الفهرس

فهرس الفصل الخامس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

عشرة عوامل للتقدم

نذكر في هذا الفصل جملة من الأمور التي سببت تقدم المسلمين ذاك التقدم الهائل وإنقاذهم للعالم من براثن الكفر والجهل والمرض والغفلة والفوضى والحروب وما أشبه التي شملت العالم قبل بزوغ الإسلام. ولا بد ـ في سبيل إعادة العالم إلى استقراره ورفاهه وحريته وسلامته من جديد ـ من تحلّي المسلمين بهذه الصفات والتي ذكرت في القرآن الحكيم في مئات الآيات، وفي السيرة الطاهرة في ألوف الروايات، كما طبقها الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وبعض خلفائه على المسلمين إبان حكمهم.

والأمور التي نذكرها في هذا الفصل عشرة:

أولاً: تجنب الملذات المعوقة عن الانطلاق:

إن المسلم كان يتجنب الملاذ فلا يهتم بالحياة بقدر اهتمامه بإنقاذ الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور.

ونذكر هنا جملة من الآيات المذكورة في القرآن الحكيم في هذا الصدد.

قال سبحانه: (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون) (التوبة: 20).

وقال سبحانه: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) (التوبة: 24).

فنرى في هذه الآية المباركة أن الواجب على الإنسان المسلم أن يتجنب كل المشتهيات من آباء وأبناء وأخوان وأزواج وعشيرة وأموال وتجارة ومساكن ويستعيض عن كل ذلك بالحب لله ولرسوله والجهاد في سبيله، وإلا فإنه ليس من الإسلام في شيء، ويسميه الله سبحانه وتعالى فاسقاً فيقول: (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) (التوبة: 24).

حيث إن الله يأتي بأمره بسبب مؤمنين من هذا الطراز.

(والله لا يهدي القوم الفاسقين) (التوبة: 24).

فالمسلم الذي لا يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من هذه الأمور فهو فاسق في منطق القرآن خارج عن أوامر الله تعالى.

وقال تعالى: (ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين) (النساء: 75).

فالقتال إما لأجل تطهير الأفكار عن الخرافة وتطبيق شريعة الله، وإما لأجل إنقاذ المستضعفين من براثن المستكبرين.

وقال سبحانه ليذكر المسلمين بما يجب عليهم: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) (التوبة: 34 ـ 35).

وهذه الآية الكريمة تعريض بالذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، فاللازم على المسلم أن لا يكنز الذهب والفضة، بل ينفق الذهب والفضة في سبيل الله، حسب الموازين المقررة في الشريعة الإسلامية وجوباً واستحباباً.

ويقول سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير) (التوبة: 38 ـ 39).

فاللازم على المسلم أن ينفر في سبيل الله سواء كان سبيل الجهاد، أو سبيل التبليغ، أو سبيل الإصلاح والهداية أو سائر السبل، ولا يجوز أن يثّاقل إلى الأرض من جهة مال أو زوجة أو تجارة أو مسكن أو ما أشبه، وإلا كان راضياً بالحياة الدنيا بدلاً من الآخرة، واللازم على المسلم أن يعلم أن الحياة الدنيا بالنسبة إلى الآخرة متاع قليل، وانه إذا لم ينفر في سبيل الله فإن الله سيعذبه عذاباً أليماً، وأنه يذهب ويأتي بعده غيره ممن لا يكون مثله.

ويقول الله سبحانه: (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون) (التوبة: 41 ـ 42).

وفي هذه الآية يأمر الله سبحانه وتعالى بالنفر، سواء كان الإنسان خفيفاً أو ثقيلاً، خفيفاً من جهة الجسد أو ثقيلاً، شاباً أو شيخاً، مديناً أو غير مدين، بديناً أو غير بدين، واللازم عليه أن يجاهد بماله وبنفسه في سبيل الله، وأن لا يفرق بين السفر القريب والسفر البعيد والهدف البعيد والهدف القريب، وإن هؤلاء الذين يفرقون بين السفرين ويفرقون بين الخفيف والثقيل إنما يهلكون أنفسهم وعند الله هم الكاذبون.

ثم يقول الله سبحانه وتعالى: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون) (التوبة: 44 ـ 45).

فاللازم أن لا يستأذن المؤمن بالنسبة إلى الجهاد بماله وبنفسه سفراً وحضراً، والذي يستأذن فهو عند الله غير مؤمن وهو عند الله مرتاب القلب وإن كان يصلي ويصوم ويحج ويلتزم بكثير من لوازم الإيمان.

ويقول سبحانه وتعالى: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثَّبطهم وقيل اقعدوا مــع القاعدين) (التوبة: 46).

فالمسلم إذا أراد الخروج أعدّ العدة وذلك دليل إرادته الحركة، ومن لا يعد العدة فهو مبغوض عند الله سبحانه وتعالى ويكره الله انبعاثه فيثبطه ويجعله قاعداً مع القاعدين.

ويقول سبحانه: (قل هل تربَّصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عندهِ أو بأيدينا، فتربّصوا إنا معكم متربِّصون قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوماً فاسقين وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجاً أو مغاراتٍ أو مُدَّخلاً لولّوا إليه وهم يجمحون) (التوبة: 52 ـ 57).

ففي هذه الآيات يذكر الله سبحانه وتعالى المؤمنين ـ الذين يستعدون للحركة مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حسب أوامره ـ إن لهم إحدى الحسنيين، إما حياة سعيدة، وإما جنة عرضها السماوات والأرض، وأما غير هؤلاء من الذين لا يتحركون يلازمون ملاذهم، فالله سبحانه وتعالى إما يعذبهم بأيدي المؤمنين أو يعذبهم بعذاب من عنده، ثم إن هؤلاء لا تقبل نفقاتهم سواء أنفقوا طوعاً أو كرهاً لأنهم كانوا قوماً فاسقين، والله سبحانه وتعالى إنما يتقبل من المتقين، ثم إن الله سبحانه وتعالى لا يتركهم وشأنهم ولا يقبل إيمانهم، وإنما يقول إن الله لا يقبل نفقاتهم لأنهم كفروا بالله وبرسوله، حتى أن صلاتهم ليست صلاة مقبولة عند الله، لأن إتيانهم بالصلاة في حالة الكسل، وإنفاقهم في حالة الكره منهم، فهؤلاء حتى إذا كانت أجسامهم جميلة وأولادهم كثيرين فإن ذلك من أسباب عذابهم.

(ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) (التوبة: 55).

ثم يقول الله سبحانه: (إنهم يحلفون بأنهم منكم، لكنهم ليسوا منكم، بل إنهم قوم جبناء، ولو أنهم وجدوا ملجأ يلجئون إليه أو مغارات في الكهوف أو مدخلاً أي أماكن يتمكنون من الدخول فيها لولوا إليه وهم يجمحون بصورة مسرعة حتى يتجنبوا الأخطار.

فانظروا إلى هذه الآيات الكريمات أي عمل تعمل بقلوب المسلمين؟ وكيف تجنبهم الملذات المانعة من تبليغ رسالة الله سبحانه وتعالى ومن إنقاذ المستضعفين من أيدي المستكبرين.

ثم يصف الله الذين لا يتصفون بهذه الصفات الموجبة للإنطلاق والحركة حتى يتجنب المؤمنون أن يكونوا مثلهم بقوله: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئـــك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم) (التوبة: 87 ـ 88).

نعم لا بأس على الذين لا يتمكنون، ولذا قال سبحانه: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ولرسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم) (التوبة: 91).

وهكذا كان شأن المسلمين السابقين تجنب الملاذ لأجل الله، ولأجل رسوله.

ثانياً: الاستهانة بالأخطار في سبيل الهدف:

قال سبحانه: (ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرةٍ أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين) (التوبة: 13).

حيث نفى سبحانه وتعالى في هذه الآية خشية المؤمن من شيء غير الله سبحانه وتعالى فالله أحق أن يخشوه إذا كانوا مؤمنين.

وقال سبحانه: (أم حسبتم أن تتركوا ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجةً والله خبيربما تعملون) (التوبة: 16).

فاللازم على الإنسان المسلم أن يجاهد في سبيل الله، ولا يتخذ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة يلج إليها ويخرج منها، بل يلزم أن يكون دخوله وخروجه إلى حكم الله ومن حكم الله سبحانه وتعالى، فصدوره ووروده يكون حسب القوانين الإسلامية فقط.

والأعمال الصالحة ليست بمنزلة الاستهانة بالأخطار والجهاد في سبيل الله، قال سبحانه: (أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون) (التوبة: 19 ـ 20).

فالمسلم هو الذي يستهين بالأخطار، ويجاهد في سبيل الله، ويترك ماله وأهله ويهاجر، وليس من يعطي الحاج الماء ويعمر المسجد الحرام (على ثوابهما) كمثل هذا الإنسان.

وقال سبحانه: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتُلُون ويقتلُون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) (التوبة: 111).

وهذه الآية تدعو الإنسان إلى أن يخرج من نفسه وماله في قبال أن له الجنة، ولم يخصص النفس بشيء ولا المال بقدر، وإنما اللازم أن يبيع الكل فيقتل ويقتل، ومن الواضح صعوبة أن يبيع الإنسان نفسه وماله، كما أن من الصعوبة أن يقاتل فيقتل ويقتل.

وفي آية أخرى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتّبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم) (التوبة: 117).

(إلى أن قال سبحانه): (وما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقةً صغيرةً ولا كبيرةً ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) (التوبة: 120 ـ 121).

فالمسلم يجب أن يتبع الرسول في ساعة العسرة، ومن المعلوم أن ما يسميه الإسلام والقرآن (عسرة) هو أشد العسرات ـ كما ورد في التواريخ ـ كما أن الخوف أحياناً يصل بالإنسان إلى أن كاد يزيغ قلبه، وهذا أيضاً شيء يصعب تحمله على الإنسان، فاللازم أن يوقع الإنسان نفسه في مثل هذه المشاكل والمهالك إذا اقتضت طبيعة العمل ذلك.

والحرب والسفر وقطع الفيافي توجب أن يصيب الإنسان الظمأ والنصب والمخمصة، وكل هذه الأمور صعبة وأخطارها تكون أحياناً جسيمة.

ثالثاً: الطاعة المطلقة للقيادة:

قال سبحانه: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والى الرسول رأيت المنافقين يصدّون عنك صدوداً) (النساء: 61).

فوصف المنافقين بأنهم الذين لا يطيعون الرسول، أما المؤمنون فانهم يطيعون الرسول في كل صغيرة وكبيرة.

ثم قال سبحانه: (وما أرسلنا من رسولٍ إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلّموا تسليماً ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتا) (النساء: 64 ـ 65).

(إلى أن قال): (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) (النساء: 69).

فإن الواجب على المسلم أن يكون هكذا حتى أنه لا يجد في نفسه حرجاً مما قضى الرسول في كل كبيرة أو صغيرة، وإلا لم يكن مؤمناً.

وقال سبحانه: (إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً) (الأحزاب: 56).

فالمؤمن مأمور بالتسليم للنبي (صلّى الله عليه وآله) في كل أموره.

وحيث كان المسلمون يسلمون لرسول الله في كل كبيرة وصغيرة، وكانت قيادة الرسول (صلّى الله عليه وآله) قيادة شعبية إلى ابعد حد مما يوجب التفاف المسلمين حوله سبّب ذلك تقدمهم، ولذا نرى المسلمين يخوضون تحت لواء رسول الله أكثر من ثمانين حرباً في مدة عشر سنوات، أي بمعدل ثمانية حروب في كل سنة، وحرب وفي كل شهر ونصف وإذا لاحظنا أن الحروب والأسفار السابقة كانت تستغرق وقتاً كبيراً في الذهاب والإياب وقطع الفيافي، كما كانت تستلزم في كثير من الأوقات الجوع والعطش وما أشبه لعلمنا مدى حدود طاعة الجماهير لرسول الله (صلّى الله عليه وآله).

رابعاً: الرغبة الصادقة في الإنقاذ:

فقد كان المسلمون يتحرقون شوقاً لإنقاذ المستضعفين ونشر كلمة الله في الأرض.

قال سبحانه: (وإذا سَمِعوا ما أُنزِل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين فأثابهم الله بما قالوا جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين) (المائدة: 83 ـ 85).

فأي شوق في النفس يوجب أن تفيض العين بالدمع بسبب معرفتها الحق؟ وطبيعي جداً بعد ذلك أن يندفع مثل هذا الإنسان إلى الأمام دون أن يلوى على شيء حتى يصل إلى الهدف، كما كان أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كذلك.

وفي آية أخرى: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون) (التوبة: 92).

فإن هؤلاء كانوا يريدون الجهاد، ولكن بعد الطرق وعدم التمكن من المشي وعدم توفر الراحلة لهم كانت تسبب أن تفيض أعينهم من الدموع حزناً وأسفاً على عدم تمكنهم من الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى.

خامساً: الأخلاقيات المثالية للقاعدة:

فقد كانت تسود القاعدة الأخلاقيات النموذجية سواء فيما بينهم، أو مع العدو، أو في أنفسهم، وكان ذلك مما أوجب دخول الناس في دين الله أفواجاً، فإن الإنسان بطبيعته يلتف حول ذوي الأخلاق الرفيعة، بينما يتبرأ الناس من الذين لا أخلاق لهم بل أن الإنسان يتبرأ من نفسه إذا رأى في ذاته مواصفات سيئة.

وفي هذه الآيات المباركات تتجلى الأخلاقيات الرفيعة التي أمر الله بها فوفرها المسلمون في أنفسهم.

قال الله سبحانه: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرةٍ ويوم حنينٍ إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغنِ عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين) (التوبة: 25).

فإن المحارب إذا رأى كثرة عدده تملكه الغرور والكبر، لكن حتى هذا الإحساس الباطني ممنوع في الإسلام كما يظهر من ذم الآية للمسلمين في يوم حنين لعجبهم بكثرتهم، فاللازم أن تكون نفوس المسلمين مطمئنة بنصر الله سبحانه وتعالى لا غروراً وكبرياء، ولذا قال بعد ذلك: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذَّب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوبُ الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم) (التوبة: 26 ـ 27).

وفي آية أخرى يقول سبحانه: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خيرٍ لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) (التوبة: 61).

فالله سبحانه وتعالى يصف النبي بأنه (اذن) وبأنه (رحمة)، وقد تحلى المسلمون بهذه الصفات الرفيعة اقتداءً برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن المعلوم مدى التأثير الذي يخلقه (أذن) أو (رحمة) في المجتمع.

وقال سبحانه: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم) (التوبة: 99).

(ثم قال): (خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكّيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتك سَكَن لهم والله سميع عليم) (التوبة: 103).

فقد كان المسلمون يبذلون الأموال في سبيل تقدم الإسلام، حتى أن بعضهم كان يعطي نصف ماله أو أكثر في سبيل تقدم الإسلام والمسلمين، ومن المعلوم أن صفة الكرم والبذل من الصفات التي توجب تقدم الأمة إلى الأمام، وفي قبالهم البخلاء الذين كانوا مذمومين ولم يكن المسلمون الأوائل بخلاء إلا نادراً.

قال سبحانه: (إن اللهَ لا يحب مَن كان مختالاً فخوراً الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً والذين يُنفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قرينا) (النساء: 36 ـ 37).

فالمختال الفخور والذي يبخل ويأمر الناس بالبخل ويكتم ما أتاه الله من فضله والذي ينفق أمواله رئاء الناس، كل هؤلاء يعتبرون كافرين عند الله سبحانه وتعالى حيث قال سبحانه: (وأَعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً) (النساء: 37).

وهؤلاء الذين ينفقون رئاء الناس قرناء الشيطان حيث قال: (ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قرينا) (النساء: 38).

وكذلك قال سبحانه: (ألم تر إلى الذين يزكّون أنفسهم بل الله يزكّي مَن يشاء ولا يظلمون فتيلاً) (النساء: 49).

فمن أخلاق المسلم أن لا يزكي نفسه، بل أن يرى نفسه دائماً دون المستوى المطلوب منه.

وقال سبحانه: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) (التوبة: 128 ـ 129).

فاللازم في الأخلاقيات الإسلامية أن يكون المسلم كالرسول عزيز عليه عنت المسلمين، حريص عليهم رؤوف رحيم بهم.

وقال سبحانه: (إن اللهَ يأمر بالعدل والإحسان وإيتاءِ ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لَعلَّكم تذكّرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمةٍ إنما يبلوكم الله به وليبيننَّ لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون) (النحل: 90 ـ 92).

(إلى أن قال): (ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون) (النحل: 95).

فالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والتجنب عن الفحشاء والمنكر والبغي، والوفاء بعهد الله سبحانه وتعالى، وعدم نقض اليمين، وعدم كون المجتمع متفرقاً كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً، وعدم اتخاذ الإيمان دخلاً موجبة للمفسدة بأن يكون الإيمان منطلقاً لأمر نفسي سيئ ـ هو أن تكون أمة هي أربى من أمة ـ وعدم الاشتراء بعهد الله ثمناً قليلاً هذه أخلاقيات رفيعة إيجابية تارة وسلبية أخرى، وقد كان المسلمون يتصفون بها وهي التي سببت تقدمهم ذلك التقدم السريع المتجذر الهائل.

وقال سبحانه: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً) (النساء: 58).

(إلى أن قال): (ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً) (النساء: 60).

فالله سبحانه وتعالى يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، سواء كانت أمانات مالية أو أمانات أرضية أو أمانات علمية أو غيرها، وأن على الإنسان إذا حكم بين الناس أن يحكم بالعدل سواء الصديق أو العدو أو القريب أو الغريب أو الرحم أو غير الرحم أو الجار أو غير الجار وهكذا.

كما أن اللازم على الإنسان فيما لو وقعت له مشكلة أن لا يتحاكم إلى الطاغوت بل عليه أن يتحاكم إلى الله والى الرسول (صلّى الله عليه وآله) والى المنصوبين من قبله.

وقال سبحانه: (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البرَّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) (المائدة: 2).

وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداءَ بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألاّ تعدلوا اعدِلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) (المائدة: 8).

فاللازم على المسلم أن لا توجب عداوته لقوم أن لا يحكم بالحق وأن يعتدي، كما أن إخراجه من دياره وصده عن المسجد الحرام، حيثما يريد زيارته لا يوجب أن يعتدي أو لا يعدل، بل اللازم عليه العدل والتعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان، والتقوى من الله سبحانه وتعالى في كل ذلك، فإنه إن لم يفعل ذلك كما أمر، فإن الله شديد العقاب.

وعلى الإنسان أن يكون قواماً لله (والقوام كما هو معروف صيغة مبالغة، يعني دائم القيمومة لأجل الله سبحانه وتعالى، لا لأجل المال ولا لأجل الرئاسة، ولا لأجل الأهل، ولا لأجل الشهوة، ولا لأجل المنصب أو ما أشبه) (شهداء بالقسط) أي يشهد بالقسط ولا يسبب له شنآن قوم على أن لا يعدل، فإن العدل هو أقرب للتقوى. واللازم على الإنسان أن يتقي الله في كل هذه الأمور، فإن الله خبير بما يعمله الإنسان، وإذا عمل بهذه الأمور وكان مؤمناً فقد وعده الله سبحانه وتعالى مغفرة وأجراً عظيماً.

أما من كفر وكذب فأولئك أصحاب الجحيم كما قال سبحانه في ذيل الآية الثانية: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجراً عظيما) (الفتح: 29).

وقال سبحانه: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتولّ فإن الله هو الغني الحميد) (الحديد: 22 ـ 24).

فاللازم على الإنسان أن لا يهتم بالمصائب، ولا يفرح بما يأتيه، وأن لا يكون مختالاً فخوراً، ولا يكون بخيلاً، ولا يأمر الناس بالبخل.

ثم قال سبحانه: (لقد أرسلنا رُسُلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورُسُله بالغيب إن الله قوي عزيز) (الحديد: 25).

فالهدف المهم من إرسال الرسل أن يقوم الناس بالقسط، وأن يدفعوا المعتدي بسبب الحديد الذي فيه بأس شديد.

وهذه كانت صفة رسول الله وصفة أصحابه ـ إلا من خرج منهم ـ فقد كانوا متصفين بهذه الصفات الرفيعة التي أوجبت تقدمهم إلى الأمام ذلك التقدم المعروف.

سادساً: عدم التمايز في الحقوق:

عدم ترفع بعضهم عن بعض، فالشخص بمجرد إسلامه يكون كسائر المسلمين في كل الشؤون من الصلاة والصيام والحج والنكاح والطلاق والإرث والجهاد والاشتراك في بيت المال وكونه طرف المشورة فيكون متساوياً في كل الجهات مع سائر المسلمين، بل إن الرسول (صلّى الله عليه وآله) على عظمته كان يستشيرهم كما تقدم في قوله سبحانه: (شاورهم) (آل عمران: 159).

وفي قوله: (وأمرهم شورى بينهم) (الشورى: 38).

وتلمح طرفاً من هذا التساوي في قوله سبحانه: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير) (الأنفال: 72).

(إلى أن قال): (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم) (الأنفال: 74).

فكان المسلم يأوي المسلم في داره وينصره، ويواليه، وكلهم وحدة واحدة في كل الشؤون، كلهم سواء أمام القانون الإسلامي.

وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (مثل المؤمنين في توادهم ووتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعي سائره بالسهر والحمى)(1).

وفي رواية أخرى: (من سمع منادياً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم)(2).

إلى غير ذلك من مظاهر عدم ترفع بعضهم على بعض فكان الشريف يزوج الوضيع والغني يعاشر الفقير، والقوي يساوي الضعيف، وكانوا يتساوون في كل الشؤون، وبنفس هذا الخلق الرفيع صار المسلمون وحدة واحدة يقابلون العالم كله، وبذلك وغيره من الدساتير السماوية تمكنوا من ذلك التقدم السريع.

سابعاً: العدل والإحسان:

فقد قال سبحانه: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) (النحل: 90).

وفي هذه الآية دليل على وجوب الإحسان أيضاً إضافة إلى العدل لأنه: أولاً: أردف بالعدل، والعدل واجب.

ثانياً: وقع مأموراً به، ومادة (الأمر) تدل على الوجوب كما قرره الأصوليون.

ثالثاً: قورن بالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي والثلاثة محرمات فما في مقابلها واجب.

بالإضافة إلى قوله تعالى: (يعظكم لعلكم تذكرون) (النحل: 90).

حيث يكون الظاهر منه الوجوب.

وقورن أيضاً بالآية التي بعدها، وهي قوله سبحانه: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) (النحل: 91 ـ 92).

ومن الواضح أن الوفاء بالعهد واجب ونقض الإيمان والتفرق محرَّمان.

وفي آية أخرى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلوا أو تعرضوا، فإن الله كان بما تعملون خبيرا) (النساء: 135).

فالعدل واجب ولو على النفس والوالدين والأقربين، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، فإن الله أولى بهما، وفي قبال ذلك اتباع الهوى، ومن تجاوز عن العدل أو أعرض عنه، فإن الله خبير بما يعمل وسوف يحاسبه في الدنيا وفي الآخرة.

وفي آية أخرى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (النساء: 3).

وقال سبحانه: (فلذلك فادعُ واسَتقم كما أُمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل إلله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا واليه المصير) (الشورى: 15).

فالله سبحانه وتعالى أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) بالعدل بين الجميع بالإضافة إلى الاستقامة وعدم اتباع الأهواء، كان ذلك خلق المسلمين لأنهم اتبعوا الرسول (صلّى الله عليه وآله) في عدالته.

إلى غيرها من الآيات الواردة في العدل بمختلف الألفاظ.

وكذلك بالنسبة إلى آيات الإحسان.

قال سبحانه: (وإذ أخذنا ميثاقَ بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون) (البقرة: 83).

فالإحسان بالنسبة إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين والقول للناس جميعاً بالحسن هو الأمر الواجب الذي أخذ الله عليه ميثاق الأمم قبل المسلمين، وفي ذلك تعريض بأنه يجب على المسلمين أن يتبعوا ذلك كله، كما يدل عليه (لا تعبدون إلا الله) وقوله (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة).

وفي آية أخرى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجُنُب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخورا) (النساء: 36).

فإن الإنسان الذي لا يحسن يحسب في عداد المختال المتكبر الذي يفتخر بما عنده ويترفع على الناس ومن الواضح أن المختال الفخور عمله حرام.

وفي آية أخرى: (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدَّمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً) (النساء: 62).

وقال تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) (التوبة: 91).

وفي آية أخرى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلَنا وإن الله لمع المحسنين) (العنكبوت: 69).

إلى غيرها من الآيات الواردة في العدل والإحسان.

ثامناً: الوحدة والوفاق:

قال سبحانه: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) (آل عمران: 103).

(إلى أن قال): (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم).

وقال سبحانه: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شِيَعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) (الأنعام: 159).

وقال سبحانه: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكن اكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون) (الروم: 30 ـ 32).

فالمفرق يعتبر من المشركين، وهو خارج عن زمرة المسلمين الذين لهم الصفات السابقة من إقامة الوجه للدين والإنابة إلى الله والتقوى وإقامة الصلاة، إلى غيرها من الآيات المباركات.

تاسعاً: التعبئة العامة:

قال سبحانه: (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون) (التوبة: 41).

فليست الأمة الإسلامية: من يعمل بعضها ويترك بعضها الآخر العمل، وإنما هم وحدة واحدة في إقدامهم وفي إحجامهم وفي كل شؤون حياتهم.

وفي آية أخرى: (محمد رسول الله والذين معه أَشِداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سُجّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأهُ فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرّاع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منه مغفرةً وأجراً عظيماً) (الفتح: 29).

وفي جملة من التواريخ أنهم كانوا (رهبان الليل أسود النهار) وقيام المسلمين بالليل كان تعبئة روحية تدفعهم، إلى المضي قدماً، قال سبحانه: (بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها المزمِلّ قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا إنا سنلقي عيك قولاً ثقيلاً إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً إن لك في النهار سبحاً طويلاً واذكر اسمَ ربِكَ وتبتَّل إليه تبتيلا) (المزمل: 1 ـ 8).

(إلى أن قال): (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدِّر الليل والنهار عَلِمَ أن لن تُحصُوهُ فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسًّر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسَّر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأَقرضوا الله قرضاً حسناً وما تقدِّموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند الله هو خيراً وأعظمَ أجراً واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) (المزمل: 20).

ففي هذه الآيات المباركات تعبئة نفسية كثيرة إلى جانب العمل ـ باستثناء الذين هم مرضى، والذين هم يضربون في الأرض لابتغاء فضل الله، والذين يقاتلون في سبيل الله، فإن هؤلاء لا يتمكنون من قراءة القرآن والقيام بالليل كاملاً كما يتمكن الآخرون، أما المرضى فهم غير قادرين وأما الضاربون في الأرض والمقاتلون فهم يعملون بما عبأوا به أنفسهم من ابتغاء فضل الله والمقاتلة في سبيل الله ـ.

عاشراً: الاستهانة بالظالمين:

الاستهانة بالحكومات القائمة وبالكفار، فإنهم كانوا ينظرون إليهم نظرة ازدراء وكانوا يرون أن الواجب عليهم تقويمهم عن الانحراف في العقيدة وفي السلوك وما أشبه.

قال سبحانه: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريءٌ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم) (التوبة: 1 ـ 3).

فالله سبحانه يتبرأ من المشركين ويعلن أنهم لا يتمكنون من تعجيز الله سبحانه وتعالى والانفلات من يد المسلمين المطيعين لأوامر الله سبحانه وأنهم إذا تابوا كان خيراً لهم أما إذا تولوا فإن الله سبحانه وتعالى يبشرهم بعذاب أليم، يعني في الدنيا وفي الآخرة.

ثم قال سبحانه: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلُّوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) (التوبة: 5).

(إلى أن قال): (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدِهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهمُّوا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزِهم وينصركم عليهم ويشكفي صدورَ قوم مؤمنين ويُذهِب غيظَ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم) (التوبة: 12 ـ 15).

وقال سبحانه: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (التوبة:: 32 ـ 33).

وقال سبحانه: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين) (التوبة: 36).

وقد ذكر الله سبحانه في القرآن كيف أباد الأمم السابقة الذين لم يطيعوا أوامر الأنبياء (عليه السلام) وانه سبحانه وتعالى يبيد الذين لا يطيعون أوامر رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال: (ألم يأتهم نباُ الذين من قبلهم قوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رُسُلُهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (التوبة: 70).

وقال سبحانه: (كالذين من قبلكم كانوا أشدَّ منكم قوةً وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون) (التوبة: 69).

فهذه الآيات المباركات تعطي للمسلم روحاً قوية، وتذَكِّرهُ بأنه يتمكن من التغلب على الكافرين مهما كان لهم من الأموال والأولاد والقوة والشدة.

وقال سبحانه: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإن يَتَولَّوا يعذِّبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من وليٍ ولا نصيرٍ) (التوبة: 74).

فالذين لا يطيعون الرسول ولا يأتمرون بأوامره يعذبهم إلله عذاباً أليماً في الدنيا وفي الآخرة، ولا يتصوروا أن لهم في الدنيا ولياً أو نصيراً، وإنما الله سبحانه وتعالى ينصر أولياءه على أعدائه مهما كان الأعداء من القوة والمنعة.

وقال سبحانه: (وكم أهلكنا من قرية بَطِرَت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسُكَن من بعدهم إلا قليلاً وكنّا نحن الوارثين وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) (القصص:: 58 ـ 59).

فالمسلمون كانوا يعلمون انهم إذا ركزوا لواء العدل ونشروا الحق ولم يقبل الناس منهم، فإن الله من ورائهم يهلك أولئك الظالمين الذين لا يقبلون الحق.

وقال سبحانه: (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يُذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نَمُنَّ على الذين استُضعِفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين ونمكّن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) (القصص: 4 ـ 6).

(إلى أن قال سبحانه): (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمةً يدعون إلى النار ويوم القيامة لا يُنصَرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين) (القصص: 39 ـ 42).

فالمستكبرون والحكام الــظالـــمون وجنودهم ووزراؤهم يأخذهم الله سبحانه وتعالى أخذ عزيز مقتدر ويجعلهم في الدنيا والآخرة لعناء ومقبوحين.

وقال سبحانه: (فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (العنكبوت: 40).

فقسم من الكفار أهلكهم الله سبحانه وتعالى بسبب الحاصب الذي كان يحصبهم بالحجارة، ومنهم من أخذته الصيحة إذ صاح عليهم الملك صيحة كبيرة فأهلكهم، ومنهم من خسف الله به الأرض، ومنهم من أغرقه الله.

ثم قال سبحانه: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) (العنكبوت: 41).

فبيوت غير أولياء الله سبحانه وتعالى من العتاة والجبابرة والظلمة والكفرة مثلها كبيت العنكبوت، وبيت العنكبوت من أوهن البيوت.

ثم قال سبحانه: (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيءٍ وهو العزيز الحكيم وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) (العنكبوت: 42 ـ 43).

فالله بعزته يأخذ، وبحكمته يترك، وهذه أمثلة يضربها الله للناس حتى يعلموا أن الله قادر على كل شيء ومنتقم من الظالمين.

(إلى أن قال سبحانه): (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجلٌ مسمىً لجاءهم العذاب وليأتينّهم بغتةً وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنّمَ لمحيطةٌ بالكافرين) (العنكبوت: 53 ـ 54).

هذه أمور عشرة سببت تقدم المسلمين وهنالك مواصفات أخرى تحلى بها المسلمون فسببت حركتهم تلك الحركة السريعة التي أدهشت العالم.

 

1 ـ البحار الأنوار: ج103، ص173.

2 ـ مستند الشيعة، للمحقق النراقي: ج2، ص397.