الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

تأسيس دولة المدينة

قام النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة بتأسيس حكومة دنيوية ودينية في نفس الوقت مما اضطره لتخصيص قسم من وقته الشريف لأجل تنظيم الأمور الاجتماعية والأخلاقية والمناسبات السياسية القبلية والشؤون الحربية حتّى لا تنفصل الأعمال الدينية عن الأمور الدنيوية، كما كان سائداً في دين اليهود والنصارى من انفصال الدين عن السياسة، فإن رجال دينهم كانوا مشغولين بالكنسية ـ أي المسائل الدينية فقط ـ ولا علاقة لهم بالحياة الدنيوية، وكانت مقولتهم: (دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر).

إن للدين المسيحي طبيعته ومبادئه الخاصة بالأمور الأخلاقية فحسب، ولرجال الكنيسة سلوكهم ومفاهيمهم التي لا تشتمل على أمور الحياة، أما النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد فهم الدين فهماً شاملاً متكاملاً، وكونه أصولاً وأحكاماً موحاة إليه، وكونه نسيجاً واحداً يضم الأخلاق الخاصة والعامة، ويتناول حياة الفرد وحياة الأمة، وينسّق العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويرسي أسس السلوك الفردي والجماعي ويبين أحكام الحرب والسلم، ويدير شؤون الزواج والطلاق، والجريمة والعقاب، وحتى آداب السلوك الإنساني فيما يتعلق بالطعام والشراب، والنوم واليقظة، والصدق والكذب، وله نظريته الخاصة في المال العام وميزانية الدولة، والمال الخاص المملوك للأفراد، ومعاملة الزوجة والأبناء والخدم، وعلاقات الدولة الإسلامية بجيرانها من الدول على مختلف نظمها وأشكالها ولغاتها وأجناسها.

ولذا قيل: كان محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قيصراً وكان مسيحاً (عليه السلام) في وقت وأحد ـ إن صح هذا التعبير ـ والمقصود منه أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدير أمر الدنيا والآخرة معا.

وهناك شاهدان من التاريخ من أن الدين والمذهب ليس فقط يؤثر تأثيراً في المجتمع والحياة، بل نراه بشكل واقعي واضح للعيان يأتي بالقدرة ويشكل الحكومة العادلة ومثل هذه الحكومة هي عين الديانة، بل تعتبر أصل الحياة، تلك الحكومة التي يقل نظيرها في تاريخ البشرية، فكانت تدير المجتمع  بقوانين السماء العادلة وبأصول ديمقراطية صحيحة.

فقد كتب المفكر (نهرو) رئيس وزراء الهند في كتابه (نظرة في تاريخ العالم) عن الحكومة العادلة لنبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة قائلاً:

"نادى الإسلام بالأخوة والمساواة لكل الذين أسلموا، فأوجد نظاماً ديمقراطياً للناس، وهذا الشعار الأخوي الإسلامي لو قايسناه بالمسيحية الفاسدة في ذلك الزمان، ليس فقط للعرب بل لأناس كثيرين من دول أخرى يدخل عليهم المسلمون، نجده يشدهم إليه ويجذبهم إليه جذباً".

فقد سن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) الآداب الاجتماعية والتعاليم الدينية والحقوقية والمساواة وتحكيم الروابط الأخوية والقوانين العادلة وحقوق الحاكم والمحكوم وروابط الدولة والأمة والسنن والأنظمة الحياتية والاقتصادية بإلهام من الوحي والقرآن، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) أول من وضع أسس التمدن الحضاري التي لم يقتصر أثرها على المسلمين الذي بلغوا مراتب التهذيب والكمال المعنوي فحسب، بل شملت أسس المجتمع الحر والديمقراطي إلى هذا اليوم.

وليس كما يتصور البعض بأن التمدن الإسلامي قد حصل أيام حكومة بني أمية وبني العباس، بل يرد هذا التصور الخاطئ بسببين، هما:

1: إن مؤسس التمدن الإسلامي هو نبي الإسلام ( صلى الله عليه وآله وسلم) الواضع لأسسه والمشيد لأركانه.

2: إن بني أمية وبني العباس قد حرّفوا التمدن الإسلامي وأخرجوه عن محتواه وإطاره الذي كان في صدر الإسلام وفي أيام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

3: ما ظهر من التقدم في زمانهم كان ببركة التعاليم الاسلامية وما سنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والفضل لا يعود الا الى الاسلام.  

لماذا أقدم النبي (ص) على التشكيلة السياسية للدولة

وهنا من الممكن أن تطرح بعض الأسئلة الأساسية في تبيين الإسلام وتكوين دولة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، منها:

1: لماذا أقدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على السياسة؟

2: لماذا انتصر الإسلام في المدينة المنورة دون مكة المكرمة؟

3: ما هي موانع تقدم الإسلام في مكة المكرمة في ابتداء البعثة.

وقبل الإجابة على هذه الأسئلة يتبادر إلى الذهن سؤال آخر ينبغي الابتداء به والإجابة عليه، وهو: انه هل كان في ذهن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بدء الدعوة هذا الطرح الحكومي النظري؟ أو أن الإسلام هو دين التبليغ للتوحيد والوعد بالآخرة فقط.

إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبعث كبعض الأنبياء (عليهم السلام) يبلغون التوحيد الإلهي والبشارة بالآخرة فقط، بل بعثته كانت أشمل ودينه كان خاتما للأديان فلم تكن الحكومة ، هي كل شيء في نظره (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن كان دينه دنيا وآخرة وكان لازماً لرسالته أن يشكل مثل هذه الحكومة المباركة التي أسسها في المدينة المنورة وأن يطرح مثل هذا البرنامج المثالي للعالم بأجمعه، وهناك شواهد لإثبات هذا المطلب، منها:

1: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا(1)، وتملكوا به العرب، وتذل لكم العجم، وإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة).

2: نقل ابن إسحاق، عن الزهري قال: فحينما أسلم بنو عامر على يديه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له أحدهم: أرايت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء(2).

فالإسلام من بدء الأمر كان يهتم بمسألة الحكومة والتشكيلات الاجتماعية وكانت هذه موجودة في برنامج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك لأن الإسلام دين للدنيا والآخرة ـ كما سبق ـ قال تعالى:   (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)(3)، وقد وعد (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك بقوله: (لو أسلم العرب ملكوا الدنيا)(4).

ونبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) كما كان مصلحاً اجتماعيا‌ فقد كان نبياً، ومن أهدافه أن يبعد الحرج والمشقة والعسر عن المجتمع، فيعطيهم الحريات الإسلامية الكثيرة ويحل لهم الطيبات، وينهى عن المنكرات والخبائث، ويحقق العدل الاجتماعي، ويزيل التمايز العدواني، ويمحيه من الوجود.. قال تعالى في وصفه (صلى الله عليه وآله وسلم): (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(5).

سبب تقدم الإسلام في المدينة

في المدينة المنورة كان الناس يدافعون عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانت لهم معرفة بالمفاهيم الأساسية للإسلام ويؤمنون به:

كاعتقادهم بأن الله سبحانه خالق الكون، وإله العالم، وهو الحاكم يوم القيامة، وأن محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) هو نبي الله وخاتم المرسلين ويحمل الرسالة الإلهية إلى العالم بأجمعه و...

وذلك لإن اقتباس وأخذ المعارف والثقافات لمجتمع من مجتمع آخر يستلزم دائماً وجود الشرائط الاجتماعية التي تعتبر هذا الأمر إيجابياً، فيمكن أن يتلاءم وينسجم من هذا الوجه، ومن الممكن في الثقافتين من وجهة نظر الموقع الجغرافي أن تؤثر إحداهما على الأخرى لتماسهما وقربهما من الأخرى، فالمعارف العالية والثقافة الجيدة وخاصة التعاليم الإسلامية التي كانت مطابقة لفطرة الإنسان، لها تأثيراتها المباشرة في الثقافة المنحطة، وهكذا أثرت ثقافة الإسلام في ثقافة أهل المدينة.

كان (سويد بن صائب) من كبار يثرب، وكان يسمى بـ(الكامل) لذكائه وشرفه ونسبه، قيل: إنه قبل أن يلتقي بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء مع المدنيين إلى مكة لأداء الحج، وبعد أن فرغ من أعمال الحج، رآه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعاه إلى الله والإسلام.

فقال سويد: الشيء الذي عندك مثل الذي عندي.

فقال النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): وما هو الشيء الذي عندك؟

فقال سويد: حكمة لقمان.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أرني إياها.

فعرض سويد على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يعرفه من حكم لقمان.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا الكلام لطيف، ولكن أجمل منه ما هو عندي، إنه القرآن الذي أنزله الله علي، وفيه النور والهداية.

ثم قرأ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعض الآيات من القرآن الكريم لسويد بن صائب، ودعاه إلى الإسلام.

وما أن سمع سويد ذلك حتى نفذ إلى قلبه وقال: هذا شيء حسن، وأخذ يفكر، ثم أسلم.

 وهكذا أخذ الإسلام يغزو القلوب، بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالسيف والقهر.

سكان المدينة الأصليين

كانت تعيش في (يثرب) مجموعتان من الناس، هما: العرب وبعض اليهود، ولكل منهما روابط مختلفة حسب العصور المختلفة كأيام الحرب وأيام الصلح.. وكانت روابط هذه الطوائف مع بعضها وتحولاتهم الاجتماعية والسياسية بفعل انتصار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أدت إلى انتقال المسلمين المؤمنين من مكة المكرمة  إلى المدينة المنورة، وكانت خطوة مهمة جداً في تاريخ المدينة.

هجرة بعض اليهود إلى المدينة

لم يحدّث التاريخ على وجه التحديد كيف هاجر بعض اليهود إلى المدينة وفي أي زمان؟

فقيل: إن هجرة بعض اليهود إلى المدينة كانت سنة (139م) وهي السنة التي اندحر فيها ملك الروم.

والظاهر إن كثيرا من اليهود كانوا يعرفون بأن خاتم الأنبياء سيأتي إلى المدينة ويقطن فيها، فجاؤوا وسكنوا في المدينة ليؤمنوا به، ولكنهم عندما عرفوه لم يؤمنوا به، نعم آمن منهم الكثير. وعلى أي حال فهؤلاء اليهود اتخذوا من المدينة مسكنا لهم، واشتغلوا بالزراعة وغرس الأشجار في القصبات، وكان عملهم الدائمي هو التجارة وأكل الربا.

تاريخ قبيلتي الأوس والخزرج

كما لم يعلم بالضبط متى وكيف دخلت قبيلتا (الأوس) و(الخزرج) وهما قبيلتان عربيتان من عرب اليمن القحطانية (يثرب).

لكن قيل: إن مجيئهم إلى المدينة كان بعد انهدام سد مأرب وخراب اليمن، فقطعوا مراحل من الجنوب حتى وصلوا الشمال ويثرب، وسكنوها لطيب هوائها وعذوبة مائها وكثرة الماء في نقاطها المختلفة، كما أن البعض الآخر من عرب القحطانية أوجدوا دولاً أخرى كالغسانيين في الشام، وآل منذر في العراق، ودولة كندة في نجد.

كانت يثرب وتهامة تدفع ضرائبها إلى المرزبان الممثل السياسي للدولة الإيرانية، ولكن اليهود امتنعت من تسليم الضرائب للمرزبان، ولم تكتف بهذا فقط، بل أخذت تضغط على العرب وذهبت إلى استلام الضرائب المالية من عرب يثرب، وقد وصف الحالة بعض شعراء الأنصار، بقوله:

إلى رهطي قريظة والنضير

 

لا دنيا خراجاً بعد كسرى

واستمر الوضع على هذه الحالة إلى أن تكررت الهجرة من الأعراب إلى يثرب فازداد عدد نفوسها، ونشئوا البساتين وأثبتوا واقعهم، ولكن اليهود كانت لهم طلبات زائدة وكانوا يضيقون على جيرانهم.. ومع وجود المواثيق والعهود بين العرب واليهود لكن اليهود كانوا يبدؤون بالحرب ويشتعلون نار الفتنة دائما.

إلا أن الأعراب وبإشارة من قائدهم ـ مالك بن عجلان الخزرجي ـ تمكنوا من إقامة روابط مع ملوك الغسانيين في الشام، وطلب المساعدة لمواجهة العدو، واستطاع مالك أن يجعل من قبيلتي الأوس والخزرج قوة عظيمة في مقابل اليهود، كي يمنعوهم من التعدي على الآخرين.

هذا وعندما أسلم العرب وصاروا قوة عظيمة جدا وذلك ببركة الإسلام لم يبق لليهود قوة في المدينة.. فإن كثيرا منهم اسلموا وصاروا من ضمن المسلمين وبقي بعضهم على دينهم وكانوا يحاربون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعملون ضد المسلمين.. حتى انه كانت هناك جماعة في الأوس من المنافقين قد تحالفوا مع اليهود، وأخذوا يعملون ضد المسلمين، لذا وصفهم الله تعالى في كتابه الكريم، بقوله: )ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم )(6).

ومن الحوادث التي وقعت قبل الإسلام، الحروب الطاحنة في الجاهلية التي أدت إلى سفك الدماء، والخراب والدمار، وتعرف تلك الحروب، بأيام العرب كما جاء في تاريخ العصر الجاهلي.

فاستمرت الحرب بين الأوس والخزرج (120) عاماً، وأشار اليعقوبي وغيره من المؤرخين إلى أهم أيام الحرب بين القبيلتين حسب الترتيب:

1: يوم صفية.

2: يوم سرارة.

3: يوم بني خطمة.

4: يوم بعاث.

5: يوم فجار.

التحولات الأساسية في مجتمع المدينة

لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نبياً مصلحاً فحسب، بل كان قائداً اجتماعياً وزعيماً سياسياً، فإلى جنب تبليغ رسالته، كان عليه حل المشكلات، وقد رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرورة التحول الاجتماعي في المدينة المنورة فقام بحل المسائل التالية:

1: تعيين حقوق ووظائف شخص الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك تعيين حقوق ووظائف الساكنين المحليين.

2: تنظيم السكن للمهاجرين المكيين.

3: التفاهم مع غير المسلمين الساكنين في المدينة، وبالأخص منهم اليهود.

4: تأمين الغرامات نتيجة الخسائر في الأرواح والأموال للمهاجرين التي تسببها قريش مكة.

كما قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعض الأعمال الأساسية، منها:

1: تغيير اسم يثرب.

لقد صمم نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) بتغيير اسم يثرب، ويعتبر هذا الإقدام ضرورة عقلية اجتماعية، فاسم "يثرب"  يعني محل المرض، أما الاسم الجديد الذي انتخب (صلى الله عليه وآله وسلم) لها فهو "طيبة"  وتعنى: الطهارة.

وبعد نزول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها سميت بـ "مدينة الرسول".

وقد ألقى الاسم الجميل "طيبة" أثرا كبيرا في نفوس اتباعه وأصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم).

2: بناء مسجد المدينة.

ارتأى  النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن بناء مسجد في المدينة يؤدي إلى انسجام المسلمين ووحدتهم، فشرع في ذلك.

وقد اشترك في بناء هذا المسجد جميع المسلمين، حتى رسول الله بنفسه المباركة، وكان الناس ينقلون في بناء المسجد النبوي لبنة لبنة، وعمار بن ياسر (رضوان الله عليه) ينقل لبنتين لبنتين فغشي عليه، فأتاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجعل يمسح التراب عن وجهه، ويقول: ويحك يابن سمية، الناس ينقلون لبنة لبنة وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة في الآخرة.

وعن حبيب بن ثابت قال: لما بنى المسجد جعل عمار (رضوان الله عليه) يحمل حجرين حجرين، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا أبا اليقظان! إني احب أن اعمل في هذا المسجد، ثم مسح (صلى الله عليه وآله وسلم) ظهره، قال: قال (صلى الله عليه وآله وسلم) انك من أهل الجنة تقتلك الفئة الباغية، ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، وتلك دار الأشقياء والفجار.

3: إيجاد الأخوة الإسلامية.

أوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا النظام الأخوي في المجتمع المدني والمهاجر من مكة، بأمر من الله تعالى، وذلك لبناء أفضل مجتمع عرفه البشر ولإبعاد الغربة والوحشة عنهم سيما وانهم تركوا الأهل والوطن، وبإيجاد روح الأخوة الإسلامية نتج الإنس والألفة والتفاهم والتعاون فيما بينهم.

ذكر المؤرخون أنه: أوجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) روح الأخوة الإسلامية مرتين، مرة بين المهاجرين، ومرة بين المهاجرين والأنصار.

هذا وفي كل مرة جعل عليا (عليه السلام) أخا لنفسه دون غيره(7).

يقول مؤلف: كتاب (محمد النبي يجب أن يعرف من جديد)(8):

الانقلاب الذي أحدثه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك الوقت في الجزيرة العربية مع ملاحظة العادات والتقاليد العربية والنفوذ الكثير لرؤساء القبائل، يكون قد شكل وحدة اجتماعية متماسكة من كل قبيلة وهذا الانقلاب الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يفوق الانقلاب الفرنسي حيث أن الانقلاب الفرنسي لم يتمكن من إيجاد المساواة بين الفرنسيين، كما أوجدها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين، فقد أزاح عن الوجود التمايز العائلي والطبقي والمادي.

وبهذه الطريقة استطاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحل أكبر مشكلة اجتماعية واقتصادية في مجتمعه.

أما فيما يتعلق ببعض المسلمين الفقراء جدا والذين يفتقرون لكل شيء فقد أسكنهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في (صفة) المسجد وطلب من المسلمين أن يطعموهم، وقيل انه كان من هؤلاء: أبوذر الغفاري.. وأبو هريرة.. وقد ذكر بعضهم أن عددهم و صل إلى أربعمائة شخص.  

تكوين الأمة

  كانت القبيلة أو القبائل التي تقوم بحماية الفرد أو الأسرة تطلق عليه اسم الحليف، وكان في مقابل ذلك يجب على الفرد أو الأسرة الولاء المطلق لهذه القبيلة في كل شيء صحيح أو باطل.

فكانت بعض مبادئ الجاهلية القائمة على التفوق السلالي والعصبيات القومية والقبلية تتناقض مع المبدأ الإسلامي الذي ألغى جميع هذه الامتيازات وحاربها فيما حاربه من نُظُم وأفكار ومعتقدات لم تكن لخير الإنسانية، وقد جاءت الشرائع السماوية من أجل عزتها وكرامتها وسعادتها وحمايتها من جور الحاكمين وجشع المتسلطين.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أكثر مواقفه يؤكد على إلغاء الفوارق والامتيازات التي تصنف الناس إلى فئات وطبقات وشريف ووضيع داعياً إلى وحدة إسلامية عروتها الوثقى الإيمان بالله،والعمل بما جاء به من عنده، وكان آخر تلك المواقف التي كان يقفها من اجل تلك الوحدة لاجتثاث تلك النزعة الجاهلية من نفوس المسلمين: موقفه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع بين عشرات الألوف من مختلف أنحاء شبه الجزيرة ، حيث قال في خطبته: (أيها الناس! إن ربكم واحد وأباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله اتقاكم ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى)(9).

أدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العناصر الأخلاقية في السياسة، فالسياسة في الإسلام أنزه سياسة عرفها البشر، فالله سبحانه منشأ القدرة،وبعده القانون وعرف نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) به، فالأحكام التي يبلغها للناس عليه أن يلتزم بها قبلهم ويكون مساويا لهم.

فواقع الهجرة والمجموعة المهاجرة لا تعني تغيير المكان البسيط من مكة إلى المدينة أو أي مكان آخر، بل إن المفهوم الدقيق للهجرة والمهاجرين هي قطع العلاقات والروابط القومية والقبلية ، ونبذ نظام الشرك والانتماء إلى مجتمع التوحيد والإسلام المبني على أساس التقوى والعدالة.  

الآيات المتعلقة بالأمة

وقد وردت في القرآن الكريم آيات تشتمل على هذه اللفظة (الأمة) نذكر بعضها، وهي تدل على أهمية موضوع (الأمة) في الإسلام:

1: قال تعالى : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)(10).

2: وقال عزوجل: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف…)(11).

3: وقال سبحانه: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)(12).

4: وقال سبحانه: (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون ايات الله اناء الّيل وهم يسجدون)(13). ‎

5: وقال عزوجل: (ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم)(14).

الأدوار في المجتمع الإسلامي للمدينة

قال عز من قائل: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون، والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)(15).

وهذه الآية ذكرت ثلاث مجموعات هي: (المهاجرين) و(الأنصار) و(التابعين بإحسان) ولكل منهم دور في تشكيل المجتمع الإسلامي المعبر عنه بـ(الأمة الإسلامية الواحدة).  

 

1 ـ المناقب: ج1 ص56.

2 ـ  راجع الطرائف: ص395، وفيه: (فقال ليس ذلك إليَّ إنما إلى الله عز وجل يجعله حيث يشاء).

3 ـ  سورة البقرة: 201.

4 ـ  راجع تفسير القمي: ج2 ص288 تفسير سورة ص، وفيه: (فقال لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما أردته ولكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب وتدين لهم بها العجم ويكونون ملوكا في الجنة).

5 ـ  سورة الأعراف: 157.

6 ـ  سورة الحشر: 11.

7 ـ  الأمالي للشيخ الصدوق: ص61 المجلس14 ح11.

8 ـ  وهو: كونستان كوركيو.

9 ـ  تحف العقول: ص34، خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع.

10 ـ  سورة البقرة: 143.

11 ـ  سورة آل عمران : 110.

12 ـ  سورة الأنبياء : 92

13 ـ  سورة آل عمران : 113.

14 ـ  سورة الحج: 34.

15 ـ  سورة الحشر: 8-10.