الفهرس

فهرس الفصل السادس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

أسس تقدم المسلمين

لقد كان من أسباب تقدم الإسلام ذلك التقدم السريع، وأخذه بزمام العالم في أول ظهوره أنه مبني على أسس، منها خمسة لها أسلوب خاص في الدستور والنظام الإسلامي وهي:

الأول: الدولة.

الثاني: الأمة.

الثالث: الأخوة.

الرابع: الشريعة.

الخامس: الحرية.

ونحن نلمح إلى كيفية هذه الأمور في الإسلام، ونرى أنها إذا أحييت كما قرره الإسلام يأخذ الإسلام بزمام المبادرة في العالم مما يسبب التقدم السريع للإسلام والصياغة الجديدة لعالم مليء بالمشاكل والأزمات.

الأساس الأول: الدولة الإسلامية

والدولة في الإسلام مبنية على أمور:

1 ـ العدل والإحسان

حتى مع الأعداء، وحتى في الأمور الطفيفة.

قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق اللهَ ربه ولا يبخس منه شيئاً فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يُمِلَّ هو فليملل وليه بالعدل) (البقرة: 282).

وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنَّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم) (المائدة: 8 ـ 10).

هذه الآيات المباركة تأمر بالعدل حتى مع الأعداء، وتبين أن الذي يعدل في كل حال هو الذي يعمل الصالحات، أما إذا لم يعدل فهو داخل في الذين كفروا وكذبوا بآياتنا.

وفي آية ثالثة: (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتَّبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم اللهُ ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا واليه المصير) (الشورى: 14 ـ 15).

إلى غيرها من الآيات المباركة.

نصوص كريمة:

كما أنه ورد في الروايات طائفة كبيرة تدل على وجوب العدل:

فعن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (اتقوا الله واعدلوا فإنكم تعيبون على قوم لا يعدلون)(1).

وعن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن، ما أوسع العدل إذا عدل فيه وإن قل)(2).

وعــــن معـــاويـــة بن وهـــب، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (العدل أحلى من الشهد وألين من الزبد وأطيب ريحاً من المسك)(3).

أقول: لأن العدل يصيب الروح، وهذه الأمور ماديات ومن الواضح أن ما يصيب الروح من الراحة مما يناله الجسد من الشهوات.

وعن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (ثلاث هم أقرب إلى الله عز وجل يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب: رجل لم تدعه قدرته في حال غضبه إلى أن يحيف على من تحت يديه، ورجل مشى بين اثنين فلم يمل مع أحدهما على الآخر شعيرة، ورجل قال الحق فيما له وعليه)(4).

وعن الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) قال: (استعمال العدل والإحسان مؤذن بدوام النعمة)(5).

وعن الصادق (عليه السلام)، أنه سأل عن صفة العدل من الرجل؟ فقال: (إذا غض طرفه من المحارم، ولسانه عن المآثم، وكفه عن المظالم)(6).

وروي أبو البركات، عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: (عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة قيام ليلها وصيام نهارها)(7).

(العدل ميزان الله في الأرض، فمن أخذه قاده إلى الجنة، ومن تركه ساقه إلى النار)(8).

وروى سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت علياً (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إن أشد الناس ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله فاستجاب له فأطاع الله فدخل الجنة، وأدخل الداعي النار بترك عمله واتباع هواه بعصيانه لله)(9).

إرشادات إسلامية حول العدل والظلم

العدل ومعطياته:

عن أبي إسحاق الجرجاني، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (إن الله جعل لمن جعل له سلطاناً أجلاً ومدة من ليال وأيام وسنين وشهور، فإن عدلوا في الناس أمر الله صاحب الفلك أن يبطئ بإدارته فطالت أيامهم ولياليهم وسنينهم وشهورهم، وإن جاروا في الناس فلم يعدلوا أمر الله صاحب الفلك فأسرع بإدارته فقصر لياليهم وأيامهم وسنينهم وشهورهم، وقد وفى الله عز وجل بعدد الليالي والشهور)(10). 

لا يجوز لمن وصف عدلاً أن يخالفه إلى غيره:

عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (إن من أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره)(11).

وعن قتيبة الأعشى، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة من وصف عدلاً وعمل بغيره)(12).

وعن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: في قول الله عز وجل: (فكبكبوا فيها هم والغاوون) فقال (يا أبا بصير قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره)(13).

الظلم في الدنيا

ظلمات في يوم القيامة:

عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (ما من مظلمة أشد من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عوناً إلا الله)(14).

وعن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة)(15).

وعن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (ما من أحد يظلم مظلمة إلا أخذه الله بها في نفسه وماله، فأما الظلم الذي بينه وبين الله فإذا تاب غفر له)(16).

وعن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما حضر علي بن الحسين (عليه السلام) الوفاة ضمني إلى صدره ثم قال: (يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة ـ ومما ذكر أن أباه أوصاه به قال: يا بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله)(17).

وعن حفص بن عمّار، قال: قال أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (من خاف القصاص كفّ عن ظلم الناس)(18).

وعن علي بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إن الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي لا أجيب دعوة مظلوم دعاني في مظلمة ظلماً ولأحد عنده مثل تلك المظلمة)(19).

وعن زيد بن علي بن الحسين، عن آبائه (عليهم السلام) قال: (يأخذ المظلوم من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من دنيا المظلوم)(20).

وعن محمد بن عبد الله الأرقط، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: (من ارتكب أحداً بظلم بعث الله من ظلمه مثله أو على ولده أو على عقبه من بعده)(21).

أقول: الظلمة نواة تعطي الظلم فيقتطف الثمر إما نفس الشخص أو عقبه.

وعن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أعظم الخطايا اقتطاع مال امرئ مسلم بغير حق)(22).

وجوب رد المظالم إلى أهلها:

عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله، وظلم لا يغفره الله، وظلم لا يدعه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره فالشرك وأما الظلم الذي يغفره فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله، وأما الظلم الذي لا يدعه فالمداينة بين العباد)(23).

وعن شيخ من النخع قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إني لم أزل والياً منذ من الحجاج إلى يومي هذا، فهل لي من توبة؟ قال فسكت، ثم أعدت عليه، فقال: (لا، حتى تؤدي إلى كل ذي حقٍ حقه)(24).

وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (من أكل من مال أخيه ظلماً ولم يردّه إليه أكل جذوة من النار يوم القيامة)(25).

وعن أبي عبيدة الحذّا قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (من اقتطع مال مؤمن غصباً بغير حقّه لم يزل الله معرضاً عنه ماقتاً لأعماله التي يعملها من البرّ والخير لا يثبتها في حسناته حتى يرد المال الذي أخذه إلى صاحبه)(26).

الظالم والمعين له والراضي بالظلم: شركاء!

عن طلحة بن زيد، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم)(27).

وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (من عذر ظالماً بظلمه سلّط الله عليه من يظلمه، فإن دعا لم يستجب له، ولم يأجره الله على ظلامته)(28).

وعن أنس بن محمد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) قال: (يا عليّ شر الناس من باع آخرته بدنياه، وشر منه من باع آخرته بدنيا غيره)(29).

وعن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (من أعان ظالماً على مظلوم لم يزل الله عليه ساخطاً من معونته)(30).

وفي (نهج البلاغة) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (للظالم من الرجال ثلاث علامات: يظلم من فوقه بالمعصية ومن دونه بالغلبة، ويظاهر للقوم الظلمة)(31).

تحريم طلب الرئاسة مع عدم الوثوق بالعدل:

عن معمر ابن خلاّده عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه ذكر رجلاً فقال: إنه يحب الرياسة، فقال: (ما ذئبان ضاريان في غنم قد تفرق رعاؤها بأرض من دين المسلم من الرياسة)(32).

وعن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (من طلب الرياسة هلك)(33).

وعن عبد الله بن مسكان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إياكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأسون، فوالله ما خفقت النعال خلف الرجل إلا هلك وأهلك)(34).

وعن جويرية بن مسهر قال: اشتددت خلف أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: (يا جويرية إنه لم يهلك هؤلاء الحمقى إلا بخفق النعال خلفهم)(35).

وعن أبي الربيع الشامي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لي: (يا أبا الربيع لا تطلبن الرئاسة ولا تكن ذنباً، ولا تأكل الناس بنا فيفقرك الله)(36).

وعن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (أترى لا أعرف خياركم من شراركم؟ بلى والله إن أشراركم من أحب أن يوطأ عقبه أنه لا بد من كذّاب أو عاجز الرأي)(37).

وعن قاسم بن عون، عن علي بن الحسين (عليه السلام) في حديث انه قال له: (إياك أن تترأس فيضعك الله وإياك أن تستأكل بنا فيزيدك الله فقرا واعلم إنك ان تكن ذنباً في الخير خير لك من أن تكون رأسا في الشر)(38).

وعن الحسين بن زيد، عن الصادق، عن آبائه، عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في حديث المناهي قال: (ألا ومن تولى عرافة قوم أتى يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه فإن قام فيهم بأمر الله أطلقه الله وإن كان ظالماً هوى به في نار جهنم وبئس المصير)(39).

2 ـ قلة الضرائب

حيث إن الضرائب الإسلامية عبارة عن (الخمس) و(الزكاة) و(الجزية) و(الخراج) كما ذكرنا تفصيله في فصل سابق، وذكرنا أنه بسبب قلة الضرائب كان حكم المسلمين أحب إلى أهل البلاد وإن كانوا كفاراً من حكم بني دينهم عليهم فإن الجزية التي تؤخذ من الكفار شيء قليل جداً.

ففي رواية زرارة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: قلت له: ما حدّ الجزية على أهل الكتاب، وفهل عليهم في ذلك شيء موظف لا ينبغي أن يجاوز إلى غيره؟ قال فقال: (لا، ذاك إلى أن يجوز إلى غيره؟ فقال (عليه السلام): (الإمام، يأخذ منهم من كل إنسان منهم ما شاء على قدر ماله وما يطيق، إنما هم قوم فدوا أنفسهم من أن يستعبدوا أو يقتلوا فالجزية تؤخذ منهم على قدر ما يطيقون له أن يأخذهم بها، حتى إذا يسلموا) الحديث(40).

وقال ابن مسلم، قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أرأيت ما يأخذ هؤلاء من هذا الخمس من أرض الجزية ويأخذ من الدهاقين جزية رؤوسهم أما عليهم في ذلك شيء موظف؟ فقال: (كان عليهم ما أجازوا على أنفسهم وليس للإمام أكثر من الجزية إنشاء الإمام وضع ذلك على رؤوسهم وليس على أموالهم شيء، وإنشاء فعلى أموالهم وليس على رؤوسهم شيء).

فقلت: فهذا الخمس؟ فقال: (إنما هذا شيء كان صالحهم عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله))(41).

وعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في أهل الجزية يؤخذ من أموالهم ومواشيهم شي سوى الجزية؟ قال: (لا)(42).

وعن مصعب بن يزيد الأنصاري قال: استعملني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) على أربعة رساتيق: المدائن البهقياذات، ونهر سير ونهر جوير، ونهر الملك، وأمرني أن أضع على كل جريب زرع غليظ درهماً ونصفاً، وعلى كل جريب وسط درهماً، وعلى كل جريب زرع رقيق ثلثي درهم، وعلى كل جريب كرم عشرة دراهم، وعلى كل جريب نخل عشرة دراهم، وعلى كل جريب البساتين التي تجمع النخل والشجر عشرة دراهم، وأمرني أن ألقي كل نخل شاذ عن القرى لمارة الطريق وابناء السبيل، ولا آخذ منه شيئاً، وأمرني أن أضع على الدهاقين الذين يركبون البراذين ويتختمون بالذهب على كل رجل منهم ثمانية وأربعين درهماً، وعلى أوساطهم التجار منهم على كل رجل منهم أربع وعشرين درهماً، وعلى سفلتهم وفقرائهم اثني عشر درهماً على كل إنسان منهم، قال: فجبيتها ثمانية عشر ألف ألف درهم في سنة(43).

فانظروا إلى هذه الجزية القليلة جداً والتي لا تتعدى ثمانية وأربعين درهماً كل عام على كبار التجار والأشراف وأصحاب الأرياف وثمانية وأربعين درهم تقارب أربعة وعشرين مثقالاً من الفضة، ومثقال الفضة كان رخيصاً جداً، فقبل أربعين سنة كان مثقال الفضة يعادل أربعة فلوس، فتكون الضريبة أقل من مائة فلس على كل إنسان ثري في كل سنة ـ وإذا علمنا أن كل فلس آنذاك كان ثمن ربع كيلو خبزاً ظهر قلة الجزية ـ.

وفي رواية المفيد، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنه جعل على أغنيائهم ثمانية وأربعين درهماً، وعلى أوساطهم أربعة وعشرين درهماً، وجعل على فقرائهم اثني عشر درهماً، وكذلك صنع عمر بن الخطاب قبله وإنما صنعه بمشورته (صلّى الله عليه وآله)(44).

وعن ابن أبي يعفور، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (إن أرض الجزية لا ترفع عنهم الجزية، وإنما الجزية عطاء المهاجرين، والصدقة لأهلها الذي سمى الله في كتابه فليس لهم من الجزية شيء).

ثم قال: (ما أوسع العدل).

ثم قال: (إن الناس يستغنون إذا عدل بينهم، وتنزل السماء رزقها، وتخرج الأرض بركتها بإذن الله)(45).

أقول: الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إنما وضع الجزية على الرأس وعلى الأرض، لأن الأرض كانت مفتوحة عنوة والأرض المفتوحة عنوة يؤخذ منها الخراج سواء من المسلم أو من الكافر لأنها أراضي المسلمين كما ذكر في الروايات وذكرها الفقهاء في كتب مفصلة.

تسهيلات:

ثم إن الجزية لا تؤخذ من جماعة منهم، كما أنه يسمح لهم بإعطاء الجزية حتى من ثمن الخمر والخنزير ـ وإن كانا محرمين في الشريعة الإسلامية ويحرم التعامل بهما ـ وذلك للتوسعة عليهم وإلزامهم بما التزموا به.

وقد روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: (الجزية على أحرار أهل الذمة الرجال البالغين، وليس على العبيد ولا على النساء ولا على الأطفال جزية، يؤخذ من الدهاقين وأمثالهم من أهل السعة والمال على كل رجل منهم ثماني وأربعون درهماً كل عام، ومن أهل الطبقة الوسطى أربع وعشرون درهماً، ومن أهل الطبقة السفلى اثني عشر درهماً وعليهم مع ذلك الخراج لمن كانت له الأرض منهم من كبير أو صغير أو رجل أو امرأة فالخراج على الأرض، ومن أسلم منهم وضعت عنه الجزية ولم يوضع عنه الخراج لأن الخراج من الأرض)(46).

وقال (عليه السلام): (إنه رخص في أخذ العروض مكان الجزية بقيمة ذلك)(47).

وعن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال: (ومن استعين به من أهل الذمة على حرب المشركين طرحت عنه الجزية)(48).

وعن الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (من وضع عن ذمي جزية أوجبها الله عليه أو يشفع له في وضعها عنه فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين)(49).

وعن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى يؤكل المعاهد كما يؤكل الخضر)(50).

أقول: في هاتين الروايتين منع عن الإفراط والتفريط، بوضع الجزية أو أخذ الجزية زائداً وقد سمى النبي (صلّى الله عليه وآله) ذلك أكلاً للمعاهد.

وعنه (صلّى الله عليه وآله) أنه نهى عن التعدي على المعاهدين.

وعن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في حديث: (لا جزية على النساء)(51).

وعن أبي جعـــفر (عليه السلام) قال: (الجزية عطاء الـــمجاهدين والــصدقــــة لأهلها الذين سماهم الله في كتابه ليس من الجزية)(52).

وعن أبي عبدالله (عليه السلام): (أنه رخص في أخذ الجزية من ثمن الخمر والخنازير لأن أموالهم أكثرها من الحرام والربا)(53).

وعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صدقات أهل الذمة وما يؤخذ من جزيتهم من ثمن خمورهم وخنازيرهم وميتتهم؟ قال: (عليهم الجزية في أموالهم تؤخذ من ثمن لحم الخنزير أو الخمر فكلما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك عليهم وثمنه للمسلمين حلال يأخذونه في جزيتهم)(54).

إلى غيرها من الروايات.

الرفق في الجباية:

ثم إن أخذ الجزية منهم ليس بالعنف، فقد قال رجل من ثقيف ـ وكان من عمال أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ: إستعملني علي بن أبي طالب (عليه السلام) على بانقياً وسواد من سواد الكوفة، ثم فقال لي والناس حضور: انظر خراجك فجد (وجد) فيه، ولا تترك منه درهما، فاذا (أردت أن تتوجه إلى عملك فمرّ بي)، قال: فأتيته فقال لي: (إياك أن تضرب مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً في درهم خراج أو تبيع دابة عمل في درهم، فإنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو)(55).

وفي ختام هذا الفصل نذكـــر هذه الرواية حول الضرائب والمكوس: (قال نوف: بت ليلة عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فكان يصلي الليل كله ويخرج ساعة بعد ساعة فينظر إلى السماء ويتلو القرآن قال: فمر بي بعد هدوء من الليل فقال: يا نوف أراقد أنت أم رامق؟! قلت: بل رامق أرمقك ببصري يا أمير المؤمنين قال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، أولئك الذين اتخذوا الأرض بساطاً، وترابها فراشاً، وماءها طيباً، والقران دثاراً، والدعاء شعاراً، وقرضوا من الدنيا تقريضاً على منهاج عيسى بن مريم (عليهما السلام)، إن الله عز وجل أوحى إلى عيسى بن مريم قل للملأ من بني إسرائيل لا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوب طاهرة وأبصار خاشعة وأكف نقية، وقل لهم: اعلموا إني غير مستجيب لأحد منكم دعوة ولأحد من خلقي قبله مظلمة ثم قرضوا الدنيا قرضاً على منهاج السيد المسيح يا نوف إن داود (عليه السلام) قام في مثل هذه الساعة من الليل، فقال: إنها ساعة لا يدعو فيها عبد ربه إلا استجيب له إلا أن يكون عشاراً أو عريفاً أو شرطياً أو صاحب عرطبة ـ وهي الطنبور ـ أو صاحب كوبة ـ وهي الطبل ـ )(56).

3 ـ تيسير الشؤون

وذلك بقلة الموظفين وعدم الحاجب.

قلة الموظفين:

أما قلة الموظفين فقد ذكرنا في بعض كتبنا السياسية: إن الموظفين في الدولة الإسلامية قليلون جداً لأنهم مشرفون فقط، وإنما الأعمال بيد الناس، ويعني ذلك أنه إذا قامت الدولة الإسلامية في الزمن الحاضر كانت القطارات والمطارات والمعامل والمستشفيات والمدارس والشوارع وغيرها كلها بأيدي الناس، والدولة تشرف على أن لا يجحف بعضهم ببعض، وبذلك تبعد الدولة عن نفسها مشاكل كثيرة وتتمكن من القيام بما ألقي عليها من الواجبات خير قيام.

لا حاجب في الإسلام:

وأما أنه لا حاجب فكلنا نعلم أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد استولى على سبع دول في خريطة عالم اليوم، ولم يكن له حاجب وكان كل المسلمين يتمكنون من اللقاء به في أي وقت بل كان بعضهم يسيء الأدب ويتكلم معه من وراء الحجرات، ويصيح: (يا محمد اخرج إلينا) حتى ورد قوله سبحانه: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفور رحيم) (الحجرات: 4 ـ 5).

وكذلك لم يكن لعلي (عليه السلام) ـ وهو رئيس أكبر دولة في زمانه ـ حاجب.

وقد ورد في جملة من الروايات النهي عن اتخاذ الحاكم حاجباً.

مثل ما كتبه أميرالمؤمنين (عليه السلام) إلى عامله على مكة قثم بن العباس قال: (ولا يكن لك إلى الناس سفير إلا لسانك، ولا حاجب إلا وجهك، ولا تحجبن ذا حاجة عن لقائك بها)(57).

وفي رواية عن زيد الشحام قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: (من تولى أمراً من أمور الناس فعدل وفتح بابه ورفع ستره ونظر في أمور الناس كان حقاً على الله عز وجل أن يؤمن روعته يوم القيامة ويدخله الجنة)(58).

ومفهوم هذه الرواية أنه إن لم يفعل كذلك خوفه الله سبحانه وتعالى ولم يدخله الجنة، ومن الواضح أن التهديد بمثل ذلك معناه الحرمة.

البساطة الشاملة:

هذا بالإضافة إلى بساطة الخليفة والوالي والقاضي وسائر موظفي الدولة في كل شؤونهم من المأكل والمشرب والملبس وغير ذلك، كما ذكرنا جملة من الأدلة على ذلك في بعض كتبنا السياسية وألمعنا إليها هنا في أحوال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأحوال علي (عليه السلام).

4 ـ الشورى

حيث إن الدولة في الإسلام مبنية على الشورى في كل شؤونها، ومن الضروري تحكيم الشورى في الدولة الإسلامية وفي العالم أجمع، فيجب أن تكون كل الأمور ـ من القرية إلى العاصمة ومروراً بالمعمل والمصنع والمطار واتحاد الطلبة والمدارس والجامعات وغيرها ـ مبنية على الشورى، فإنها تظهر الكفاءات، وتقدم الضوابط وتزيل الروابط والرشاوي والمحسوبية والمنسوبية، وما أشبه، بينما الدكتاتورية بالعكس، فالشورى تنتهي بالمجتمع إلى القمة، والدكتاتورية تنزل به إلى الحضيض.

وفي الحديث: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان أكثر الناس استشارة.

كما تقدم أن علياً (عليه السلام) جعل من حق الأمة عليه أن يستشيرهم.

وفي أحاديث كثيرة إن من وظيفة المسلم (النصيحة) ويراد بها إعطاء المشورة والنصح لإمام المسلمين، كما أن من وظيفته النصح لغيره أيضاً ففي رواية عن علي (عليه السلام) أنه قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إن أنسك الناس نسكاً أنصحهم جيباً وأسلمهم قلباً لجماعة المسلمين)(59).

وفي حديث قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (من يضمن لي خمساً أضمن له الجنة، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: النصيحة لله عز وجل، والنصيحة لرسوله، والنصيحة لكتاب الله، والنصيحة لدين الله، والنصيحة لجماعة المسلمين)(60).

وعن السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (أعظم الناس منزلة يوم القيامة أفشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه)(61).

5 ـ توزيع الأموال بالسوية على المسلمين

المال يكون لجميع الناس حسب الكفاءات والأعمال، ثم إذا زاد المال على ذلك في بيت المال قسّم بين المسلمين على السوية.

قال سبحانه: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) (الحشر: 7).

فقد منع الله سبحانه وتعالى أن يكون المال دولة بين الأغنياء كما نجده الآن في الدول الرأسمالية والدول الشيوعية على حد سواء، ففي الدول الرأسمالية يكون المال دولة بين الرأسماليين، وفي الدول الشيوعية يكون المال بيد الحكام فقط، بينما الإسلام يرى توزيع المال حسب الكفاءة والعمل وإذا زاد شيء فإنه يكون لجميع المسلمين بل ولغير المسلمين من العجزة ونحوهم.

ففي رواية أن بعض القوم أشاروا على علي (عليه السلام) بعدم العدالة وعدم التقسيم بالسوية، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أتأمروني ويحكم أن أطلب النصر بالظلم والجور فيمن وليت عليه من أهل الإسلام؟ لا والله لا يكون ذلك ما سمر السمير وما رأيت في السماء نجماً، والله لو كانت أموالهم ملكي لساويت بينهم فكيف وإنما هي أموالهم؟)(62).

وفي رواية أخرى، عن حفص قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: وسأل عن قسم بيت المال؟ فقال: (أهل الإسلام هم أبناء الإسلام أسوّي بينهم في العطاء، وفضائلهم بينهم وبين الله، أجعلهم كبني رجل واحد لا يفضل أحد منهم لفضله وصلاحه في الميراث على آخر ضعيف منقوص).

قال: (وهذا هو فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)) الحديث(63).

وفي حديث آخر، عن أبي إسحاق الهمداني: إن امرأتين أتتا علياً (عليه السلام) عند القسمة إحداهما من العرب والأخرى من الموالي، فأعطى كل واحدة خمسة وعشرين درهماً وكرّاً من الطعام، فقالت العربية: يا أمير المؤمنين إني امرأة من العــــرب وهذه امـــرأة من الـــعجم! فقـــال علي (عليه السلام): (والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلاً على بني إسحاق)(64).

وبُعث إليه (عليه السلام) من البصرة من غوص البحر مخنقة لا تدرى قيمته، فقالت له ابنته أم كلثوم، أتجمل به، يكون في عنقي، فقال (عليه السلام): (يا أبا رافع أدخله في بيت المال، ليس إلى ذلك سبيل حتى لا تبقى امرأة من المسلمين إلا ولها مثل ما لك).

وقام (عليه السلام) خطيباً بالمدينة فقال: (يا معشر المهاجرين والأنصار يا معشر قريش اعلموا والله إني لا أرزئكم(65) من فيئكم شيئاً ما قام لي عذق بيثرب، أفتروني مانعاً نفسي ومطيعكم؟ ولأسوّين بين الأسود والأحمر).

فقام إليه عقيل بن أبي طالب فقال: تجعلني وأسود من سودان المدينة واحداً؟

فقال له: (إجلس رحمك الله أما كان ههنا من يتكلم غيرك؟ وما فضلك عليه إلا بسابقة أو تقوى)(66).

إلى غيرها من الروايات التي تدل على استواء المسلمين بالنسبة إلى بيت المال الإسلامي لا كما يعتاد الآن في كثير من البلاد أو في أكثرها من انحصار المال في يد رؤساء الدولة والتجار الكبار ومن أشبه في حين لا يجد كثير من الشعب حتى مسكناً، أو قوتاً ولباساً كافيين، ولا يجد كثير من الشباب من المال ما يتمكنون من الزواج إلى غير ذلك من مظاهر الطبقية التي نهى عنها الإسلام، فإن الإسلام دين الكفاءة لا دين الطبقية والقومية والعنصرية وما أشبه.

6 ـ العفو

فقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ وتبعه علي (عليه السلام) ـ يعفو عن المجرمين ما وجد إلى ذلك سبيلاً، وكان الأعداء يقابلون الرسول (صلّى الله عليه وآله) بالحقد والأذى فلا يدعو عليهم، وإنما كان يقول: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)(67).

فلم يكن أمره (صلّى الله عليه وآله) العفو عنهم فحسب، وإنما طلب الهداية، وأراد لهم الخير.

النبي (صلّى الله عليه وآله) يعفو عمن حاول قتله:

وفي التاريخ: (منزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة على شفير واد، فأقبل سيل فحال بينه وبين أصحابه، فرآه رجل من المشركين والمسلمون قيام على شفير الوادي ينتظرون متى ينقطع السيل، فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمداً، فجاء وشدّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالسيف.

ثم قال: من ينجيك مني يا محمد؟ فقال: ربي وربك، فنسفه جبرئيل (عليه السلام) عن فرسه فسقط على ظهره، فقام رسول الله فأخذ السيف وجلس على صدره وقال: من ينجيك مني يا غورث؟ فقال: جودك وكرمك يا محمد، فتركه وقام)(68).

اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون!

وفي رواية: اشتد أذى المشركين للرسول (صلّى الله عليه وآله) يوم أحد إذ قتل عمه حمزة، ومُثِّل بجسده الشريف، وقطعت كبده وأصابع يديه ورجليه، وجدع أنفه، وصلمت أذناه، وفعل به ما فعل وقتل العشرات من المسلمين فتقدم بعض الصحابة إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) واقترحوا عليه أن يدعو عليهم ليعذبهم الله بعذاب من عنده كما كان يعذب الكفار الأولين، لكن النبي قال: (إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة)(69).

اذهبوا فأنتم الطلقاء:

وقد عفا الرسول (صلّى الله عليه وآله) عن أهل مكة ـ عاصمة الشرك التي حاربت الرسول (صلّى الله عليه وآله) أكثر من عشرين سنة بكل أنواع المحاربة ـ حيث إن الرسول (صلّى الله عليه وآله) لما انتصر عليهم قال كلمته المشهورة: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)(70).

لا هذا فحسب، بل إنه جعل راية لأبي سفيان وأرسله مع كتيبة إلى غزوة حنين وأعطى له تلك العطية الجزيلة التي تقدم ذكرها.

وهكذا كان الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) يعفوان عن المجرمين.

فالدولة الإسلامية ـ إذاً ـ مبنية على العفو وقد ذكرنا بعض النماذج الأخرى بهذا الصدد في هذا الكتاب.

7 ـ الأولوية للكفاءات

أي ملاحظة الكفاءات في تولية الأمور لا المحسوبيات والمنسوبيات.

فقد روي في كتاب: (الحرية السياسية في الإسلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: (من ولي من أمور المسلمين شيئاً فأمّر عليهم أحداً محاباة له بغير حق فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم)(71).

وقال (صلّى الله عليه وآله): (من استعـــمل رجـــلاً مـــن عصابــــة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين)(72).

وقال (صلّى الله عليه وآله) أيضاً: (من ولّى والياً من المسلمين شيئاً من أمور المسلمين وهو يعلم أن في المسلمين من هو خير للمسلمين منه وأعلم بكتاب الله وسنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله) فقد خان الله ورسوله)(73).

ويقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك: (فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً، وأفضلهم حلماً، ممن يبطأ عند الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء، وممن لا يثيره العنف، ولا يقعد به الضعف).

ويقول (عليه السلام): (ثم ألصق بذوي المروءات والأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم وشعب من العرف)(74).

ويقول (عليه السلام): (ثم اعرف لكل امرء منهم ما أبلى، ولا تضمن بلاء أمره إلى غيره، ولا تقصرن به دون غاية بلائه، ولا يدعونك شرف امرء إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيراً، ولا ضعة أمرء إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً).

ويقول (عليه السلام): (ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، لا يشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وأخذهم بالحجج، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء).

ويقول (عليه السلام): (ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً، ولا تولهم محاباة وأثرة (المحاباة: الإعطاء مجاناً والأثرة: الاستبداد) فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة (أي يجمعان فروع الجور والخيانة) وتوخّ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة فإنهم أكرم أخــلاقاً وأصح أعراضاً، وأقل في المطامع إشرافاً، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً).

ويقول (عليه السلام): (ثم انظر في حال كتابك فولّ على أمورك خيرهم، واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك أسرارك بأجمعهم بوجوه صلاح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف نصب حضره ملاء، ولا تقصر به العقلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك وإصدار جواباتها على الصواب عنك فيما يأخذ لك ويعطى منك، ولا يضعف عقداً اعتقده لك، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل، ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك (والاستنامة السكون والثقة) وحسن الظن منك، فإن الرجال يتعرضون لفراسات الولاة وتصنعهم وحسن خدمتهم، وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شيء، ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثراً، وأعرفهم بالأمانة وجهاً، فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره)(75).

إلى غيرها من الروايات الكثيرة في هذا الباب والتي تدل على لزوم العمل في الدولة حسب الكفاءات لا حسب المحسوبيات والمنسوبيات، وقد قال الله سبحانه: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) (الأعراف: 85).

فإن الإنسان إذا أخر ذا الكفاءة وقدم غيره عليه فقد بخس الناس حقهم كما هو واضح.

 

1 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص233.

2 ـ المصدر السابق.

3 ـ المصدر السابق.

4 ـ المصدر السابق: ص234.

5 ـ مستدرك الوسائل: ج11، ص317.

6 ـ المصدر السابق.

7 ـ المصدر السابق.

8 ـ المصدر السابق: ص318.

9 ـ المصدر السابق: ص322.

10 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص233.

11 ـ المصدر السابق: ص234.

12 ـ المصدر السابق.

13 ـ المصدر السابق: ص235.

14 ـ المصدر السابق: ص338.

15 ـ المصدر السابق.

16 ـ المصدر السابق.

17 ـ المصدر السابق: ص339.

18 ـ المصدر السابق.

19 ـ المصدر السابق: ص340.

20 ـ المصدر السابق.

21 ـ المصدر السابق.

22 ـ المصدر السابق: ص341.

23 ـ المصدر السابق: ص342.

24 ـ المصدر السابق.

25 ـ المصدر السابق.

26 ـ المصدر السابق: ص343

27 ـ المصدر السابق: ص344.

28 ـ المصدر السابق: ص345.

29 ـ المصدر السابق.

30 ـ المصدر السابق.

31 ـ المصدر السابق: ص346.

32 ـ المصدر السابق: 279.

33 ـ المصدر السابق.

34 ـ المصدر السابق: ص280.

35 ـ المصدر السابق.

36 ـ المصدر السابق.

37 ـ المصدر السابق.

38 ـ المصدر السابق: ص218.

39 ـ المصدر السابق: ص282

40 ـ مستدرك الوسائل: ج11، ص122.

41 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص114.

42 ـ المصدر السابق: ص115.

43 ـ المصدر السابق.

44 ـ المصدر السابق: ص116.

45 ـ المصدر السابق.

46 ـ مستدرك الوسائل: ج11، ص121.

47 ـ المصدر السابق.

48 ـ المصدر السابق.

49 ـ المصدر السابق.

50 ـ المصدر السابق: ص122.

51 ـ المصدر السابق: ص123.

52 ـ المصدر السابق.

53 ـ المصدر السابق.

54 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص118.

55 ـ المصدر السابق: ج6، ص90.

56 ـ المصدر السابق: ج12، ص235.

57 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج3، ص235.

58 ـ وسائل الشيعة: ج12، ص140.

59 ـ مستدرك الوسائل: ج12، ص386.

60 ـ المصدر السابق: ص387.

61 ـ المصدر السابق.

62 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص80.

63 ـ المصدر السابق: ص81.

64 ـ المصدر السابق.

65 ـ أي لا أنقصكم.

66 ـ مستدرك الوسائل: ج18، ص142.

67 ـ بحار الأنوار: ج11، ص298.

68 ـ بحار الأنوار: ج20، ص175.

69 ـ كنز العمال: ج3، ص615.

70 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص120.

71 ـ كنز العمال: ج5، ص665.

72 ـ كنز العمال: ج6، ص25.

73 ـ كنز العمال: ج16، ص88.

74 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص164.

75 ـ المصدر السابق: ص165.