الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

أسئلة في النظرية والتطبيق للقانون الأسلامي

وهنا سؤال يفرض نفسه، وهو أنه إذا كان الإسلام بهذه المثابة التي تقولون، ففي أي وقت طبق الإسلام؟ فان المعروف أن الإسلام لم يطبق في زمان من الأزمنة؟

والجواب واضح جدا، وهو أن الإسلام في غالب العصور الإسلامية طبق، لكن التطبيق كان ناقصا، باستثناء بعض العصور التي كان الإسلام قد طبق فيها تطبيقا كاملا، كعصر النبي وبعض خلفائه المحقّين.

أما سائر العصور الإسلامية، فقد كان المنهج العام لبلاد الاسلام، نظام الاسلام، في التجارة والزراعة والاقتصاد والجيش والثقافة وما إليها.

ولا أراني بحاجة ــ بعد ذلك ــ إلى القول بأن الديمقراطية والشيوعية أيضا ــ مثلا ــ لم تطبقا، إذ الرئيس لم يطبق بنودها على خاصته وعلى البلاد بصورة دقيقة، كما هو الحال إلى اليوم..

فكيف يدعى إليهما، مع أنهما لم يطبقا؟ إن الخليفة المنحرف لم يكن يطبق الإسلام على قصره وخاصته، أما منهاج البلاد فقد كان الاسلام، والاسلام وحده .

ويتساءل البعض عن الفرق بين (البيعة) و (التقليد) و (اتباع الخليفة أو نائبه)؟

والجواب أن (البيعة) عبارة عن التزام المسلم باتباع الخليفة، وقد كان لهذا مظهر خارجي، وهو أن يصافح المسلم الخليفة، كما أمر الرسول المسلمين ببيعة الشجرة مع نفسه الشريفة..

وكما أمر الرسول المسلمين أيضاً بالبيعة مع علي أمير المؤمنين في يوم الغدير.

والذي يظهر من الأدلة أنه لم تكن عملية البيعة واجبة على كل المسلمين وإنما يأتي الوجوب إذا طلب النبي والإمام.

و(التقليد) عبارة عن العمل في الأحكام الشرعية، بقول فقيه قد عرف الأحكام عن مداركها الأصلية وكان متصفاً بالعدل والذكورية والحرية وما أشبه من الشروط المقررة في الفقه .

و (اتباع الخليفة أو نائبه) ــ وأقصد الخليفة الحق ، لا الباطل طبعا ــ عبارة عن الانصياع لأوامره في الحرب والسلم وما أشبه، سواء كان فقهيا أو نائبا عن الفقيه، وسواء كان المسلم مقلدا له أو مقلدا لغيره من الفقهاء .

والذي يجب على رئيس الدولة الاسلامية، هو اختيار الوكلاء والولاة وهم ــ معتمديه ــ. والقضاة، لادارة مهام البلاد، سواء كان الاختيار بنفسه، أو بواسطة، والذي يشترط في الوكلاء والولاة:

1 ـ الكفاءة.

2 ـ العدالة .

كما يشترط في القاضي ــ بالإضافة إلى الأمرين ــ التبصر بأحكام الإسلام، أما اشتراط أن يكون ذكرا لا أنثى، فلا يخفى أنه شرط في الوالي والقاضي إلى كونه مسلما مؤمنا.. كما أن من الواضح أنه لا يحق للرئيس ومن يقوم مقامه أن يسلط غير المسلم على المسلمين.

أما سائر شؤون الموظف، من تعيين وقت الدوام، واقالته لدى عدم القيام بالمهام الملقاة إليه، واعطائه من بيت المال بقدر عمله أو كفايته على ما يراه الرئيس، أو نائبه، وقبول استقالته، إذا استقال ومنح إجازات له إذا اقتضت المصلحة ذلك.. الخ، ونقل الموظف من دائرة إلى أخرى وكيفية مقابلاته للناس في الدوام أو خارج الدوام.. وغير ذلك فهي أمور منوطة بالمصلحة ونظر الحاكم الإسلامي .

كما أنه لا يحتاج إلى الذكر، كون الإسلام ينظر إلى الموظف وغير الموظف نظرة واحدة في أنه إذا أجرم يجري عليه العقاب المستحق، فإن الجميع متساوون أمام القانون الإسلامي ، لا فرق بين الموظف وغير الموظف، والأبيض والأسود، والعربي والعجمي، وسائر الناس المختلفة المزايا والجهات.. وهذا بخلاف كثير من القوانين المعاصرة التي تجعل بعض المزايا لبعض الموظفين، في باب الجرائـــم، مثل أن الملك والرئيس معصوم لا يخضع للقانون، وما أشبه مما هو معروف في القوانين الحاضرة.

وواضح أن استيزار الوزراء، وجمع المستشارين، وكثرة الموظفين وقلتهم، كل ذلك حسب ما تقتضيه المصلحة الاسلامية، اذ لا صيغة خاصة لذلك مذكورة ومنصوصة في الإسلام.

نعم إن ما لاشك فيه أن الإسلام حيث يتمتع:

1 ـ بالحريات الكثيرة الواسعة.

2 ـ والبساطة المدهشة .

3 ـ والثقة الكبرى المتبادلة بين المسلمين.

4 ـ تكون أجهزة الدولة فيه قليلة جدا.. حتى أن الجهاز الإسلامي لعله عشر الجهاز في إحدى الدول المعاصرة.. ويكفيك أن إدارة البلاد كانت كثيرا ما تناط بـ (والي) و (قاضي) و (رئيس بيت المال) وحفنة من الموظفين .

والأقليات في بلاد الإسلام حكمها حكم الأقليات في سائر البلاد مع فارق واحد وهو أن الأقليات في بلاد الإسلام

يتمتعون بكافة حرياتهم باستثناء إظهار المنكرات، فانه لا يحق لهم ذلك.. وحيث أنهم يتمتعون بكامل الحريات نرى طول التاريخ تطلب الأقليات، لحكم المسلمين، ورجاءهم إزالة الحكم غير الإسلامي الذي كان يضطهدهم.

للإسلام خزينة تسمى بـ (بيت المال)، يجتمع فيه الخمس والزكاة والخراج والجزية، وينفق منه لكافة الأمور الإسلامية، ولكافة الفقراء والمعوزين وأبناء السبيل، ومن إليهم .

وهذا من أهم الأمور الاقتصادية التي كانت تطارد الفقر والعوز، ولا يوجد مثله في البلاد المعاصرة الى اليوم، واليك نموذجا من نشاطات بيت المال ــ بالإضافة إلى قيامه بمهام البلاد بمختلف ألوان المهام ــ: هذا فقير كان يعطيه بيت المال لسد فقره.. وهذا مريض كان يعطيه لعلاج نفسه.. وهذا مسافر انقطع في سفره كان يعطيه بيت المال للوصول إلى أهله.. وهذا أعزب يحتاج إلى الزواج كان يعطيه بيت المال لزواجه.. وهذا فلاح لا يملك البذر والكراب كان يعطيه بيت المال لاشتراء حاجياته.. وهذه عائلة تحتاج إلى الدار ولا تملك المال لشراء الدار كان بيت المال يعطيها لشراء الدار.. وهذا كاسب ليس عنده ما يجعله رأس المال في كسبه. كان يعطيه بيت المال لجعله رأس المال في كسبه.. وهذا مريد للسفر في تحصيل العلم ولا يملك النفقة.. كان يعطيه بيت المال لصرفه في الإنفاق على نفسه.. إلى غيرها وغيرها من القيام بسد جميع النفقات وحاجيات البلد .

ولذا لم يكن يوجد في بلاد الإسلام فقير واحد، حتى أن الإمام المرتضى لما رأى فقيرا يتكفف.. وقف متعجباً قائلاً (ما هذا)؟ قالوا: إنه نصراني كبر وعجز.. قال الإمام: (استعملتموه، حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال)(1).

ومن أهم ما يوفره الإسلام للمجتمع، مما لا يوجد حتى في أرقى المجتمعات ولا يمكن أن يوجد:

1 ـ الإيمان.. الموجب لأن يرى الإنسان نفسه مسؤولا أمام الله تعالى، في كل أحواله، فيجعل للمرء وازعا نفسيا يمنعه من الجريمة والخيانة والعمل على خلاف العقل والرشد، وإذا وفرت الحكومات مليون مراقب لمدينة فيها ربع مليون إنسان، لم يقم أولئك العدد الهائل من المراقبين مقام الإيمان في الوازعة وحفظ الناس عن ارتكاب الجرائم واقتراف الآثام .

2 ـ الثقة.. فان المجتمع إنما يعيش بالثقة المتبادلة بين أفراده، وكلما ضعفت الثقة تفككت عرى الاجتماع، فلولا ثقة المشتري بصدق البائع في كيفية الجنس، لم يشتر منه ، ولولا ثقة الشعب بالحكومة لم يتعاون معها، ولولا ثقة الحكومة بالشعب لسلطت عليه الحديد والنار، وهكذا وهكذا.. وحيث أن الإسلام يضفي على الناس طابعا ملائكيا ينمي فيهم الثقة الموجبة للاطمئنان والاستقرار والرفاه والسعادة .

3 ـ الفضيلة.. وهي توجب قلة الجرائم، بل عدمها في كثير من الأحيان، إذ إن الجريمة إنما تنشأ من خبث النفس (أولا) ومن الاحتياج (ثانيا) فان من لا يجد الزوجة يزني، ومن لايجد الخبز يسرق.. وحيث أن الإسلام ينقي باطن الإسان بالإيمان والفضيلة، ويرفع عوز المجتمع بسبب بيت المال، عند ذلك تختفي الجريمة في المجتمع الإسلامي تلقائياً.. ومن المعلوم أن اختفاء الجريمة في المجتمع كم يوفر الراحة والسعادة والهناء، لكل من الحكام والشعوب .

 

1 ـ الوسائل، ج 11 ص 49.