الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

تاريخ العراق الحديث

قال الله العظيم في محكم كتابه الكريم: ((وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ))[1].

بحثنا يدور حول بعدين:

البعد الأول: لمحة عن تاريخ العراق.

والبعد الثاني: حول كيفية رفع المعاناة عن العراق.

كان احتلال العراق وسقوط بغداد على يد القوات البريطانية في عام (1917م) يعتبر رمزاً لسقوط الحضارة الإسلامية في نظر الاستعمار، (وكان احتلال العراق يشكل النهاية والغاية لثلاثة قرون من النشاط البريطاني في الشرق الأوسط).

إن سيطرة الاستعمار كانت تعني فرض الهيمنة على كل المنطقة الممتدة من القفقاس إلى البحر الأبيض المتوسط.. وإلى الخليج وجنوب الجزيرة العربية؛ لأن العراق يشكّل مفتاح الشرق الأوسط وقلبه النابض، وكان احتلال العراق بالذات يعني للاستعمار حصوله على سوق تجارية لتصريف منتجاته الصناعية، وحصوله على أرض غنية بالبترول والمعادن والثروات الزراعية الأخرى، بل كان يعني لديه أكثر من ذلك وهو حصوله على ممر بري يصل البحر الأبيض المتوسط بخليج البصرة[2]، ويؤمِّن بذلك طريق مواصلات الهند أو يحمي آبار النفط في عبّادان.

وقد اعترف بذلك أحدهم[3] حيث قال: إن المناطق الاستراتيجية في الشرق الأوسط تقع في بغداد، وقد استطعنا باحتلال العراق أن نركّز أنفسنا في العالم الإسلامي، وبذلك منعنا تجمّع المسلمين ضدنا في الشرق الأوسط.

إذن، هذا هو جانب من أهمية العراق الاستراتيجية.. ولكن سؤالاً قد يطرح: هل كان باستطاعة بريطانيا أن تستولي عليه بموافقة الشعب؟

والجواب على ذلك نقول: إن بريطانيا لو لم تلجأ إلى أساليب المكر والخداع، وتقضي على روح المقاومة الإسلامية باستغلال المشاعر والقهر والعذاب والألم، لم تستطع ذلك، حيث إنهم حتى في الساعات الأخيرة لم يتوقفوا عن التنكيل بالشعب والاعتداء على حرماته ومقدساته، ومارسوا العنف والإرهاب حتى مع بعض رجال القبائل الذين جاؤوا لنصرتهم، فتقدمت بريطانيا لترفع شعار (التحرير) و (انقاذ الشعب العراقي)، حيث قال أحد قادتهم[4]: «لقد جئنا محررين لا فاتحين».

إن الشعب العراقي لم يلقِ السلاح إلا بفعل هذه الوعود المخادعة..

ونقول: إن الاستعمار لو احتل بلادنا عسكرياً فقط، لكان من السهل إخراجه، ولكنه ووفق خطّة محكمة دخل إلى بعض النفوس الضعيفة وذوي العقول المريضة، بل وإلى بعض القادة أيضاً، فأصبح جزءاً من الوجود الفكري والاجتماعي لبعض المسلمين، فاستقرّ به المقام وصار من الصعب إخراجه.

لقد استخدم الاستعمار الغربي كل وسيلة ممكنة لإلغاء شخصية الأمة الإسلامية؛ كي تتحول إلى (أمة لا وزن لها)، فتدور في فلكه بلا إرادة ولا اختيار، وهو ـ بدوره ـ يعامل الجميع بلا رحمة ولا شفقة ويستخدم هذه الشخصية وهذه الأمة لتحقيق مآربه وأطماعه وبشكل مستمر.

ولولا الغفلة والجمود الطويل ـ التي مرت على الأمة الإسلامية في العهد العثماني ـ لم يكن الاستعمار قادراً على أن يفعل ما يريد، ولكنه استطاع ـ بدهاء ومكر وخبث ـ أن يجرّد الأمة من أسلحتها الواحد تلو الآخر ثم يقودها بهدوء وبكل طواعية وقيادة سهلة نحو المسلخ.

إذ أنه في البداية سلب الأمة سلاح الفكر والعقيدة حيث غزا الأمة ثقافياً، ثم سلبها سلاح الاقتصاد، حيث جعلها أمة تأكل أكثر مما تنتج بل وأمة مستهلكة، ثم سيطر عليها سياسياً، حيث بث فيها حكام جور وطغاة ظلمة، واغتصب منها حتى قطعة الأرض التي تسكن عليها، فاحتل المواقع الاستراتيجية في المنطقة؛ كي يسهل عليه ضربها متى أراد، ومتى ما طالبته الأمة بحقوقها المشروعة، كالحرية والاستقلال وما أشبه.

المقاومة الإسلامية

بالرغم من كل الركائز التي جعلها الاستعمار البريطاني كمحور أساسي يرتكز عليه للبقاء في بلادنا الإسلامية، فإن المسلمين قاوموا الاحتلال الإنكليزي، وكان على رأس القوات المناهضة للاستعمار العشائر العراقية، بقيادة علمائها الأعلام في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة وبغداد وسامراء[5].

وأما بعد سيطرة بريطانيا على العراق، حيث لم تستقر الأوضاع السياسية، استمرت مقاومة الحكم الإنكليزي المباشر.. فانطلقت ثورة العشرين بقيادة العلماء المراجع من كربلاء المقدسة والنجف الأشرف والكاظمية، إلا أن دهاء الإنكليز إضافة إلى قوتهم العسكرية مكّنهم من تهدئة الأوضاع بالاستعانة بعملائهم من بعض أهل البلاد المتعاونين مع الاستعمار[6].

الصراع بين أميركا وبريطانيا

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، اندفعت أمريكا لتصفية المستعمرات البريطانية، فحاولت الدخول إلى العراق.. إلا أن النفوذ البريطاني المتعدد الوجوه جعل طريق أمريكا صعب المسالك، فقد كان نوري السعيد[7] ـ أحد رموز بريطانيا في العراق وفي العالم العربي ـ إحدى العقبات الكبرى أمام التسلل الأمريكي، ولذا حاولت أمريكا اغتياله.

ولم تنجح محاولات أمريكا لدخول العراق إلا بشكل جزئي، ثم كان انقلاب عبد الكريم قاسم[8] الذي اكتشفت بريطانيا بعد مدة من ممارسة السلطة أنها لم تعثر فيه على العميل الذي تريد، فسحبت تأييدها له.

ونجح الإنكليز بتقوية مركزهم بانقلاب (1963م) الذي حمل تناقضاً في طياته إذ حاول حزب البعث الاستفادة من اسم (عبد السلام عارف)[9] فشاركه في الحكم، ولكنه انقلب عليهم إذ كان مرتبطاً بعملاء أمريكا في المنطقة حسب بعض التحاليل السياسية. وجاء بعده أخوه عبد الرحمن عارف[10]. ثم تمكنت بريطانيا من التخلص من عملاء أمريكا في الانقلاب العسكري في الثلاثين من تموز سنة (1968م) الذي جاء بالبعثيين إلى الحكم ثانية.

من البكر إلى صدام[11]

قال تبارك وتعالى: ((وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ))[12].

خشي الاستعمار الأمريكي والبريطاني من ميوعة الأوضاع السياسية أيام حكم عبد الرحمن عارف وطاهر يحيى[13] في العراق، فاتفقا على التخلّص منهما والمجيء بحكّام لهم من مظاهر التأييد ما يكفي لتمرير المخطّطات الاستعمارية.. فجاء إلى السلطة خليط من العملاء أمثال عبد الرزاق النايف[14] وكان موالياً لأمريكا ويمثل امتداد العهد السابق، والبكر[15] الذي كان عميلاً لبريطانيا.

وقد أراد الاستعمار أن يستعمل واجهتين: «القوميين العرب» و«حزب البعث» ليبدوان كقاعدة شعبية لإسناد السلطة الجديدة، وسرعان ما تخلّص عملاء بريطانيا من عملاء الأمريكان خلال ثلاثة عشر يوماً[16].

وكان من أهم المهمات الاستعمارية التي جاء بها العهد الجديد: ضرب الحركة الإسلامية الشيعية في العراق التي بدأت تظهر على الساحة السياسية بشكل جادّ ورزين وهادئ تحت توجيهات بعض المراجع الأعلام في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، وبدءوا بالتضييق على المرحوم السيد الحكيم (رحمه الله)[17]، وسار الحكم الجديد في تطبيق السياسة الاستعمارية، وتفرّد بهذا الحكم أحمد حسن البكر الذي هو أكبر عملاء بريطانيا في العراق يعاونه حردان التكريتي[18] وصالح مهدي عماش[19] واستعانوا بأجهزة حزب البعث وبأشخاص يحملون الولاء للبكر ولديهم ارتباطات مع أجهزة المخابرات البريطانية لملء المراكز الحساسة في الدولة.

وكان يغلب على أحمد حسن البكر الحس العشائري حيث لم يكن يثق إلا بأقاربه، ومن هذا المدخل اقتحم صدام السلطة من بابها الواسع.

لمحة عن البكر

أحمد حسن البكر كان له جدّ يهودي يعمل في التجارة في أحد أكبر أسواق بغداد (سوق الشورجة)، وكان الاسم الأصلي لجدّه هو (ساسون حسقيل)، وبما أن الاستعمار دائماً بصدد توجيه ضربة للمسلمين في العالم، لذا فقد أعد خطة ماهرة فقام بنقل (ساسون حسقيل) من مقر عمله إلى إحدى قرى مدينة تكريت، فذهب (ساسون حسقيل) إلى شخص يدعى (تنج عبد الله) والذي قام بدوره بتبديل اسم حسقيل إلى (أبو بكر) وبعد ذلك ولد له ولد أسماه (حسن) وهو والد (أحمد)، وهذا (أحمد حسن البكر) هو الذي وضعه الاستعمار كواجهة لتنفيذ مآربه وأطماعه في العراق بشكل خاص وفي المنطقة بشكل عام.

وجرت صراعات عنيفة داخل السلطة، وداخل الحزب، قام البكر خلالها بتصفية عدد من أزلام مجلس قيادة الثورة بواسطة أجهزة القمع التي كان على رأسها صدام التكريتي وناظم كزار[20]، فتمت تصفية العديد منهم الواحد بعد الآخر، أمثال: حردان التكريتي، وصالح مهدي عمّاش، وعبد الله سلوم السامرائي، وعبد الخالق السامرائي، وعلي عليان، وعبد الكريم الشيخلي[21]، وكثير غيرهم ممن ظهرت أسماؤهم فترة وجيزة ثم خبا ذكرهم وقبعوا إما في القبور أو في السجون، إلى أن وصل صدام إلى مرتبة المشارك الصغير للبكر، بحيث نما وتضخم دوره ليصبح فيما بعد الرئيس المطلق للعراق بعد عملية انقلابية مقنَّعة على البكر.

ميشيل عفلق[22]

قال الله العظيم: ((قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ))[23].

لنا وقفة هنا مع (حزب البعث) العراقي وبالأخص مؤسسه ميشيل عفلق القائد المؤسس والأب الروحي لحزب البعث وأمينه العام ـ كما يزعمون ـ.

فقد كشفت ملفّات حياته الفكرية والسياسية عن شبهات عديدة من خلال أرقام وأدلة صارخة، لعل أبرز هذه الشبهات هو ما عرف عن ارتباطاته المشبوهة وعلاقاته المريبة التي أخرجت منه رجلاً نموذجياً لممارسة الدور الفعال في سلخ الأمة عن تاريخها الحقيقي وعقيدتها الإسلامية الأصلية.

فقد تتلمذ ميشيل عفلق في سنوات دراسته الجامعية في فرنسا، وفيها تعهّده بالتربية والاعداد أحد المستشرقين الفرنسيين[24]،وهذا ما قاله الصحفي اللبناني (علي بلوط) على صفحات مجلة الدستور اللبنانية وهو يدافع عن عفلق ضد حكم الإعدام الذي أصدره بحقه أحد الرؤساء العرب، حيث ذكر بلوط وهو يمتدح عفلق قائلاً:

إن المستشرق الأب ماسينون قال عن مؤسس البعث عفلق: بأنه أنبغ وأعز تلميذ في حياتي[25].

هذه الكلمة جاءت على لسان مستشرق يحتل موقعاً مركزياً في الحركة الصليبية الاستعمارية في العالم، فقد جاء في أحد الكتب[26]: «إن الأب ماسينوس، هو المستشرق الروحي لكنائس المسيحية البروتستانتية الفرنسية لما وراء البحار، ومستشار وزارة المستعمرات الفرنسية»، وقد أظهرت بوضوح آراء ميشيل عفلق الفلسفية ومواقفه الخاصة مدى انتمائه للفكر الصليبي، إذن هذا مؤسس حزب البعث وقائده وأمينه العام!!.

وقد عرّف البعث نفسه على لسان شاعره[27] في هذه الأبيات التي نشرتها الإذاعات والصحف وهي:

آمنت بالبعث ربّاً لا شريك له***وبالميشيل نبياً ماله ثانِ

و«في سبيل» كتابي عزّ منزله***ضربت بالذكر ـ عمداً ـ عرض حيطان[28]

وفي شعر آخر لهم:

إن تَسَل عنّي لتعرف مذهبي***أنا بعثي اشتراكي عربي

وقد اتخذ حزب البعث في العراق شعار العنف والتعدّي على الإنسان وسحق حقوقه، بل تحطيم الأديان وتحطيم كل شيء خير في الحياة.

وكانوا قد رفعوا لافتة في كربلاء المقدسة بهذا النص: مزيداً من العنف الثوري. ولافته رفعوها في بغداد قرب أحد الجسور:

إذا كان للإسلام دور قد انقضى***فهيا لدور البعث في الأزمات

وكانوا قد علّموا الشخص الحزبي وفرضوا عليه إهانة الدين ومقدساته، فكان أحدهم يقول: عفلق أعظم من محمد[29] لأن عفلق أنقذنا من الاستعمار و (محمد) جاء بالاستعمار. كما يزعم!!

وكان آخر يتمثل بشعرٍ قديم قاله شاعر ملحد:

إننا معشر الشبيبة قوم***قد رفضنا الشريعة الأحمدية

وقد أنشد أحدهم قائلاً:

دع الجمود وادّرع بملبس التحرر***إذا رأيت عالماً فصكه بالحجر

ويقصد بالعالم (علماء الدين الأبرار) الذين يقول الله تعالى عنهم: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ))[30].

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»[31].

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر وإن العلماء ورثة الأنبياء.. »[32].

وقال الإمام الكاظم (عليه السلام): «محادثة العالم على المزابل خير من محادثة الجاهل على الزرابي»[33].

محاربة الدين والمتدينين

قال الله العظيم في كتابه الكريم: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ))[34].

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «.. والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم.. »[35].

لقد كان البعثيون في العراق إذا رأوا القرآن المجيد بيد أحد الطلاب، سخروا منه واستهزئوا به.

وإذا كان الشاب يذهب إلى مجالس الوعظ والإرشاد أو إلى حرم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أو حرم الإمام الحسين (عليه السلام) عدّوه رجعياً، وكانوا يشجّعون على (الشذوذ الجنسي) وعلى (الزنا) وعلى (شرب الخمر) وعلى (لعب القمار) وكل الرذائل ومنافيات العفّة والشرف.

وذات مرة رأوا كتاباً دينياً، في يد أحد الطلاب وهو يرجع من بيت أحد العلماء، فأخذه (رجل الأمن) وأراد أن يأخذ الكتاب من يده لكن الطالب أبى إعطاء الكتاب، فجرت بينهما مشادة كلامية انتهت بهما إلى (دائرة الأمن) فالتوقيف والإلقاء في السجن.

هكذا حاربوا الدين والعلم والعلماء!

من جرائم الطغاة

من المشاكل الأخرى التي طوّقت رقاب شعبنا المظلوم هو أن (رجل الأمن) كان يقف على أبواب البيوت التي فيها تقام مجالس العزاء على الإمام الحسين (عليه السلام) أو فيها مجالس الوعظ، ليصرف الشباب عن المجلس أولاً بالتظاهر بالكلام اللين، كأن يقول له: (أنت شاب مثقف، لماذا ترتاد هذه المجالس الرجعية؟) وأمثال هذا الكلام الفارغ، وإذا لم يرجع كان يسجّل اسمه ويتوعده بالملاحقة وأحياناً يدخل معه في حوار ثم مشادة مصطنعة لسوقه إلى (دائرة الأمن) ومن ثم إلى السجن!

وكانوا قد عمّموا على الحزب قراراً يأمرهم بحرق كل كتاب ديني وجدوه في المساجد أو غيرها.

وكانوا يحرقون الكتب الدينية التي تأتي من الخارج بحجة أن فيها أغلاط مطبعية أو ما شابه ذلك.

وكانوا يجعلون أعضاء الحزب في القطارات، في أيام الزيارات ليستهزئوا بالله والنبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) ويسبوهم أمام الزوار. وإذا تعرّض لهم أحد الغيارى بالرد دخلوا معه في مشادة كلامية فيستدرج إلى إحدى دوائر الأمن ثم يشهدون عليه هناك بأنه سبّ الحكومة، مما يكون مصيره السجن وأحياناً يصل الحكم إلى الإعدام.

هذا غيض من فيض من المشاكل التي خلقتها تلك الواجهة الاستعمارية المتمثّلة بتسليط هذه المجموعة الظالمة الكافرة على رقاب شعبنا المظلوم في العراق، والآن يجري عليه ما هو أشد وأنكى.

الحقد على الشيعة

لقد أظهر نظام البعث الحاكم في العراق الحقد على الشيعة ـ بشكل خاص ـ حقداً لم نجد مثيله في التأريخ إلا عند الظالمين من أعداء أهل البيت (عليهم السلام) من أمثال معاوية ويزيد وهارون العباسي والمتوكل، وغيرهم من عبيد الشيطان.

وهذا يتوضح في أقوالهم وأفعالهم مرة بعد أخرى.

فقد قال صدام ذات مرة: (أفعل بالشيعة بحيث أجعلهم يتبرّءون من التشيع، كما كان الشيوعيون في أيام نوري السعيد يتبرّءون من الشيوعية)!

وقال البكر يوماً: (لا يهمني إلا تصفية جهاز الحكم من الشيعة)!

وقال شبلي العيسمي[36] ذات يوم: (بايعوا الشيطان لأجل القضاء على الشيعة)!

وقال طلفاح[37] وهو يشير إلى قبة مرقد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (هذا رئيس المنافقين)! العياذ بالله.

وقد شكلت الحكومة في بغداد جمعية أسموها (جمعية الأمويين) مهمتها الاشادة ببني أمية والدفاع عنهم وإرجاع الاعتبار إليهم.

كما أن أحد قضاتهم ألف كتاباً حول (شُريح)[38] باعتباره أول قاض في الإسلام ومدحه، ولم يكن ذلك إلا لأجل أنه أفتى بقتل الإمام الحسين (عليه السلام).

وكان صدام يقول: (إني من المعجبين بزياد بن أبيه وبالحجاج، فقد تمكنا من القضاء على الزمرة الماردة) يقصد بهم الشيعة والعلويين.

وكان حزب السلطة في العراق، أسند كل المراتب العالية في الجيش إلى بعض المتعصّبين من السنة.

وذات مرة دخل رجال الأمن دار أحد العلماء للتحري (كما يدّعون) واذا بهم يجدون في مكتبته كتاب (وسائل الشيعة) للشيخ الحر العاملي (رحمه الله)[39]، فقالوا للعالم باللغة الدارجة: (متستحي، بعدك شيعي؟ ومنو هُمّ الشيعة؟ غير جماعة استعمارية عملاء ورجعيين، رئيسكم[40] طلع جاسوس، وكلكم جواسيس)! هذا أسلوبهم في التعامل مع علماء الشيعة.

وأكثر من هذا، فإنهم وصلت بهم الحالة إلى أن أحد أعضاء ما يسمى بالقيادة القطرية مرّ على مرقد الإمامين الجوادين (عليهما السلام) في الكاظمية وأشار إلى القبة الشريفة قائلاً بالحرف الواحد: (ما دامت هذه الأصنام في بلادنا..)! والعياذ بالله.

أما مظاهر حقدهم في السجون فشيء لمسه كل سجين، ومنهم الأخ الشهيد[41] الذي لاقى ما لاقى من ألوان التعذيب الروحي والجسدي.

بالإضافة إلى أن سبّهم الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) وفاطمة الزهراء (عليها السلام) وكل مقدّسات الشيعة، كان منهجاً يلزم على المشرفين على السجن أن يطبقوه على كل سجين شيعي.

هذا ما يرتبط بالأمر الأول وبعض ما يجري من المآسي والويلات التي تصب على إخواننا في العراق تحت سلطة الحزب الحاكم.

أما الأمر الثاني وهو كيف يمكن رفع هذه المآسي والويلات عن أبناءنا داخل العراق ورفع المشكلات خارجه؟ فهذا ما يحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى أن تتوحد قدراتنا ونسير خلف قوانين القرآن الكريم والدين الحنيف و (المرجعية الدينية الرشيدة)[42] مضافاً إلى لزوم إيجاد التعددية السياسية وتشكيل الأحزاب الحرة وشورى الفقهاء المراجع.

السير خلف المرجعية

قال تبارك وتعالى: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ))[43].

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا».

فقيل: يا رسول الله، ما دخولهم في الدنيا؟

قال (صلّى الله عليه وآله): «إتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم»[44].

وقال (صلّى الله عليه وآله): «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»[45].

وقال (صلّى الله عليه وآله): «الفقهاء أمناء الرسل»[46].

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء»[47].

وقال الإمام الكاظم (عليه السلام): «إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء؛ لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها»[48].

إنّ أغلب الذين يعيشون في المنفى هم من أبناء الطائفة الشيعية وبمرور الزمن نلاحظ مشاكلنا تكبر شيئاً فشيئاً، فبدل أن نلجأ إلى الاتحاد والتعاون وتشكيل جبهة واحدة تحت لواء الإسلام الذي ضحّى من أجله سيد شباب أهل الجنة الإمام أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) وأريقت من أجله تلك الدماء الطاهرة التي روت كربلاء، فقد قال (عليه السلام): «.. أني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (صلّى الله عليه وآله) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب (عليه السلام)... »[49]، نرى السبّ واللعن هنا وهناك أصبح شغلاً شاغلاً لبعض أبناءنا في المنفى، والفرقة الموحشة الموجودة بين بعضنا.

نحن نعلم علماً يقينياً أن وراء أكثر تلك المشاكل والمظالم التي تحيط بنا، وراءها من يحرّكها وينظّمها من الأيادي الخفية الاستعمارية التي لا تراعي للمسلم إلا ولا ذمة، وبعضها مارست الجناية حتى أصبحت ملازمة للجرم والخطيئة والعمالة الاستعمارية.

ولذا يلزم شرعاً إنقاذ المسلمين من تلك المشاكل؛ وذلك بنبذ الخلافات وطرحها جانباً، والسير خلف (المرجعية الدينية) والقيادة الشرعية، وبأن نبذل في سبيل قيام الحكم الإسلامي كل ما نملك من طاقات وإمكانات، فقد قال الله العظيم في كتابه الكريم: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا))[50].

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إياكم والتدابر والتقاطع وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»[51].

وقال (عليه السلام): «الزموا الجماعة واجتنبوا الفرقة»[52].

مسؤولية الجميع

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو المسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل في مال أبيه راع وهو مسئول عن رعيته، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»[53].

فعلى كل مسلم سواء أكان داخل العراق أم خارجه أن يعمل كل ما بوسعه من أجل إسقاط ذلك النظام الطاغي المتسلط بالعنف والقوة وكل وسائل الإرهاب ضد الشعب المظلوم.

وصايا

قال الله تعالى: ((إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ))[54].

لذا نوصي جميع الأخوة المؤمنين أن يبتدئوا سيرهم بتربية النفس على الخصال الحميدة، فعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث سريّة فلمّا رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، قيل: يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس». وقال (صلّى الله عليه وآله): «إن أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه»[55].

وقال الإمام السجاد (عليه السلام): «الذنوب التي تغيّر النعم: البغي على الناس، والزوال عن العادة في الخير، واصطناع المعروف، وكفران النعم، وترك الشكر؛ قال الله تعالى: ((إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) ـ إلى أن قال (عليه السلام): ـ والذنوب التي تنزل البلاء: ترك إغاثة الملهوف، وترك معاونة المظلوم، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والذنوب التي تديل الأعداء: المجاهرة بالظلم، وإعلان الفجور، وإباحة المحظور، وعصيان الأخيار، والانصياع للأشرار.. »[56].

لأن هذا الطريق ـ طريق تربية النفس على الخصال الحميدة والعادات الحسنة، وشكر النعمة ـ هو أسرع الطرق التي توصلنا إلى ذلك الهدف النبيل الذي يسعى من أجله الجميع، وبذلك وردت بعض الأحاديث عن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بأنه سمّى تربية النفس وتهذيبها (بالجهاد الأكبر) وفضلهُ على غيره أكبر من أن يوضح.

فمن أجل إنقاذ المسلمين جميعاً وخصوصاً في العراق، يجب (قبل كل شيء) أن نجاهد النفس وذلك بتربيتها، ومن خلال هذا الطريق سوف نصل إلى الهدف في أسرع وقت وأقل طاقة إن شاء الله تعالى.

وقد ورد الكثير من الروايات التي تحث على جهاد النفس، فعن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنه قال: «.. وجاهد نفسك لتردّها عن هواها، فانه واجب عليك، كجهاد عدوّك... »[57].

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «حاربوا هذه القلوب فإنها سريعة العثار»[58].

وعنه (عليه السلام) قال: «ردّ عن (من) نفسك عند الشهوات، وأقمها على كتاب الله عند الشبهات»[59].

كما يجب التمسك بالقيادة المرجعية لتتوحد الطاقات وتصب جميعها في هذا الطريق.

ونبتهل إلى الله جل اسمه أن ينقّي أرواحنا ويطهر قلوبنا، ونسأله تعالى أن يفرّج عنا فرجاً عاجلاً قريباً بإزالة هذا الكابوس المرعب المتسلط بقوة الحديد والنار على رقاب شعبنا المظلوم في العراق.

«اللهم صل على محمد وآله وبلغ بإيماني أكمل الإيمان، واجعل يقيني أفضل اليقين، وانته بنيّتي إلى أحسن النيّات، وبعملي إلى أحسن الأعمال، اللهم وفر بلطفك نيتي، وصحح بما عندك يقيني، واستصلح بقدرتك ما فسد مني»[60].

[1] سورة الذاريات: 55.

[2] الخليج العربي.

[3] وهو (آرنولد ويلسن) الذي كان آنذاك وكيل الحاكم الملكي، ويشغل منصب المندوب السامي البريطاني في العراق. وقال بطرس الأكبر ـ أحد قادة روسيا قبل الحرب العالمية الأولى ـ مبيناً أهمية منطقة الخليج والشرق الأوسط فقال: (من يملك الخليج يملك العالم). والعراق يمثل رأس الخليج وأقرب المواقع إليه.

[4] القائل هو (الجنرال ستانلي موند) قائد الجيوش البريطانية التي احتلت بغداد، انظر الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة (1920م).

[5] ومن أبرز العلماء الأعلام الذين جاهدوا وشاركوا في مواجهة الغزو البريطاني هم: الإمام الميرزا محمد تقي الشيرازي، والسيد محمد سعيد الحبوبي، و آية الله السيد كاظم اليزدي، وآية الله الشيخ مهدي الخالصي، والسيد مهدي الحيدري، وآية الله شيخ الشريعة الأصفهاني، والسيد مصطفى الكاشاني، والسيد علي الداماد، وقد بلغ عدد المجاهدين أكثر من ثلاثين ألف راجل وعشرة آلاف فارس والتحق بهم ستمائة فارس من المجاهدين الأكراد. انظر الحقائق الناصعة لثورة العشرين، وتاريخ التحرك الإسلامي في العراق (1900-1924م)، وتاريخ العراق السياسي المعاصر ج2 ص141.

[6] ثورة العشرين: هي ثورة عارمة ضد الاحتلال الإنكليزي للعراق انطلقت شرارتها عام (1338ه/ 1920م)، حيث اصدر قائد الثورة الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي (رحمه الله) والذي كان المرجع الأعلى للطائفة، فتواه الشهيرة ضد التواجد الإنكليزي في العراق مما اضطر الإنكليز للخروج بالخيبة والانكسار، وهذا نص الفتوى: (مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطالبهم) انظر الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920م ونتائجها: ص192-195.

[7] نوري سعيد صالح السعيد من مواليد بغداد عام (1888م)، أصبح رئيساً للوزراء بين عام (1930-1958م) لأربع عشرة دورة، ووزيراً للدفاع في خمس عشرة دورة، ووزيراً للخارجية في إحدى عشرة دورة، ووزيراً للداخلية في دورتين. وهو أحد أكبر عملاء بريطانيا فـي العالم العربي، تحالف مع الإنجليـز، جعـل العـراق ضمن التكتلات الدولية والتبعية الاقتصادية للاستعمار وسوقاً لمنتجات الدول الاستعمارية ومصدراً لمواده الخام. أسس في الخمسينيات حزب الاتحاد الدستوري لدعم وزارته، وكان حزبه وحزب صالح جبر (الأمة الاشتراكي) لا يختلفان من الناحية التنظيمية والفكرية عن بعضهما، فالاثنان مواليان للإنجليز وأغلب أعضائهما من القطاع الموالي للإنجليز، وكانا يتنافسان أحياناً ويختلفان في بعض المسائل الداخلية. انتحر بإطلاق النار على نفسه عام (1958م) إثر انقلاب 14 تموز وقيل قتل.

[8] عبد الكريم قاسم محمد بكر الزبيدي ولد في بغداد عام (1914م). التحق بالكلية العسكرية في (1932م) وتدرَّج في الرتب العسكرية، انتمى لتنظيم الضباط الأحرار عام (1956م). قام بانقلاب عسكري عام في (14 تموز عام 1958م) وأطاح بالحكم الملكي، فقتل أغلب أفراد العائلة الملكية بما فيهم الملك فيصل الثاني، وأعلن الحكم الجمهوري وشكل مجلس السيادة وترأس مجلس الوزراء إضافة إلى وزارة الدفاع بالوكالة لثلاث دورات، ألغى المظاهر الديمقراطية كالبرلمان والتعددية الحزبية ما عدا الحزب الشيوعي الذي أضحى الحزب المحبب للسلطة، وألغى الحكم المدني وأضحت البلاد خالية من الدستور تعرض خلال حكمه إلى عدة محاولات انقلابية، تعرض لانقلاب عسكري دبره عبد السلام عارف مع مجموعة من الضبّـاط البعثيين أمثال أحمـد حسن البكر وصالح مهدي عمّاش وغيرهم وذلك عام (1963م)، أعدم رميا بالرصاص مع بعض رفاقه في دار الإذاعة.

[9] عبد السلام محمد عارف، من مواليد مدينة الرمادي عام (1921م)، كان مـن أعضـاء تنظيم (الضباط الأحرار)، اشتـرك مع عبد الكريم قاسم عام فـي إنقلاب (14 تموز) في الإطاحة بالنظام الملكي، وبعد اختلافه مع عبد الكريم قاسم أقصي من مناصبه، فعيّن سفيراً فـي العاصمـة الألمانية. ألقي القبض عليه بتهمة التآمر وصـدر حكم الإعدام عليه وعفي عنه بعد أن قضـى أكثـر مـن سنتين في السجن. قاد انقلابا عسكرياً على عبد الكريم قاسم بمعاونة البعثيين فأصبح رئيساً للجمهورية في (8 شباط عام 1963م). اتّسم حكمه بـالكبت والإرهاب والعنصرية، واهتم بتعيين الأقارب وأبناء العشيرة والبلد ـ كما هو شأن أغلب الطغاة ـ في إسناد المناصب لأقربائهم بغض النظر عن المؤهـلات والقابليات والكفاءات واشتهر بالتعصب المذهبي، يقول الدكتور سعيد السامرائي عن عبد السلام ما نصه: (كان هذا الرجل لايحتمل رؤية الشيعي، حتى أنه قطع زيارته لشركة التأمين الوطنية يوماً لأنه وجد أن مدراءها ورؤساء أقسامها وشعبها هم إما من الشيعة أو المسيحيين، والذين تبوءوا هذه المناصب بكفاءتهم في هذه المهنة التي لا تحتمل وضع غير الكفء فيها). انقلب على رفاقه البعثيين بعد انقلاب عام (1963م) وأقصاهم من وزارته، وأصدر كتاباً ضدّهم سمّاه المنحرفون، وصمهم بكلّ قبيح من قبيل الشذوذ الجنسي والسرقة وما إلى ذلك. قتل مع عددٍ من الوزراء في عام (1966م) إثر سقوط طائرته قرب البصرة نتيجة وضع قنبلة فيها.

[10] عبد الرحمن محمد عارف، ولد عام (1916م)، انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار اصبح رئيساً للجمهورية عام (1966م) بعد مقتل شقيقه عبد السلام. اتّسم حكمه بالتدهور الاقتصادي والمعاشـي وبالتمييـز الطائفـي والعنصرية وكـان يتأثر بالمحيطين به ويثق بهم، ويتبنى عادة رأي آخر من يقابله. نحي عن السلطة بعدما أوعزت المخابرات الأمريكية والبريطانية إلى عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود وأحمد حسن البكر بتغيير السلطة في العراق فقاموا بانقلاب عسكري في (17 تموز عام 1968م) ونفي إلى تركيا.

[11] صدام التكريتي، الطاغوت الذي صاغه الغرب وفق متطلبات المنطقة وظروفها السياسية، وحافظ علـى أمنـه الشخصي فـي أدق الظروف وأحلك اللحظات، ولد عام (1939م) في قرية العوجة جنوب تكريت، انتمى إلى حزب البعث واشترك مع بعض عناصر الحزب في محاولة فاشلة في اغتيال عبد الكريم قاسم عام (1959م) هرب إلى سوريا ومنها إلى مصر، اشترك في انقلاب (17 تموز 1968م). وقام بنفسه باقصاء عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود اللذين كان لهما دوراً رئيسياً في نجاح الثورة. وفي عام (1979م) أصبح رئيساً للجمهورية بعد أن أقصى البكر عن الحكم ومنح نفسه رتبة مهيب ركن. وقام بتصفية مجموعة كبيرة من قادة حزب البعث الذين حاولوا إزاحته عن السلطة. هاجم إيران (1980م) فاندلعت حرب الخليج الأولى واستمرت ثمان سنوات، احتل الكويت (1990م) فاندلعت حرب الخليج الثانية، فقامت قوات الحلفاء بقيادة أمريكا بتدمير العراق ووضعه تحت حصار طويل الأمد. انتفض الشعب فقمع صدام انتفاضة الشعب بوحشية لا مثيل لها، فقد قدرت أعداد من قتلوا وأعدموا واختفوا ما يزيد على 300 ألف عراقي.

[12] سورة الأنعام: 129.

[13] طاهر يحيى التكريتي: رئيس وزراء العراق في أربع دورات منها في حكومة عبد السلام عارف.

[14] عبد الرزاق النايف: أحد قادة انقلاب (1968م) ثم اعتقل مع مجموعة أخرى من قبل صدام والبكر وذلك في (30 تموز 1968م) أي بعد أيام قلائل من اشتراكه بالانقلاب الأول.

[15] أحمد حسن البكر من مواليد تكريت (1914م) تقلّد منصب رئاسة الوزراء فـي حكومة عبد السلام عارف، ثمّ منصب رئيس الجمهورية في العشرين من ربيع الثاني (1388ه/17 تموز عام 1968م) إثر انقلاب دبره على عبد الرحمن عارف، ومنح نفسـه رتبة مهيب ـ مشير ـ بعد الانقلاب، منح أقرباءه وأصهاره وأبناء عشيرته وبلدته رتباً عالية دون استحقاق. تحكمت الطائفية والعصبية في زمانه وتدهورت الزراعة وتردّت الصناعة وملئت السجون بالمجاهدين والأحرار. عرف بلؤمه وغدره حتى بأصدقائه، نحي عن الحكم إثر انقلاب دبره عليه زميله في الإجرام صدام التكريتي بتاريخ (16 تمّوز عام 1979م) بعد أن حكم العراق 11 عاماً. قتله صدام بحقنة ترفع نسبة السكر لديه بواسطة الدكتور صادق علوش، وذلك عام (1982م).

[16] إشارة إلى ما يسمى ثورة 30 تموز 1968م.

[17] آية الله العظمى المرجع الديني الكبير السيد محسن بن مهدي بن صالح بن أحمد الطباطبائي الحكيم، ولد (رحمه الله) في (شوال 1306ه/ 1889م) في بلدة بنت جبيل بلبنان، توفي والده عام (1312ه) وعمره آنذاك ست سنوات وتركه مع والدته وأخيه الأكبر آية الله السيد محمود الحكيم (رحمه الله) والذي يكبره بعشر سنوات، لتتولى الأم والأخ الكبير تربيته ورعايته. وكان أمين سر القيادة في ثورة العراق على البريطانيين سنة (1938م) قبل أن يكون المرجع الأعلى، صنف العديد من الكتب القيمة، قيل إنها تقارب خمسين مؤلفاً، أجلها (مستمسك العروة الوثقى) و (توضيح المسائل) و (حقائق الأصول) و (دليل الناسك في المناسك)، ومن أعماله تأسيس المكتبة العامة المعروفة باسم (مكتبة آية الله الحكيم العامة) في النجف الأشرف وهو أول من أسس مكتبة عامة فيها، كما أنشأ لها فروعاً في مدن العراق، واندونيسيا وسورية ولبنان. أصدر فتواه الشهيرة بتكفير الشيوعية والكشف عن صبغتها الإلحادية في (17 شعبان - 1379ه/ أيار 1960م) واعتبر أن الشيوعية كفر وإلحاد ونشر الفتوى في جريدة العراق آنذاك. تعرض للمضايقة من قبل حزب البعث في العراق. توفي ببغداد عام (1390ه /1970م) ودفن في النجف الأشرف وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً في تاريخ العراق حيث عطلت الأسواق وخرجت المدن عن بكرة أبيها لوداعه (رحمه الله).

[18] حردان عبد الغفار التكريتي، عسكري عراقي عرف بتعلقه بالموبقات، نائب القائد العام للقوات المسلحة عام (1963م)، اشترك مع أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش في ضرب ما عرف بالحرس القومي عام (1963م) وتحالف مع عبد السلام عارف رئيس الجمهورية في حينه، فعينه الأخير وزيراً للدفاع. اشترك في انقلاب (17 تموز 1968م) أظهر التمرد فاغتيل في الكويت عام (1971م) وقاد عملية الاغتيال حمودي العزاوي المستشار في السفارة العراقية في الكويت، وقام صدام بإرسال عبد الكريم الشيخلي وزير الخارجية آنذاك بطائرة خاصة لتهريب قتلة حردان، له مذكرات تفضح عصابة الحكم في العراق بعد عام (1968م).

[19] صالح مهدي عماش من مواليد بغداد سنة (1914م) نشأ في أسرة متواضعة في منطقة الأعظمية، دخل الكلية العسكرية ليتخرج منها ضابطاً. انتمى لتنظيم الضباط الأحرار في الخمسينات، وعندما قامت ثورة (14 تموز/ 1958م) لم يتقلد منصباً مهماً، اعتقل في عام (1959م)، وفي أحد المعتقلات انخرط في صفوف (حزب البعث) مع رفيقه أحمد حسن البكر ومجموعة من العسكريين القوميين. شارك في الإعداد لانقلاب (8 شباط/ 1963م) وكان له دور بارز فيه، وفي صبيحة الانقلاب خرج من المعتقل ليتولى حقيبة وزارة الدفاع. وفي الستينات وبعد نكسة البعث العراقي اختير عضواً في القيادة السرية للبعث وكان له الدور الفاعل في التهيئة لانقلاب (17 تموز/ 1968م) عمل كسفيرٍ لبلاده في باريس وموسكو وهلسنكي، استدعي مرات عدة إلى بغداد ولكنه امتنع لتوجسه الغدر من رفاقه وتكرر الاستدعاء وتكرر الاعتذار؛ لعلمه بالنوايا السيئة للسلطة الحاكمة، قام صدام التكريتي بدعوة جميع سفراء العراق للتوجه إلى جبهة الحرب مع إيران وحكم على من يرفض مسبقاً بأنه جبان، فاستجاب عندها عماش فدس له السم بواسطة قادة أحد الفيالق، فمات على إثر ذلك عام (1985م).

[20] ناظم كزار المشهور بأبي حرب، مدير الأمن العام عام (1968 ـ 1973م) عضو هيئة التحقيق في قصر النهاية عام (1963م). عرف بالإجرام وتلذذه بتعذيب المعتقلين والتفنن بذلك، دبر له صدام خطة للتخلص منه وذلك بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قام بها في (30/ حزيران/ 1973م) ضد أحمد حسن البكر، فألقي القبض عليه وتم إعدامه في شهر آب عام (1973م).

[21] عبد الكريم الشيخلي الصديق الشخصي لصدام وشريكه لفترة تزيد على عشرين عاماً، وقد نفذ خلالها عدداً من المهام الخاصة. درس في كلية الطب فاستثمر معلوماته الطبية في قضايا التعذيب، كأن يأمر المريض المصاب بالسل بأن يبصق في أفواه المعتقلين. شغل منصب وزير الخارجية ثم منصب ممثل العراق في الأمم المتحدة. قام بتهريب قتلة حردان التكريتي من الكويت على طائرة خاصة عندما كان وزيراً للخارجية. تروى عنه قصص تعذيب للمعتقلين بقصر النهاية تبعث على التقزز. اغتيل في (8/ نيسان/ 1980م) بعدما أحيل على التقاعد التقاعد.

والمذكورون سابقاً ـ غالباً ـ كانوا من أعضاء مجلس قيادة الثورة، إما تمت تصفيتهم أو هربوا خارج العراق بعدما انتفت الحاجة إليهم، أو أنهم أبدوا أطماع في السلطة.

[22] ميشيل عفلق (1910 ـ 1989م) مسيحي ولد في دمشق ومات في بغداد، أحد مؤسسي حزب البعث، تخرج من فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية.

[23] سورة الأنعام: 33.

[24] هو لويس ماسينون (1883-1962م) مستشرق فرنسي من أشد المهتمين بمؤلفات الحلاج الصوفية.

[25] مجلة الدستور اللبنانية تحت عنوان (دمشق.. إعدام البعث) الكاتب علي بلوط.

[26] كتاب (الفكر الإسلامي الحديث) للدكتور محمد البهي ص556.

[27] صالح مهدي عمّاش أحد أعضاء الحزب في أوّل حكومة لحزب البعث في العراق.

[28] (ميشيل) هو ميشيل عفلق و (في سبيل) كتاب ألفه عفلق أسماه (في سبيل البعث) و (الذكر) يريد به القرآن الكريم.

[29] ويقصد به سيد الكائنات الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله).

[30] سورة فاطر: 28.

[31] غوالي اللآلي: ج4 ص77 الجملة الثانية ح67.

[32] الكافي: ج1 ص34 باب ثواب العالم والمتعلم ح1.

[33] الكافي: ج1 ص39 باب مجالسة العلماء وصحبتهم ح2.

[34] سورة الإسراء: 9.

[35] نهج البلاغة، الكتب: 47 من وصية له (عليه السلام) للحسن والحسين (عليهما السلام) لما ضربه ابن ملجم (لعنه الله).

[36] مواليد عام 1930م مسيحي أحد أعضاء القيادة القومية لحزب البعث تقلد عدة وزارات في سوريا ومنصب نائب أمين عام حزب البعث عام 1965م.

[37] خير الله خال صدام ووالد ساجدة زوجة صدام.

[38] شريح القاضي: هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية من كندة ويكنى أبا أمية ولاه عمر بن الخطاب قضاء الكوفة وولي الكوفة زمن عثمان وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) ومعاوية، مات سنة (87 للهجرة) وقيل (77 للهجرة) وقيل غير ذلك. كان مخالفاً للإمام (عليه السلام).

[39] هو محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسين المشغري المشهور بالحر العاملي مؤرخ فقيه، أصولي، محدّث متكلم ولد في لبنان (8 رجب 1033ه) وانتقل إلى جبع ومنها إلى العراق توطن في المشهد المقدس الرضوي وأعطي شيخوخة الإسلام ومنصب القضاء وصار من أعاظم العلماء في خراسان. توفي في شهر رمضان (1104ه) ودفن في الصحن الرضوي المقدس. له تصانيف منها أمل الآمل، وتذكرة المتبحرين، والجواهر السنية في الأحاديث القدسية، وتفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ويسمى الوسائل اختصاراً، وهداية الأمة إلى أحكام الأئمة، والفصول المهمة في أصول الأئمة وغيرها. أنظر الأعلام لخير الدين الزركلي: ج6 ص90 الحر العاملي، والكنى والألقاب: ج2 ص176 الحر العاملي.

[40] ويقصدون بالرئيس الإمام السيد محسن الحكيم (رحمه الله).

[41] آية الله السيد حسن بن السيد مهدي الشيرازي، ينحدر من أسرة مشهورة بالعـلم والفضيلة والتقوى ومكافحة الاستعمار. ولد في مدينة النجف عام (1354ه/1935م). درس السطوح العليا على يد العلماء الكبار أمثال والده آية الله العظمى السيـد مهدي الشيرازي وآية الله العظمى السيد محمد هادي الميلاني وآية الله العظمى الشيخ محمد رضا الاصفهاني. اشتهر في الأوسـاط العلمية بالعلم والفقاهة والـذوق الأدبي والعمل الدؤوب. كان من طليعة المحاربين للحكومات الجائرة التي تعاقبت على العراق بفكره وقلمه ولسانه، لذا تعرَّض للاعتقال والتعذيب. ترك العراق مهاجراً إلى لبنان وسوريا عام (1390ه) واستمر في نشاطه الجهادي وتعريف ظلامة الشعب العراقـي للعالم. كذلك استمر في نشاطه العلمي في أرض المهجر، فأسس المدارس والمراكز والحسينيات، فقد أسس أول حوزة علمية في سوريا هي الحوزة العلمية الزينبية فـي منطقة السيدة زينب (عليها السلام) عام (1393ه) بتوجيه من أخيه الإمام الراحل السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) وكـان يدرِّس فيهـا بحث خارج الفقه والأصول، وأسس مكتب جماعة العلماء في لبنان عام (1397ه).

اغتيل برصاصات عملاء نظام البعث العراقي في لبنان عام (1400ه). خلف آثاراً مطبوعة ومخطوطة منها: موسوعة الكلمة في 25 مجلداً تتضمن كلمة الله، وكلمة الإسلام، وكلمة الرسول الأعظم، وكلمة أمير المؤمنين ـ وكلمات المعصومين (عليهم السلام) ـ إلى كلمة الإمام المهدي (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، وكتاب خواطـري عن القرآن في ثلاثة مجلدات والاقتصاد الإسلامي، ودواوين شعرية، والعمل الأدبي، والأدب الموجه، والشعائر الحسينية، وغيرها.

ولمعرفة بعض معاناة الشهيد (رحمه الله) أنظر كتاب (كفاحنا) للإمام الراحل (أعلى الله درجاته)، وفيه يصف السيد الشهيد بعض لحظات الهجرة من العراق وما اكتنفه من أحاسيس فيقول: «... وكانت الساعة تشير إلى الثانية بعد الظهر، عندما جاء بعض الزملاء الأعزاء إلى البيت، وبيده موافقة على سفري مشفوعة ببطاقة الطائرة، وفي نفس اليوم ما كانت عقارب الساعة تشير إلى السادسة بعد الظهر إلا وكانت الطائرة تخترق أجواء العراق هاربة من كل الأشباح المخيفة في الدنيا المجتمعة في بغداد، ولكن نبضات قلبي الخافتة (فقد كان ضغطي هابطاً إلى سبع درجات لشدة المرض بعد ذلك التعذيب الوحشي) كانت تنفض الكارثة بحذر، فما دامت الطائرة في الجو، فأنا في الكارثة، فكم اُعيدت الطائرات المقلعة من بغداد لأن البعثيين يعيدون فحص أسماء المسافرين بعد اقلاع الطائرات، فإذا أبدى أحدهم ملاحظة حول أحد المسافرين اُعيدت الطائرة وأوقف المسافرون ريثما يتخذ البعثيون قراراً بشأن المسافر الذي اُبديت حوله الملاحظة.. فكيف بي وأنا الذي اُثيرت حوله ضجة كبيرة وكتبت صحف بيروت: أنه سيصل إلى بيروت لإجراء عملية جراحية، ولا يتوقع أن يعود إلى العراق في وقت قريب؟

وما كادت الشمس تسبح في البحر لتغسل عنها رهق جولتها عبر اليوم الطويل، إلا وكانت الطائرة تهوي على أرض المطار في بيروت لائذة بها عسى أن تسرق أنفاساً تكدرها النظرات الشزر، وخِلْتُ أنها تزغرد بدوّيها لأنها ارفأت إلى شاطئ السلام بعد اشتباك مريرٍ مع الآجال المعلقّة.

ولكن نبضات قلبي لا زالت داكنة، رغم بشارة المضيّفة بأن الطائرة وصلت إلى الميناء الجوي في بيروت، فأنا بعدُ في الطائرة، ومن الممكن أن تواصل قوسَ النزول إلى بغداد قبل أن تفتح على مسافريها أبواب الحياة.

وعندما وصلتُ إلى مفتش الجمرك فتح حقيبتي اليدوية ليجد فيها مع الملابس العادية سكّينة صغيرة للفواكه فأراد ان يبدأ فتح حقيبتي بنكتة، فقال: هل المشايخ يحملون السكاكين في حقائبهم؟ فقلت: طبعاً.. أو لستَ تعلم أنني قادم من بغداد.. فقال: إذن الحمد لله على السلامة.. ولم يعلم أن لكلمته معنى أكبر من الكلاسيكية التي عناها.

وحينما هممت بالركوب في سيارة خارج المطار، شعرت بكَفٍ توضع برفق على كتفي، فالتفتّ لأرى أحد اصدقائي العراقيين، وهو يقول لي: لقد كنت معك، ولكن الآن أستطيع أن أقول لك: الحمد لله على السلامة.

ودخلت إلى دائرة البريد لأُبرق إلى أخي أنني وصلت بالسلامة، ثم جاءني في الغد مسافر يقول: وصلت برقيتك، وقَبلها وصلت برقية تمنعك من السفر، واتصلت الجهات المختصة لاسلكياً بالطائرة لتعود بك إلى بغداد، ولكن ربّان الطائرة أجاب بأن المسافرين خرجوا منها إلى الجمرك، فلا يمكنه إعادتهم إلى الطائرة.

ودخلت مستشفى من مستشفيات بيروت في الغرفة المحتجزة لي، وأطللت من شُرفتها على بيروت، هذا الصدر الضيق الذي يجيش بالمتناقضات، فوجدت قلبي ينفض نفس النبضات الكئيبة، التي كان ينفضها في بغداد، فقد خرجت من صراع من أجل الحياة إلى صراع من أجل الرسالة، فستكون بيروت سنوات قادمة قاعدة عملي، ولابد أن أعمل فيها شيئاً، وكيف يمكنني ذلك؟ فهنا ملتقى التيارات الموجهة بإمكانات دول، وأنا لستُ إلا فرداً واحداً يواجه أكثر من حكومة معادية، وأكثر من حزب مُعادٍ، وليس وراءه إلا قلب واحد يخفق بالحرارة، ولعله القلب الوحيد الذي وجدته يخفق بهذه الدرجة من حرارة الإيمان، هو قلب أخي ـ الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) ـ الذي يظن بي خيراً، ويأمل مني كثيراً، ولكنه هو بدوره لا يملك إلا حرارة الإيمان، وهو بدوره باق في العراق ـ في ذلك الوقت ـ يعاني صراعاً مريراً من أجل الحياة والرسالة معاً، فلا أستطيع أن أمدّ إليه يداً لإنقاذه أو تخفيف الضغط عنه، ولا أستطيع أن أقوم بعمل رسالي يروي بعض ظمئه إلى الأعمال الرسالية.

ولعل كل قدم أرفعها هنا أضع عواقبها عليه هناك، فأنا أعلم أن البعثيين يقتصّون منه على كل عمل أقوم به أنا، فإنهم يعاقبون القريب بالبعيد، ويشدّدون الضغط على مَن في قبضتهم بذنب الذي لا تطاله أيديهم، إذن فماذا افعل أنا... يا الله... أنت وجّهني وأيّدني.. فليست هناك حكومة توجّهني وتؤيدني.. ولن أرضى أن أسير في ركاب قوة من الأرض، فأنا بِعتُ كلّي للسماء.

وقال القرآن لي ولأمثالي: ((فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ)) (سورة التوبة: 111) ولا أريد ان أفسخ صفقة السماء، ولا أريد أن أكون من الذين وبّخهم القرآن بقوله: ((أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْر)) (سورة البقرة: 61).. يا الله.. أنت وليي.. ووليّ المؤمنين.. تولاني فقد استسلمت لك.. يا رب دُلّني في صعاب الرسالة كما أنقذتني أنت لا غيرك من مخالب الموت والذُل قبل أيام.. دلّني يا إلهي، فليست هنالك قوة أطمئن إليها لإنقاذي..

فقد تمزقتُ في السجن وتحت التعذيب، والآن أحاطت بي مشاكل لتهرس ما تبقّى من أشلائي.. أَبقِ عليّ يا رب ولا تهملني هكذا حصيراً في الرياح المتوحشة.. يا الله.. أجب نبضات قلبي التي تهتف بك، وامسح عن وجهي كآبة الحيرة، كما مسحتَ عنه كآبة الخوف والقلق.

لقد كان الزائرون يتوافدون عليّ، وكنتُ أبادلهم سلاماً بسلام، ولكني كنت شارداً مُبدّداً لا أستطيع تجميع قوتي وتركيز نظراتي وكانوا يغفرون إنهاكي فأنا مريض هارب من جحيم الدنيا، ولكني حتى اليوم لم أجرأ على غفران ذلك، لا من أجل الزائرين، وإنما من أجل ضعفي في أداء رسالة أشعر بأنها ملقاة على عاتقي.. صرت عاتباً على نفسي، أَعلك أعصابي، وأمتص عافيتي، وحيّرتُ الأطباء الذين كانوا يشرفون على علاجي: لماذا تتدهور صحتي؟ تصوروا أن الزيارات والقراءة تؤثر عليّ، فأرادوا منع الزيارات والكتب عني، فقلت لهم: امنعوا شلال التكفير أن يحفر في صُدغي.. ذقتُ بعض المرارة التي كانت تنهب أصحاب الرسالات وهم يرون الحواجز تطرق رسالاتهم، حاولت أن أسلّي نفسي بضعفي، فلم أجده مقبولاً لا أمام الله ولا أمام ضميري... وبقيتْ ضربات قلبي الخافتة الكئيبة همساً خاشعاً يطوف على أبواب رحمة الله، وهي تقول بأنينها المكبوت: يا رب إن رحمتك وسعت كل شيء، وأنا شيء، فلتسعني رحمتك.. ». انظر كتاب (عراق البعث) ص: 8-13. وكتاب (آية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي فكرة وجهاد) ص: 129-133. وراجع كتاب (الأخ الشهيد السيد حسن الشيرازي) للإمام الراحل، وراجع كتاب (حضارة في رجل) للسيد عبد الله الهاشمي، وكتاب (أسرة المجدد الشيرازي) لنور الدين الشاهرودي، و (الراحل الحاضر) لمؤسسة المستقبل للثقافة والإعلام..

[42] راجع السبيل إلى إنهاض المسلمين، وإذا قام الإسلام في العراق، والصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام، وكفاحنا، وغيرها للإمام الراحل (رحمه الله).

[43] سورة فاطر: 28.

[44] غوالي اللآلي: ج4 ص77 الجملة الثانية المتعلقة بالعلم وأهله وحامليه ح65.

[45] المصدر السابق، ح67.

[46] مستدرك الوسائل: ج17 ص320 ب11 ح21467.

[47] الكافي: ج1 ص38 باب فقد العلماء ح2.

[48] المصدر السابق، ح4.

[49] بحار الأنوار: ج44 ص329 ب37 ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد.

[50] سورة آل عمران: 103.

[51] غرر الحكم ودرر الكلم: ص466 ق6 ب5 ح10718.

[52] المصدر السابق: ح10715.

[53] غوالي اللآلي: ج1 ص129 الفصل8 ح3.

[54] سورة الرعد: 11.

[55] وسائل الشيعة: ج15 ص163 ب1 ح20216.

[56] وسائل الشيعة: ج16 ص281 ب41 ح21556.

[57] مستدرك الوسائل: ج11 ص141 ب1 ح12654.

[58] غرر الحكم ودرر الكلم: ص67 ق1 ب1 الفصل 13 ح893.

[59] غرر الحكم ودرر الكلم: ص242 ق3 ب2 الفصل 1 ح4928.

[60] الصحيفة السجادية: الدعاء 20 من دعائه (عليه السلام) في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال.