الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

نقطة الإشراق

كانت البعثة وظهور نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) بداية هذا التحول، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن يبلغ دعوته بمدة قد ترك الحياة الدنيا ولذاتها، وأدار بوجهه عنها، كما فعل من قبله الأنبياء الصادقون (عليهم السلام): كنوح، وإبراهيم، وموسى ، وعيسى (عليهم السلام).

فان في المدرسة السماوية التوحيدية لابد للمصلحين الاجتماعيين ولأنبياء الله تعالى وقبل أن يقوموا بإبلاغ دعوتهم أن يقلعوا عن الماديات حتى يستلهموا من إشراق نورانية الوحي الإلهي، ويكون طعامهم المعنوي مشاهدة نور المعرفة، كما حصل لنوح (عليه السلام) من العناية الربانية في إنقاذ نفسه وشيعته، (أي أصحابه) ولإبراهيم (عليه السلام) مشاهدة ملكوت السماء، ولموسى (عليه السلام) من التجلي الإلهي، ولعيسى (عليه السلام) في الإصغاء للنداء السماوي ـ وحتى قيل (بوذا) استلهم الإشراق من شجرة بودهي ـ  وكذلك رسول الله محمد الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) في تأدية رسالته وصل إلى هذا المرحلة، وانتخب أولاً ترك الدنيا وملذاتها، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يخلو مع نفسه في ذهابه ومجيئه مشغولاً بالعبادة، وتحمل (صلى الله عليه وآله وسلم) مسؤولية كبرى بأمر الله تعالى حين خاطبه بقوله:  (اقرأ باسم ربك الذي خلق)(1) إلى آخر السورة.

نعم كانت البعثة نقطة الإشراق وبداية الرسالة والمسؤولية، وكان النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قام بتشكيل أول مجتمع إسلامي يضم نفسه وزوجته خديجة بنت خويلد (عليها السلام) وابن عمه علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحين كان حدث السن.

فكان هذا المجتمع على خلاف ما كان مألوفاً من سنة الكهنة في المجتمع الجاهلي عبدة "هبل" والاوثان الذين تعرضوا للسخرية والاستهزاء.

وهكذا شكل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مجموعة موحدة مؤلفة من ثلاثة أشخاص على مرأى ومسمع من قريش.

وقد وصف الإمام علي (عليه السلام) ذلك اليوم بقوله:

(ولم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخديجة، وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة)(2)، الخبر.

الدعوة الموفقة ودور أبي طالب(ع)

ذكر المؤرخون أسماء عدة من الصحابة في الصدر الأول، الذين دخلوا الإسلام ولبوا دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد عرفت هذه المجموعة المؤمنة والجماعة الموحدة في المجتمع المكي وكانت شاخصة للعيان.

ولما أمر الله سبحانه رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصدع بما أمر به(3) قام (صلى الله عليه وآله وسلم) بإظهار دين الله ودعا الناس إلى الإسلام على رؤوس الأشهاد وذكر آلهة قريش وعابها، فأعظمت ذلك قريش وأنكروه وأجمعوا على عداوته وخلافه وأرادوا به السوء، فقام أبو طالب (عليه السلام) بنصرته ومنعه منهم وذب عنه من عاداه وحال بينه وبين كفار قريش بأحسن صورة.

ولمحاماة أبي طالب عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقيامه دونه وامتناعه من أن يسلّمه وإيمانه به، مشى إليه رجال من أشراف قريش، منهم: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، وأبو سفيان صخر بن حرب، وأبو البختري بن هشام، والأسود ابن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأمثالهم من رؤساء قريش، فقالوا له: يا أبا طالب! إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آراءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه.

فقال لهم أبو طالب (عليه السلام) قولاً رقيقاً وردهم رداً جميلاً، ولم يرض بما أرادوا فانصرفوا عنه.

ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه، فوقع التضاغن في قلوبهم حتى أكثرت قريش ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بينها وتذامروا فيه وحض بعضهم بعضاً عليه، فمشوا إلى أبي طالب(4) مرة ثانية، فقالوا: (يا أبا طالب! إن لك سناً وشرفاً ومنزلةً فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، فإما أن تكفه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين)، ثم انصرفوا.

فعظم على أبي طالب (عليه السلام) ذلك ولم تطب نفسه بخذلان ابن أخيه، وذلك لإيمانه العميق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فبعث إليه فقال له: يابن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي: كذا وكذا.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا عم! والله، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك فيه(5).

ثم استعبر (صلى الله عليه وآله وسلم) باكياً وقام وخرج، فلما خرج ناداهأبو طالب (عليه السلام) : أقبل يابن أخي.

فأقبل (صلى الله عليه وآله وسلم) راجعاً.

فقال له:  اذهب يابن أخي! فقل ما أحببت، فوالله لا أسلّمك لشيء.. أبدا، وأنشد أبو طالب (عليه السلام)(6).

حتى أوسد في التراب دفينــا

            

والله لن يصلوا إليك بجمعهـم

وأبشر وقر بذاك  منك عيونـاً

 

فانفذ لأمرك ما عليك  مخافـة

ولقد صدقت وكنت  قبل أمينا

 

ودعوتني وزعمت أنك ناصحي

من خير أديان البرية دينـــاً

 

وعرضت ديناً قد علمت بأنـه

وهناك أدلة وشواهد كثيرة على إيمان أبي طالب، مذكورة في مظانها(7).

تحسن الوضع الاجتماعي

 في صدر الإسلام

يقول علماء النفس: إن الشباب ـ عادة ـ يميلون للتجديد وكل ما هو عصري، ويعيرون اهتماماً خاصاً للأفكار الجديدة والتقدم بالمجتمع، ويحملونها على مقتضيات الزمن.

على عكس الكبار الذين ـ عادة ـ لهم علاقة شديدة بالمحافظة على العمل والإبقاء على الآداب والتقاليد الماضية..

وهذا التفاوت في الميل قد يكون ناشئا عن بعض اختلافات الشباب مع الكبار في الأبعاد الجسمية والروحية ومحيط الأسرة والمجتمع.

وبعد نزول الوحي على قلب النبي الطاهر والمبارك (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان كثير من أتباع الدين الجديد من الشباب المتفكرين والثوريين، وكانوا يتضايقون من الأوضاع السائدة في مكة المكرمة وحضارتهم الخرافية، منتظرين قدوم مصلح ينقذهم من غياهب الجهل والظلمات، خصوصاً ان أكثر المسلمين الأوائل كانت أعمارهم أقل من الأربعين سنة وحتى أقل من الثلاثين سنة، حسب ما هو مذكور في التاريخ

وكان الكثير من الذين دخلوا الدين الجديد بنظر قريش من مطرودي المجتمع وفاقدي الواقع الاجتماعي كبعض العبيد وما أشبه.. ولكن الإسلام ألغى جميع الفوارق الا التقوى.

وبعد نزول الوحي شهد المجتمع المكي مكافحة المستثمرين مع مخالفي الاستثمار لا كما يتصور من مكافحة الفقراء والمحرومين مع الأغنياء وأصحاب الثروات بل المكافحة في المبادئ.

فأتباع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الأوائل كافحوا أنواع الانحرافات من: فكرية، واعتقادية، واقتصادية، واجتماعية، بقيادة طالب العدالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحولوا قدراً من مجتمع مكة إلى التوحيد وضعضعوا أركان الشرك، هذا في مكة المكرمة، اما في المدينة المنورة: فيأتي تفصيله.

أسباب عدم تقبل

 المجتمع المكي للإسلام

 إن الوضع الروحي والثقافي بل الاقتصادي لأهل مكة كان هو السبب الرئيسي في عدم تقبلهم الإسلام في بدء الأمر، وسنشير إلى بعض العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بذلك:

1: أشار القرآن الكريم إلى عدم قبول دعوة الحق من قبل عرب الجاهلية، بدليل وجود عامل التعصب، والروح العصبية المتحكمة فيهم، فقال عز من قائل: )إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية)(8).

وقال سبحانه ـ في موضع آخر ـ : )وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا)(9).

وقد وصف الشاعر الجاهلي هذا التعصب بقوله:

في النائبات على ما قال برهاناً

 

لا يسألون أخاهم حين يندبهم

2: في مجتمع الحجاز كان التبليغ والرواج لأي نوع من المذاهب والأديان عملا‌ً يواجه الرفض ـ عادة ـ فكانوا عبدة الأوثان، وكان هناك من الأعراب من يقول بمذهب الزنادقة والطبيعيين: (وما يهلكنا إلا الدهر)(10).

حتى أن التاريخ قد روى عن قبيلة بني حنيفة أنها كانت تصنع لها رباً من التمر، وتبقى مدة تعبد هذا الرب التمري ولكن عندما كان يصيبها القحط وكانت تشرف على الهلاك من الجوع تأكله، وفي هذا الصدد يقول الشاعر:

زمن التقحم والمجاعـة

 

أكلت حنيفة ربهــا

ومن جانب آخر كان بين المشركين من بقايا دين إبراهيم  (عليه السلام): كالنكاح، والختان، ومناسك الحج، واحترام الأشهر الحرم، وبعض الآداب الدينية، وفي مقابل هذا جاءت مجموعة من الغلاظ الجفاة الجامدين فكانوا لا يخرجون من الحرم المكي، ولا يقفون مع الناس في عرفات، ويقولون: نحن أبناء الله ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! ولنا أن لا نخرج من حرمه.

3: والعامل الاجتماعي والاقتصادي: هو خسران الرياسة والتجارة، فالكعبة أو الأوثان المتعددة بالنسبة لقريش هي رمز لوحدة العرب ووسيلة لرياستها على قبائل العرب الأخرى.

بالإضافة إلى أن مكة المكرمة كانت مركزاً تجارياً مهماً للعالم في ذلك الوقت، فقريش التي تسافر للتجارة سفرتين إلى الشام واليمن ـ رحلة الشتاء والصيف ـ جعلت من مكة مركزاً تجارياً مهماً، كما أقامت سوقاً تجارياً لكل فصول السنة، خصوصاً أيام الحج.

ولذا كانوا يتصورون انهم إذا آمنوا بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تسقط مكانة مكة الاجتماعية والتجارية.

تقبل العرب للإسلام

 أحياناً يطرح هذا السؤال: لماذا ظهر الإسلام ـ وهو أحد الأديان العالمية ـ عند العرب؟

ولماذا اختير نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين قوم بدو؟

إذا بحثنا تاريخ الأعراب قبل الإسلام بشكل عميق سنحصل على الجواب.

قال ابن خلدون: بنت الأعراب من العصبية القبلية قوة اجتماعية ووحدة متماسكة، وكانت فاقدة للقيادة والقانون فقط، فجاء الإسلام بهذين السلاحين: فالقيادة متمثلة بنفوذ وشخصية محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والقانون متمثل بوحي السماء وهو القرآن، فبلغوا بهما ـ أي القيادة والقانون ـ قمة التمدن والوحدة المنسجمة المنشودة.

وكان العرب أقواماً بعيدين عن الثقافة والتمدن، أسرى الأهواء الجاهلية، وفاقدي النظام، أما قوتها فكانت من جراء مقاومة الطبيعة، نشأت على الجوع والمشقة، وتحمل البرد والحر، وكانت على الدوام لها حروب طاحنة مع القبائل الأخرى، تدافع عن نفسها وشرفها، ولها حملات مستمرة، واستفادت من شجاعتها وتهورها، وكانت رابطة القرابة والعصبية فيما بينها قوية جداً، وكانوا بعيدين عن التجملات والانشغال بعبادة الملذات والشهوات، وكانوا أقرب إلى الفطرة، وأما بالنسبة للاعتبارات الأخلاقية: كالشجاعة، والحمية، والوفاء بالعهد والقسم، والدفاع عن المواثيق حتى مواثيقهم، والعصبية بكل محتواها وأبعادها فقد كانت هي المسيطرة والحاكمة.

لم تستبد بمدينة معتبرة، ولم تجامل أحداً ولو كان عابداً، أو شبعاناً، أو يرتدي الملابس الثمينة، وتغلب عليهم الصراحة في اللهجة يتصفون بالكرامة والشجاعة الصحراوية والبساطة.

هذه الأبعاد والخلقيات هي التي أهلتهم لقبول الرسالة العالمية لرجل مثل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقانون مثل القرآن، نعم إن العرب أسرعوا إلى قيادة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وانضموا تحت لوائه، فبرزوا إلى الوجود كأمة كبيرة تحمل رسالة عالمية وذلك ببركة الإسلام.

أسباب التغيير الاجتماعي

قال علي (عليه السلام): (فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً فعقد بملته طاعتهم، وجمع على دعوته ألفتهم، كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها، وأسالت لهم جداول نعيمها، والتفت الملة بهم في عوائد بركتها، فأصبحوا في نعمتها غرقين وعن خضرة عيشها فكهين، قد تربعت الأمور بهم في سلطان قاهر، وآوتهم الحال إلى كنف عز غالب، وتعطفت بهم الأمور عليهم في ذرى ملك، ثابت فهم حكام على العالمين، وملوك في أطراف الأرضين، يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم، ويمضون الأحكام فيمن كان يمضيها فيهم)(11) ، الخبر.

ولا شك أن السبب الرئيسي والوحيد في التغيير الاجتماعي للمجتمع الجاهلي ـ يومذاك ـ هو العامل المعنوي والثقافي والأيديولوجي، فرسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي الإسلام بإعطاء هذه الإيديولوجية الإلهية جعل من السراق الصحراويين ـ على حد تعبير  رستم القائد الإيراني ـ ، من برزوا إلى الوجود كمسلمين طاهرين، من أمثال أبي ذر الغفاري (رضوان الله تعالى عليه).

تحسن الوضع الاجتماعي للمجتمع المسلم

قد عملت الأديان السماوية دوماً على إرجاع الناس من طرق الضلال والشرك إلى سبيل التوحيد، فمن نتائج التوحيد: الحرية الكاملة والكرامة.

إن الإنسان المؤمن بوحدانية الله وقدرته وعلمه بكل شيء وأن كل الموجودات مصنوعات ومخلوقات له تعالى، هذا الإنسان سوف لن يتملق إلى أي شخص ولن تستطيع أعتى القوى واكبر الثروات أن تجعله يخضع ويتوسل ويتصاغر أمامها، وإنما يخضع ويخشع فقط في رحاب الله الواحد ويسجد في محراب عظمته ويضع جبينه على الأرض أمامه تعالى.

كما أن من نتائج التوحيد أيضاً: العدالة الواقعية العامة: ففي ظل التوحيد لا سبيل لكل أحد من المسلمين إلا أن يتبعوا القانون الإلهي القائم على أساس  الحكمة والعدل، ومن البديهي أن إتباع القانون الإلهي يوجب اتساع نطاق العدالة الأصيلة ومحو أي ظلم أو تعد على الحقوق.

في حين أن المشركين على العكس من ذلك لا يستطيعون أن يقيموا العدل الواقعي فيما بينهم، وذلك لأن كل مجموعة وقبيلة منهم اتخذت لها إلهاً متميزا عن آلهة الآخرين واعتمادا على هذا الإله فإنها تسمح لنفسها بالتعدي على حقوق الآخرين، وبهذا تزول العدالة الواقعية ويحل محلها التفرقة والتحكم الظالم وأشباههما.

والنتيجة: إن التوحيد بمعناه والواقعي يربي الإنسان الحر، الصحيح الفكر، المتوجه، المطمئن الخاطر، ولا يدع يتخبط في الدروب المعقدة للضلال والظلم والاختلاف، ومن هنا يتضح سر نداء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)(12).

فإن أنبياء الله جميعاً جاءوا يدعون البشر إلى عبادة الله وترك عبادة الطاغوت (الأصنام والظلمة)، قال تعالى:   (أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )(13).

 وقال سبحانه: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن  ولا يأتين ببهتانٍ يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم )(14).

إضافة إلى أن دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت أخذ البيعة على عبادة الله والعمل بالإسلام وترك الخرافات الجاهلية، وقد بينت الآية الكريمة(15) الموارد السيئة التي كانت من الأصول الاعتقادية والأخلاقية السائدة والتي ابتلي بها المجتمع يومذاك، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتباره مبعوث الله إلى الناس، دعاهم إلى ترك الشرك وعبادة الأوثان وإصلاح المجتمع، ومن المعلوم إن هذه الموضوعات كانت متعلقة بالجوانب الفكرية والمعنوية والأخلاقية في المجتمع، كما كانت ترتبط أيضا بالمشكلات الاقتصادية ونظائرها من بعض الوجوه.

ولادة الأمة الواحدة

جاءت الحركة الإسلامية بشكل جديد، وجعلت من المجتمعات المتفكّكة مجتمعاً وأحداً منسجماً متعاونا، وأوجدت خطاً سياسياً منيراً، و كانت هذه الحركة تحت قيادة الرسول الأعظم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن أمعن النظر في تاريخ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجد أن هذه الحركة الاجتماعية كانت ضرورة أرادها الله تعالى، وذلك بأن يبعث نبياً صادقاً أميناً يوجد أمة واحدة ومجتمعاً كبيراً منسجماً بعد أن كان متفككاً.. ويحدث تحولاً عظيماً نحو الخير والسعادة.

هذه الأمة التي تحولت من عبادة الأوثان والأصنام إلى عبادة الواحد القهار، هي التي وصفها أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في (نهج البلاغة) بقوله:

"فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل (عليهم السلام) فما أشد اعتدال الأحوال وأقرب اشتباه الأمثال تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم، ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم يجتازونهم عن ريف الآفاق وبحر العراق وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح و مهافي الريح ونكد المعاش فتركوهم عالة مساكين إخوان دَبَر ووَبَر، أذل الأمم داراً وأجدبهم قراراً، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها، ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزها، فالأحوال مضطربة، والأيدي مختلفة، والكثرة متفرقة، في بلاء أزل، وأطباق جهل، من بنات موؤودة، وأصنام معبودة، وأرحام مقطوعة، وغارات مشنونة"(16).

هجرة في طريق العقيدة

 قد يطرح هذا السؤال وهو: لماذا اختار النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هجرة أصحابه إلى الحبشة؟

وللإجابة على هذا السؤال لابد من ذكر بعض النقاط الدينية والسياسية:

1: لم يؤيد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هجرة أصحابه إلى اليمن، لأنه كان على علم من أن اليمن كانت تحت نفوذ وسيطرة الدولة الساسانية، إضافة إلى عدم الاستقرار والأمن السياسي فيها، وتأثيرات عبدة الأوثان والزردشتيين فيها من خلال نفوذ السلطة الساسانية.

2: وهذه الموارد في اليمن تصدق على العراق أيضاً.

3: وأما بالنسبة إلى الشام فبالإضافة إلى الاضطراب السياسي فيها، كانت لها روابط تجارية مع قريش، ويمكن للحكام والمتنفذين وبأسرع وقت أن يثوروا على المسلمين ويلقوا عليهم القبض ثم يعذبونهم أو يقتلونهم.

4: ومن الطبيعي أن يكون الانتخاب الصحيح هو الحبشة، لأن الحبشة في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان الأمن فيها ثابتاً، والاستقرار السياسي موجوداً، وكان ملكها (النجاشي) ذا حكمة ومتانة وثبات رأي وشهرة، إضافة إلى قرب الحبشة من مكة المكرمة، ولم يفصلها عنها إلا بعض البحار، ويستطيع المسلمون من الهجرة إليها أو الرجوع منها على وجه السرعة، بالاضافة إلى أن الحبشة كانت مسيحية والمسلمون يحترمون دين المسيح (عليه السلام)، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مطمئناً بأن أصحابه وأتباعه يمكنهم من المهاجرة إلى بلاد الحبشة بكل هدوء وراحة، بدون تعرض لمشقة أو أذى، ومنها كان الانتخاب الصحيح: الحبشة، فأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بهجرة أصحابه الى الحبشة..

سفير الرسول(ص) الى النجاشي

المهاجرون إلى الحبشة بقيادة جعفر بن أبي طالب (عليهما السلام) تذاكروا مع النجاشي ملك الحبشة، وكان الملك شخصية مرموقة وحاكماً عادلاً.

فتكلم جعفر (عليه السلام) وقال له: أيها الملك! كنا أهل جاهلية لا نعرف اللهولا رسله، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام،     ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، وكنا على ذلك حتى بعث الله رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام وكل ما يعرف من الأخلاق الحسنة، ونهانا عن الزنا والفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وكل ما يعرف من السيئات. تلا شيئاً يتلى لا يشبهه شيء..

فصدقناه وآمنا به، وعرفنا أن ما جاء به هو الحق من عند الله، فعبدنا الله وحده لا شريك له، وحرمنا ما حرم الله علينا، وأحللنا ما أحل لنا، ففارقنا عند ذلك قومنا، فآذونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان وأن نستحل ما   كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا، وبلغنا ما نكره ولم نقدر على الامتناع، أمرنا نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) أن نخرج إلى بلادك اختيارا لك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.

فقال لهم النجاشي: هل معكم مما جاءكم به عن الله تعالى شيء؟

فقال له جعفر (عليه السلام): نعم.

قال: فاقرأ عليّ؟

فقرأ عليه صدراً من (كهيعص)(17).

فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى اخضلت لحاهم ومصاحفهم، ثم قال: والله، إن هذا الكلام هو الكلام الذي جاء به عيسى (عليه السلام) ليخرجان من مشكاة واحدة.

وهكذا باءت خطة قريش بالفشل، وبقي المهاجرون في الحبشة حيث الطمأنينة وحسن الجوار والسمعة الطيبة للإسلام العظيم، بسبب روح الالتزام الخلقي الذي أبداه المهاجرون في وطن الهجرة.

 الهجرة المباركة الى المدينة

حينما هاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة المكرمة قاصداً المدينة المنورة، كان اليثربيون يترقبون لقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بكل شوق ولهفة ويعدون اللحظات لذلك اللقاء.

فلما أبلغهم أحد اليهود والذي شاهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): بخبر قدوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، استبشروا بذلك كثيرا وفرحوا شديدا واجتمعوا فرساناً ورجالة مبتهجين بقدوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقاموا بإنشاد الأشعار، واحتفى به الفتيان والشبان معبرين عن فرحتهم بقدوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، واخذوا يهتفون:

 

وجــــب الـــشكر علينا  ما دعـا لله داع

 

طلـــع البدر عــلينا من ثنيات الـوداع

جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع‎

 

أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع

بيان فتح مكة

وفي فتح مكة المكرمة أعلن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) بيانا للنهضة الإسلامية الذي نص على ترك جميع الروابط الاجتماعية والاقتصادية الباطلة التي لا يقر بها الإسلام.

كما أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعفو العام حتى عن أكبر المجرمين، وأمر بالحرية بكل أشكالها، والمساواة، والأخوة الإسلامية، فأرسى بذلك قواعد النظام التوحيدي الإسلامي في أرض الوحي(18).

 

1 ـ سورة العلق: 1.

2 - بحار الأنوار: ج18 ص223 باب1 ح61.

3 - قال تعالى : (فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين)، سورة الحجر: 94.

4 - راجع بحار الأنوار: ج35 ص86 باب3 ح31.

5 - راجع تفسير القمي: ج2 ص288 تفسير سورة ص، وفيه: (فقال لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما أردته ولكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب وتدين لهم بها العجم ويكونون ملوكا في الجنة).

6 - راجع سعد السعود: ص133، وفيه:

واللـــــه لن يصلوا  إليك  بجمعهـم            حتى أوسد في التراب دفينـا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة            وابشر بذاك وقر منه عيونـا

ودعوتني وزعمت أنك  ناصـح                 ولقد صـــدقت وكنت ثم  أمينا

وعرضـــــت دينا لا محالة أنـــه         من خير أديـــــــان البرية دينــا

7 - راجع العمدة: ص415 فصل ما جاء في أبي طالب(عليه السلام). وبحار الأنوار ج35 ص146 ب3

8 - سورة الفتح: 26.

9 - سورة المائدة: 104.

10 - سورة الجاثية: 24.

11 - بحار الأنوار: ج14 ص471 باب31 ح37.

12 - المناقب: ج1 ص56 فصل فيما لاقى (صلى الله عليه وآله وسلم) من الكفار في رسالته.

13 - سورة النحل: 36.

14 - سورة الممتحنة: 12.

15 - سورة الممتحنة: 12.

16 - نهج البلاغة: الخطبة 192/ المقطع 93-97.

17 - سورة مريم: 1.

18 - راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) ج2 للإمام المؤلف (دام ظله).