الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

بيعة العقبة

وفي السنة الحادية عشرة من البعثة النبوية الشريفة جاء جمع من أهل يثرب والذين سموا فيما بعد بـ(الأنصار) إلى مكة المكرمة لأداء مراسم الحج، فالتقوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ـ عقبة منى ـ فهداهم الله إلى الإسلام والتوحيد، فبايعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من صميم قلوبهم وعاهدوه أن يكونوا تبعاً له ولا يخالفون له أمراً..

فأرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم (مصعب بن عمير) ليقرأ لهم القرآن ويعلمهم مبادئ الإسلام..

فأخبر مصعب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة: بأن أرض يثرب مناسبة للعيش فيها ولنشر الدعوة الإسلامية منها، وكل يوم يزداد عدد الذين يدخلون في الإسلام طوعا، من دون ضغوط أو تعذيب يواجهونه من المخالفين.

فاستبشر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سيما وأن اليثربيين قد واعدوه: لو أن الله تعالى وحدهم بسببه فسيكون عزيز الجانب.  

معاهدة العقبة الثانية

وفي السنة التي بعدها، أي السنة الثانية عشرة من البعثة المباركة، وهي سنة (622م) زاد عدد الزوار اليثربيين، وكان من بينهم (75) من المسلمين: (73) من الرجال و(2) من النساء، ودعوا رسول الله ان يهاجر اليهم.

فوجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة أرضاً صالحة لإبلاغ دعوته السماوية، فعقد معاهدة مع اليثربيين على أن يكون المسلمون في أمان دون أن يلحقهم أذى المشركين واضطهادهم إن لجئوا إليهم.

فأخذ (البرآء بن معرور) يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: والذي بعثك بالحق لندافعن عنك كما ندافع عن أنفسنا وأهلنا، يا رسول الله! فنحن رجال حرب مجربون، وهذا سلاحنا الذي بأيدينا قد ورثناه من آبائنا جيلاً بعد جيل.

ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): انتخبوا منكم اثني عشر رجلا لينظروا في مشاكلكم، ورأيهم يكون حجة لكم.

فحضر ممثلو الأنصار وكان تسعة منهم من خزرج وثلاثة من الأوس عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأسماؤهم مسجلة في التاريخ.. فكانت بيعة العقبة الثانية.  

إحكام الدولة الإسلامية وسياستها الداخلية

فانه بعد أن ساعدت أرضية العمل، تمكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأسرع وقت، أن يجعل من المدينة قاعدة اجتماعية نظامية ومذهبية محكمة، وكان المقصود من ذلك استمرار نظام سياسي قوي قائم على أساس الإسلام في شبه الجزيرة، ثم إلى العالم.

ومن هذا المنطلق كانت المدينة المنورة قوة معنوية وسياسية لجزيرة العرب سطع منها نفوذ الإسلام ليشع نوره إلى العالم الخارجي.

رجل السياسة والحرب

لم يكن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) نبياً ومصلحاً اجتماعياً وداعياً الناس إلى الاعتقاد برسالته فحسب، بل كان في نفس الوقت رجلاً سياسياً وعسكرياً أيضاً، وبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)القمة في التفكير السياسي والاجتماعي والإداري..

ودعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كسائر دعوات التوحيد والمصلحين الاجتماعيين نفذت إلى القلوب، بل كانت اقوى من جميعها، ولم يكن (صلى الله عليه وآله وسلم) قد استقل قدرته وجرد سيفه ليستفيد به، بل كان همه الوحيد تحرير عقل الإنسان وكسر الأصنام والأوثان التي يتقرب إليها ويعتقد بها كإله، كما وصفه القرآن الحكيم: ) ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(1).

ولم يكن المسلمون في ابتداء الدعوة الإسلامية قد حاربوا وجردوا سيوفهم حتى في الدفاع عن الإسلام، بل كانوا يتحملون مختلف أساليب التعذيب والاعتداءات عليهم، وليس لهم إلا الصبر على ذلك، فمنهم: من هاجر إلى الحبشة، ومنهم: من كان يتحمل عذاب قريش، ولما تجاوز المشركون حدودهم، أمر الله سبحانه المسلمين أن يجاهدوهم ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) (2)، مع العلم أن حروب المسلمين كلها كانت دفاعية.

وكل الحروب الدفاعية سواء كانت مع قريش أو اليهود أو الروم كانت لأجل رد الاعتداء حتى أن في غزوة تبوك بعد أن تيقن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من رجوع الروم، أمر جنود المسلمين بالرجوع إلى المدينة على الرغم من تحمل الأذى والمصارف الكثيرة.

وخاطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) زعماء القبائل والملوك والأمراء وأصحاب النفوذ، وأرسل مبعوثيه إليهم يدعوهم إلى الدخول في الإسلام وقبول دعوته، فلم يستجب أحد منهم لندائه إلا ما كان من النجاشي، وقد ثبت بالتجربة ان الذين امتنعوا من قبول الدعوة الإسلامية هم المستبدين من أصحاب النفوذ والقدرة والسلطة، وليس أصحاب الفكر، فحرب القوة بالقوة هي غير حرب الفكر بالقوة، وهذان ليس بينهما ارتباط.

فالدولة التي قام مخالفوها ضدها بحمل السلاح أو ما أشبه كان عليها الدفاع، وهذا القانون هو حكم العقل و صرح به القرآن الشريف: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين)  (3) وهذا القانون هو نفس دستور القرآن في مكان آخر: ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) (4).

وفي كلتا الحالتين، يكون حمل السلاح للدفاع طريقاً لا مفر منه إذا تعذرت المحاولات، وفشلت السبل، في إنهاء الظلم والتعدي.

فالاسلام دين سياسي أيضاً ويدعو كافة الامم الى ندائه الرباني، بخلاف اليهودية أو الدين الإسرائيلي كما يظهر من اسمه فانه ينحصر في التعصب القومي لبني إسرائيل لإقامة الدولة، وتغلب على بني إسرائيل التنفر الشديد من دخول أبناء الأمم الأخرى غير الإسرائيليين في المجتمع اليهودي.

وكذلك بالنسبة للمسيحية فهي دين أخلاقي فقط كما هو ثابت عند المسيحيين وأنها لا تتدخل في المسائل الاجتماعية والسياسية والمعاملات، فالمسيحية ظهرت على أرض فلسطين، وبرزت إلى الوجود في وقت كان فيه الاستعمار الروماني مقتدراً، ولم تكن للمسيحية من القوة لمقاومة الدولة الظالمة بالطرق العادية، ولذا قيل إن المسيح (عليه السلام) كان لا يتدخل في شؤون الحكومة الدنيوية، بل كان يؤكد على أن ملكوت الله في السماء، واللازم  على المسيحية أن يطلبوها فقط، كما قالوا: (ما لله لله وما للقيصر لقيصر) هكذا يقول المسيحيون.

أما الإسلام فقد ظهر وبرز إلى الوجود في أرض استاء منه وغضب عليه حتى الدول المجاورة واعتبروه تصرفاً في حقهم، مع أن ظهور الإسلام وبعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت لإصلاح الحياة وإقامة الروابط الاقتصادية العادلة واستقرار الأمن والنظام، ولو لم يكن ذلك لما استطاع أن ينفذ إليهم ويحكم فيهم، خصوصاً مع وجود النظام الجاهلي للعرب، ومجاورة دولتين عظيمتين لشبه الجزيرة: كإيران والروم.

فلم تكن سلطة الإسلام في كل الدول سلطة جائرة (طاغوتية)، ولم يكن مانع لانتشاره بل كان دينا يطابق الفطرة.. ومثله كالنور في الظلام، فقد أضاء القلوب.

هكذا كانت سياسة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في صدر الإسلام، وكذلك في انتشاره في العالم، فكان نفوذ الإسلام في جنوب شرقي آسيا ودولة الهند بشكل طبيعي ـ باعتراف جميع المؤرخين من مسلمين وغير مسلمين ـ فلم ينفذ إلى تلك البقعة الواسعة بحد السيوف أو بسلاح آخر.

وقد كتب نهرو في كتاب "نظرة في تاريخ العالم" يقول:

كان للعرب المسلمين في الهند ذهاب وإياب، فقد بنوا المساجد، وأحياناً يبلّغون لمذهبهم عن طريق الوعظ، وحتى في بعض الأوقات يدخل غيرهم في معتقدهم ومذهبهم، كما لا يخفى، ولم تحصل أي مخالفة لهذا الدين الجديد قطعاً، ولم يكن ثمة تصادم ونزاع بين دين الهند والإسلام في ذلك الزمان، وهذه النقطة جديرة بالاهتمام والذكر، وبعدها حصل التنازع وعدم الارتياح بين المذهبين.

وقد ذكرنا في كتاب (كيف انتشر الإسلام): إن الإسلام دخل غالب البلاد بالتبليغ لا بالسيف.

فكان نفوذ الإسلام في شرق آسيا سلمياً، وكان عن طريق التبليغ من قبل تجار المسلمين ومن أشبه، حيث أوجدوا المساجد، والمراكز التعليمية، والمدارس وما أشبه.

وقد جاء في تاريخ إندونيسيا:

أنه قدم تجار المسلمين إلى إندونيسيا في القرن الثالث عشر الميلادي من كجرات وفارس، وعقدوا روابط تجارية بين الهند وفارس وإندونيسيا، ومن طريق الروابط التجارية بدأ مذهب الإسلام ينفذ وينتشر بين المجتمع الإندونيسي خصوصاً في سواحل جاوة، مثل: دماك.

وفي المراحل التي بعدها توسع نفوذ المسلمين حتى رغب ملوك الهند وإندونيسيا وغيرها في قبول دين الإسلام، وأول من اعتنق الإسلام سلطان دماك، فدعا إلى الإسلام في شرق وغرب إندونيسيا وجزائر جاوة، ونفذ الإسلام في شرق إندونيسيا حتى الساحل الشمالي لجاوة، بل شمل حدود كري سيك، وتقدم الإسلام في غرب منطقة تامركز كايربن وبنتن، وبعدها اجتاح سائر الجزائر الإندونيسية حتى أصبحت إندونيسيا اليوم كبرى الدول الإسلامية في تعداد نفوسها(5).

الإدارة العسكرية

والتكتيك الحربي لنبي الإسلام (ص)

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إدارة الحرب يكره الاستبداد في الرأي، وكان يقوم باستشارة أصحابه، فالاستشارة والمشورة إحدى علامات القائد المناسب والمدير اللائق الذي يتبادل وجهات النظر مع أصحابه أهل الفكر والخبرة في شأن من شؤون مصالح الأمة مما يعود بالنفع عليها.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الشجاعة الذاتية، فمثل هذا القائد اللائق يستطيع أن يجعل ـ وفي كل زمان ـ من الطاقات الفكرية والجسمية والعاطفية حشوداً عسكرية..

مع ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان معصوماً ومربوطاً بالسماء وغير محتاج إلى المشورة لكنه كان يستشير ليعلّم المسلمين طريق النجاح في مختلف شؤونهم، ولكي يرسم أسلوب الحكومة الصحيحة الاسلامية.

ففي معركة الخندق عندما تحالفت قريش مع يهود بني قريظة، أمر (صلى     الله عليه وآله سلم) بحفر خندق حول المدينة المنورة وذلك بإشارة من سلمان الفارسي (رضوان الله عليه) فانتصر المسلمون على الكفار والمشركين بعدما قتل الإمام علي (عليه السلام) عمرو بن عبد ود العامري حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين)(6).

ثم حاصروا اليهود الذين نقضوا عهدهم مع رسول الله (صلى الله عليه  وآله وسلم) ‎وغدروا به وبالمسلمين، وبعد ثلاثة أيام من محاصرة اليهود، اجتمعوا في بيت بإشارة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وبعد ذلك وبحكم سعد بن معاذ ممثل الأنصار، وانتخاب النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) حكماً بشأن بني قريظة، قد تم العفو عن أكثرهم، وقيل: إنهم رضوا بحكم سعد بن معاذ فحكم بقتل بعضهم وكانوا قليلين جدا(7).

رسول  الله (ص) والقوة الإيمانية

 والمعنوية للجند

كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يعتمد اعتماداً كاملاً على القوة الإيمانية في إدارته الحكيمة لجند الإسلام، وغالباً كانت نسبة القوة المعنوية للجند أكثر بكثير من القوة المادية والعسكرية، كما قال سبحانه:  ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) (8).

والمسلمون كانوا يربحون المعركة مع قلة عددهم وما كان ذلك إلا لدافع الإيمان المتأصل في القلوب، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة، بقوله تعالى: ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) (9).

وفي معركة أحد، ولأجل وقف زحف العدو من الوراء، تطوع خمسون مسلماً بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لمراقبة الطريق، فقال لهم (صلى الله عليه وآله وسلم): احموا ظهورنا، لأننا نخشى ان فاجئنا العدو من الخلف، ولا تتركوا  مكانكم، حتى لو قتلونا.. لا نريد أن تدافعوا عنا، وكل ما نرجوه منكم هو ضرب خيول العدو بالسهام، لأن الخيل لو ضربت بالسهام لم تقم على أقدامها(10)، ولكن بعصيان بعض المسلمين هذا الأمر العسكري، هاجمهم العدو من الخلف وقتلوا كثيراً من المسلمين كما قُتل حمزة سيد الشهداء عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وان تدارك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  الأمر حتى انتهت الحرب بانتصار المسلمين وهزيمة الكفار..

وفي بعض الأحيان كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يصدر أمراً للحرب بشكل سري، وكنموذج على ذلك إرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عبد الله ابن جحش مع خطاب ليرصد القوافل التجارية لقريش، وأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بقراءة الخطاب بعد يومين من التحرك، وكان مكتوباً في الرسالة:

(سر حتى تأتي بطن نخلة على اسم الله وبركته، ولا تكرهن أحداً من أصحابك على المسير معك، وامض فيمن تبعك حتى تأتي بطن نخلة فترصد بها قريش وتعلم لنا من أخبارهم).

ولا يخفى أن النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه السرية قابل بالمثل فحيث ضرب قريش الحصار الاقتصادي حول المدينة أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حرب الحصار الاقتصادي على المشركين لصدهم عن أمثال ذلك.

من خطط الرسول(ص) العسكرية

يوجد من بين الأهداف العسكرية في الحرب شيئان مهمان، لابد من الإشارة إليهما.

1: امتناع العدو والناس بإحقاق حقهم وإثباته، وهذا المطلب قد أكد عليه القرآن الكريم والسنة الشريفة في حقانية الحروب الإسلامية.

2: إضعاف العدو عن طريق الحرب النفسية، وإيجاد الاختلاف بينه.

وقد أقدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على إعمال هذا الطريق،  بإضعاف العدو بواسطة أحد المسلمين، فقد ورد في التاريخ: أن نعيم بن  مسعود الغطفاني جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، ولم يكن أحد من قومي مطلعاً بذلك، وأنا مستعد للقيام بأي عمل تأمرني به.

فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت رجل واحد، فلو قدرت أن تأتي العدو، وتقع بينهم، وتفرق شملهم، فإن الحرب خدعة.

فجاء نعيم إلى بني قريظة، وكان نديماً لهم أيام الجاهلية، ويستأنس بهم، فقال لهم: يا بني قريظة! تعرفون جيدا إني احبكم، وكيف إن الصداقة تتحكم بيننا.

فقال بنو قريظة: صحيح ما تقوله، نعرفك جيدا بصداقتك لنا وحسن نيتك.

فقال نعيم: إن قريش وغطفان ـ الذين تحالفا مع بني قريظة في غزوة الأحزاب ـ لم يكونا مثلكم، المدينة مدينتكم، وجميع أموالكم وأولادكم ونسائكم موجودون في المدينة وتحت سيطرة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)،ولم تستطيعوا أن تنتقلوا إلى مكان غيره، وهذه قريش وغطفان جاءتا لحرب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وانتم تصاحبونهم في هذه الحرب، ولكن أموالهم ونسائهم في مكان آخر ـ أي في مكة ـ ، فهدف هؤلاء غير ما تصبون إليه، فلو انتصروا في هذه الحرب على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بلغوا ما يصبون إليه وتتطلع إليه آمالهم، وأما لو انهزموا واندحروا فيعودون إلى وطنهم، فعندها تبقون انتم ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تتمكنوا من قتاله وهو لم يترك قتالكم، فيلزم أن يكون تحت اختياركم   بعض الأشخاص من قريش والمتحالفين معكم بصفة رهائن حتى لا يفروا في قتال محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يلحقوا  الهزيمة به.

فأجابه بنو قريظة: نِعم ما أشرت به علينا، وهو الأصلح لنا، فوقع اقتراح نعيم في بني قريظة موقع الرضا والتأثير.

 ثم جاء نعيم إلى قريش وقال لأبي سفيان ورؤساء قريش: أنتم تعلمون جيدا بأنني أحبكم وقد افترقت عن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنا على علم واطلاع بخبر وأرى أن أعرضه عليكم لما يقتضيه واجب الصداقة بيننا، وأريد منكم أن تحتفظوا بهذا السر وألا تكشفونه لأحد.

فقالت قريش: سنفعل.

فقال نعيم: ألم تعلموا أن اليهود قد أصابهم الندم في تصميمهم لحرب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فبعثوا إليه أحدا يبدون له ندمهم وليطلعه بذلك، وأوعدوه بأن يأخذوا بعضا من زعماء قريش ويسلمونهم لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ليقتلهم، ثم يتحالفون معه ضد قريش، وقد وافق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذا الاقتراح، فلو جاءكم اليهود وطلبوا رهائن فلا تسلمونهم ولا شخصا واحدا.

 ثم جاء نعيم إلى غطفان وقال لهم: يا بني غطفان أنتم أصلي وعشيرتي وقومي وأقربائي وأحب الناس إليّ، وأنا مطمئن من عدم اتهامي وتقدرون صداقتي.

فقال له بنو غطفان: صحيح ما تقوله وأنت رجل صادق.

فقال نعيم: اكتموا هذا الأمر.

فقال بنو غطفان: ماذا نفعل؟ ما الذي عندك؟

فقال نعيم الكلام الذي قاله لقريش بأن يحذروا من تسليم الرهائن لليهود، وأكده على بني غطفان وحذرهم من التحويل.

وفي ليلة السبت الخامس من شوال أرسل أبو سفيان ورؤساء غطفان عكرمة بن أبي جهل مع عدة من أصحابهم إلى اليهود وقالوا لهم: إلى متى نصبر؟ وجميع الحيوانات هلكت، وغداً يصادف السبت فتهيؤوا حتى نجابه محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) ونصفي حسابنا معه، ونحل مشكلاتكم ومشكلاتنا.

فأرسلت بنو قريظة هيئةً إلى أرسلت بنو قريظة هيئ

قريش وقالت لها: إن غداً يصادف السبت وهو يوم عطلة اليهود، ونحن في يوم السبت لا نعمل أي عمل كان، ولنا شرط معكم وهو أننا لن نحارب محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى تضعوا عدة من رجالكم تحت تصرفنا بصفة رهائن، فنحن نخشى أنه لو أضرت بكم الحرب ان ترجعوا إلى دياركم وتتركونا لوحدنا مع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن لا نتمكن من مقاومته.

فلما وصل خطاب بني قريظة إلى قريش وغطفان، قالوا:والله، لقد صدق نعيم بن مسعود بما قاله لنا..

ثم بعد ذلك أرسلوا خطاباً إلى بني قريظة جاء فيه: نحن غير مستعدين بأن ندفع لكم رجلاً واحداً كرهينة، وإذا صح ما تقولونه فاستعدوا غداً للحرب.

فلما وصل خطاب قريش إلى بني قريظة قالوا: إن كلام نعيم بن مسعود كان صحيحاً، وتريد قريش انتهاز الفرصة، وتتركنا لوحدنا، وتفر من الحرب وتعود إلى ديارها، وتتركنا مع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لوحدنا ونحن لا نقدر على مقاومة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

وبهذه الخدعة الحربية تفككت جهة أعداء المسلمين ووقع الخلاف بينهم، فكان سبباً في انتصار المسلمين وعاملاً لعدم إراقة كثير من الدماء.

ومن جهة أخرى سلط الله الرياح والمطر في ليلة قارصة على قريش ـ وهذا كان من الإمداد الغيبي ـ حتى تقطعت حبال الخيم، وسقطت القدور من على النار، حتى صممت قريش على الفرار والعودة إلى مكة بأسرع وقت.

وبهذه الطريقة استطاع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفرق قوة العدو، ليعود إلى المدينة بأقل الخسائر في الأرواح.

والأهم من هذا كله أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قائداً محنكا، وكان يشرف إشرافاً مباشراً على كل الخطط الحربية وقادة الحرس والأشخاص، بالاضافة الى استشارته في الأمور، ففي معركة (مؤتة) وعلى إثر قتل السفير الإسلامي الحارث الغساني القائد العام للشامات، أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تتقوى الدعوة الإسلامية في أرض الشام، فقام ابتداء بتعيين جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) قائداً للحرس وفي حالة استشهاده يتولى الأمر زيد بن حارثة، وعند استشهاده يتولى القيادة عبد الله بن رواحة، وبعده أيّ أحد كان قد دخل الإسلام ورضي به الجيش، وقد أوصى جنود الإسلام بهذه الوصية:

(بسم الله.. جاهدوا عدو الله وعدوكم الموجودين في أرض الشام، راعوا الآداب مع المسيحية الرهــبان الــــذين يعيشـــون بمنأى عن الناس، ولا تتدخلوا في أمورهم، لا تقتلوا النساء والأطفال والشيوخ، لا تقطعوا النخل والأشجار،ولا تدخلوا البيوت)(11).

ثم تحرك الجنود وشرعوا في السفر إلى الشام للمقاومة والعمل بما جاء في الوصية وهكذا عملوا وأدخلوا الرعب في قلوب الروم.  

أمره(ص) بتطهير المدينة

من قوى التحالف اليهودي

لقد علم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أهل مكة بعد غزوة بدر لا تصبر على قتلاها، بل لابد من الانتقام ثأراً للدماء، فلهذا السبب لابد من مواجهة الخطر المترقب بتقوية البنية الدفاعية والسياسية.

ومن جانب آخر: اليهود في العداوة والتزوير والختل والمراوغة لم يشهد التاريخ مثله، فقد حشدت عناصرها في المدينة وتوابعها‎.

كما أن الخطة الخماسية لقريش لا تخفى عن الأنظار لابد من الإيفاء والقيام بالهجوم، وضرب الإسلام بخنجر في الظهر، فلابد من إيجاد حل مناسب لهذه المشكلة.

هذا وقد نقض يهود بني قينقاع عهودهم، والذي جرأهم على ذلك هو سكوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على مثل هذا الوضع، فظنوا أن هذا اعتراف رسمي بالهزيمة والفشل، فأصدر النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) أمراً بمحاصرتهم، فبقوا خمسة عشر يوماً محبوسين في بيوتهم، مما أدى إلى توسط المنافق المعروف ـ عبد الله بن أبيّ ـ فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعفو عنهم على أن يتركوا المدينة جميعهم، وكان هذا أخف من الانتقام والذي كان متعارفاً إلى ذلك الحين.

فقتل إنسانين إهانة صريحة بالمسلمين لم تغسلها إلا الدماء في نظر العرب المسلمين الذين اقتضت فطرتهم الصحراوية أن يكون الناموس شرفاً ومكانة لا تدانى، فالأعراض مصونة وهي أعز عندهم من النفس، وربما تحصل المشاجرات والحروب ولسنوات طويلة بين قبيلتين لهذا السبب، وهذا الموضوع لا يخفى على كل من طالع تاريخ العرب، ولكن في هذا المجال قد صرف النظر.

والملاحظة الأخرى التي تدخل في صلب هذا الموضوع هو أن اليهود أهانوا إهانة قبيحة امرأة مسلمة، وكان لها الأثر السيء في نفوس العرب المسلمين(12).

مؤامرة يهود بني النضير لاغتيال

 الرسول(ص)

     ثم إن اليهود بعد حرب أحد والفاجعتين المأساويتين: سرية رجيع(13)، وبئر معونة(14) ـ التي راح ضحيتها الكثير من قرّاء القرآن ـ أخذوا يستهزئون بالمسلمين ويقولون: النبي الحق المبعوث المرسل من الله، لا ينهزم أبداً..

وكان قد قتل رجلين من قبيلة (بني عامر) وكانا متحالفين مع المسلمين، وقد طلبوا ديتهم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان يهود بني النضير متحالفين مع (بني عامر) كالمسلمين، فطلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من يهود بني النضير تسليم دية الرجلين من حلفائهم بالاشتراك، وفي بعض التواريخ أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) استعرضهم ذلك وكان الاستعراض جاريا بينهم ولكنهم خلا بعضهم ببعض وخططوا لقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء جبرائيل وأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمؤامرة اليهود(15)، وهنا ظهرت النية الأصلية لهؤلاء اليهود.. فقد ذهب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعية عشرة أشخاص من أصحابه إلى قلعة بني النضير للمطالبة بالدية، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جنب جدار من بيوتهم فأرادوا أن يلقوا عليه صخرة كبيرة ليقتلوه.. فلما علم (صلى الله عليه وآله وسلم) سوء نياتهم بالتعرض على حياته وإرادتهم اغتياله رجع إلى المدينة، وهذه المؤامرة التي كانوا ينوونها وسائر المؤامرات الأخرى هي التي دفعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبعث إليهم محمد بن مسلمة ليقول لهم: اخرجوا من بلادنا ولا تساكنونا لأنا لانأمن خيانتكم لنا.

هذا وقد كان بإمكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقتلهم ولكنه لم يفعل ذلك.

إفشال خطة يهود بني قريظة

في معركة الأحزاب ـ الخندق ـ تعاهد بنو وائل، وقريش، وبنو غطفان، وحلفاؤهم، وشكلوا جيشاً قوامه عشرة آلاف رجل ليدخلوا به إلى المدينة المنورة ويقضوا على الإسلام والمسلمين.

وكان هذا من تخطيط زعماء اليهود، حي بن أخطب، وابن أبي الحقيق، حتى يواجه الإسلام عدواً مشتركاً من عبدة الأوثان واليهود، يعمل لاستئصال جذوره.

وأثناء محاصرة المدينة وقف يهود بني قريظة وكانوا حلفاء المسلمين ـ على خلاف ما تعاهدوه وتعاقدوه ـ موقفاً محايدا (عدم الانحياز) إلا أن حي بن أخطب (زعيم بني النظير) استطاع أن يؤثر في كعب بن أسد القريظي ـ صاحب عهد بني قريظة ـ تأثيراً مباشراً ويجره إلى صفوفهم للعمل ضد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك بأن يهجموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين من الخلف في معركة الخندق.

فلما علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من خيانة بني قريظة، واطلع المسلمون عليها، بعث (صلى الله عليه وآله وسلم) سعد بن معاذ إلى يهود بني    قريظة لإقناعهم بأن يلتزموا الوفاء بالعهد والحفاظ على أمن الوطن، إلا أنهم أبوا هذا الطلب وأصروا على غيهم واستكبروا استكبارا، فردوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلهجة قاسية وتعرضوا لشخصه وللإسلام بالسب والشتم وبأقبح الصفات التي لا تليق إلا بهم، فنقضوا العهد وخالفوا الوعد في أحرج ساعة على المسلمين.

وبعد أن انتهت غزوة الأحزاب (الخندق) بانتصار نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعدما استطاع (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتخذ تدبيراً حكيماً ينفذه (نعيم بن مسعود) وكان من أبدع أنواع العمل السري(16) حيث غيّر المعادلة لصالحه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما أدى إلى تغيير مجرى الحرب فرجحت قريش الفرار منها، لتعود إلى مكة حاملة وراءها الخيبة والذل والانتكاسة الروحية ولم يكن من الصحيح ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتغافل ويصفح عن عظيم خيانة اليهود في هذه الساعة الحرجة، فاتخذ قرارا قطعيا باستئصال جذور العدو بتقوية الدولة الإسلامية الفتية.

فقد أصدر (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره إلى المسلمين بمحاصرة قلاع اليهود على وجه السرعة، وكان علي (عليه السلام) أول مجاهد إسلامي يحاصر قلعة اليهود، واستمرت هذه المحاصرة خمسة وعشرين يوماً، مما اضطر يهود بني قريظة أن يبعثوا (أبا لبابة) إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليحددوا موقعهم منه،  وتصور بنو قريظة أن النتيجة ستؤدي بهم إلى التبعيد إلى ديار الشام كما حصل ذلك لبني النضير من قبل.

فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هل ترضون أن تجعلوا حكماً بيني وبينكم؟

فرضي اليهود بحكومة سعد بن معاذ، وقد حكم سعد بن معاذ بغير ما كان ينتظره اليهود، مما جاء في حكمه: يقتل المحاربون من اليهود.

فرضي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الحكم، فأمر بقتل المحاربين منهم خاصة وعفى عن الباقين.   

إن مسؤولية هذه الدماء ـ وإن لم تكن كثيرة بل كانت قليلة جدا ـ تقع على عاتق حي بن أخطب (رئيس قبيلة النضير) فهو الذي حرك قريش وحرضهم على القتال، كما دعا بني قريظة أن ينقضوا عهدهم ويتخلفوا عن تحالفهم ومواثيقهم.

ولا يخفى أن الرجال الذين قتلوا في تصوري الذي استفدته من التواريخ أمثال (أسد الغابة) وغيره أنهم لم يكونوا فوق العشرين، أما المبالغة في عددهم فكأنها من مبالغات اليهود وذكرها بعض المسلمين بدون تحقيق، وإلا فقد ذكر التاريخ أنهم حبسوا في دار، وهل دور المدينة في ذلك اليوم ـ وهي قرية عادية ـ تسع لأكثر من عشرين.

بالإضافة إلى أنه أين قبورهم ومن قتلهم وهل مثل ذلك العمل يشبه أعمال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أشد أعدائه حينما كان يقول: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)(17) ، إلى غيرها من القرائن…؟

ويحتمل أن سعد بن معاذ حكم بهم بحكم التوراة وطبق عليهم قوانينها الجزائية التي تنص صراحة:

عندما يريد العدو أن يحاربك في أرضك، فادعوه إلى الصلح أولاً، ولو أراد قتالك فحاصر مواقعه، ولو تسلطت عليهم فاقتل المحاربين منهم، وأما النساء والأطفال والحيوانات وكل ما هو موجود في المدينة فخذها غنائم لك.

ما قاله المستشرقون في معاملة اليهود

 مع نبي الأكرم(ص)

يقول احد المستشرقين(18) في خاتمة بحثه بصدد روابط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع اليهود:

"ليس من اللائق لليهود أن يقابلوا صداقة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ووفائه لهم، بهذا الشكل من الجفاء، بعد أن أقام معهم روابط حسنة، ومن المناسب جداً أن نشير في هذا الصدد إلى أنه: لو أن اليهود بدل عداوتهم وخصومتهم لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا قد أقاموا معه روابط حسنة، واتصلوا به، لكان فيه صلاحهم وحصل لهم التوفيق، وكان هذا ممكناً لهم في هذا الموقع المناسب، ويستطيعون بالتالي جني ثماره من خلال:

1: المحافظة على استقلالهم الديني.

2: أن يكونوا جزءاً من الإمبراطورية الإسلامية.

فلو فعلوا ذلك لكان العالم غير ما عليه اليوم، ولكن الذي يؤسف له أن اليهود منذ الأيام الأولى لإقامة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة، زرعوا بذور الفاجعة المؤلمة، وضيعوا الفرص الجميلة في استقرارهم واستقلاليتهم.

والجدير بالذكر إن الإسلام بتعاليمه الدينية كان متساهلاً مع اليهود أكثر منه مع المسيحيين، مع أن الدين اليهودي والدين المسيحي يشتركان في التشريع والقانون، وكلاهما من الأديان الموحدة، إلا أن الغالب على دين المسيحية هو التوحيد الثلاثي، وهذا غير موجود عند اليهودية.

ومع وجود هذا التأكيد في رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن عقيدة الغلو عند اليهود المبنية على أساس التفوق السلالي والعنصري، أبت إلا أن تعارض ذلك.

فيهود المدينة حسب معتقدهم رفضوا نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو كان عندهم بعض المفكرين والمصلحين لاستطاعوا أن يغمضوا عيونهم عن هذه المسألة، وانتهزوا الفرصة الغالية بشكل يحفظ لهم كيانهم واستقلالهم، فليس من الضرورة أن يسخر اليهود من دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومما يدعو للأسف الشديد أنهم سلكوا هذا النهج، وطبيعي أن هذه الانتقادات الشديدة من جانب اليهود لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ودينه خطر كبير بالنسبة لتجربته السياسية والاجتماعية، ومع هذا العمل السلبي وقف محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قبالهم".  

النبي(ص) ودفع الظلم

إن من إحدى الوظائف المهمة للأنبياء (عليهم السلام) بشكل عام: هو إقامة العدل والقسط، وإزالة أي نوع من الظلم والاضطهاد، وقد أشار الله سبحانه إلى هذه الحقيقة، بقوله جل وعلا:  (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (19).

وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) (20).

وهكذا كانت حكومة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

قال (عليه السلام): (والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها واسترق لي قطانها مذعنة بأملاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها شعيرة ما فعلته وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها)(21).

 

1- سورة الأعراف: 157.

2- سورة الحج: 39.

3- سورة البقرة: الآية 193.

4- سورة الحجرات: الآية 9.

5- فان سكانها اكثر من 200 مليون نسمة، ونسبة المسلمين فيها 90% وهي أكبر دولة اسلامية بالعالم من حيث النفوس، ومساحتها 1919270كم2 وتقع في جنوب شرق آسيا، كما تتألف  من 13500 جزيرة، عاصمتها (جاكرتا).

6- راجع بحار الأنوار: ج39 ص2 باب70 ح1.

7- راجع للتفصيل كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) للإمام المؤلف (دام ظله).

8- سورة الأنفال: 65.

9- سورة البقرة: الآية 249.

10- راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج1 ص238و239.

11- حول هذه القصة راجع بحار الأنوار: ج21 ص85 باب24 ح11.

12- وهذا قد يشبه حادثة قتل ولي عهد النمسا (سراجيو) في سنة (1914م) الذي أدى إلى نشوب الحرب العالمية الأولى والتي اشتركت فيها الدول الأوروبية جميعاً.

13- راجع (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج1 ص269 للإمام الشيرازي (دام ظله).

14- راجع (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج1 ص269.

15- راجع (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج1 ص271 – 273.

16- قد سبق تفصيل القصة، راجع الصفحة 85 من هذا الكتاب.

17- قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في فتح مكة المكرمة حيث عفا عن الجميع حتى عن كبار المجرمين، راجع (ولأول مرة في تاريخ العالم) ج3 ص61-92.

18- و هو المستشرق المعروف: (مونتكمري وات).

19- سورة الحديد: 25.

20- سورة النساء: 135.

21- نهج البلاغة: الخطبة224 المقطع10و11.