فهرس الكتاب

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

مؤتمر المأمون العباسي

في مؤتمر هام عقده المأمون العبا سي وجمع فيه أقطاب المعارضة الفكرية وعلماء الأديان الباطلة.. وحضر الإمام الرضا عليه السلام .. وامتد مجلس المؤتمر إلى حين أفحم الإمام عليه السلام  حجج الأحبار والحاخامات وغيرهم..

جاء في الحديث: لما قدم علي بن موسى الرضا (عليه السلام) على المأمون أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق(1) وراس الجالوت ورؤساء الصابئين، والهربذ الأكبر، وأصحاب ذرهشت (2)و نسطاس الرومي و المتكلمين ليسمع كلامه وكلامهم فجمعهم الفضل بن سهل ثم اعلم المامون باجتماعهم فقال المامون :ادخلهم علي ففعل فرحب بهم المامون ثم قال لهم : اني انما جمعتكم لخير و احببت ان تناظروا ابن عمي هذا المدني القادم علي فاذا كان بكرة فاغادوا عليّ ولا يتخلّف منكم احد فقالوا : السمع والطاعة يا امير المؤمنين نحن مبكرون انشاءالله .

قال الحسن بن محمد النوفلي: فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا عليه السلام إذ دخل علينا ياسر، وكان يتولى أمر أبي الحسن الرضا عليه السلام  فقال له: يا سيدي إن أمير المؤمنين يقرؤك السلام ويقول: فداك أخوك، إنه اجتمع إلي أصحاب المقالات وأهل الأديان والمتكلمون من جميع الملل فرأيك في البكور علينا إن أحببت كلامهم، وإن كرهت ذلك فلا نتجشم، وإن أحببت أن نصير إليك خف ذلك علينا.

فقال أبو الحسن عليه السلام : أبلغه السلام وقل له: قد علمت ما أردت وأنا صائر إليك بكرة إن شاء الله.

قال الحسن بن محمد النوفلي: فلما مضى ياسر التفت إلينا ثم قال لي: يا نوفلي أنت عراقي ورقة العراقي غير غليظة، فما عندك في جمع ابن عمك علينا أهل الشرك واصحاب المقالات؟ فقلت: جعلت فداك يريد الامتحان ويحب أن يعرف ما عندك، ولقد بنى على أساس غير وثيق البنيان، وبئس والله ما بنى، فقال لي: وما بناؤه في هذا الباب؟ قلت: إن أصحاب الكلام والبدع خلاف العلماء وذلك أن العالم لا ينكر غير المنكر، وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة،  إن احتججت عليهم بأن الله واحد قالوا: صحح وحدانيته ، وإن قلت: إن محمدا رسول الله، قالوا: أثبت رسالته، ثم يباهتون الرجل وهو يبطل عليهم بحجته ويغالطونه حتى يترك قوله، فاحذرهم جعلت فداك، قال: فتبسم عليه السلام ثم قال، يا نوفلي افتخاف أن يقطعوني علي حجتي؟ قلت: لا والله ما خفت عليك قط، وإني لأرجو أن يظفرك الله بهم إن شاء الله. فقال لي: يا نوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون؟ قلت: نعم، قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم، وعلى أهل الزبور بزبور هم ، وعلى الصابئين بعبرانيتهم، وعلى الهرابذة بفار سيتهم،  وعلى أهل الروم برميتهم ، وعلى اصحاب المقالات بلغاتهم، فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته وترك مقالته ورجع إلى قولي علم المأمون أن الموضع الذي هو بسبيله ليس بمستحق له، فعند ذلك تكون الندامة منه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فلما أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له: جعلت فداك ابن عمك ينتظرك وقد اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه؟ فقال له الرضا عليه السلام تقدمني فإني سائر إلى ناحيتكم إن شاء الله، ثم توضأ عليه السلام وضوءه للصلاة، وشرب شربة سويق وسقانا منه، ثم خرج وخرجنا معه حتى دخلنا على المأمون، فإذا المجلس غاص بأهله، ومحمد بن جعفر في جماعة الطالبيين والهاشميين والقواد حضور، فلما دخل الرضا عليه السلام قام المأمون وقام محمد بن جعفر وجميع بني هاشم، فما زالوا وقوفا والرضا عليه السلام جالس مع المأمون حتى أمرهم بالجلوس فجلسوا، فلم يزل المأمون مقبلا عليه يحدثه ساعة. 

الرضا(ع) يفحم كبير ا لنصارى

ثم التفت إلى الجاثليق فقال: يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر، وهو من ولد فاطمة بنت نبينا وابن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما فأحسن أن تكلمه وتحاجه وتنصفه، فقال الجاثليق: يا أمير المؤمنين كيف أحاج رجلا يحتج علي بكتاب أنا منكره، ونبي لا أؤمن به؟ فقال له الرضا عليه السلام: يا نصراني فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقر به؟ قال الجاثليق: وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل؟ نعم والله أقر به على رغم أنفي، فقال له الرضا عليه السلام: سل عما بدا لك وافهم الجواب.

قال الجاثليق: ما تقول في نبوة عيسى وكتابه؟ هل تنكر منهما شيئا؟  قال الرضا عليه السلام: أنا مقر بنبوة عيسى وكتابه وما بشر به أمته وأقرت به الحواريون وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبكتابه ولم يبشر به أمته، قال الجاثليق: أليس إنما الإحكام بشاهدي عدل؟ قال: بلى، قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوة محمد ممن لا تنكره النصرانية، وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا.

قال الرضا عليه السلام: الآن جئت بالنصفة يا نصراني ألا تقبل مني العدل المقدم عند المسيح عيسى بن مريم؟ قال الجاثليق: من هذا العدل؟ سمه لي، قال: ما تقول في يوحنا الديلمي؟ قال: بخ بخ، ذكرت أحب الناس إلى المسيح، قال عليه السلام: فأقسمت عليك هل نطق الإنجيل أن يوحنا قال: إن المسيح أخبرني بدين محمد العربي، وبشرني به أنه يكون من بعده فبشرت به الحواريين فآمنوا به؟ قال الجاثليق: قد ذكر ذلك يوحنا عن المسيح وبشر بنبوة رجل وبأهل بيته ووصيه ولم يلخص متى يكون ذلك، ولم يسم لنا القوم فنعرفهم، قال الرضا عليه السلام: فإن جئناك بمن يقرء الإنجيل فتلا عليك ذكر محمد وأهل بيته وأمته أتؤمن به؟ قال: شديدا، قال الرضا عليه السلام لنسطاس الرومي: كيف حفظك للسفر الثالث من الإنجيل؟ قال: ما احفظني له ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال: ألست تقرأ الإنجيل؟ قال: بلى لعمري فخذ علي السفر الثالث، فإن كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته فاشهدوا لي، وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي، ثم قرأ عليه السلام السفر الثالث حتى إذا بلغ ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقف، ثم قال: يا نصراني إني أسألك بحق المسيح وأمه أتعلم أني عالم بالإنجيل؟ قال: نعم، ثم تلا علينا ذكر محمد وأهل بيته وأمته، ثم قال: ما تقول يا نصراني؟ هذا قول عيسى بن مريم، فإن كذبت ما ينطق به الإنجيل فقد كذبت موسى وعيسى عليهما السلام ومتى أنكرت هذا الذكر وجب عليك القتل، لأنك تكون قد كفرت بربك وبنبيك وبكتابك؟ قال الجاثليق: لا أنكر ما قد بان لي في الإنجيل، وأني لمقر به، قال الرضا عليه السلام: أشهدوا على إقراره.

ثم قال: يا جاثليق سل عما بدا لك، قال الجاثليق أخبرني عن حواريي عيسى بن مريم كم كان عدتهم؟ وعن علماء الإنجيل كم كانوا؟ قال الرضا عليه السلام: على الخبير سقطت ، أما الحواريون فكانوا اثني عشر رجلا، وكان أفضلهم وأعلمهما ألوقا، وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال: يوحنا الأكبر بأج ويوحنا بقر قيسا ويوحنا الديلمي بزجار، وعنده كان ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر أهل بيته وأمته وهو الذي بشر أمة عيسى وبني إسرائيل به.

ثم قال له: يا نصراني والله إنا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وما ننقم على عيسا كم شيئا إلا ضعفه وقلة صيامه وصلاته، قال الجاثليق ، أفسدت والله علمك وضعفت أمرك، وما كنت ظننت إلا أنك أعلم أهل الإسلام قال الرضا عليه السلام : وكيف ذاك؟ قال الجاثليق: من قولك: إن عيسى كان ضعيفا قليل الصيام، قليل الصلاة، وما أفطر عيسى يوما قط، ولا نام بليل قط، وما زال صائم الدهر، قائم الليل؟ قال الرضا عليه السلام: فلمن كان يصوم ويصلي؟ قال: فخرس الجاثليق وانقطع .

قال الرضا عليه السلام : يا نصراني أسألك عن مسألة، قال: سل فإن كان عندي علمها أجبتك؟ قال الرضا عليه السلام: ما أنكرت أن عيسى كان يحي الموتى بإذن الله عز وجل؟ قال الجاثليق: أنكرت ذلك من قبل أن من أحيا الموتى وأبرأ ألاكمه والأبرص فهو رب مستحق لأن يعبد،  قال الرضا عليه السلام : فإن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى: مشى على الماء، وأحيا الموتى، وأبرأ ألاكمه والأبرص فلم تتخذه أمته ربا ، ولم يعبده أحد من دون الله عز وجل، ولقد صنع حز قيل النبي مثل ما صنع عيسى بن مريم فأحيا خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة.

ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له: يا رأس الجالوت أتجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل في التوراة؟ اختارهم بخت نصر من سبى بني إسرائيل حين غزا بيت المقدس ثم انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله تعالى عز وجل إليهم فأحياهم الله، هذا في التوراة لا يدفعه إلا كافر منكم قال رأس الجالوت: قد سمعنا به وعرفناه، قال: صدقت، ثم قال يا يهودي خذ علي هذا السفر من التوراة، فتلا عليه السلام علينا من التوراة آيات فأقبل اليهودي يترحج لقراءته ويتعجب.

ثم أقبل على النصراني فقال: يا نصراني أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم؟ قال: بل كانوا قبله قال الرضا عليه السلام : لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألوه أن يحي لهم موتاهم، فوجه معهم علي بن أبي طالب عليه السلام  فقال له: اذهب إلى الجبانة فناد بأسماء هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان، ويا فلان، ويا فلان، يقول لكم محمد رسول الله: قوموا بإذن الله عز وجل، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم، ثم أخبروهم أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم  قد بعث نبيا وقالوا: وددنا إنا أدركناه فنؤمن به، ولقد أبرأ الأكمة والأبرص والمجانين، وكلمه البهائم والطير والجن والشياطين، ولم نتخذه ربا من دون الله عز وجل،  ولم ننكر لأحد من هؤلاء فضلهم، فمتى اتخذتم عيسى ربا جاز لكم أن تتخذوا اليسع و الحز قيل ، لأنهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى من إحياء الموتى وغيره، وإن قوما من بني إسرائيل هربوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة، فعمد أهل تلك القرية فحظروا عليهم حظيرة فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم وصاروا رميما،  فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل فتعجب منهم ومن كثرة العظام البالية، فأوحى الله عز وجل إليه: أتحب أن أحييهم لك فتنذرهم؟ قال: نعم يا رب، فأوحى الله عز وجل إليه: أن نادهم، فقال: أيها العظام البالية قومي بإذن الله عز وجل، فقاموا أحياء أجمعون، ينفضون التراب عن رؤوسهم، ثم إبراهيم خليل الرحمن حين اخذ الطير فقطعهن قطعا، ثم وضع على كل جبل منهن جزء، ثم ناداهن فأقبلن سعيا إليه؟ ثم موسى بن عمران وأصحابه السبعون الذين اختارهم صاروا معه إلى الجبل فقالوا له: إنك قد رأيت الله سبحانه، فأرناه كما رأيته، فقال لهم: إني لم أره، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم ، وبقي موسى وحيدا فقال: يا رب إني اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل فجئت بهم وأرجع وحدي فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به؟ فلو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ فأحياهم الله عز وجل من بعد موتهم، وكل شيء ذكرته لك من هذا لا تقدر على دفعه، لأن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به، فإن كان كل من أحيا الموتى وأبرأ الأكمة والأبرص والمجانين يتخذ ربا من دون الله فاتخذ هؤلاء كلهم أربابا ما تقول يا يهودي؟ قال الجاثليق: القول قولك، ولا إله إلا الله.

كبير اليهود يصدق حجج الإمام الرضاعليه السلام

ثم التفت عليه السلام  إلى رأس الجالوت فقال: يا يهودي أقبل علي أسألك بالعشر الآيات التي أنزلت على موسى بن عمران هل تجد في التوراة مكتوبا نبأ محمد وأمته ، إذا جاءت الأمة الأخيرة أتباع راكب البعير يسبحون الرب جدا جدا تسبيحا جديدا في الكنائس الجدد فليفزع بنو إسرائيل إليهم وإلى ملكهم لتطمئن قلوبهم، فإن بأيديهم سيوفا ينتقمون بها من  ألامم الكافرة في أقطار الأرض ،أهكذا هو في التوراة مكتوب؟ قال رأس الجالوت: نعم أنا لنجده كذلك. ثم قال للجاثليق: يا نصراني كيف علمك بكتاب شعيا؟  قال: أعرفه حرفا حرفا، قال لهما: أتعرفان هذا من كلامه: ( يا قوم إني رأيت صورة راكب الحمار لابسا جلابيب النور، ورأيت راكب البعير ضوؤه مثل ضوء القمر)؟ فقالا: قد قال ذلك شعيا.

قال الرضا عليه السلام : يا نصراني هل تعرف في الإنجيل قول عيسى: ( إني ذاهب إلى ربكم وربي والبارقليطا جاء، هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت له، وهو الذي يفسر لكم كل شيء، وهو الذي يبدي فضائح الأمم ، وهو الذي يكسر عمود الكفر) فقال الجاثليق: ما ذكرت شيئا في الإنجيل إلا ونحن مقرون به، قال: أتجد هذا في الإنجيل ثابتا يا جاثليق قال: نعم.

قال الرضا عليه السلام : يا جائليق ألا تخبرني عن الإنجيل الأول حين افتقدتموه عند من وجدتموه؟ ومن وضع لكم هذا الإنجيل قال له: ما افتقدنا الإنجيل إلا يوما واحدا حتى وجدناه غضا طريا فأخرجه إلينا يوحنا ومتى، فقال له الرضا عليه السلام : ما أقل معرفتك بسر الإنجيل وعلمائه ؟ فإن كان هذا كما تزعم فلم اختلفتم في الإنجيل؟ وإنما وقع الاختلاف في هذا الإنجيل الذي في أيديكم اليوم، فلو كان على العهد الأول لم تختلفوا فيه، ولكني مفيدك علم ذلك، اعلم أنه لما افتقد الإنجيل الأول اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا لهم: قتل عيسى بن مريم، وافتقدنا الإنجيل وأنتم العلماء فما عندكم؟ فقال لهم ألوقا ومرقابوس: إن الإنجيل في صدورنا ونحن نخرجه إليكم سفرا سفرا في كل أحد فلا تحزنوا عليه، ولا تخلوا الكنائس، فأنا سنتلوه عليكم في كل أحد سفرا سفرا حتى نجمعه كله، فقعد ألوقا ومرقا بوس ويوحنا ومتى فوضعوا لكم هذا ألا نجيل بعدما افتقدتم الإنجيل الأول، وإنما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ التلاميذ الأولين، أعلمت ذلك؟ قال الجاثليق: أما هذا فلم أعلمه وقد علمته الآن، وقد بان لي من فضل علمك بالإنجيل،وسمعت أشياء مما علمته شهد قلبي أنها حق فاستزدت كثيرا من الفهم، فقال له الرضا عليه السلام : فكيف شهادة هؤلاء عندك قال: جائزة، هؤلاء علماء الإنجيل، وكل ما شهدوا به فهو حق فقال الرضا عليه السلام للمأمون ومن حضره من أهل بيته ومن غيرهم: اشهدوا عليه، قالوا: قد شهدنا.

ثم قال للجاثليق: بحق الابن وأمه هل تعلم أن متى.

قال: ( إن المسيح هو ابن داو ود بن إبراهيم بن إسحاق بن يعقوب بن يهودا بن حضرون ) وقال مر قابوس في نسبة عيسى ابن مريم: ( إنه كلمة الله أحلها في الجسد الآدمي فصارت إنسانا) وقال ألوقا: ( إن عيسى بن مريم وأمه كانا إنسانين من لحم ودم فدخل فيهما روح القدس)  ثم إنك تقول من شهادة عيسى على نفسه: (حقا أقول لكم يا معشر الحواريين: انه لا يصعد إلى السماء إلا من نزل منها إلا راكب البعير خاتم الأنبياء فإنه يصعد إلى السماء وينزل)  فما تقول في هذا القول؟ قال الجاثليق: هذا قول عيسى لا ننكره، قال الرضا عليه السلام : فما تقول في شهادة ألوقا و مرقا بوس ومتّى على عيسى وما نسبوه إليه؟ قال الجاثليق: كذبوا على عيسى، قال الرضا عليه السلام : يا قوم أليس قد زكاهم وشهد أنهم علماء الإنجيل وقولهم حق؟.

فقال الجاثليق: يا عالم المسلمين أحب أن تعفيني من أمر هؤلاء، قال الرضا عليه السلام: فإنا قد فعلنا، سل يا نصراني عما بدا لك، قال الجاثليق ليسألك غيري، فلا وحق المسيح ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك. فالتفت الرضا عليه السلام إلى رأس الجالوت فقال له: تسألني أو أسألك فقال: بل أسألك، ولست أقبل منك حجة إلا من التوراة، أو من الإنجيل ، أو  من زبور داود، أو بما في صحف إبراهيم وموسى، قال الرضا عليه السلام : لا تقبل مني حجة إلا بما تنطق به التوراة على لسان موسى بن عمران، والإنجيل على لسان عيسى بن مريم، والزبور على لسان داود؟ فقال رأس الجالوت: من أين تثبت نبوة محمد؟ قال الرضا عليه السلام شهد بنبوته موسى بن عمران وعيسى بن مريم وداود خليفة الله عز وجل في الأرض فقال له: ثبت قول موسى ابن عمران، قال الرضا عليه السلام هل تعلم يا يهودي أن موسى ابن عمران أوصى بني إسرائيل فقال لهم: إنه سيأتيكم نبي من إخوانكم، فبه فصدقوا ومنه فاسمعوا، فهل تعلم أن لبني إسرائيل اخوة غير ولد إسماعيل، إن كنت تعرف قرابة إسرائيل من إسماعيل، والنسب الذي بينهما من قبل إبراهيم؟ فقال رأس الجالوت: هذا قول موسى لا ندفعه، فقال له الرضا عليه السلام : هل جاءكم من اخوة بني إسرائيل نبي غير محمد: قال: لا، قال الرضا عليه السلام: أفليس قد صح هذا عندكم؟ قال: نعم ولكني احب أن تصححه لي من التوراة، فقال له الرضا عليه السلام: هل تنكر أن التوراة تقول لكم: ( قد جاء النور من جبل طور سيناء وأضاء لنا من جبل ساعير ، و استعلن علينا من جبل فاران) قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات وما أعرف تفسيرها، قال الرضا عليه السلام: أنا أخبرك به، أما قوله: ( جاء النور من قبل طور سيناء)  فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على موسى على جبل طور سيناء، وأما قوله: ( وأضاء الناس من جبل ساعير)  فهو الجبل الذي أوحى الله عز وجل إلى عيسى بن مريم وهو عليه، وأما قوله: ( واستعلن علينا من جبل فاران)  فذاك جبل من جبال مكة بينه وبينها يوم. وقال شعيا النبي فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة: ( رأيت راكبين أضاء لهما الأرض، أحدهما على حمار، والآخر على جمل، فمن راكب الحمار؟ ومن راكب الجمل؟ قال: رأس الجالوت لا أعرفهما فخبرني بهما، قال عليه السلام: أما راكب الحمار فعيسى وأما راكب الجمل فمحمد، أتنكر هذا من التوراة) قال: لا، ما أنكره.

ثم قال الرضا عليه السلام: هل تعرف حيقوق النبي؟ قال نعم إني به لعارف، قال عليه السلام : فإنه قال وكتابكم ينطق به: ( جاء الله بالبيان من جبل فاران، وامتلأت السماوات من تسبيح أحمد وأمته، يحمل خيله في البحر كما يحمل في البر، يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس) يعني بالكتاب القرآن، أتعرف هذا وتؤمن به؟ قال رأس الجالوت قد قال ذلك حيقوق النبي ولا ننكر قوله، قال الرضا عليه السلام فقد قال داو ود في زبوره وأنت تقرؤه: ( اللّهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة ) فهل تعرف نبيا أقام السنة بعد الفترة غير محمد؟ قال رأس الجالوت هذا قول داو ود نعرفه ولا ننكره، ولكن عنى بذلك عيسى، وأيامه هي الفترة، قال له الرضا عليه السلام: جهلت، إن عيسى لم يخالف السنة، وكان موافقا لسنة التوراة حتى رفعه الله إليه، وفي الإنجيل مكتوب: إن ابن البرة ذاهب والبارقليطا جاء من بعده، وهو يخفف الآصار ، ويفسر لكم كل شيء، ويشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتأويل، أتؤمن بهذا في الإنجيل؟ قال: نعم، لا أنكره: فقال له الرضا عليه السلام يا رأس الجالوت أسألك عن نبيك موسى بن عمران، فقال سل، قال عليه السلام: ما الحجة على أن موسى ثبتت نبوته؟ قال اليهودي: إنه جاء بما لم يجيء به أحد من الأنبياء قبله، قال له  مثل ماذا؟ قال: مثل فلق البحر، وقلبه العصا حية تسعى وضربه الحجر فانفجرت منه العيون وإخراجه يده بيضاء للناظرين، وعلامات لا يقدر الخلق على مثلها.

قال له الرضا عليه السلام: صدقت في أنه كانت حجته على نبوته أنه جاء بما لا يقدر الخلق على مثله، أفليس كل من ادعى أنه نبي ثم جاء بما لا يقدر الخلق على مثله وجب عليكم تصديقه؟ قال: لا، لأن موسى لم يكن له نظير لمكانه من ربه، وقربه منه، ولا يجب علينا الإقرار بنبوة من ادعاها حتى يأتي من الأعلام بمثل ما جاء به، قال الرضا عليه السلام: فكيف أقررتم الأنبياء الذين كانوا قبل موسى ولم يفلقوا البحر، ولم يفجروا من الحجر اثنتي عشرة عينا، ولم يخرجوا بأيديهم مثل إخراج موسى يده بيضاء، ولم يقلبوا العصا حية تسعى؟ قال له اليهودي: قد خبرتك أنه متى ما جاءوا على نبوتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على مثله ولو جاءوا بما لم يجيء به موسى أو كان على غير ما جاء به موسى وجب تصديقهم، قال: قال الرضا عليه السلام: يا رأس الجالوت فما يمنعك من الإقرار بعيسى بن مريم وقد كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمة والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله؟ قال رأس الجالوت: يقال إنه فعل ذلك، ولم نشهده، قال الرضا عليه السلام أرأيت ما جاء به موسى من الآيات شاهدته؟ أليس إنما جاءت الأخبار من ثقات اصحاب موسى أنه فعل ذلك؟ قال: بلى، قال: فكذلك أيضا أتتكم الأخبار المتواترة بما فعل عيسى بن مريم، فكيف صدقتم بموسى ولم تصدقوا بعيسى؟ فلم يحر جوابا ،  قال الرضا عليه السلام وكذلك أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به، و أمر كل نبي بعثه الله، ومن آياته أنه كان يتيما فقيرا راعيا أجيرا لم يتعلم كتابا ولم يختلف إلى معلم ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الأنبياء وأخبارهم حرفا حرفا، وأخبار من مضى ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم كان يخبرهم بأسرارهم وما يعملون في بيوتهم، وجاء بآيات لا تحصى، قال رأس الجالوت: لم يصح عندنا خبر عيسى ولا خبر محمد؟ ولا يجوز لنا أن نقر لهما بما لم يصح، قال الرضا عليه السلام: فالشاهد الذي شهد لعيسى ولمحمد صلى الله عليهما شاهد زور؟ فلم يحر جوابا.

الهربذ الأكبر.. لم يجد جوابا 

ثم دعى الهربذ الأكبر فقال له الرضا عليه السلام: أخبرني عن ذر هشت الذي تزعم أنه نبي ما حجتك على نبوته؟ قال إنه أتى بما لم يأ تنا به أحد قبله ولم نشهده ولكن الأخبار من أسلافنا وردت علينا بأنه أحل لنا ما لم يحله غيره فاتبعناه قال: أفليس إنما أتتكم الأخبار فاتبعتموه؟ قال. بلى، قال فكذلك سائر الأمم السالفة أتتهم الأخبار بما أتى به النبيون وأتى به موسى وعيسى ومحمد صلوات الله  عليهم، فما عذركم في ترك الإقرار لهم؟ إذ كنتم إنما أقررتم بذر هشت من قبل الأخبار المتواترة بأنه جاء بما لم يجيء به غيره، فانقطع الهربذ مكانه.

الإمام (ع) يبحث عن  المعارض

فقال الرضا عليه السلام: يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الإسلام و أراد أن يسأل فليسأل غير محتشم، فقام إليه عمران الصابئ وكان واحدا من المتكلمين فقال: يا عالم الناس لولا أنك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل فلقد دخلت الكوفة والبصرة والشام والجزيرة ولقيت المتكلمين فلم أقع على أحد يثبت لي واحدا ليس غيره قائما بوحدانيته، افتأ ذن لي أن أسألك؟ قال الرضا عليه السلام: إن كان في الجماعة عمران الصابئ فأنت هو، قال: أنا هو، قال سل يا عمران وعليك بالنصفة، وإياك و الخطل والجور قال:والله يا سيدي ما أريد إلا أن تثبت لي شيئا أتعلق به فلا أجوزه، قال: سل عما بدا لك، فازدحم الناس وانضمم بعضهم إلى بعض، فقال عمران الصابئ: أخبرني عن الكائن الأول وعما خلق، قال: سألت فافهم، أما الواحد فلم يزل واحدا كائنا لا شيء معه بلا حدود ولا أعراض ولا يزال كذلك، ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا بأعراض وحدود مختلفة، لا في شيء أقامه، ولا في شيء حده، ولا على شيء حذاه ومثله له، فجعل الخلق من بعد ذلك صفوة وغير صفوة، واختلافا وائتلافا، وألوانا وذوقا وطعما، لا لحاجة كانت منه إلى ذلك، ولا لفضل منزلة لا يبلغها إلا به، ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصانا،  تعقل هذا يا عمران؟ قال: نعم والله يا سيدي.

قال: وأعلم يا عمران إنه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلا من يستعين به على حاجته، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق، لأن الأعوان كلما كثروا كان صاحبهم أقوى، والحاجة يا عمران لا يسعها لأنه لم يحدث من الخلق شيئا إلا حدثت فيه حاجة أخرى، ولذلك أقول: لم يخلق الخلق لحاجة، ولكن نقل بالخلق الحوائج بعضهم إلى بعض، وفضل بعضهم على بعض بلا حاجة منه إلى من فضل، ولا نقمة منه على من أذل فلهذا خلق.

قال عمران: يا سيدي هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه؟ قال الرضا عليه السلام: إنما يكون المعلمة بالشيء لنفي خلافه، وليكون الشيء نفسه بما نفي عنه موجودا، ولم يكن هناك شيء يخالفه فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد ما علم منها، أفهمت يا عمران؟ قال: نعم والله يا سيدي، فأخبرني بأي شيء علم ما علم؟ أبضمير أم بغير ذلك؟ قال الرضا عليه السلام: أرأيت إذا علم بضمير هل تجد بدا من أن تجعل لذلك الضمير حدا تنتهي إليه المعرفة؟ قال عمران: لا بد من ذلك، قال الرضا عليه السلام فما ذلك الضمير؟ فانقطع عمران ولم يحر جوابا. قال الرضا عليه السلام: لا بأس إن سألتك عن الضمير نفسه تعرفه بضمير آخر، فقلت: نعم أفسدت عليك قولك ودعواك، يا عمران أليس ينبغي أن تعلم أن الواحد ليس يوصف بضمير وليس يقال له أكثر من فعل وعمل وصنع؟ وليس يتوهم منه مذاهب وتجربة كمذاهب المخلوقين وتجربتهم؟ فاعقل ذلك وابن عليه ما علمت صوابا.

قال عمران: يا سيدي ألا تخبرني عن حدود خلقه كيف هي؟ وما معانيها؟ وعلى كم نوع تكون؟ قال: قد سألت فافهم، إن حدود خلقه على ستة أنواع: ملموس وموزون ومنظور إليه وما لا ذوق له وهو الروح، ومنها منظور إليه وليس له وزن ولا لمس ولا حس ولا لون ولا ذوق والتقدير والأعراض والصور والطول والعرض، ومنها العمل والحركات التي تصنع الأشياء وتعملها وتغيرها من حال إلى حال وتزيدها وتنقصها، فأما الأعمال والحركات فإنها تنطلق لأنه لا وقت لها اكثر من قدر ما يحتاج إليه، فإذا فرغ من الشيء انطلق بالحركة وبقي الأثر، ويجري مجرى الكلام الذي يذهب ويبقى أثره.

قال له عمران: يا سيدي ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحدا لا شيء غيره ولا شيء معه أليس قد تغير بتغييره. قال عمران: فبأي شيء عرفناه؟ قال: بغيره. قال: فأي شيء غيره؟ قال الرضا عليه السلام: مشيته واسمه وصفته وما أشبه  ذلك، وكل ذلك محدث مخلوق مدبر، قال عمران: يا سيدي فأي شيء هو؟ قال: هو نور بمعنى أنه هاد لخلقه من أهل السماء وأهل الأرض وليس لك علي أكثر من توحيدي إياه.

قال عمران: يا سيدي أليس قد كان ساكتا قبل الخلق لا ينطق ثم نطق؟ قال الرضا عليه السلام: لا يكون السكوت إلا عن نطق قبله. والمثل في ذلك أنه لا يقال للسراج: هو ساكت لا ينطق، ولا يقال: إن السراج ليضيء فيما يريد أن يفعل بنا، لأن الضوء من السراج ليس بفعل منه ولا كون، وإنما هو ليس شيء غيره، فلما استضاء لنا قلنا: قد أضاء لنا حتى استضأنا به، فهذا تستبصر أمرك.

قال عمران: يا سيدي فإن الذي كان عندي أن الكائن قد تغير عن فعله عن حاله بخلقه الخلق، قال الرضا عليه السلام أحلت يا عمران في قولك، إن الكائن يتغير في وجه من الوجوه حتى يصيب الذات منه ما يغيره، يا عمران هل تجد النار يغيرها تغير نفسها؟ أو هل تجد الحرارة تحرق نفسها أو هل رأيت بصيرا قط رأى بصره؟ قال عمران: لم أر هذا، ألا تخبرني يا سيدي أهو في الخلق أم الخلق فيه؟ قال الرضا عليه السلام جل يا عمران عن ذلك، ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه، تعالى عن ذلك، وسأعلمك ما تعرفه به ولا قوة إلا بالله، أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك؟ فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأي شيء استدللت بها على نفسك؟ قال عمران: بضوء بيني وبينها قال الرضا عليه السلام: هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر مما تراه في عينك؟ قال: نعم، قال الرضا عليه السلام: فأرناه، فلم يحر جوابا ، قال عليه السلام : فلا أرى النور إلا وقد دلك و دل المرآة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما، ولهذا أمثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالا، ولله المثل الأعلى.

ثم التفت إلى المأمون فقال: الصلاة قد حضرت فقال عمران: يا سيدي لا تقطع علي مسألتي فقد رق قلبي قال الرضا عليه السلام: نصلي ونعود، فنهض ونهض المأمون فصلى الرضا عليه السلام داخلا، وصلى الناس خارجا خلف محمد بن جعفر، ثم خرجا فعاد الرضا عليه السلام إلى مجلسه ودعا بعمران فقال: سل يا عمران، قال: يا سيدي ألا تخبرني عن الله عز وجل هل يوحد بحقيقة أو يوحد بوصف؟ قال الرضا عليه السلام: إن الله المبدىء الواحد الكائن الأول لم يزل واحدا لا شيء معه، فردا لا ثاني معه، لا معلوما ولا مجهولا، ولا محكما ولا متشابها، ولا مذكورا ولا منسيا، ولا شيئا يقع عليه اسم شيء من الأشياء غيره، ولا من وقت كان، ولا إلى وقت يكون، ولا بشيء قام، ولا إلى شيء يقوم، ولا إلى شيء استند، ولا في شيء استكن وذلك كله قبل الخلق إذ لا شيء غيره، وما أوقعت عليه من الكل فهي صفات محدثة وترجمة يفهم بها من فهم، واعلم أن الإبداع والمشية والإرادة معناها واحد وأسماؤها ثلاثة وكان أول إبداعه وإرادته ومشيته الحروف التي جعلها أصلا لكل شيء، ودليلا على كل مدرك، وفاصلا لكل مشكل، وبتلك الحروف تفريق كل شيء من اسم حق وباطل، أو فعل أو مفعول أو معنى أو غير معنى وعليها اجتمعت الأمور كلها، ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها يتناهى ولا وجود لها لأنها مبدعة بالإبداع، والنور في هذا الموضع أول فعل الله الذي هو نور السماوات والأرض، والحروف هي المفعول بذلك الفعل، وهي الحروف التي عليها الكلام والعبارات كلها من الله عز وجل، علمها خلقه وهي ثلاثة وثلاثون حرفا، فمنها ثمانية وعشرون حرفا تدل على لغات السريانية والعبرانية، ومنها خمسة أحرف متحرفة في سائر اللغات من العجم لأقاليم اللغات كلها، وهي خمسة أحرف تحرفت من الثمانية والعشرين حرفا من اللغات فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفا، فأما الخمسة المختلفة فحجج لا يجوز ذكرها أكثر مما ذكرناه، ثم جعل الحروف بعد إحصائها وإحكام عدّتها فعلا منه كقوله عّز وجل: ( كن فيكون) وكن منه صنع وما يكون به المصنوع فالخلق الأول من الله عز وجل الإبداع لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولا حس والخلق الثاني الحروف لا وزن لها ولا لون وهي مسموعة موصوفة غير منظور إليها،  والخلق الثالث ما كان من الأنواع كلها محسوسا ملموسا ذا ذوق منظور إليه، والله تبارك وتعالى سابق للإبداع لأنه ليس قبله عز وجل شيء، ولا كان معه شيء، والإبداع سابق للحروف والحروف لا تدل على غير نفسها.

قال المأمون: وكيف لا تدل على غير نفسها؟ قال الرضا عليه السلام: لأن الله تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئا لغير معنى أبدا، فإذا ألف منها أحرفا أربعة أو خمسة أو ستة أو اكثر من ذلك أو أقل لم يؤلفها لغير معنى، ولم يك إلا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئا.

قال عمران: فكيف لنا بمعرفة ذلك؟ قال الرضا عليه السلام: أما المعرفة فوجه ذلك وبيانه أنك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير نفسها ذكرتها فردا فقلت: أب ت ث ج ح خ حتى تأتي على آخرها، فلم تجد لها معنى غير أنفسها، فإذا ألفتها وجمعت منها أحرفا وجعلت اسما وصفة لمعنى ما طلبت ووجه ما عنيت كانت دليله على معانيها، داعية إلى الموصوف بها، أفهمته؟ قال: نعم، قال الرضا عليه السلام: واعلم أنه لا تكون صفة لغير موصوف، ولا اسم لغير معنى ولا حد لغير محدود، والصفات والأسماء كلها تدل على الكمال والوجود، ولا تدل على الإحاطة، كما تدل على الحدود التي هي التربيع والتثليث و التسديس ، لأن الله عز وجل تدرك معرفته بالصفات والأسماء، ولا تدرك بالتحديد بالطول والعرض والقلة والكثرة واللون والوزن وما أشبه ذلك وليس يحل بالله جل وتقدس شيء من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضرورة التي ذكرنا، ولكن يدل على الله عز وجل بصفاته، ويدرك بأسمائه، ويستدل عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين ولا استماع أذن ولا لمس كف ولا إحاطة بقلب، فلو كانت صفاته جل ثناؤه لا تدل عليه وأسماؤه لا تدعو إليه والمعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه كانت العبادة من الخلق لأسمائه وصفاته دون معناه، فلولا أن ذلك كذلك لكان المعبود الموحد غير الله، لأن صفاته وأسماءه غيره، أفهمت؟ قال: نعم يا سيدي زدني.

قال الرضا عليه السلام: إياك وقول الجهال أهل العمى والضلال الذين يزعمون أن الله جل وتقدس موجود في الآخرة للحساب والثواب والعقاب، وليس بموجود في الدنيا للطاعة والرجاء، ولو كان في الوجود لله عز وجل نقص واهتضام لم يوجد في الآخرة أبدا، ولكن القوم تاهوا وعموا وصموا عن الحق من حيث لا يعلمون، وذلك قوله عز وجل: ( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) يعني أعمى عن الحقائق الموجودة، وقد علم ذوو الألباب أن الاستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما هاهنا، من أخذ علم ذلك برأيه وطلب وجوده وإدراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلا بعدا، لأن الله عز وجل جعل علم ذلك خاصة عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون.

قال عمران: يا سيدي ألا تخبرني عن الإبداع أخلق هو أم غير خلق؟ قال له الرضا عليه السلام: بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون، وإنما صار خلقا لأنه شيء محدث، والله الذي أحدثه فصار خلقا له، وإنما هو الله عز وجل وخلقه لا ثالث بينهما، ولا ثالث غيرهما، فما خلق الله عز وجل لم يعد أن يكون خلقه، وقد يكون الخلق ساكنا ومتحركا ومختلفا أو مؤتلفا ومعلوما و متشابها، وكل ما وقع  عليه حد فهو خلق الله عز وجل، واعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس، وكل حاسة تدل على ما جعل الله عز وجل لها في إدراكها، والفهم من القلب بجميع ذلك كله.

 واعلم إن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد وتقدير، وكان الذي خلق خلقين أثنين: التقدير والمقدر، وليس في واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق فجعل أحدهما يدرك بالآخر، وجعلهما مدركين بنفسهما، ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه وإثبات وجوده، فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يكنه والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن الله ومشيته، وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا، ولو وصفوا الله عز وجل بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا، فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتبكوا فيه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

قال عمران : يا سيدي أشهد أنه كما وصفت، ولكن بقيت لي مسألة، قال: سل عما أردت، قال: أسألك عن الحكيم في أي شيء هو؟ وهل يحيط به شيء؟ وهل يتحول من شيء إلى شيء، أو به حاجة إلى شيء؟ قال الرضا عليه السلام: أخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه فإنه من اغمض ما يرد على المخلوقين في مسائلهم، وليس يفهمه المتفاوت عقله العازب حلمه، ولا يعجز عن فهمه أولو العقل المنصفون، أما أول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول: يتحول إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك، ولكنه عز وجل لم يخلق شيئا لحاجة، ولم يزل ثابتا لا في شيء ولا على شيء إلا أن الخلق يمسك بعضه بعضا، ويدخل بعضه في بعض، ويخرج منه، والله جل وتقدس بقدرته يمسك ذلك كله، وليس يدخل في شيء ولا يخرج منه، ولا يؤوده حفظه، ولا يعجز عن إمساكه، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك إلا الله عز وجل، ومن أطلعه عليه من رسله، وأهل سره و المستحفظين لأمره، وخزانه القائمين بشريعته، و إنما أمره كلمح بالبصر أو هو أقرب،إذا شاء شيئا فإنما يقول له: كن فيكون بمشيئته وإرادته، وليس شيء من خلقه أقرب إليه من شيء، ولا شيء أبعد منه من شيء أفهمت يا عمران؟ قال: نعم يا سيدي قد فهمت واشهد أن الله على ما وصفته و وحدته، وأن محمدا عبده المبعوث بالهدى ودين الحق. ثم خر ساجدا نحو القبلة وأسلم .

ختام المؤتمر

قال الحسن بن محمد النوفلي فلما نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابئ وكان جدلا لم يقطعه عن حجته أحد قط لم يدن من الرضا عليه السلام أحد منهم، ولم يسألوه عن شيء،وأمسينا، فنهض المأمون والرضا عليه السلام  فدخلا وانصرف الناس، وكنت مع جماعة من أصحابنا إذ بعث إلي محمد بن جعفر فأتيته فقال لي: يا نوفلي أما رأيت ما جاء به صديقك، لا والله ما ظننت أن علي بن موسى عليه السلام خاض في شيء من هذا قط ولا عرفناه به، إنه كان يتكلم بالمدينة أو يجتمع إليه أصحاب الكلام؟ قلت: قد كان الحاج يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم و حرامهم فيجيبهم، وربما كلم من يأتيه يحاجه.

(1) الجاثليق: متقدم الاساقفة. الصابئون جمع الصابىء، وهو من انتقل إلى دين آخر، وكل خارج من دين كان عليه الى آخر غيره سمى في اللغة صابئاً، قال أبو زيد: صبأ الرجل في دينه يصبؤ صبوءا: اذا كان صابئا، فكان معنى الصابىء التارك دينه الذي  شرع له الى دين غيره، والدين الذي فارقوه هو تركهم التوحيد الى عبادة النجوم أو تعظيمها، قال قتادة: وهم قوم معروفون ولهم مذهب ينفردون به، ومن دينهم عبادة النجوم وهم يقرون بالصانع وبالمعاد وببعض الانبياء وقال مجاهد والحسن: الصابئون بين اليهود والمجوس لا دين لهم، وقال السدي: هم طائفة من أهل الكتاب يقرأون الزبور، وقال الخليل: هم قوم دينهم شبيه بدين النصارى الا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب حيال منتصف النهار يزعمون انهم على دين نوح، وقال ابن زيد: هم اهل دين من الاديان كانوا بالجزيرة جزيرة الموصل يقولون: لا اله إلا الله ولم يؤمنوا برسول الله، وقال آخرون: هم طائفة من اهل الكتاب. والفقهاء بأجمعهم يجيزون أخذ الجزية منهم، وعندنا لا يجوز ذلك لانهم ليسوا بأهل الكتاب. قاله الطبرسي في مجمع البيان. وقد كتبت انا تفصيلأ حول الصابئين في كتاب مستقل باسم( الصابئة في عقيدتهم وشريعتهم).

(2) في العيون زردشت.