمع الناس حول أنفسهم، وإيجاد الحماس في الناس للعمل حتى يصلوا إلى شاطئ الإسلام بإقامة الدولة الإسلامية. ثم يأخذون في نقض كل ذلك ( كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا) فتراهم يبدلون النشاط بالكسل، وجمع الكلمة بالتفريق، والشورى بالفردية، وضرب الناس حتى يتحول حماس الناس إلى فتور، ثم الحماس المضاد ضدهم.

وبذلك يصبحون جماعة من المغرورين الطعانين على الناس المهاجمين لغيرهم، ويرون أنفسهم فوق الآخرين علما وعملا وخدمة وفهما.

ومن طبيعة الناس الفرار من امثال هؤلاء، فبينما كانوا في أول الأمر شجعانا يصبحون جبناء لأنهم يخافون على مكتسبا تهم التي حصلوها، وبينما كانوا في أول الأمر يخدمون يصبحون يستخدمون وبينما كانوا في أول الأمر متواضعين، يصبحون متكبرين مغرورين. وبينما كانوا في أول الأمر اجتماعيين يصبحون انعزاليين إلى آخر القائمة.

وهذا هو سر تأخر بلاد الإسلام يوما بعد يوم بينما تتقدم بلاد الغرب يوما بعد يوم، إن الجمود والكبر والتفرقة والاستبداد تجد سبيلها إلى العاملين منا، بينما نجد العكس في البلاد الغربية، لأنهم دائما في تنافس واستباق، ونحن - حيث الديكتاتورية والاستبداد- دائما في الفردية والتأخر.

والأمثلة على ذلك كثيرة، لا أقصد ذكرها، بل كل يجد في حافظته أمثلة لذلك.

قال أحد المسيحيين إن من أسرار نجاح(محمد) صلى الله عليه وآله وسلم أنه من أول دعوته إلى يوم وفاته لم يتغير إطلاقا.

1- فكان ا أصدقائه في أول الدعوة هم أصدقائه في حجرة موته .

2- وكانت شعبيته واجتماعه بالناس في آخر أيام حياته كشعبيته في أول يوم اظهر الدعوة إلى الإسلام.

3- وكان بيته المتواضع وأثاثه القليل وبساطته في كافة شؤون الحياة، وابتسامته التي لم تفارق شفته، شعاره ودثاره في الفترة الزمنية الممتدة ثلاثا وعشرين سنة.

خرق القوا نين المخالفة

الواجب على المسلمين خرق كافة القوانين الكابتة التي وضعها المربوطون بالمستعمرين من الحكام لاجل تقييد المسلمين، فيلزم مراعاتهم للحريات الإسلامية في كافة شؤونهم غير آبهين بالقوانين، فان العمل بالقوانين الكابتة مساعدة للظالم و إبقاء للمستعمر في بلاد الإسلام، إن الحرام فقط هو محرم في الشريعة الإسلامية ، أما  غير المحرم فهو محلل، وحلال محمد صلى الله عليه وآله وسلم  حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد صلى الله عليه وآله وسلم  حرام إلى يوم القيامة.

وإذا تمكن المسلم من خرق القانون الكابت ولم يفعل ارتكب ابشع الآثام، فان الشخص لو شرب الخمر أو زنى أو ترك الصلاة كانت المعصية فردية، سواء في فرد واحد أو بين اثنين أو ما أشبه، أما إذا تقيد بالقانون الكابت مع تمكنه من خرقه كاملا أو خرقا في الجملة فقد ساعد في هدم الإسلام وإذلال المسلمين، وتسليم بلادهم إلى الأجانب وعملائه.

القانون يقول لا تسافر إلا بوثيقة سفر، ويقول لا تفتح دكانا إلا برخصة، ولا تتزوج إلا بإجازة، ولا تستورد إلا بمكوس و عشور ، ولا تصدر إلا برسوم، ولا تستولي على الأرض إلا بالشراء من الدولة، ولا تحز المباحات إلا بموافقته، ولا تحج إلا حسب المقرر، وهكذا، ولا، ولا، ولا....

فاللازم خلاف كل ذلك، فالإنسان حر في سفره وفي أقامته، وفي فتح محله ودكانه، وتزويجه وتزوجه، واستيراده وتصديره، واستيلائه على الأرض وحيازته المباحات، وسفره إلى الحج أو إلى أي بلد شاء، كما هو حر في إقامته ودرسه وطبعه كتبه وإبدائه رأيه إلى غيرها وغيرها.

فلو تمكن من ضرب القانون عرض الحائط، ثم لم يفعل، أو تمكن من تنقيص القانون- مثلا أرادوا منه مائة دينار وتمكن من إعطائهم عشرة فقط- فلم يفعل فعل حراما، وهو معاقب يوم القيامة اشد من عقاب مرتكب الحرام الفردي - كما ذكرناه ـ.

أبان تسلط البهلوي على إيران طلب من الناس أن يأخذوا الجنسية فأخذ بعضهم ولم يأخذ بعضهم، وذات مرة قام العالم الجليل الشيخ ميرزا صادق آقا التبريزي ، في مسجده على المنبر، وقال من لم يأخذ الجنسية فليقم، فقام عدة وقعد عدة، فقال الآن سيطر الكفار علينا ولا ترى بعد ذلك عزا ، وجزاه البهلوي عن ذلك وعن غيره من نواهيه عن المنكر بنفيه ولم يرجع إلى بلده إلى آخر أيام حياته حيث توفي في مدينة قم المقدسة وأقبر هناك.

ألم يصدق ذاك العالم الكبير؟ إن إيران تحطمت والى اليوم وصارت مسرحا للكفار وعملائهم ،وهناك سؤال أنه أليس مثل ذلك فوضى؟ والجواب ، فهل كانت بلاد الإسلام منذ أكثر من عشرة قرون فوضى؟ وإذا لم تكن فوضى، فهل كانت لاجل هذه القوانين؟ نعم العمل بالقانون يجوز في أشد حالات الضرورة كالضرورة إلى أكل لحم الخنزير أو اشد.

ولعل الإمام الحسين عليه السلام  لو كان في هذا الزمان لحارب الحكام الذين اخذوا بزمام بلاد الإسلام اليوم، أشد من محاربته ليزيد، إذ في أي تاريخ إن يزيد عمم الخمر والقمار، وفتح المواخير والملاهي وكبت حريات الناس بالجنسية والهوية، وطلب من الناس الرخصة والإجازة والضريبة لسفرهم و إقامتهم ، وكسبهم وعملهم،وحيازتهم للأرض أو لسائر المباحات، وفرق بين العجم والعرب والترك والهند، وحدد بلاد الإسلام بالحدود الجغرافية و أحيى القوميات التي أماتها الإسلام إلى غيرها وغيرها؟ انه لا شك من أكابر الطغاة والمجرمين بقتله الإمام الحسين عليه السلام  أباحته المدينة وهدمه الكعبة، لكن الكلام في أعماله قبل تلك الجرائم الهائلة، التي سببت خروج الإمام الحسين عليه السلام .

ثم ليعلم الذين يجلسون في ما يسمى بمجالس الوزراء، أو مجالس الأمة ، أو مجالس قيادة الثورة، أو ما أشبه ذلك ويضعون القوانين، انهم- إن كان لهم الإيمان بالله واليوم الآخر- يرتكبون أسوأ الجرائم والآثام، ويحشرون أسوأ مما يحشر(الذين قالوا سننزل مثل ما انزل الله) لان هؤلاء يقولون نقرر أفضل مما أنزل الله.

إن القانون هو الذي يستفاد من الكتاب والسنة وما عداه فهو داخل في قوله سبحانه: (ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون ) .

ومن طالع القوانين التي وضعت في العراق، وفي إيران، لرأى أن أغلبها مخالفة لحكم الكتاب والسنة، لا هذا فحسب بل لحكم العقل والعقلاء أيضا.

وعلى أي حال فمن الضروري على كل مسلم أن لا يعبأ بالقوانين الوضعية- لا الكابتة منها فحسب، مما نحن بصدده الآن- بل كل القوانين الوضعية وان يهتم لإزالتها وينهى الناس عن اتباعها كنهيه عن سائر المنكرات وا لمحرمات.

لعله يأتي يوم ترجع إلى بلاد الإسلام حكومتها الواحدة تحت ظلال الكتاب والسنة، ومن الواضح أن السنة بمعناها الأعم الشامل للعترة شرح للكتاب، ولا دستور للمسلمين إلا الكتاب وشرحه الصادر من المعصومين عليهم السلام أما الفقهاء فهم الخبراء بالأحكام الشرعية ولذا صاروا خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم- عند غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)- حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: ، اللهم ارحم خلفائي، قيل يا رسول الله ومن هم خلفائك؟ قال الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنتي).

الحرية في ظل الكفاءة

منذ أن دخل المستعمرون بلادنا، وتبعهم حكامنا،أفلس الدين وحملته، فكل المال يصرف لاجل خط المستعمر فلا مال للدين- وشعائره، ولا لحملة العلوم الدينية، بل اوقافهم تصادر، و أموالهم تسلب ويقصون عن الاقتصاد، كما يقصى الاقتصاد عنهم، وصور الأوقاف الباهتة التي تمارسها الدولة إنما هي لاجل الإغفال وكّم الأفواه.

أني منذ دخلت كر بلاء وأنا صغير السن لم أر صحن الإمام الحسين عليه السلام  مبنيا غير محتاج إلى الترميم والتعمير، فهو دائما خراب يشتغل فيه البناءون شغلا صوريا ، فإذا كان هذا حال الصحن الشريف بكثرة اوقافه في العراق وإيران وغيرهما فما حال بقية المؤسسات الدينية.

وقد نقل الوالد بعد رجوعه من سفرة إيران مع السيد حسين القمي ،لاجل إصلاح ما أفسده البهلوي الأول،والذي منه مصادرة الأوقاف كما نقل غيره أيضا، انهم لاحظوا أوراق أوقاف المشهد المقدس للامام الرضا عليه السلام  فرأوا أن أوقافه تنتهي إلى أفغان من جانب، والى طهران من جانب ثان، والى أقاصي الشمال من جانب ثالث، كما أن الأوقاف كانت حتى لاجل الكلاب والقطط، وحتى لاجل إعطاء من سلب القط لحمه، بدل لحمه، وحتى لاجل خفاف الزائرين، وعلوفة دوابهم إلى غير ذلك، لكن مع ذلك فالعتبة المقدسة، بل زائريه بحاجة إلى المسعف.

كما إن حكومتي إيران والعراق صادرتا أوقاف المدارس العلمية الكثيرة ، و اوقاف المساجد، تحت ألف اسم واسم وبنوا بذلك المخامر والمقامر والملاهي والمباغي ، لأن ذلك خط المستعمر لا ما يريده المسلمون من الدين والعلم والفضيلة والتقوى والحرية.

وعلى أي حال فرجال الدين في ظل هؤلاء الحكام لا يجدون حتى لقمة العيش النكدة إلا بصعوبة بالغة من أجرة قضاء الصلاة والصيام عن الأموات وصلاة الوحشة وختم القرآن ونيابة الزيارة، وهكذا حال كل من يريد العمل للإسلام و إعادة حكومته والانفلات من براثن الشرق والغرب واستعمارهم، وإنقاذ المسلمين.

ولذا فاللازم أن يفكروا رجال الدين في الاقتصاد البديل، حيث يمنعون حقهم من الخمس والزكاة- حتى بقدر قوت لا يموت- ولا نصيب لهم في الأوقاف، بل موارد الأمة من النفط وسائر المعادن، ومن الواضح ان:

        ما يجعل الأسد المزمجر ثعلبا                         هو أن يكون لغيره محتاجا

والبديل الأولي أمور ثلاثة:

الأول: الاهتمام لاجل مجانية الدور التي يسكنون فيها فان أجرة الدار من اصعب ما يبتلي به رجل الدين، لأن معاشه لا يكفي حتى لنصف أكله، فهل يمكن أن يعطي منه إجارة داره.؟.

والمجانية تكون إما بدور موقوفة، كما توفر لهم مدارس موقوفة لا يحتاجون في سكناها إلى الأجرة ، وذلك بتحريض أهل الخير في وقف الدور لهم فماداموا أهلهم من بعدهم المنقطعين- يسكنونها، فاذا ذهبوا عن البلد أو ماتوا وأثرى أولادهم، انتقلت الدار إلى رجل دين آخر، حالها حال المدارس.

وإما بتهيئة زعماء رجال الدين، وأهالي الخير الدور المملوكة لهم، فإذا حصل ذلك انتهوا من نصف الهم وتفرغوا للعلم والجهاد الموجب لإرجاع الحرية إلى المسلمين، والاستقلال إلى بلاد الإسلام.

الثاني: امتهان مهنة الخطابة بقدر، فان الناس حيث يحتاجون إلى الخطيب يبذلون له شيئا من المال مما يساعده في بعض معاشه، فيتفرغ للعلم والعمل.

الثالث: توفير الاوليات التي تذر له بعض المعاش وتكفيه بعض المؤونة، سواء من الأمور الصناعية كماكنة الخياطة حيث توفر للعائلة مؤونة الخياطة بالأجرة ، وما اشبه ذلك أو من غيرها كاقتناء بعض الدواجن والأسماك في الأحواض البيتية لمساعدتهم باللحم والصوف والجلد والبيض واللبن بمشتقاته، ولذا ورد في الأحاديث التأكيد على ذلك.

وكجعل حديقة في البيت- إن وسع البيت لها- لاجل بعض الفواكه والخضراوات، وكصنع بعض العائلة السجاد والأكسية ونحوها.

وبذلك يتمكنون من امرار المعاش المتوسط حتى يشتغلوا بمهمة حفظ العلم والدين وتقديم الأمة إلى الأمام بإرجاع الحريات إليهم، وإلا ، فمن لا معاش له لا معاد له، ومن لا كسب له يسقط من عين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  و (الفقر سواد الوجه في الدارين)، و(عجيب أن لا يخرج الفقير إلى الغني شاهرا سيفه) إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة عن لسان المعصومين عليهم السلام  والكلمات الحكمية التي فاه بها أصحابهم عليهم السلام.

هذا من ناحية الأفراد، أما من ناحية المراجع فالظاهر انه إذا تحقق بينهم شورى، وركزوا الأموال لاجل الاستثمار، تمكنوا من توفير اكبر قدر ممكن من المال لاجل رجال الدين وشؤونهم، حتى يكون نصيب كل طالب ما يكون كفافا وعفافا، كما فعلت المسيحية ذلك من ذي قبل.

على شرط أن يكون بحيث لا تتمكن الحكومات من التدخل إطلاقا، فان حكومات بلاد الإسلام ما دام هم اتباع المستعمر ما تدخلت في شيء إلا أفسدته، وبحيث يبقى مستمرا بأن تكون كمؤسسة يشرف عليها الفقهاء جميعا بأكثرية الآراء فإذا مات فقيه قام مكانه فقيه آخر من الدرجة الثانية وهكذا، وإلا فالأموال تكون من نصيب أفراد عاديين، ولا يرجع إلى رجال الدين وخدمة الحرية الإسلامية شيء.

نعم يسهل ذلك، إذا وصل الحكم إلى شورى المراجع على ما ألمعنا إليه في بحث سابق.

ولا يتصور أن وصول شورى المراجع إلى الحكم بعيد، بعد وضوح انهم هم المتنفذون في أعماق الأمة، وان الحكام- وان فرض عدم كونهم عملاء الاستعمار- لا محبوبية قلبية لهم في وساط المسلمين، وانما يأخذون بالزمام لترك المراجع مكانهم الطبيعي- حسب بعض الاجتهادات ـ.

أن كلما قاله الفقهاء و الحوزات العلمية للناس أطاعوهم ، فلماذا لا يقولون لهم إن اللازم انتخاب الناس لشورى المرجعية حاكما على أنفسهم، فهل العلم الديني، أو التقوى، أو العدالة، أو ما أشبه ذلك يسبب عدم قبول الناس بهم حكاما؟ إن الأمر بالعكس فكل ذلك من أسباب قبول الناس.

إن التاريخ حدّث بأن المراجع حيثما كانوا في الحلبة تمكنوا من إثبات أو إسقاط حكومات، وفي العهد القريب اسقط شورى المراجع حكومة القاجار، واثبتوا حكومة المشروطة، كما اسقطوا حكومة الإنكليز عن العراق واثبتوا حكومة وطنية، إلى غير ذلك.

إن عدم إتيان الحكومة الجديدة في إيران والعراق بما  كان المترقب عنها، لم يكن إلا من جهة عدم التخطيط السليم لها، ولو فرض بقاء القائدين الخراساني والشيرازي، لكان للحكومة الجديدة شأن غير شأنها الذي انتهت إليه.

إن رجال العلم الديني قالوا للناس صلوا وصوموا وحجوا وخمّسوا، وابنوا المدارس والمساجد والحسينيات و... فأطاعهم الناس، ألا يطيعونهم إذا قالوا لهم احيوا الجذور لكل ذلك حتى تكون البلاد بأيديكم وتتقدموا إلى الأمام ؟.

 وقد رأيت أنا في الحرب العالمية الثانية، كيف كان مئات الألوف من الناس- من العشائر وغيرهم- يأتون إلى النجف وكر بلاء، لاجل أن يذهبوا إلى إخراج البريطانيين من العراق لما أفتى بذلك المراجع في ذلك اليوم وبالفعل قد أخرجوهم من (الحبانية) كما رأيت كيف أن السادة الوالد والقمي و الميلاني،  ضغطوا على البهلوي الابن في إلغاء القوانين ضد الإسلام في إيران، من إرجاع الأوقاف، واختيارية الحجاب، وإلغاء بطاقات الأرزاق، و إخراج المدارس والمعاهد و المسابح وما أشبه من الاختلاط، إلى غير ذلك.

لكن المهم تجمع كلمة العلماء والتخطيط لحكومة كافة المسلمين حسب الأسلوب الإسلامي.

القانون الحر

لتعلم الحكومات الديكتاتورية، سواء كانت بشكل حزب واحد، أو بشكل مجلس شورى انتصابية ، حكومة عسكرية، أو وراثية، أو انتخبها الشعب ثم قلب لهم ظهر المجن ، إن قوانينها لا تطاع إلا برأس الحراب، ومن الواضح أن رأس الحراب لا يتمكن من شيء، إلا شيئاً ضعيفا كماً وكيفاً، وفي المثل ( الإنسان يتمكن أن يصنع بالحراب بعض الشيء، لكنه لا يتمكن أن يصنع بها كل شيء، كما لا يتمكن أن يجلس عليها).

إن القانون إذا لم يكن نابعا عن روح الناس واحترامهم العميق من جهة كونه نابعا عن دينهم ومعتقدهم، أو من جهة انهم وضعوه بملء إرادتهم واختيارهم الحر يهرب الناس منه ما وجدوا إلى ذلك سبيلا ، وسياسة التجهيل والخداع والتضليل والدعاية لا تتمكن إقناع الناس باحترام القانون المزيف.

ولذا نجد في بلاد الإسلام أن القانون أهون من النفايات، لا لان الناس لا يلتزمون بالقانون فحسب، بل نفس الموظفين يسحقون القانون لارتشاء أو واسطة، وبذلك لا تتمكن الحكومة من السير بالأمة إلى الأمام وليست لها محبوبية حتى بقدر أنملة، و هاهي في هذه الأيام تملأ وسائل الإعلام باسم (الزعيم المحبوب) لكن لا قيمة له في النفوس حتى بمقدار شعرة، ويضطر أن يركب السيارة ضد الرصاص إذا أراد السير في الشوارع، مع حماية مسلحة.

فاللازم أن يكون القانون في بلاد الإسلام طبق الإسلام، وفي القانون الإسلامي حريات كثيرة لم يحلم بها حتى الغرب في أوج عظمته، وان ادعى انه العالم الحر نعم انه حر في قبال الشرق الشيوعي، أما في قبال الإسلام فلا.

 ثم أن ما تضعه السلطة التنفيذية من شعب القانون لا بد وان يكون مراعيا للحرية- إلى أقصى حد ممكن- وإلا لم يحظ ذلك بالاحترام أيضا، وبسقوط احترام القانون يسقط احترام الحكومة، ولا بد لها أن تنتظر السقوط هي بنفسها أيضا.