الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

العقيدة الدينية والدولة

والشريعة، عبارة عن الانظمة التي يمكن ممارستها، ولو بدون الدولة، سواء كانت أنظمة عبادات كالصلاة والصيام، أم أنظمة محرمات، كحرمة الخمر والزنا، أم أنظمة أخلاق، كحسن الصدق والأمانة، وكقبح الخيانة والرشوة، أم أنظمة اجتماعية أخرى، ككيفية المعاشرة مع الاهل والصديق والجار وما أشبه .

وهذان الأمران (العقيدة والشريعة) هما اللذان يبقيان ــ سواء كانت للمسلمين دولة تعمل بالاسلام في دساتيره وقوانينه، أو لم تكن لهم دولة. . وهذا هو سر بقاء المسلمين إلى اليوم، مع شدة بعض العواصف التي هبت عليهم، لأن العواصف ان كانت تعني الدولة، والكرسي، والحكم، والثروة، فالعقيدة والشريعة كانت في أمن من الخطر .

نعم مرت بعض الفترات العصيبة استهدفت فيها الأعاصير العقيدة والشريعة، كما في سقوط الأندلس وحملات الصليبيين، وتهجمات الشيوعيين، في هذا القرن.. هذا بالاضافة الى أن الإسلام ــ باعتبار انه دين الفطرة في عقيدته وشريعته ــ صعب التزحزح عن الاجتماع، وان تمكن المنحرفون من ازاحة الدولة .

فالفطرة تحكم بأن للكون صانعا عالما قديرا.. تبدو آثار عدله على الكون.. وبأنه لا بد وان يكون له غرض من أجله يبعث من يبلغ غرضه للناس.. بما لهذا المبعوث من خلفاء يقومون مقامه.. وبأنه لا بد أن يجازي من أطاعه ومن عصاه، وحيث لا يتم الجزاء هنا، لا بد وأن يتم في دار أخرى .

هذا من ناحية العقيدة .

اما من ناحية الشريعة.. فمن يرجح الكذب؟ أو أكل مال الناس بالباطل؟ أو سرقة أموال الناس أو ما أشبه؟ ومن لا يستعد للخضوع أمام اله الكون بصلاة أو صيام؟ أنا لا أنكر أن كثيرا من الناس لا يستعدون لهذه الأمور، تركاً أو فعلاً، لكن الذي أريد أن أقول: إن هذه الأمور التي نسميها بالشريعة طبيعية للانسان ومألوفة بعقله وذهنه وفطرته، وليس حملاً على الذهن أو الجوارح، وبعد ذلك فمن شاء فليفعل ومن شاء فليترك، والغالب الاقدام، لا الاحجام، فحال المسلم مع عقيدته وشريعته حال المرضى مع الأطباء، فان من الطبيعي أن يحب المرضى صحتهم، ومن الطبيعي ان يتّبعوا أوامر الطبيب، وهذا ليس معناه ان الجميع يمتثلون، فلعل عدد المرضى الذين لا يمتثلون أوامر الطبيب بقدر المرضى الذين يمتثلون.

والدولة عبارة عن القوة المسيطرة على الناس لأمرين:

أ ـ نظم أمورهم، وعدم السماح لتعدي بعضهم على بعض، أو تعدي الخارج عليهم .

ب ـ التسيير بهم الى الأمام في مختلف شؤون حياتهم.

ولا يحتاج الى أن نقول: ان الدولة، من ضروريات الاجتماع ــ الا اذا اجتمع الاجتماع ملائكياً، وهذا لا يكون الا في العالم الاخر ــ ولذا كذَّب الامام المرتضى الخوارج الذين كانوا يقولون، لا حكم الا لله.. وهم يقصدون بذلك: عدم الاحتياج الى الأمراء والحكام، فقد كذَّبهم الامام (عليه السلام) بقوله: (لا بد للناس من والي).. بالإضافة الى أن الخوارج بأنفسهم وقعوا في مهازل، ومناقضات وأخيراً كانوا يستغلون ضعاف العقول، ويلتف بهم ضعاف العقول أيضا، فالخوارج كانوا يقولون شيئاً، ويعملون شيئاً آخر، وعملهم كان نياً بدون نضوج، ولذا لم يصبهم الا الفشل، في جميع ميادين الحركة، بالرغم من تصلبهم الشديد واستعدادهم للتضحيات الجسام .

(بألا نشط عن الموضوع اذا مثلنا مثالين لفجاجة حكامهم، وفجاجة المحيطين بالحكام):

فقد احتال أحد الأمراء، لاستئصال حاكم من حكام الخوارج، فقد أرسل الأمير شخصاً الى الحاكم وأمره أن يسجد للحاكم، في حضور الخوارج، فجاء المرسل وسجد للحاكم، وبمجرد أن سجد قام الخوارج الى حاكمهم قاصدين قتله، وتركوا الساجد ليذهب حيثما أراد ويهرب بنفسه، وتعجب الحاكم من قصد أتباعه قتله؟ لكنهم قالوا له: انك أصبحت من أهل النار، وأهل النار يجب أن يقتلوا، قال حاكمهم: وكيف صرت من أهل النار، وأنا لم آمره بالسجود، ولم يكن لي علم بذلك، ولا رضيت بفعله؟ قال أصحابه الخوارج: إن الأمر ليس مشروطاً بعلمك ورضاك وأمرك، فان الله تعالى، يقول في القران الحكيم: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) فأنت قد عبدت من دون الله، فصرت حصب جهنم، وأخيراً قتلوا الحاكم، بهذا الذنب الموهوم .

واحتال إنسان اخر، لقتل حاكم آخر لهم.. حيث جاء إلى الحاكم وهو في محضر أصحابه، فقال له: لماذا أكفرت علياً أمير المؤمنين؟ قال الحاكم: لأنه حكم في دين الله.. قال الرجل: وأي دليل على أن من حكم في دين الله يكون كافرا؟ قال الحاكم سآتي لك بالدليل.. قال الرجل: وسوف أنقض دليلك، فأي برهان يكون حينئذ على أن الحق معك أو معي؟.. قال الحاكم أصحابي الحكم في الأمر.. فتوجه الرجل إلى أصحاب الحاكم الخوارج، فقال لهم: إن صاحبكم قد كفر ــ باعتراف نفسه ــ لأنه أولاً قال: كل من حكم في دين الله فهو كافر، والان قد حكم هو في دين الله، حيث جعلكم أنتم حكما بيني وبين نفسه.. وهنا قام أصحاب الحاكم وقتلوه شر قتلة .

إذا.. فالذي يقول ان لا حاجة إلى الدولة، أولا: هو كاذب، وثانياً: انه لابد وان يتخذ الدولة، شاء أم أبى، منتهى الأمر تكون دولته حينئذ، غير ناضجة، وفجة، وكما وقع الخوارج في هذه الغلطة الكبرى كذلك وقعت جماعات في العصور المتأخرة في هذه الغلطة .

فقد قال (نيتشه) : (إن جماعة من الوحوش الكواسر، شقراء البشرة، جماعة من الغزاة السادة، بكل ما لها من أنظمة حربية، وقوى منظمة، تنقض بمخالبها المخيفة، على طائفة كبيرة من الناس ربما فاقتها من حيث العدد الى حد بعيد، لكنها لم تتخذ بعد نظاما يحدد أوضاعها.. ذلك هو أصل الدولة).

وقد جاء من بعده الفوضويون، ليظنوا أن الأمر صدق وواقع وظنوا انه يمكِّن حكومة الناس على أنفسهم بدون حاكم، كأن المجتمع عبارة عن صخور متراصة، ولا يحتاج بعضها إلى بعض، ولا يتعدى بعضها على بعض، ولا يحتاج إلى التقدم الذي لا يمكن إلا بالقوة والدولة.. فأخذوا ــ وبالأخص في روسيا ــ في عهود الثورة على القيصرية، يعددون نقائص الدولة (يبيّنون للناس عدم الاحتياج إليها) فقالوا: إن طبيعة الإنسان عاقلة رشيدة، فلماذا تحتاج إلى القوانين والأوصياء والمسيّرين؟ بالإضافة إلى أن الدولة ترعى مصالح الطبقات والمستغلين، فهي ضرر على الأكثرية الساحقة من الشعب، مضافا إلى أن الدولة تكبت الحريات الفردية، وذلك مخالف لطبيعة الإنسان الذي خلق حراً .

ثم اختلف المناهضون للدولة .

فمن قائل بوجوب تحطيمها بالقوة، كالشيوعيين .

ومن قائل بوجوب تحطيمها بالتدريج والطرق السلمية. كالغابين .

وأنت أيها القارئ ترى المهزلة في هذه الآراء والأدلة؟ وعدم تطبيق دعاتها ــ أنفسهم ــ لهذه النظرية .

1 ـ فان رشادة الطبيعة في نفسها، لا تنافي كثرة المظالم الموجبة لتشكيل الدولة.

2 ـ وليست كل الدول ترعى مصالح الأقلية، فذلك حكم على المجموع بلا مبرر .

3 ـ وكبت الحريات الضارة ليس نقصاً، بل كمالاً، وان كبت الحريات النافعة ضار .

وقد وقَّع الفوضويون بأنفسهم صك الدولة، بعد تحطيم القيصرية، ولكن دولة من أدهش الدول ضراوة وفتكاً وكبتاً، فلم يراعوا حتى مصلحة الأقلية، بل مصلحة الحزب الحاكم فحسب، كما أنهم كبتوا كل الحريات، لا الحريات التي كانت تكبتها الدولة السابقة ، فحسب، مما هو مذكور في كل التواريخ المعاصرة لثورة (أكتوبر) وقد حرص بذلك زعماء الإلحاد هناك ومما نشاهده إلى اليوم في البلاد الشيوعية.

نعم الاسلام، والاسلام وحده نظر إلى الدولة نظرة صحيحة، وبيّن عناصرها وأهدافها وكيفيتها بياناً واضحاً، لو أخذ به في المجتمع الإنساني، لاستراح الكل.

وقد أقر الإسلام الدولة، ولكنه في نفس الوقت أخرج عناصر الفساد من الدولة بتشريعه الأنظمة والقوانين العادلة.. أما عدم تطبيق بعض الدول الإسلامية، للشروط والمقررات، فان ذلك لايعني إلا نقص تلك الدول وخروجها عن المنهاج الإسلامي، كما أن ترك بعض الحكام، لقوانين الديمقراطية، لا يعد ذلك من ذنوب الديمقراطية وان يسبب ذلك خروج ذلك الحاكم عن منهاج الديمقراطية.

1 ـ فالإسلام لم يسلط الوحوش الكاسرة (على حد تعبير نيتشه) على الحكم، وان اشترط في رئيس الحكم ــ بعد النبي والإمام ــ العالم العادل الفاقه لأمور الدنيا والدين المتمكن من تسيير دفة الحكم بأحسن وجه .

2 ـ كما أن الحاكم الإسلامي لا يعمل لحساب طبقة خاصة من الناس، وانما لحساب جميع الطبقات، ومن منهاج الإسلام الذي يقوم الحاكم بتنفيذه، منع الاستغلال، والاحتكار، والربا، والغش، وما أشبه مما نشاهده في كل الحكومات اليوم، ففي الحكومات الرأسمالية، تفعل من هذه الأمور، الحكام والرأسماليون والإقطاعيون على حد سواء، وفي الحكومات الشيوعية، تفعل كل ذلك بأبشع صورها الحكام وحدهم.

3 ـ والإسلام لا يكبت كل الحريات، كالحكومة الشيوعية، ولا يطلق كل الحريات، كالحكومات الرأسمالية وانما يطلق الحريات الصالحة، ويمنع عن الحريات الضارة.. مثلا: الناس تحت الحكومة الاسلامية، أحرار في المعاملة، والسفر، والبناء، والعمران والصناعة، والزراعة، وما أشبه.. في نفس الوقت لا يحق لإنسان أن يستغل الآخر أو يهينه أو يتاجر بالمواد الضارة، وما أشبه ذلك(1).

بينما نرى أن الحريات النافعة المذكورة، مكبوتة في الحكومة الشيوعية.. والحريات الضارة المذكورة مجازة مطلقة في الحكومة الرأسمالية.. وقد يتعجب بعض الناس من قولنا (حرية الإهانة) فهل هي موجودة في الحكومة الرأسمالية؟ نعم.. أليست مهاجمات الصحف والمجلات، لفرد أو فئة، من حرية الإهانة والسباب؟.

 

1 ـ راجع كتاب (الاقتصاد) من موسوعة الفقه للمؤلف ــ الناشر.