الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

خطاب إلى المجاهدين في العراق

قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))[1].

الأخوة المجاهدون، في داخل العراق وخارجه:

أحييكم بتحية الإسلام، وقد ظلمتم وأخرجتم من دياركم بغير حقٍ؛ لأنكم قلتم: لا إله إلا الله.

أصبحتم مصداق قوله تعالى: ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ))[2].

قال الإمام الباقر (عليه السلام) في هذه الآية المباركة: «نزلت في المهاجرين وجرت في آل محمد (عليهم السلام) الذين أخرجوا من ديارهم وأخيفوا»[3].

وعن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: أخبرني عن الدعاء إلى الله والجهاد في سبيله، أهو لقوم لا يحل إلا لهم، ولا يقوم به إلا من كان منهم، أم هو مباح لكل من وحّد الله عزوجل، وآمن برسوله (صلّى الله عليه وآله)، ومن كان كذا فله أن يدعو إلى الله عزوجل، وإلى طاعته، وأن يجاهد في سبيله؟

فقال: «ذلك لقوم لا يحل إلا لهم، ولا يقوم بذلك إلا من كان منهم».

قلت: من أولئك؟

قال: «من قام بشرائط الله عزوجل في القتال، والجهاد على المجاهدين، فهو المأذون له في الدعاء إلى الله عزوجل، ومن لم يكن قائماً بشرائط الله عزوجل في الجهاد على المجاهدين، فليس بمأذون له في الجهاد، ولا الدعاء إلى الله، حتى يحكم في نفسه ما أخذ الله عليه من شرائط الجهاد».

قلت: فبين لي يرحمك الله؟

قال: «إن الله تبارك وتعالى أخبر (نبيّه) في كتابه، الدعاء إليه، ووصف الدعاة إليه، فجعل ذلك لهم درجات يعرف بعضها بعضاً، ويستدل ببعضها على بعض، فأخبر أنه تبارك وتعالى أول من دعا إلى نفسه ودعا إلى طاعته، واتباع أمره، فبدأ بنفسه، فقال: ((وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))[4] ثم ثنى برسوله، فقال: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))[5] يعني بالقرآن، ولم يكن داعياً إلى الله عزوجل من خالف أمر الله،ويدعو إليه بغير ما أمر (به) في كتابه، والذي أمر أن لا يدعى إلا به ـ إلى أن قال(عليه السلام) ـ ثم ذكر من أذن له في الدعاء إليه بعده وبعد رسوله في كتابه، فقال: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))[6] ثم أخبر عن هذه الأمة، وممن هي، وأنها من ذرية إبراهيم، ومن ذرية إسماعيل من سكان الحرم، ممن لم يعبدوا غير الله قط، الذين وجبت لهم الدعوة، دعوة إبراهيم وإسماعيل من أهل المسجد، الذين أخبر عنهم في كتابه، أنه أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ـ إلى أن قال (عليه السلام) ـ ثم وصف أتباع نبيه(صلّى الله عليه وآله) من المؤمنين، فقال عزوجل: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيل))[7].

وقال تعالى: ((يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ))[8] يعني أولئك المؤمنين.

وقال سبحانه: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون))[9] ثم حلاهم ووصفهم؛ كي لايطمع في اللحاق بهم إلا من كان منهم، فقال فيما حلاهم به ووصفهم: ((الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ *  وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ))[10] إلى قوله ((أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ  *  الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ))[11].

وقال في صفتهم وحليتهم أيضاً: ((الَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً *  يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً))[12].

ثم أخبر أنه اشترى من هؤلاء المؤمنين، ومن كان على مثل صفتهم: ((أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ))[13].

ثم ذكر وفاءهم له بعهده ومبايعته، فقال: ((وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ))[14] فلما نزلت هذه الآية: ((إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ))[15] قام رجل إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا نبي الله، أرأيتك الرجل يأخذ سيفه فيقاتل حتى يقتل، إلا أنه يقترف من هذه المحارم، أ شهيد هو؟

فأنزل الله عزوجل على رسوله: ((التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ))[16].

ففسر النبي (صلّى الله عليه وآله) المجاهدين من المؤمنين الذين هذه صفتهم وحليتهم بالشهادة والجنة، وقال: التائبون من الذنوب، العابدون: الذين لا يعبدون إلا الله، ولا يشركون به شيئاً، الحامدون: الذين يحمدون الله على كل حال في الشدة والرخاء، السائحون: وهم الصائمون، الراكعون الساجدون: الذين يواظبون على الصلوات الخمس، والحافظون لها، والمحافظون عليها بركوعها وسجودها، وفي الخشوع فيها، وفي أوقاتها، الآمرون بالمعروف بعد ذلك، والعاملون به، والناهون عن المنكر والمنتهون عنه، قال: فبشّر من قتل وهو قائم بهذه الشروط بالشهادة والجنة، ثم أخبر تبارك وتعالى أنه لم يأمر بالقتال إلا أصحاب هذه الشروط، فقال عزوجل: ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ *  الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ))[17] وذلك أن جميع ما بين السماء والأرض لله عزوجل ولرسوله ولأتباعهما من المؤمنين من أهل هذه الصفة، فما كان من الدنيا في أيدي المشركين والكفار والظلمة والفجار من أهل الخلاف لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) والمولّي عن طاعتهما، مما كان في أيديهم، ظلموا فيه المؤمنين من أهل هذه الصفات، وغلبوهم عليه، مما أفاء الله على رسوله، فهو حقهم، أفاء الله عليهم ورده إليهم ـ إلى أن قال(عليه السلام): ـ فذلك قوله: ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا))[18] ما كان المؤمنون أحق به منهم، وإنما أذن للمؤمنين الذين قاموا بشرائط الإيمان التي وصفناها؛ وذلك أنه لا يكون مأذوناً له في القتال حتى يكون مظلوماً، ولا يكون مظلوماً حتى يكون مؤمناً، ولا يكون مؤمناً حتى يكون قائماً بشرائط الإيمان التي اشترط الله عزوجل على المؤمنين والمجاهدين، فإذا تكاملت فيه شرائط الله عزوجل كان مؤمناً، وإذا كان مؤمناً كان مظلوماً، وإذا كان مظلوماً كان مأذوناً له في الجهاد؛ لقوله عزوجل: ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير))[19]، وإن لم يكن مستكملا لشرائط الإيمان فهو ظالم ممن يبغي، ويجب جهاده حتى يتوب، وليس مثله مأذوناً له في الجهاد والدعاء إلى الله عزوجل؛ لأنه ليس من المؤمنين المظلومين الذين أذن لهم في القرآن في القتال، فلما نزلت هذه الآية ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا))[20] في المهاجرين الذين أخرجهم أهل مكة من ديارهم وأموالهم، أحل لهم جهادهم بظلمهم إياهم وأذن لهم في القتال».

فقلت: فهذه نزلت في المهاجرين بظلم مشركي أهل مكة لهم، فما بالهم في قتالهم كسرى وقيصر ومن دونهم من مشركي قبائل العرب؟

قال: «(عليه السلام) ولو كانت الآية إنما عنت المهاجرين الذين ظلمهم أهل مكة كانت الآية مرتفعة الفرض عمن بعدهم؛ إذا لم يبق من الظالمين والمظلومين أحد ـ إلى أن قال (عليه السلام) ـ فمن كانت قد تمت فيه شرائط الله عزوجل التي وصف بها أهلها من أصحاب النبي(صلّى الله عليه وآله) وهو مظلوم، فهو مأذون له في الجهاد، كما أذن لهم في الجهاد؛ لأن حكم الله عزوجل في الأولين والآخرين، وفرائضه عليهم سواء، إلا من علة أو حادث يكون، والأولون والآخرون أيضاً في منع الحوادث شركاء، والفرائض عليهم واحدة، يسأل الآخرون عن أداء الفرائض عما يسأل عنه الأولون، ويحاسبون عما به يحاسبون، ومن لم يكن على صفة من أذن الله له في الجهاد من المؤمنين فليس من أهل الجهاد، وليس بمأذون له فيه، حتى يفيء بما شرط الله عزوجل عليه، فإذا تكاملت فيه شرائط الله عزوجل على المؤمنين والمجاهدين فهو من المأذونين له في الجهاد، فليتق الله عزوجل عبد ولا يغتر بالأماني التي نهى الله عزوجل عنها من هذه الأحاديث الكاذبة على الله، التي يكذّبها القرآن ويتبرأ منها ومن حملتها ورواتها، ولا يقدم على الله عزوجل بشبهة لا يعذر بها، فإنه ليس وراء المتعرض للقتل في سبيل الله منزلة يؤتى الله من قبلها، وهي غاية الأعمال في عظم قدرها، فليحكم امرؤ لنفسه، وليرها كتاب الله عزوجل ويعرضها عليه، فإنه لا أحد أعرف بالمرء من نفسه، فإن وجدها قائمةً بما شرط الله عليه في الجهاد فليقدم على الجهاد، وإن علم تقصيراً فليصلحها، وليقمها على ما فرض الله عليها من الجهاد، ثم ليقدم بها وهي طاهرة مطهرة من كل دنس يحول بينها وبين جهادها، ولسنا نقول لمن أراد الجهاد وهو على خلاف ما وصفنا، من شرائط الله عزوجل على المؤمنين والمجاهدين: لا تجاهدوا، ولكن نقول: قد علّمناكم ما شرط الله عزوجل على أهل الجهاد، الذين بايعهم واشترى منهم أنفسهم، وأموالهم بالجنان، فليصلح امرؤ ما علم من نفسه من تقصير عن ذلك، وليعرضها على شرائط الله، فإن رأى أنه قد وفى بها وتكاملت فيه، فإنه ممن أذن الله عزوجل له في الجهاد، فإن أبى أن لا يكون مجاهداً على ما فيه من الإصرار على المعاصي والمحارم والإقدام على الجهاد بالتخبيط والعمى، والقدوم على الله عزوجل بالجهل والروايات الكاذبة، فلقد لعمري جاء الأثر فيمن فعل هذا الفعل، إن الله عزوجل ينصر هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم، فليتق الله عزوجل امرؤ وليحذر أن يكون منهم، فقد بين لكم ولا عذر لكم بعد البيان في الجهل، ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله عليه توكلنا وإليه المصير»[21].

الكل يعلم، أنّ منفذي سياسات القوى الاستعمارية البريطانية والأمريكية والصهيونية، هم الآن على رأس السلطة في العراق. وهم الذين يديرون شؤونه الاقتصادية والسياسية والعسكرية والشؤون الأخرى.

وأنّ حزب البعث في العراق الذي أسسه صليبيان[22] إنما أسس لتدمير العراق بل والشرق الأوسط، ولمواجهة الإسلام والمسلمين وتدميرهم، وكانت أمنية المستعمرين منذ القدم أن يقضوا على مراكز العراق العلمية والدينية والاقتصادية والاجتماعية. ويجعلوها في عزلة تامة فيمنعون الزوار عن المشاهد المقدسة للأئمة الأطهار(عليهم السلام)، والقضاء على روح التمسك بهذه الرموز الخالدة والالتفاف حول الإسلام وعظمائه، وقد حققوا الكثير من أهدافهم عن طريق أعوانهم وأذيالهم.

[1] سورة آل عمران: 200.

[2] سورة الحج: 40.

[3] انظر تفسير الصافي: ج3 ص381 سورة الحج.

[4] سورة يونس: 25.

[5] سورة النحل: 125.

[6] سورة آل عمران: 104.

[7] سورة الفتح: 29.

[8] سورة التحريم: 8.

[9] سورة المؤمنون: 1.

[10] سورة المؤمنون: 2، 3.

[11] سورة المؤمنون: 9، 10.

[12] سورة الفرقان: 68، 69.

[13] سورة التوبة: 111.

[14] سورة التوبة: 111.

[15] سورة التوبة: 111.

[16] سورة التوبة: 112.

[17] سورة الحج: 39، 40.

[18] سورة الحج: 39.

[19] سورة الحج: 39.

[20] سورة الحج: 39.

[21] الكافي: ج5 ص13 باب من يجب عليه الجهاد ومن لا يجب ح1، والحديث طويل أخذنا منه موضع الشاهد.

[22] هما ميشيل عفلق وأكرم الحوراني، ومن مؤسسي هذا الحزب زكي الأرسوزي وصلاح البيطار وذلك عام (1942م) وقد سيطر على الحكم في العراق منذ عام (1968م).