الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

النهج الاسلامي للدولة والمجتمع

والإسلام له منهج خاص، في جميع جوانب الحياة، وينبغي الإشارة إلى أصول هذا المنهاج:

أ ـ منهاج النظرة الكونية: فان الاسلام يرى أن للكون خالقاً صانعاً عالماً قديراً عادلاً، وأن الخلق كلهم يرجعون اليه، بعد فناء هذا الكون، ليجزي المحسن بأحسن، ويعاقب المسيء بما اقترف.. كما أن الإسلام يرى إن البشر خلق دفعة، بخلق أبي البشر أدم (عليه السلام). لا كما يقول (دارون) بالتطور .

ب ـ منهاج القوانين والأنظمة: فإن الإسلام يرى أن واضع القانون ليس إلا الله تعالى سبحانه، وكل حكم وقانون ليس مستقى من (الكتاب) و(السنة) و(الإجماع) و(العقل) فلا قيمة له.. والكتاب: هو القرآن والسنة: ما صدر عن المعصومين (عليهم السلام) والإجماع: هو اتفاق جماعة من الفقهاء فيهم المعصوم، على حكم من الأحكام، والعقل: هو عبارة عن ما يدركه العقل من علل الأحكام، كقبح الكذب وحسن الإحسان وما أشبه.. أما الأمور الوقتية كالهدنة والحرب وما أشبه، فإنما تحكم بها الحكومة الاسلامية الراشدة، بعد أن تشملها القوانين الإسلامية الكلية.

ج ـ منهاج الحكم في الاسلام: فالإسلام يرى أن السلطة على البلاد الإسلامية يجب أن تكون مستمدة من الله سبحانه، لا من غيره إطلاقا، وقد أعطى الله سبحانه هذه السلطة للنبي ثم الأئمة الأثني عشر، ثم إن الإمام (عليه السلام) أعطى هذه السلطة بأمر الله تعالى، لرجل يفهم الأحكام ويطبقها بحذافيرها، ويكون عادلاً في الشريعة (بمعنى أن له ملكة وحالة نفسانية تبعثه على إتيان الواجبات وترك المحرمات).. ويحق لهذا الحاكم الإسلامي أن يوكل أحداً أو جماعة للقيام بإدارة شؤون المسلمين ممن يصلح لذلك..

وإذا كان الحاكم الجامع للشرائط متعدداً فكل واحد منهما يصلح أن يأخذ زمام أمور المسلمين..

وإذا كان في قطرين من أقطار المسلمين نفران يـــحكمان فذلك ليس بمهم إذا كان كل واحد منهما يحكم حسب موازين الإسلام.. والحاكم يبقى حاكما ما دام فيه الشروط المقررة، فإذا فقدت بعض الشروط ــ مثلاً سقطت عدالته ــ سقط الحاكم عن صلاحية الحكم تلقائياً(1).

د ـ منهاج الزراعة.. الأرض تنقسم في نظر الإسلام، إلى ما هي ملك الدولة بمعنى أنها بيد الدولة (كالمفتوحة عنوة) وما هي مباحة أهلية. فالقسم الأول تستثمرها الدولة، ويكون واردها لعامة المسلمين، والقسم الثاني لمن سبق اليها، فالأرض لله ولمن عمرها، وحيث أن الإسلام يشجع الناس على الزراعة، وليس فيها قيود وحدود وشروط فالأراضي تصبح في الدولة الاسلامية، وتحت الحكم الإسلامي كلها مزروعة معمورة، وليس في الاسلام (إقطاع) بهذا المعنى المتداول الآن ، كما أنه ليس فيه (الإصلاح الزراعي) بهذا المعنى المتداول الآن.

هـ ـ منهاج التجارة.. والإسلام حيث يوفر الحريات(2)، فلكل أحد أن يتاجر بأشياء كيفما يشاء، وبهذا يفرق الإسلام عن الاشتراكية والشيوعية، كما أنه يفرق عن الرأسمالية بـ:

1 ـ لا يحق لأحد أن يتاجر بالأشياء الضارة، كالهروئين.

2 ـ لا يحق لأحد أن يتاجر بالأشياء المحرمة في الاسلام كالخمر والخنزير .

3 ـ لا يحق لأحد أن يمنع أحدا عن أي نوع من أنواع التجارة والاسترباح .

4 ـ يجب على الرابح أن يؤدي خمس أرباحه، وزكاته، إلى الدولة، والدولة تقدم هذا المال لسدّ حاجات المحتاجين، حتى لا يبقى فقيرا أبدا، ولا حاجة غير مسدودة.

5 ـ ويحق للدولة الاتجار والاسترباح، نعم لا يحق لها أن تضر الآخرين ــ فيما ينطبق عليه قانون لا ضرر ولا ضرارــ.

6 ـ كما لا يحق للدولة التأميم، لما عرفت من حرية التجارة وأشكالها.

و ـ منهاج الصناعة.. والإسلام يشجع على الصناعة بجميع أنواع التشجيع، وليس على الصناعة والمصانع القيود والحدود والشرائط والرسوم، وما أشبه، مما هي الآن متداولة في كل الحكومات، ولذا تزدهر الصناعة في الإسلام ازدهارا مدهشا.

ز ـ منهاج الحرية.. والإسلام أوسع الأديان والمباديء حرية، بلا سابقة ولا لاحقة، للإسلام في الحريات، فكل أحد حر في سفره واقامته، وزراعته وتجارته، واقتصاده وسائر أموره لا يحق لأحد منعه عن شيء من ذلك، إلا إذا فعل الحرام الشرعي ــ وذلك قليل جدا ــ ولذا فلا حدود ولا رسوم ولا قيود ولا جنسيات ولا هويات ولا دفتر خدمة، وما أشبه في الإسلام .

ح ـ منهاج الاقتصاد.. والاقتصاد في الإسلام مزدهر إلى أبعد حد، وذلك لهذه الأمور التالية:

1 ـ الإسلام يطلق الحريات في التجارة والصناعة وما إليها، ومعلوم أن مثل هذه الحريات كم تساعد على ارتفاع مستوى البلاد الاقتصادي.

2 ـ الإسلام يقوم هو بأكبر قدر من استثمار الأرض والطبيعة، مما يسبب تقدم الاقتصاد.

3 ـ الموظفون في الإسلام قليلون جداً وذلك لأن الإسلام لا يرى كثيرا من الدوائر مشروعة، كما أن الدوائر في الإسلام بسيطة إلى أبعد حد .

4 ـ الإسلام مكلف بدفع العوز والفقر والبطالة عن المجتمع، ويحرك جميع الطاقات البشرية والطبيعية للاستثمار والاستنتاج، وذلك بدوره يؤدي إلى تحسن الحالة الاقتصادية في البلاد .

ط ـ منهاج الجيش في الإسلام.. منهاج نافع إلى أبعد حد ونشط إلى أبعد حد، فإنه لا جندية إجبارية في الإسلام، بينما يهيء الإسلام جميع الأفراد للجندية، وذلك باتباع الخطتين التاليتين:

الأولى: تهيئة جيش نظامي متقدم في السلاح والتدريب، ولكن ذلك بالاختيار، لا بالإجبار.

الثانية: تهيئة مساحات واسعة في البلاد مزودة بأحسن الوسائل لتدريب من شاء من الناس في تلك الساحات، ومن المعلوم الرغبة المتزايدة من الناس في مثل هذا القسم من التدريب الذي لا يأخذ من وقتهم إلا ساعات ويشد من عضدهم، كما كان سابقا بالنسبة إلى تدريبهم على الأسلحة السابقة.

ي ـ منهاج السلام في الإسلام .. والإسلام دين السلام، ولذا لا يعتدي على أحد، وإذا اعتدى عليه أحد يكتفي بأقل قدر ممكن من الحرب.. وإذا كانت هناك أمة مستضعفة، وجب على الإسلام مساعدتها وإنقاذها من براثن المستعمرين والمستغلين والظالمين.

يا ــ منهاج الصحة في الإسلام.. وقد وضع الإسلام خطوط الصحة العامة، بإرشادات صحية، كالصوم، والزواج، والنظافة، واستعمال الملح، وما أشبه، كما حث على عدم الأكل حتى الشبع، وعدم تعريض النفس للأخطار وكذلك حرم المضرات، كالخمر والخنزير، وما يوجب القلق والاضطرابات، وما أشبه.

أضف الى ذلك أن الإسلام يعتني بالمرضى، وبالأخص المعوزين منهم عناية خاصة، مما ينبثق منه تأسيس المؤسسات الصحية وما إليها.

يب ــ منهاج الثقافة في الإسلام.. ولا أدل من ارتفاع الثقافة في الإسلام، من قانونه القائل: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة).

يج ــ منهاج المرأة في الإسلام.. والمرأة في الإسلام، لها كامل حريتها وكرامتها، فلها كل ما للرجل، باستثناء أنه لا يحق لها السفور والتبرج وما يتبع ذلك من الاختلاط بالرجال، في المعاهد والمسابح وما أشبه، فلها أن تزاول المهن، وأن تتعلم، وأن تزرع، وأن تتاجر، وأن تكون طبيبة ومضمدة وما أشبه.. أما إن بعض الأحكام جعلت المرأة في وضع خاص فذلك تابع لفلسفة عميقة منبثقة، من طبيعة المرأة الأنثوية.

يد ــ منهاج القضاء في الإسلام.. والإسلام جعل القضاء في كمال البساطة واليسر حتى أن قاضيا واحدا مع سبع من معاونيه ــ أو أقل ــ كانوا يفصلون قضايا مدينة نفوسها تربو على المليون، وذلك:

1 ـ بسب قلة الجرائم ــ حيث أن الإسلام يهيئ الجو الصالح الذي تقل فيه الجرائم ــ.

2 ـ وبساطة القضاء إلى أبعد حد.

3 ـ وعدم اعتراف الإسلام بالقوانين الكثيرة، التي تسبب كثرة الجرائم، كقوانين الحدود والجمارك وما أشبه .

يوــ منهاج الدوائر.. كما أن الدوائر قليلة جدا في الإسلام مثلا: دائرة الوقف، والأيتام، وما أشبه، تابعة للقاضي، فلا دوائر خاصة لها، كما ليست هناك دوائر خاصة للسجون، والجمارك، وما أشبه، ولو قلنا أن الدوائر الإسلامية لا تبلغ عشر الدوائر المعتادة في بلاد دنيا اليوم، لم يكن بعيدا عن الصواب.

وفي الحقيقة إن كل مادة من هذه المواد الـ (15) المذكورة في المنهج الإسلامي، تحتاج إلى كتاب ضخم يبين جميع المزايا الإسلامية في تلك المادة. وانما هذا الذي ذكرناه يسير جدا حول الموضوع.

كما ينبغي أن نذكر إن الإسلام حيث يقوي إدارة القضاء، ويقيّم بيت المال لحوائج المحتاجين، يقوّم أمر الناس، في غالب شؤونهم بحيث لا يحتاجون إلى أجهزة كثيرة، فان النقابات وما أشبه، إنما أنشئت، لأجل دفع الحيف، أو المساعدة، ودفع الحيف يتأتى عن طريق القضاء السهل العادل السريع، والمساعدة إنما تتأتى عن طريق بيت المال المفتوح لكل محتاج .

 

1 ـ عالج المؤلف الحكم الإسلامي وكيفيتهما في كتاب (إلى حكم الإسلام).

2 ـ راجع كتاب (الاقتصاد) من موسوعة الفقه للمؤلف ــ الناشر.