الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

سجناء العراق

كما أن هناك في العراق شيء لم يحدثنا التاريخ بمثله أبداً، حتى في عهود أكثر الحكام طغياناً وجوراً، فانه حسب بعض الإحصاءات هناك أكثر من خمسمائة ألف سجين مودعون في سجون العراق، وأغلبهم تحت التعذيب الشديد، وبضمنهم ما يقارب ثلاثة آلاف إمرأة. وقد اطلعت على أحد الكتب المختصة في هذا الشأن وتذكر أنَّ سجون التعذيب في العراق تحتوي على ثمانين قسماً من أشد أنواع التعذيب النفسي والجسدي.

إنَّ هذه الحالة فريدة من نوعها في التاريخ وانفرد بها نظام البعث العراقي الجائر، ولو عدنا إلى ظلمة التاريخ والسفاكين للدماء مثل نمرود، وفرعون[1]، وابن زياد[2]، والحجاج[3] فلعلّنا لا نجد عندهم ما عند هؤلاء الظلمة من التفنن في الإجرام وأنواع التعذيب الرهيبة.

ومن أفعال البعثيين في العراق أنهم يسجنون ويعذبون ويذبحون الأبناء والنساء والأطفال أمام ذويهم، وذلك بغية انتزاع الاعترافات منهم. فهم أكثر طغياناً من فرعون والحجاج معاً، رغم إرهاب الحجاج وبطشه، وبرغم تعذيبه للناس بمختلف الوسائل لكنه لم يصل للمستوى الذي وصله هؤلاء في بشاعة التعذيب.

أما نمرود فقد ذكر لنا التاريخ أنّه لما أراد أن يقتل نبي الله إبراهيم (عليه السلام) احضر ثلاثمائة قاضٍ وقال لهم: حاكموه على محضر من الناس حتى يعلم الناس أن إبراهيم كان مذنباً حسب زعمه.. فإن نمرود على طغيانه وجبروته كان إذا أراد أن يقتل إنساناً شريفاً يستدعي القضاة لمحاكمته، مع قدرته على قتله بدون محاكمة، ولم يكتف بقاض واحد بل ثلاثمائة قاض. أما هؤلاء يأخذون العلماء من بيوتهم ليلاً ويقتلونهم سراً أو جهاراً دون محاكمة ولا إحضار حتى ولا قاض واحد فإنهم جمعوا أساليب التعذيب القديمة والحديثة واستخدموا أشدها إيذاءً للإنسان.

ليل العراق المظلم

خلاصة الكلام: لم تمر بالعراق فترة أظلم من هذه الفترة إطلاقاً حتى في عهد التتار والمغول[4] الذين سوّدوا صفحات التاريخ، فإنهم مع (وثنيتهم) لما جاؤوا إلى بغداد وقيل لهم إن مدن النجف الأشرف وكربلاء المقدسة والحلة هي مراكز لأئمة المسلمين (عليهم السلام) ولعلمائهم. قالوا: نحن لا نحارب أهل العلم ومراكزهم الدينية؛ ولذا أصدر المغوليون أمراً بعدم التعرض إلى النجف وكربلاء والحلة حسب ما ورد في التاريخ[5].

فالمغول رغم قسوتهم وبربريتهم وإجرامهم لم يتعرضوا بسوء إلى هذه المدن المقدسة. أما البعثيون في العراق وهم ذيول الاستعمار، فقد رأيتم كيف فعلوا بمدن المقدسات وأهاليها فان أفعالهم الإجرامية لا تعد ولا تحصى، فقد أصبحوا أشد وأخطر من مجرمي التاريخ وفراعنته ومن الوثنيين التتر والمغول. وهم أكثر إجراماً من الشاه[6] في إيران، فإن الشاه لم يقتل العلماء علناً ولم تكن سجونه مثل سجون العراق أبداً.

[1] نمرود وفرعون، طغاة ضرب الله بهما في كتابه الكريم مثلاً في سيرتهما وجبروتهما وظلمهما وعاقبة أمرهما، وأمر من تبعهما.

[2] عبيد الله بن زياد بن أبيه بن مرجانة، هو الدعي ابن الدعي، ولي الكوفة ليزيد بن معاوية (عليهما لعائن الله)، أرسل عمر بن سعد على رأس الجيش الذي حارب الحسين (عليه السلام) وقال له: ... فإن قتلت حسين فأوطأ الخيل صدره وظهره.. قتله إبراهيم بن مالك الأشتر في معركة الخازر عندما كان إبراهيم قائداً لجيش المختار الثقفي، وكان ابن زياد قائداً لعبد الملك بن مروان، عرف هو وأبوه زياد بن أبيه بالشدة والشراسة والوحشية خلال ولايتهما، وبالنصب الشديد لآل البيت (عليهم السلام).

[3] الحجاج بن يوسف الثقفي، ولد في الطائف واشتهر بولائه للبيت الأموي وعدائه الشديد لأهل البيت (عليهم السلام)، ولاه عبد الملك بن مروان، وتولى مكة والمدينة والطائف والعراق.

كان مثالاً للظلم والشدة في الحكم وسفك الدماء فقد كان يقول: (أكبر اللذات عندي سفك الدماء)، ولقد قتل من الناس مائة وعشرين ألف سوى من قتل في الحروب، ولما مات وجد في سجنه ثلاثة وثلاثين ألفاً من المسلمين الأبرياء، وان سجنه كان حائطاً لا سقف فيه، فإذا آوى المسجونون إلى الجدران يستظلون من الشمس رمتهم الحرسة بالحجارة، وكان يطعمهم خبز الشعير مخلوطاً بالملح والرماد، فكان لا يلبث الرجل في سجنه حتى يسودّ ويصير كالزنجي. انظر شجرة طوبى: ج1 ص128 المجلس 44 في سيرة الحجاج بن يوسف الثقفي وشقاوته. هلك بواسط سنة (95ه).

[4] المغول: اسم دولتين: 1- في آسيا الوسطى أسسها جنكيز خان ووزعها بين أبنائه ومنهم جغتاي ومنهم هولاكو وهو مؤسس دولة المغول الإيلخانية في إيران (1251م) حفيد جنكيز خان الذي قضى على الخلافة العباسية في بغداد عام (1258م) واحتل سورية. أما التتار فهم قبائل كانت تسكن في أواسط آسيا أصلهم من المغول وقد اشتهروا بغزواتهم، حكموا روسيا في القرن 13-16، ثم هزموا فانكفئوا إلى القرم.

[5] برزت مدرسة الحلة الفقهية بعد احتلال بغداد على يد هولاكو التتار، فقد كانت مدرسة بغداد قبل الاحتلال، حافلة بالفقهاء والباحثين وحلقات الدراسة الواسعة، وكان النشاط الفكري فيما قبل الاحتلال على قدم وساق. وحينما احتلت بغداد من قبل المغول، أوفد أهل الحلة وفدا إلى قيادة الجيش المغولي، يلتمسون الأمان لبلدهم، فاستجاب لهم هولاكو وآمنهم على بلدهم بعد أن اختبرهم على صدقهم. وبذلك ظلت الحلة مأمونة من النكبة، التي حلت بسائر البلاد في محنة الاحتلال المغولي، وأخذت - الحلة - تستقطب الشاردين من بغداد من الطلاب والأساتذة والفقهاء، واجتمع في الحلة عدد كبير من الطلاب والعلماء، وانتقل معهم النشاط العلمي من بغداد إلى الحلة، واحتفلت هذه البلدة - وهي يومئذ من الحواضر الاسلامية الكبرى - بما كانت تحتفل به بغداد من وجوه النشاط الفكري. واستقرت المدرسة في الحلة، وظهر في هذا الدور في الحلة: فقهاء كبار، كان لهم الأثر الكبير في تطوير مناهج الفقه والأصول الإمامي، وتجديد صياغة عملية الاجتهاد، وتنظيم أبواب الفقه كالمحقق الحلي، والعلامة، وولده فخر المحققين، وابن نما، وابن أبي الفوارس، والشهيد الأول، وابن طاوس، وغيرهم من فطاحل الأعلام ورجال الفكر. انظر منتهى المطلب: ج3 ص14.

[6] رضا بهلوي (1878-1944م) شاه إيران (1925م)، حكم بالظلم والجور والاستبداد، ونشر الفساد، تنازل لابنه محمد (1941م). ومحمد رضا بهلوي (1919-1980م) شاه إيران (1941م) خلفاً لأبيه رضا ومستمراً في نهجه الظالم، ثار عليه الشعب، ترك البلاد (1979م) توفي في مصر.