فهرس الكتاب

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

احتجاج الرسول (ص) مع رجال خمسة أديان

قال الصادق عليه السلام  في رواية حدثني ابي الباقر، عن جدي علي بن الحسين زين العابدين، عن أبيه الحسين سيد الشهداء، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين أنه اجتمع يوما عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل خمسة أديان: اليهود، والنصارى، و الدهرية ، والثنوية، ومشركو العرب.

فقالت اليهود: نحن نقول: عزير ابن الله، وقد جئناك يا محمد لننظر ما تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خاصمناك.

وقالت النصارى: نحن نقول: المسيح ابن الله اتحد به، وقد جئناك لننظر ما تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك.

وقالت الدهرية: نحن نقول: الأشياء لا بدء لها وهي دائمة، وقد جئناك لننظر ما تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك.

وقالت الثنوية: نحن نقول: إن النور والظلمة هما المدبران، وقد جئناك لننظر ما تقول: فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك.

وقال مشركو العرب: نحن نقول: إن أوثاننا آلهة جئناك لننظر ما تقول، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وان خالفتنا خصمناك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : آمنت بالله وحده لا شريك له، وكفرت بالجبت وبكل معبود سواه، ثم قال لهم: إن الله تعالى قد بعثني كافة للناس بشيرا ونذيرا حجة على العالمين، وسيرد كيد من يكيد دينه في نحره.

احتجاجه (ص) مع اليهود

ثم قال لليهود: أجئتموني لأقبل قولكم بغير حجة ؟ قالوا: لا، قال: فما الذي دعاكم إلى القول بأن عزيزا ابن الله؟ قالوا: لأنه أحيا لبني إسرائيل التوراة بعد ما ذهبت ولم يفعل بها هذا إلا لأنه ابنه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فكيف صار عزيز ابن الله دون موسى وهو الذي جاءهم بالتوراة ورؤى منه من المعجزات ما قد علمتم؟ فإن كان عزيز ابن الله لما أظهر من الكرامة بإحياء التوراة فلقد كان موسى بالبنوة أحق وأولى، ولئن كان هذا المقدار من إكرامه لعزير يوجب أنه ابنه فأضعاف هذه الكرامة لموسى توجب له منزلة أجل من البنوة، وإن كنتم إنما تريدون بالبنوة الولادة على سبيل ما تشاهدونه في دنياكم هذه من ولادة الأمهات الأولاد بوطي آبائهم لهن فقد كفرتم بالله وشبهتموه بخلقه، وأوجبتم فيه صفات المحدثين،ووجب عندكم أن يكون محدثا مخلوقا، وأن يكون له خالق صنعه وابتدعه، قالوا: لسنا نعني هذا، فإن هذا كفر كما ذكرت، ولكنا نعني أنه ابنه على معنى الكرامة وإن لم يكن هناك ولادة، كما يقول بعض علمائنا لمن يريد إكرامه وإبانته بالمنزلة عن غيره: يا بني: وإنه ابني؟ لا على إثبات ولادته منه، لأنه قد يقول ذلك لمن هو أجنبي لا نسب بينه وبينه، وكذلك لما فعل الله بعزير ما فعل كان قد اتخذه أبنا على الكرامة لا على الولادة؟ فقال رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم : فهذا ما قلته لكم: إنه إن وجب على هذا الوجه أن يكون عزير ابنه فإن هذه المنزلة لموسى أولى، وإن الله يفضح كل مبطل بإقراره ويقلب عليه حجته.

واما ما احتججتم به يؤديكم إلى أكبر مما ذكرته لكم،لأنكم قلتم: إن عظيما من عظمائكم قد يقول لأجنبي لا نسب بينه وبينه: يا بني، وهذا ابني، لا على طريق الولادة، فقد تجدون أيضا هذا العظيم يقول لأجنبي آخر: هذا أخي ولآخر: هذا شيخي وأبي، ولآخر: هذا سيدي ويا سيدي على سبيل الإكرام، وإن من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول، فإذا يجوز عندكم أن يكون موسى أخا لله أو شيخا له أو أبا أو سيدا لأنه قد زاده في الإكرام مما لعزير  كما أن من زاد رجلا في الإكرام قال له: يا سيدي ويا شيخي ويا عمي ويا رئيسي على طريق الإكرام، وإن من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول، أفيجوز عندكم أن يكون لموسى أخا لله، أو شيخا، أو عما أو رئيسا، أو سيدا أو أميرا؟ لأنه قد زاده في الإكرام على من قال له: يا شيخي أو يا سيدي، أو يا عمي، أو يا أميري، أو يا رئيسي؟ قال: فبهت القوم وتحيروا وقالوا. يا محمد أجلنا نتفكر فيما قلته لنا، فقال: انظروا فيه بقلوب معتقدة للإنصاف يهديكم الله.

احتجاجه (ص) على النصارى

ثم أقبل صلى الله عليه وآله وسلم على النصارى فقال: وأنتم قلتم: إن القديم عز وجل اتحد بالمسيح ابنه، فما الذي أردتموه بهذا القول؟ أردتم أن القديم صار محدثا لوجود هذا المحدث الذي هو عيسى؟ أو المحدث الذي هو عيسى صار قديما لوجود القديم الذي هو الله؟ أو معنى قولكم: إنه اتحد به أنه اختصّه بكرامة لم يكرم بها أحدا سواه؟ فإن أردتم أن القديم تعالى صار محدثا فقد أبطلتم، لأن القديم محال أن ينقلب فيصير محدثا ،  وإن أردتم أن المحدث صار قديما فقد أحلتم، لأن المحدث أيضا محال أن يصير قديما وإن أردتم أنه اتحد به بأن اختصه واصطفاه على سائر عباده فقد أقررتم بحدوث عيسى وبحدوث المعنى الذي اتحد به من أجله، لأنه إذا كان عيسى محدثا وكان الله أتحد به بأن احدث به معنى صار به أكرم الخلق عنده فقد صار عيسى وذلك المعنى محدتين ، وهذا خلاف ما بدأتم تقولونه، قال فقالت النصارى: يا محمد إن الله تعالى لما أظهر على يد عيسى من الأشياء العجيبة ما أظهر فقد اتخذه ولدا على جهة الكرامة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قد سمعتم ما قلته لليهود في هذا المعنى الذي ذكرتموه، ثم أعاد صلى الله عليه وآله وسلم ذلك كله، فسكتوا إلا  رجلا واحدا منهم قال له: يا محمد أو لستم تقولون: إن إبراهيم خليل الله؟ قال: قد قلنا ذلك، فقال إذا قلتم ذلك فلم منعتمونا من أن نقول: إن عيسى ابن الله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنهما لم يشتبها، لأن قولنا إن إبراهيم خليل الله قائما هو مشتق من الخلة أو الخلة فأما الخلة قائما معناها الفقر والفاقة، وقد كان خليلا إلى ربه فقيرا، وإليه منقطعا ، وعن غيره متعففا معرضا مستغنيا،وذلك لما أريد قذفه في النار فرمي به في المنجنيق فبعث الله تعالى جبرائيل عليه السلام  وقال له: أدرك عبدي، فجاءه فلقيه في الهواء فقال: كلفني ما بدا لك فقد بعثني الله لنصرتك فقال بل حسبي الله ونعم الوكيل، إني لا أسأل غيره ولا حاجة لي إلا إليه؟ فسماه خليله أي فقيره ومحتاجه والمنقطع إليه عمن سواه. وإذا جعل معنى ذلك من الخلة وهو أنه قد تخلل معانيه ووقف على أسرار لم يقف عليها غيره كان معناه العالم به وبأموره، ولا يوجب ذلك تشبيه الله بخلقه، ألا ترون أنه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله؟ وإذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله؟ وأن من يلده الرجل وإن أهانه وأقصاه لم يخرج عن أن يكون ولده؟ لأن معنى الولادة قائم؟ ثم ان وجب لأنه قال: إبراهيم خليلي أن تقيسوا أنتم فتقولوا: إن عيسى ابنه وجب أيضا أن تقولوا له ولموسى أنه ابنه ، فإن الذي معه من المعجزات لم يكن بدون ما كان مع عيسى، فقولوا: إن موسى أيضا ابنه، وإنه يجوز أن تقولوا على هذا المعنى: إنه شيخه وسيده وعمه ورئيسه وأميره كما ذكرته لليهود. فقال بعضهم لبعض: وفي الكتب المنزلة أن عيسى قال: أذهب إلى أبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فإن كنتم بذلك الكتاب تعملون فإن فيه: أذهب إلى أبي وأبيكم، فقولوا: إن جميع الذين خاطبهم عيسى كانوا أبناء الله كما كان عيسى ابنه من الوجه الذي كان عيسى ابنه، ثم إن ما في هذا الكتاب يبطل عليكم هذا الذي زعمتم أن عيسى من جهة الاختصاص كان أبنا له، لأنكم قلتم: إنما قلنا: إنه ابنه لأنه اختصه بما لم يختص به غيره، وأنتم تعلمون أن الذي خص به عيسى لم يخص به هؤلاء القوم الذين قال لهم عيسى: أذهب إلى أبي وأبيكم، فبطل أن يكون الاختصاص لعيسى، لأنه قد ثبت عندكم بقول عيسى لمن لم يكن له مثل اختصاص عيسى وأنتم إنما حكيتم لفظة عيسى وتأولتموها على غير وجهها،لأنه إذا قال: أبي وأبيكم فقد أراد غير ما ذهبتم إليه ونحلتموه، وما يدريكم لعله عنى: أذهب إلى آدم أو إلى نوح إن الله يرفعني إليهم ويجمعني معهم، وآدم أبي وأبيكم وكذلك نوح، بل ما أراد غير هذا، فسكتت النصارى وقالوا:ما رأينا كاليوم مجادلا ولا مخاصما وسننظر في  أمورنا.

احتجاجه (ص) على الدهرية

ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الدهرية فقال: وأنتم فما الذي دعاكم إلى القول بأن الأشياء لا بدء لها وهي دائمة لم تزل ولا تزال؟ فقالوا: لأنا لا نحكم إلا بما نشاهد ولم نجد للأشياء محدثا فحكمنا بأنها لم تزل، ولم نجد لها انقضاء وفناء فحكمنا بأنها لا تزال، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أفوجدتم لها قدما أم وجدتم لها بقاءً أبد الأبد؟ فإن قلتم: إنكم وجدتم ذلك أثبتتم لأنفسكم أنكم لم تزالوا على هيئتكم وعقولكم بلا نهاية ولا تزالون كذلك، ولئن قلتم هذا دفعتم العيان وكذبّكم العالمون الذين يشاهدونكم، قالوا: بل لم نشاهد لها قدما ولا بقاءً أبد الأبد ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم صرتم بأن تحكموا بالقدم والبقاء دائما؟ لأنكم لم تشاهدوا حدوثها وانقضاءها أولى من تارك التميّز لها مثلكم، فيحكم لها بالحدوث والانقضاء والانقطاع، لأنه لم يشاهد لها قدما ولا بقاءً أبد الأبد، أو لستم تشاهدون الليل والنهار وأحدهما بعد الآخر؟ فقالوا: نعم، فقال: أفتر ونهما لم يزالا ولا يزالان؟ فقالوا: نعم، قال: أفيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار؟ فقالوا: لا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: فإذا ينقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما ويكون الثاني جاريا بعده، فقالوا: كذلك هو، فقال: قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل ونهار ولم تشاهدوهما فلا تنكروا الله قدرة ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار متناه أم غير متناه؟ فإن قلتم: غير متناه فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوّله، وإن قلتم: إنه متناه فقد كان ولا شيء منهما، قالوا: نعم، قال لهم: أقلتم: إن العالم قديم غير محدث وأنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به وبمعنى ما جحدتموه؟ قالوا: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فهذا الذي نشاهده من الأشياء بعضها إلى بعض مفتقر، لأنه لا قوام للبعض إلا بما يتصل به، كما ترى البناء محتاجا بعض أجزائه إلى بعض وإلا لم يتسق ولم يستحكم، وكذلك سائر ما نرى، قال: فإذا كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته وتمامه هو القديم فأخبروني أن لو كان محدثا كيف كان يكون؟ وماذا كانت تكون صفته؟ قال: فصمتوا وعلموا أنهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها إلا وهي موجودة في هذا الذي زعموا أنه قديم، فوجموا وقالوا: سننظر في أمرنا.

احتجاجه (ص) على الثنوية

ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الثنوية الذين قالوا: النور والظلمة هما المدبران فقال: وأنتم فما الذي دعاكم إلى ما قلتموه من هذا؟ فقالوا: لأنا قد وجدنا العالم صنفين: خيرا وشرا، ووجدنا الخير ضدا للشر، فأنكرنا أن يكون فاعل واحد يفعل الشيء وضده ، بل لكل واحد منهما فاعل، ألا ترى أن الثلج محال أن يسخن كما أن النار محال أن تبرد فأثبتنا لذلك صانعين قديمين: ظلمة ونورا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أفلستم قد وجدتم سوادا وبياضا وحمرة وصفرة وزرقة؟ وكل واحد ضد لسائرها لاستحالة اجتماع اثنين منهما في محل واحد، كما كان الحر والبرد ضدين لاستحالة اجتماعهما في محل واحد؟ قالوا: نعم قال: فهلا أثبتتم بعدد كل لون صانعا قديما ليكون فاعل كل ضد من هذه الألوان غير فاعل الضد الآخر؟! قال: فسكتوا.

ثم قال: وكيف اختلط هذا النور والظلمة وهذا من طبعه الصعود وهذا من طبعه النزول؟ أرأيتم لو أن رجلا أخذ شرقا يمشي إليه والآخر غربا يمشي إليه أكان يجوز أن يلتقيا ما داما سائرين على وجوهما؟ قالوا: لا، فقال: وجب أن لا يختلط النور والظلمة، لذهاب كل واحد منهما في غير جهة الآخر، فكيف حدث هذا العالم من امتزاج ما محال أن يمتزج؟ بل هما مدبران جميعا مخلوقان، فقالوا: سننظر في  أمورنا.

احتجاجه (ص) على مشركي العرب 

ثم أقبل على مشركي العرب وقال: وأنتم فلم عبدتم الأصنام من دون الله؟ فقالوا: نتقرب بذلك إلى الله تعالى فقال: أو هي سامعة مطيعة لربها، عابدة له، حتى تتقربوا بتعظيمها إلى الله؟ فقالوا: لا، قال: فأنتم الذين نحتموها بأيديكم فلأن تعبدكم هي لو كان يجوز منها العبادة أحرى من أن تعبدوها إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العارف بمصالحكم و عواقبكم والحكيم فيما يكلفكم، قال: فلما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا اختلفوا فقال بعضهم: إن الله قد حل في هياكل رجال كانوا على هذه الصور فصوّرنا هذه الصور نعظمها لتعظيمنا تلك الصور التي حل فيها ربنا.

وقال آخرون منهم: إن هذه صور أقوام سلفوا كانوا مطيعين لله قبلنا، فمثلنا صورهم وعبدناها تعظيما لله.

وقال آخرون منهم: إن الله لما خلق آدم وأمر الملائكة بالسجود له كنا نحن أحق بالسجود لآدم من الملائكة، ففاتنا ذلك فصورنا صورته فسجدنا له تقربا إلى الله تعالى كما تقربت الملائكة بالسجود لآدم إلى الله تعالى، وكما أمرتم بالسجود بزعمكم إلى جهة مكة ففعلتم، ثم نصبتم في ذلك البلد بأيديكم محاريب سجدتم إليها وقصدتم الكعبة لا محاريبكم، وقصدكم بالكعبة إلى الله عز وجل لا إليها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أخطأتم الطريق وضللتم، أما أنتم وهو يخاطب الذين قالوا: إن الله يحل في هياكل رجال كانوا على هذه الصور التي صورناها، فصورنا هذه نعظمها لتعظيمنا لتلك الصور التي حل فيها ربنا- فقد وصفتم ربكم بصفة المخلوقات، أو يحل ربكم في شيء حتى يحيط به ذلك الشيء؟ فأي فرق بينه إذا وبين سائر ما يحل فيه من لونه وطعمه ورائحته ولينه وخشونته وثقله وخفته؟ ولم صار هذا المحلول فيه محدثا وذلك قديما دون أن يكون ذلك محدثا وهذا قديما؟ وكيف يحتاج إلى المحال من لم يزل قبل المحال وهو عز وجل كما لم يزل؟ وإذا وصفتموه بصفة المحدثات في الحلول فقد لزمكم أن تصفوه بالزوال،أما ما وصفتموه بالزوال والحدوث فصفوه بالفناء،لأن ذلك أجمع من صفات الحال والمحلول فيه،وجميع ذلك يغير الذات، فإن كان لم يتغير ذات الباري عز وجل بحلوله في شيء جاز أن لا يتغير بأن يتحرك ويسكن ويسود ويبيض ويحمر ويصفر وتحفه الصفات التي تتعاقب على الموصوف بها حتى يكون فيه جميع صفات المحدثين،ويكون محدثا- عزّ الله تعالى عن ذلك- ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فإذا بطل ما ظننتموه من أن الله يحل في شيء  فقد فسد ما بنيتم عليه قولكم، قال. فسكت القوم وقالوا: سننظر في أمورنا.

ثم أقبل على الفريق الثاني فقال: أخبرونا عنكم إذا عبدتم صور من كان يعبد الله فسجدتم له وصليتم فوضعتم الوجوه الكريمة على التراب بالسجود لها فما الذي أبقيتم لرب العالمين؟ أما علمتم أن من حق من يلزم تعظيمه وعبادته أن لا يساوى به عبده؟ أرأيتم ملكا أو عظيما إذا ساويتموه بعبيده في التعظيم والخشوع والخضوع أيكون في ذلك وضع من الكبير كما يكون زيادة في تعظيم الصغير؟ فقالوا: نعم، قال: أفلا تعلمون أنكم من حيث تعظمون الله بتعظيم صور عباده المطيعين له تزرون على رب العالمين؟ قال: فسكت القوم بعد أن قالوا: سننظر في أمورنا .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للفريق الثالث: لقد ضربتم لنا مثلاً وشبهتمونا بأنفسكم ولا سواء، وذلك لأنا عباد الله مخلوقون مربو بون نأتمر له فيما أمرنا، وننزجر عما زجرنا، ونعبده من حيث يريده منا، فإذا أمرنا بوجه من الوجوه أطعناه ولم نتعد إلى غيره مما لم يأمرنا ولم يأذن لنا، لأنا لا ندري لعله أراد منا الأول وهو يكره الثاني، وقد نهانا أن نتقدم بين يديه، فلما أمرنا أن نعبده بالتوجه إلى الكعبة أطعنا ثم أمرنا بعبادته بالتوجه نحوها في سائر البلدان التي نكون بها فأطعنا، فلم نخرج في شيء من ذلك عن اتباع أمره، والله عز وجل حيث أمرنا بالسجود لآدم لم يأمر بالسجود لصورته التي هي غيره فليس لكم أن تقيسوا ذلك عليه، لأنكم لا تدرون لعله يكره ما تفعلون إذ لم يأمركم به؟ ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أرأيتم لو أذن لكم رجل في دخول داره يوما بعينه ألكم أن تدخلوها بعد ذلك بغير أمره؟ أو لكم أن تدخلوا دارا له أخرى مثلها بغير أمره؟ أو وهب لكم رجل ثوبا من ثيابه أو عبدة من عبيده أو دابة من دوابه ألكم أن تأخذوا ذلك؟ فإن لم تأخذوه أخذتم آخر مثله قالوا: لا، لانه لم يأذن لنا في الثاني كما أذن لنا في الأول، قال: فأخبروني: الله أولى بأن لا يتقدم على ملكه بغير أمره أو بعض المملوكين؟ قالوا. بل الله أولى بأن لا يتصرف في ملكه بغير إذنه، قال: فلم فعلتم، ومتى أمركم أن تسجدوا لهذه الصور؟ قال: فقال القوم: سننظر في أمورنا وسكتوا.

قوة الإقناع في الرأي 

وقال الصادق عليه السلام : فو الذي بعثه بالحق نبيا ما أتت على جماعتهم إلا ثلاثة أيام حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلموا، وكانوا خمسة وعشرين رجلا من كل فرقة خمسة وقالوا: ما رأينا مثل حجتك يا محمد، نشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

وقال الصادق عليه السلام : قال أمير المؤمنين عليه السلام : فأنزل الله تعالى: ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) فكان في هذه الآية ردا على ثلاثة أصناف منهم، لما قال: ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ) فكان رد على الدهرية الذين قالوا: الأشياء لا بدء لها وهي دائمة، ثم قال (وجعل الظلمات والنور) فكان ردا على الثنوية الذين قالوا: إن النور والظلمة هما المدبران، ثم قال: ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) فكان ردا على مشركي العرب الذين قالوا: إن أوثاننا آلهة، ثم أنزل الله تعالى:؟( قل هو الله أحد)، إلى آخرها، فكان ردا على من ادعى من دون الله ضدا أو ندا.

قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: قولوا: ( إياك نعبد) أي نعبد واحدا لا نقول كما قالت الدهرية: إن الأشياء لا بدء لها وهي دائمة، ولا كما قالت الثنوية الذين قالوا: إن النور والظلمة هما المدبران، ولا كما قال مشركو العرب:إن أوثاننا آلهة، فلا نشرك بك شيئا، ولا ندعي من دونك إلها كما يقول هؤلاء الكفار، ولا نقول كما قالت اليهود والنصارى: إن لك ولدا ، تعاليت عن ذلك. قال: فذلك قوله: ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) الحديث.