الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

جواب

نص جواب آية الله العظمى الإمام السيد محمد الشيرازي (أعلى الله درجاته) على سؤال جماعة من المؤمنين عن آرائه حول الصورة المستقبلية للعراق[1]

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام على الأخوة المؤمنين ورحمة الله وبركاته.

لقد سألتم عن العراق والصورة التي ينبغي أن يكون عليها في المستقبل بعد سقوط النظام الحالي بإذن الله تعالى، وسنشير ههنا إلى بعض البنود حسب ما يستفاد من الموازين الإسلامية المطابقة للموازين الإنسانية الفطرية، قال تعالى: ((فِطْرَت اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا))[2]:

1: يجب أن تكون الأكثرية هي الحاكمة، كما يجب إعطاء الأقلية حقوقها؛ فإن الأكثرية كان لها الدور الأكبر في إنقاذ العراق مراراً عديدة في هذا القرن: مرة في ثورة العشرين، ومرة أخرى في الحرب العالمية الثانية حيث أفتى العلماء بوجوب إخراج المستعمرين من قاعدة (الحبانية) فتحرك الشعب العراقي بأسره حتى أخرجهم، ومرة ثالثة: إبان المد الأحمر.. وقد سجلت الكتب التاريخية تلك الحوادث بتفاصيلها[3].

وقد قال الله سبحانه وتعالى: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ))[4].

وقال جل وعلا: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ))[5].

وورد في الحديث الشريف: «لئلا يتوى حق امرئ مسلم»[6].

2: من الضروري استناد الدولة إلى المؤسسات الدستورية، حيث يلزم منح الحرية لمختلف التجمعات والتكتلات والفئات والأحزاب غير المعادية للإسلام في إطار مصالح الأمة، كما يلزم أن تكون الانتخابات حرة بمعنى الكلمة، وأن توفر الحرية للنقابات والجمعيات ونحوها، كما يلزم أن تعطى الحرية للصحف وغيرها من وسائل الإعلام، ويلزم أن تمنح الحرية لمختلف أصناف المجتمع من المثقفين والعمال والفلاحين و(عليه السلام) كما تعطى المرأة كرامتها وحريتها كل ذلك في إطار الحدود الإسلامية الإنسانية قال تعالى: ((لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))[7].

وقال تعالى: ((يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ))[8].

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً»[9].

3: اللاعنف هو المنهج العام في الداخل والخارج، كما قال تعالى: ((ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً))[10] فإنه هو الأصل ونقيضه استثناء.

4: يجب أن تراعى حقوق الإنسان بكل دقة، حسب ما قرره الدين الإسلامي الذي يتفوق على قانون حقوق الإنسان المتداول في جملة من بلاد العالم اليوم، فلا إعدام مطلقا إلا إذا حكم ـ في كلية أو جزئية ـ مجلس (شورى الفقهاء المراجع) إذ في صورة الاختلاف بينهم يكون من الشبهة و« الحدود تدرأ بالشبهات»[11]، كما ينبغي تقليص عدد السجناء إلى أدنى حد حتى من الحد المقرر في العالم اليوم، كما لا تعذيب مطلقا، وكذلك لا مصادرة للأموال مطلقا.

5: وبالنسبة إلى ما سبق يتمسك بـ((عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ ([12]، كما عفا الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) عن أهل مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»[13]، وعن غير أهل مكة، وكما صنع ذلك الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)[14] ويؤيده ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): إن حديث «الجب»[15] أولى بالجريان بالنسبة إلى المسلمين من جريانه في حق غيرهم.

6: للأكراد والتركمان وأمثالهم كامل الحق في المشاركة في الحكومة القادمة، وفي كافة مجالات الدولة والأمة؛ فقد قال الله سبحانه: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ))[16].

وقال الرسول (صلّى الله عليه وآله): «لا فضل للعربي على العجمي ولا لأحمر على الأسود إلا بالتقوى... »[17].

7: ينبغي أن تتخذ الدولة القادمة سياسة (المعاهدة) أو (المصادقة) مع سائر الدول في إطار مصلحة الأمة، كما قام بذلك الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) مع مختلف الفئات غير الإسلامية حتى المشركين، ويستثنى من ذلك عدة صور منها: صورة احتلال الكفار والمشركين لبلاد المسلمين، كما حدث في فلسطين وأفغانستان، حيث يجب على جميع المسلمين عندئذ الدفاع؛ إذ «المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»[18].

8: المرجع الأخير في دستور الدولة الإسلامية القادمة في العراق، وفي رسم السياسة العامة والخطوط العريضة هو (شورى الفقهاء المراجع) حسب ما قرره الإسلام، قال الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله): «المتقون سادة والفقهاء قادة»[19].

ومن الواضح إن الفقهاء المراجع يتعاونون مع الحوزات العلمية ومع المثقفين والأخصائيين في كافة الحقول الاختصاصية، فإن ذلك هو مقتضى المشورة والشورى، كما قال تعالى: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ))[20] و((أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ))[21].

9: يجب على كافة المسلمين السعي لكي تتوحد بلاد الإسلام وتنصهر في دولة واحدة إسلامية.. ذلك إن المسلمين أمة واحدة كما قال تعالى: ((وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ))[22].

وقد أسس الرسول الأعظم(صلّى الله عليه وآله) أساس الدولة العالمية الواحدة حيث توحدت في حياته(صلّى الله عليه وآله) تسع دول تحت راية الإسلام ـ على ما ذكره المؤرخون ـ وفي هذا القرن كانت الهند مثالا لذلك، كما أن أوروبا تحاول التوصل إلى ذلك[23].

ومن الواضح إن تفكك الدول الإسلامية ووجود الحدود الجغرافية بينها من الأسباب الرئيسية في تخلف المسلمين من جهة وفي تناحرهم وتحاربهم من جهة أخرى، وفي تفوق المستعمرين عليهم واستعمارهم من جهة ثالثة.

10: يلزم حث المجاميع الدولية كي تقوم بالضغوط الشديدة على كل حكومة تريد ظلم شعبها؛ ذلك أن الإنسان من حيث هو إنسان لا يرى فرقا بين ظلم أهل الدار بعضهم لبعض وبين ظلم الجيران بعضهم لبعض. وهذا هو ما يحكم به العقل أيضاً، ولا يجوز في حكم العقل والشرع أن ندع أمثال موسليني وهتلر وستالين يفعلون ما يشاؤون بشعوبهم تشريدا ومطاردة ومصادرة للأموال وقتلا للأنفس بحجة أنها شؤون داخلية.. فإذا اشتكى أبناء بلد عند سائر الأمم كان عليهم أن يرسلوا المحامين والقضاة فإذا رأوا صحة الشكوى أنقذوا المظلوم من براثن الظالم.

اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة[24].

قم المقدسة

محمد الشيرازي

 

[1] لقد كان الإمام الشيرازي (قدس سره) يرى حول مشكلة العراق، أنه إضافة إلى ضرورة إسقاط نظام الدكتاتور الطاغية لابد من توافر بنية أساسية داخلية، تعتمد على الشورى والتعددية والحرية واحترام حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، وفيما طرحه الإمام الشيرازي (أعلى الله درجاته) أيام الانتفاضة الشعبانية في بيان صدر له جواباً لبعض المؤمنين عن الصورة المستقبلية في العراق، دلالة واضحة عن العمق الفكري الذي اتخذه سماحة الإمام (رحمه الله) في دراسة القضية العراقية؛ إذ أن تصوره يعتمد على حل المشكلة العراقية من جذورها، وهذه النقاط التي ذكرها الإمام الشيرازي (رحمه الله) تعد بحق وثيقة تاريخية تعبر عن رأي المرجعية الدينية المنبثقة من واقع العراق الإسلامي.

[2] سورة الروم: 30.

[3] للتفصيل راجع كتاب إذا قام الإسلام في العراق، وكتاب تلك الأيام، والسبيل إلى انهاض المسلمين و الدولة الإسلامية رؤى وآفاق، وغيرها من مؤلفات الإمام الراحل (أعلى الله درجاته) التي تبحث قضايا العراق بشكل مباشر أو غير مباشر، وانظر كتاب دراسات في فكر الإمام الشيرازي (قده) للدكتور إياد موسى محمود.

[4] سورة الشورى: 38.

[5] سورة آل عمران: 159.

[6] غوالي اللآلي ج1 ص315 ب1 ح36.

[7] سورة البقرة: 256.

[8] سورة الأعراف: 157.

[9] نهج البلاغة، الكتاب: 31 من وصية له (عليه السلام) للإمام الحسن (عليه السلام).

[10] سورة البقرة: 208.

[11] من لا يحضره الفقيه: ج4 ص74 باب نوادر الحدوج ح5146. وفيه: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ادرءوا الحدود بالشبهات.. ».

[12] سورة المائدة: 95.

[13] الكافي: ج3 ص512 باب أقل ما يجب فيه الزكاة من الحرث ح2، وانظر بحار الأنوار: ج21 ص105 ب26 فتح مكة.

[14] انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج1 ص22.

[15] غوالي اللآلي: ج2 ب1 ص54 ح145 وفيه: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: «الإسلام يجب ما قبله».

[16] سورة الحجرات: 13.

[17] الاختصاص: ص341.

[18] راجع أعلام الدين: ص440 باب ما جعل الله تعالى بين المؤمنين من الإخاء والحقوق؛ والمؤمن ص39 ح92.

[19] تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج2 ص53، ومكارم الأخلاق: ص460 ب12 الفصل 5، وأعلام الدين: ص191 باب وصية النبي (صلّى الله عليه وآله) لأبي ذر.

[20] سورة آل عمران: 159.

[21] سورة الشورى: 38.

[22] سورة المؤمنون: 52.

[23] عبر ما يسمى بـ (الاتحاد الأوربي) الذي ضم حتى الآن خمس عشرة دولة، فقد تم توحيد العملة وهي (اليورو) وإزالة الحواجز الجمركية والحدود الجغرافية وما إلى ذلك من خطوات تسهل توحيد تلك البلاد.

[24] دعاء الافتتاح، راجع (مفاتيح الجنان) و (الدعاء والزيارة للإمام الشيرازي (رحمه الله)) أعمال شهر رمضان، وإقبال الاعمال: ص60 ب4 دعاء الافتتاح.

القطع : متوسط

عدد الصفحات: 64

عدد الطبعات :1

سنة الطبع : 1423 هـ /2002م