الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الأديان الثابتة

يمكننا تقسيم الأديان من وجهات النظر المتعددة إلى الدين الزردشتي، والدين اليهودي، والدين الكونفوشيوسي، والدين الإسلامي، وهذه الأديان يطلق عليها (الأديان الثابتة) لأنها تنظر إلى الحياة والأمور الدنيوية نظرة ثابتة وحتّى عند الظهور، فاستطاعت بنفوذها أن تؤثر تأثيراً مباشراً في مجالات: الاقتصاد، والتربية، والتعليم، والسياسة، وحتى إن البعض منها: كالزردشتي، أو اليهودي، أو الإسلامي، قام بتشكيل حكومة.

على عكس سائر الأديان: كالهندوسي، والمسيحي اليوم، مع أنها تعتبر من جملة الأديان الحية ولها أتباع ومريدون كثيرون، وهي من أكبر الأديان العالمية، إلا أنها من الأديان التي ليس فيها برامج  للأمور الدنيوية من قبيل: الاقتصاد، والسياسة، والتربية، والتعليم، ولم يكن فيها إلا بعض النصائح الأخلاقية، إلا ما كان من المذهب البروتستانتي المسيحي، فبعد أن أعاد النظر في تعاليم الكنيسة، كان أساساً لبناء المجتمع الغربي الجديد، ويحتمل أن يكون رأس المال أحد العناصر الأساسية والعلل الأصلية لظهوره.

أثر الدين والمذهب في المجتمع

قبل أن نشرع في كيفية تأسيس حكومة إسلامية في المدينة لابد من الإشارة إلى مدى تأثير الدين في المجتمع، فإن هناك آثار كبيرة للدين على مختلف مسائل المجتمع، نشير الى بعضها:

1: في الموقع الجغرافي: فإن طراز السكنى وبناء الدور والمنازل في المدن والقرى غالباً ما يشير إلى الآداب والعقائد المذهبية لأهالي تلك المنطقة، ففي الدول المسيحية ـ عادة ـ يكون مركز تجمع القروي حول الكنيسة، فطراز السكن وبناء الدور والمنازل تنسجم مع مقتضيات المذهب بشكل أو بآخر. 

2: أما بالنسبة للتخطيط السكاني: فزيادة السكان وقلته من توالد وتناسل غير بعيد عن تأثير المذهب، وهذا ما يلاحظ عند مطالعة الحياة الاجتماعية للأقوام، وكيف أن الأديان تقوم بتنظيم الروابط العائلية  من القديم، وتقديس الزواج وتشوق الآباء والأمهات على إنجاب الأولاد.

فلو قايسنا التخطيط الديمقراطي الأوروبي بالتخطيط المذهبي نجد أن التوالد والتناسل يتفاوت بحسب الأديان التي يعتنقوها، فمثلاً: في بعض أقسام المذهب البروتستانتي تجد الزيادة في عدد المواليد على عكس ما في بعض أقسام المذهب الكاثوليكي.

3: مسألة هجرة الأقوام: فانها بالإضافة إلى الأسباب والعلل الطبيعية كالفيضانات، والمسائل الاقتصادية الناشئة عن جدب الأرض، فإن لها علل مذهبية أيضاً، وكذلك سفر المسلمين لأداء فريضة الحج، وأيضاً هجرة أكثر أهالي التبّت بسبب المعتقدات المذهبية وما أشبه.

4: بالنسبة للتشكيلات والنظام الاجتماعي: تتدخل الأديان والمذاهب في الأنظمة والعلاقات الاجتماعية المختلفة وتؤثر فيها تأثيراً مباشراً، وفي هذا الصدد ما نشاهده في التشكيلات الاجتماعية في الهند المعروفة بـ(كاست)، كذلك طبقة النجباء في اليونان، ومستوى أحبار اليهود، وكهنة مصر القديمة، بالإضافة إلى ما نلمسه في نظرات مفكري الإسلام المتأثرة بالإسلام من حيث المساواة، نزولاً على حكم الآية الشريفة: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(1).

5: وكذلك بالنسبة إلى الاقتصاد، حيث يجتمعون في أسواق خاصة وهكذا.

 الأنبياء وتحمل الصعاب

إن الأنبياء الإلهيين (عليهم السلام) كانوا صورة مجسدة للحب الإلهي، ولماذا لا يكونون كذلك؟ وهم قد بلغوا بنظرتهم العميقة الشاملة حداً سامياً من المعرفة الإلهية.. فعرفوه تعالى أكثر من غيرهم ورأوا أن عظمته وجلاله أسمى وأعظم من أي شيء آخر، وعلموا بأنه تعالى أهل المحبة والطاعة فلم يكن لهم في حياتهم إلا أن يحققوا رضاه، ولم تتعلق قلوبهم إلا به وكل شيء لديهم فداء له… فهم على وعيٍ متكامل بعظمة معبودهم وجلاله.

ولهذا السبب فإن الأنبياء (عليهم السلام) كانوا في المجال التبليغي يتقبلون التعرض لكل المشاكل والحوادث الصعبة، وتراهم في أغلب الأزمات الشديدة يتوجهون بوجه طلق ملؤه الخضوع والاطمئنان والاجلال إلى الله تعالى… وتغمر أرواحهم هالة من سرور، إذ يتصورن أن كل تلك المتاعب إنما هي في سبيل الحبيب الواقعي.. في سبيل الله.. في سبيل الحق والحقيقة.

وهذا السنة الاجتماعية هي عين السنة الإلهية التي لا تتغير فيحالفها التوفيق والنجاح بعد المشقة والعسر والحرج، قال تعالى:   (فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا)(2).

ومع أن نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرى الأذى والعذاب من قومه إلا أن خصلته النبوية ونفسيته العظيمة أبت إلا أن يطلب من الله تعالى لهم الرحمة والهداية، كما عبر (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك بقوله:

(اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)(3).

وقال تعالى:  (وانك لعلى خلق عظيم)(4).

الأديان في الجاهلية

يقال: إن عدة من محلة النخلة القريبة من مكة جاءوا إلى نخلة كثيرة التمر، وكان تمرها يتساقط إلى الأرض، فقاموا بتنظيفها وجمع التمر المتساقط وذلك ليقيموا احتفالا إحياءً وتعظيماً للصنم "عزى" معبود العرب جميعاً ـ الا من عصمه الله ـ وخاصة قريش منها، وفي هذه الأثناء قال رجل فهم لأصحابه وإخوته: والله، إن قومكم ليسوا على شيء، وأنهم ضلوا وأضلوا، إن هذا الحجر الذي نصنعه لا يضر ولا ينفع، ولا يسمع ولا يرى، العجب منهم أنهم يريقون الدماء من القرابين على رأسه، أيها الناس! تفرقوا عن هذا الجمع، واتخذوا ديناً غير هذا الدين الذي أنتم عليه واعتقدوا uhأعابه.

ثم تفرق ذلك الجمع، واتخذ كل وأحد منهم رباً له ومعبوداً:

فعدة منهم: تحولوا إلى المسيحية، كان منهم (ورقة بن نوفل) ومعه  جماعة.

وأعرض فريق منهم عن الأصنام وعبادة الأوثان وتركوا الأهل والصحب والديار.

والقسم الآخر بقي منتظراً خروج يد من الغيب حتى يقرر مصيره، فلما سمعوا نداء الإسلام ودعوة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أسلموا ولبوا.

أما بنو هاشم، وزهرة، وتيم، فقد عاهدوا الله المنتقم الجبار أن يكونوا مع المظلوم، حتى يأخذوا حقه ممن ظلمه، وهذا العهد هو ما يسمى بـ"حلف الفضول" الذي دخله النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في سن العشرين، وأقسم أن يدفع الظلم وينشر العدالة الاجتماعية، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك:

(ما أحب أن يكون لي بحلف حضرته في دار ابن جَدْعان حُمُرالنعم).

وفي هذا الحلف أنشدت الأشعار..

ومنها: قول ابن الزبير:

ألا يقـــــــــيم ببطن مكة ظالم

 

إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا

فالجار والمعسر فيهم سالم

 

أمــــر عليه تعاقدوا وتواثقوا  

 1 ـ سورة الحجرات: 13.

2 ـ  سورة الشرح: 5و6.

3 ـ بحار الأنوار: ج35 ص177 باب3 ح85.

4 ـ سورة القلم: 4.