الفهرس

فهرس الفصل السادس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الأساس الثالث: الاخوة الإسلامية

الأخوة الإسلامية كما قال سبحانه وتعالى: (إنما المؤمنون إخوة) (الحجرات: 10).

فالعربي والفارسي والهندي والأندونيسي والتركي وغيرهم كلهم أخوة، لا تمايز بين أحدهم في أي شيء، وهم متساوون أمام القانون الإسلامي، فلا قوميات ولا إقليميات ولا لغات ولا ألوان تفصل بعض المسلمين عن بعض.

وقد آخى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين الرجال بعضهم مع بعض، كما آخى بين النساء بعضهن مع بعض عندما ورد المدينة المنورة.

الإسلام يلغي العصبيات الجاهلية

ولا تعصب في الإسلام إطلاقاً، فعن منصور بن حازم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه)(1).

وقد نقل ذلك عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أيضاً، والمراد بمن تعصب له يعني أنه يرضى بذلك أو يأمر بذلك.

وعن السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (من كان في قلبه حبة خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية)(2).

وفي رواية أخرى عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول إلله (صلّى الله عليه وآله): (من كان في قلبه مثقال خردل من عصبية جعله الله تعالى يوم القيامة مع أعراب الجاهلية)(3).

نموذج عملي

ولا بأس أن نذكر هنا قصة أسامة فقد كان أبوه (زيد بن حارثة) عبداً تجري في عروقه دماء إفريقية، وكانت أمه (أم أيمن) جارية حبشية سوداء.

ومن بين هذين ولد (أسامة) الذي وصفه التاريخ بأنه كان (قصيراً، شديد السمرة، في أنفه نفطس، فخطفته قبيلة عربية في غارة من غارات الجاهلية.

وباعوه في سوق عكاظ فاشتراه (حكيم بن خزام) وأهداه لعمته (خديحة) زوجة النبي (صلّى الله عليه وآله)، فوهبت خديجة عبدها زيداً للرسول (صلّى الله عليه وآله) قبل أن يبعث، فأعتق النبي (صلّى الله عليه وآله) زيداً، وعندما تعرّف والد زيد على مكان ابنه جاء يطلب استرجاعه، لكن زيداً اختار صحبة النبي (صلّى الله عليه وآله) على الرجوع إلى أبيه، فاتخذه النبي (صلّى الله عليه وآله) بمثابة الولد.

فالنبي (صلّى الله عليه وآله) لا يرى اللون ولا يرى القومية ولا يرى الخصوصيات التي هي من هذا القبيل، وإنما المسلمون أخوة، بل إن المسلم إذا سبق أن عمل سوءً ثم أسلم فإن الإسلام يجبّ عما قبله (كما ورد ذلك في أحاديث متواترة).

النبي (صلّى الله عليه وآله) يتوقف لأسود

وفي التاريخ أنه توقفت ناقة النبي (صلّى الله عليه وآله) على رأس موكب الحجاج فتعطل الموكب كله (وفي بعض التواريخ أن الموكب كان يشتمل على مائة وثمانين ألف إنسان) وتطلع الناس ليروا من هو ذلك الذي ينتظره رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويعطل سير الحجاج من أجله؟ فإذا بهم يرون أن قد جاء غلام أسود أفطس قد ترك الجدري آثاره في وجهه! وتحركت التفرقة العنصرية والطبقية في نفوس جماعة من الذين كانوا جديدي العهد بالإسلام فقالوا: أمن أجل هذا الغلام الأسود الأفطس يوقف النبي (صلّى الله عليه وآله) السير؟! فإن أمثاله من العبيد السود في الجزيرة العربية (بَلهَ) في إمبراطورية الروم والفرس ـ كان يحضر عليهم حتى لمس شراب أو طعام السادة، وكان يحضر عليهم دخول بيوت السادة، ومكانهم إنما هو في الاصطبلات والمراعي، ولم تكن توكل إليهم إلا الأعمال الدنسة بل كانوا يصارعون الأسود لتسلية السادة! وحتى مطلع عصر ما يسمى بالتحرر في أوربا كانت هناك أسلحة خاصة لا يحق لغير النبلاء استخدامها، أما الدخول في المحلات العامة المخصصة للسادة، والركوب على المراكب الفارهة، والتعلم للقراءة والكتابة فكانت محرمة حتى على الطبقات السافلة من الأحرار فكيف بالعبيد؟ فما قيمة عبد أسود فتك الجدري بوجهه في عالم ينقسم إلى سادة وعبيد، إلى أبيض وملونين، إلى روم وفرس وجزيرة عرب، والى قبائل وعشائر، والى أصحاب هذا الصنم، وينقسم السادة فيه أيضاً إلى طبقات ومراتب، وينقسم العبيد فيه إلى درجات وخصوصيات، أدناها وأوضعها مرتبة العبد الأسود! وأي مستقبل ينتظر هذا العبد الأفطس الأسود؟ إنه المستقبل المشرق! لأنه جاء في زمان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي يقول: (لا فضل لعربي على عجمي، ألا لافضل إلا بالتقوى)(4).

نعم كان أسود سعيد الحظ، جاء في لحظة نادرة من عمر الدنيا، لحظة ظهور الإسلام، ولحظة انبثاق حضارة جديدة لا تقسم الناس إلى ألوان ولا إلى أصول ولا إلى أعراق، ولا تقسم الناس بسبب التقسيمات الجغرافية والقومية والقبلية وما أشبه. إن ثورة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليست ثورة لأجل تحرير المستذلين والمستعبدين والمستضعفين فحسب، بل إنها تضعهم في الــصف الأول، في صف كل المسلمين، من غير فرق بين عربهم وعجمهم، وشرقيهم وغربيهم وأوسدهم وأبيضهم.

أسامة قائداً للجيش

ولذا نرى أن النبي (صلّى الله عليه وآله) عندما جهز جيشاً لمقاتلة الروم ـ إحدى القوتين العظيمتين في ذلك اليوم ـ جعل رئيس هذا الجيش (أسامة) وفيه كبار الصحابة والمهاجرين والأنصار وقال (صلّى الله عليه وآله) مكرراً: (نفذوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عنها)(5).

وقد ذكر المؤرخون أن أسامة كان ذكياً منذ صغره ومندفعاً نحو الأمام وكان عمره اثني عشر عاماً عندما تقدم للتطوع في غزو أحد ـ وفي تلك الفترة كان الصبية يتزاحمون على التطوع في الجيش لما يعلمون من قيادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الصحيحة الصالحة المؤمنة المستشيرة المتصلة بالسماء، حتى أن بعضهم كان يحتال بأن يلبس حذاء عالي الكعب لكي يطيل قامته ويخدع المسؤول عن الفحص، وعندما نجحت حيلة أحدهم جاء أهل صبي آخر يحتجون عند النبي (صلّى الله عليه وآله) لأن تطوع ابنهم رفض بينما قبل تطوع من هو في سنّهِ!، وقد رُفض تطوع أسامة في غزوة أحد ولكنه عاد في العام التالي وقبل طلبه في غزوة الخندق.

وفي موقعة حنين انهزم جيش المسلمين ولم يثبت إلا النبي (صلّى الله عليه وآله) وعشرة من المسلمين كما ذكر التاريخ وكان أحد أولئك الثابتين: أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبعض أولاد العباس، وكان منهم أسامة بن زيد وكان عمره إذ ذاك بين خمس عشرة سنة وسبع عشرة سنة (لهذا وغيره اثبت النبي (صلّى الله عليه وآله) أن المهم الكفاءات لا سائر الموازين الجاهلية).

وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) على حبه لأسامة لا يعطيه أكثر من حقه بينما اشتبه أسامة مرتين في تاريخ النبي (صلّى الله عليه وآله) كما يذكر المؤرخون، فقد أغرت المكانة التي يتمتع بها أسامة عند النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ حتى كان يلقب بالحبيب ابن الحبيب ـ أغرت بعض المنحرفين باستغلالها لتعطيل سيادة القانون، فطلبوا من أسامة أن يشفع لوقف تنفيذ القانون في امرأة سرقت ولكن النبي نهاه في حزم وقال له: (لا تشفع في حدٍ)(6).

وهكذا لقّنه الرسول (صلّى الله عليه وآله) إن القانون الإسلامي غير قابل للخرق، فمهما كانت محبة الرسول (صلّى الله عليه وآله) له فليس معنى ذلك تعطيل شريعة الله سبحانه وتعالى لأجله، فإن الإسلام لا يقبل الوساطات والشفاعات والرشوات في تغيير قوانين الله سبحانه وتعالى.

وفي مرة أخرى يتلقى (الحبيب بن الحبيب) أسامة درساً من الرسول (صلّى الله عليه وآله)، حيث أرسله الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى بعض الغزوات فجرد أسامة سيفاً على رأس رجل، فهتف الرجل قائلاً (لا إله إلا الله) ولكن أسامة لم يعتن بذلك لظنه أنه إنما يقول: (لا إله إلا الله) حقناً لدمه ونفاقاً فقتل الرجل وعاد وأخبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالقضية، فغضب الرسول وقال: ماذا تفعل بلا إله إلا الله؟ يعني أنه لماذا قتلته بعد أن شهد الشهادة، والشهادة تحمي دم الإنسان وعرضه وماله.

واعتذر أسامة بأن الرجل إنما قالها ليهرب من الموت، فقد ظل على رفضه وعداوته حتى أدركه السيف فرد الرسول (صلّى الله عليه وآله) عليه قائلاً: (هلا شققت قلبه)؟(7). فإنه ليس في الإسلام إلا الظواهر، ولا حكم على القلوب وقد قال سبحانه: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً) (النساء: 94).

فإن القلوب بيد الله تعالى، حتى أن الإسلام إذا كان عن نفاق فإن كلمة الشهادة تحقن دم الإنسان وماله وعرضه، ولهذا لم يتعرض الرسول (صلّى الله عليه وآله) لأشد المنافقين نفاقاً أمثال عبد الله بن أبّي، وأبي عامر الراهب ونحوهما، كما لم يتعرض علي (عليه السلام) لأشد المنافقين أمثال ابن الكوّا والأشعث بن قيس ومن أشبه، فهذا هو الإسلام الذي يقرب البعيد حتى إذا كان كافراً مسالماً أو منافقاً.

أمة متآخية، وقيادة رشيدة

نعم هكذا كانت الأخـــوة الإسلامية تحت قيادة ذلك القائد العظيم وبمثل تلك القيادة الرشيدة وأولئك المسلمين المضحين المتفانين ـ الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ـ تقدم الإسلام ذلك التقدم الهائل وتمكن من إنقاذ البشرية من مظالم الحكام وقساوة القوانين إنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي كان لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد والجارية فيقضي حوائجهم، وكان يخصف حذاء الرجل المسكين، ويخيط ثوب الأرملة، ويعود المريض حتى اليهودي الذي كان يؤذيه ويصب على رأسه في كل يوم طبقاً من الرماد ولم يكن (صلّى الله عليه وآله) يغلق دونه الأبواب، ولا يحول دون مقابلته حجاب، ولا يغدى عليه بالجفان والألوان، ولا يراح عليه بالأطعمة والأشربة اللذيذة. وكان من أراد مقابلته (صلّى الله عليه وآله) يقابله إما في داره المتواضعة أو في المسجد أو في الشارع أو في أي مكان آخر، لم يمتلك (صلّى الله عليه وآله) قميصين قط ولا رداءين ولا إزارين ولا نعلين، وكانت له مخدة من جلد حشوها ليف، وكان ينام أحياناً على حصير يؤثر في جنبه وأحياناً على عباءة تثنى طيتين، وذات مرة طوتها زوجته أربع طيات فلما نام عليها بلغ من لينها ورفاهيتها أن استغرق في النوم فلما أفاق نهى زوجته عن ذلك وأمرها أن تعيد العباءة إلى وضعها الأول طيتين.

وكانت ثروة الجزيرة العربية وغيرها من البلاد التي خضعت له تأتيه كالسيل، ولكن ما دامت البشرية قد كتب عليها أن تعيش قروناً عديدة وفيها الفقير والغني والجائع والشبعان فخير نظام تصل إليه هو النظام الذي يجعله في جانب الفقراء، فما كان (صلّى الله عليه وآله) يشبع، وقد تقدمت جملة من الروايات في سيرته وأخلاقه (صلّى الله عليه وآله).

ولو تكونت الأمة الإسلامية من جديد وعادت الأخوة الإسلامية على ما كانت عليه، وغدت الأمة تحت قيادة رشيدة متبعة لقيادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأمكن تخليص العالم من ويلاته وصياغة العالم صياغة جديدة يسود فيها كل خير ورفاه.

التفرقة الفظيعة في العصر الراهن

لكننا ـ مع الأسف ـ نرى تــبدل الأخوة الإسلامية إلى الامتيازات والطبقات والعنصريات، فمثلاً: في العراق نرى الجنسية (ألف) والجنسية (باء) والجنسية (جيم) بالنسبة إلى العرب العراقيين، وجنسية (ألف) وجنسية (باء) وجنسية (جيم) بالنسبة إلى المواطنين الأكراد، وجنسية (عربي غير عراقي وغير مصري) وجنسية (عربي غير عراقي مصري) في عصر عبد السلام عارف حيث تمت الوحدة بين العراق وبين مصر. وجنسية (غير عربي) و(من لا جنسية له) اطلاقاً. فهذه عشرة أقسام من الأفراد في بلد واحد وكلهم مسلمون وكلهم أخوة، والأغرب من ذلك أن راديوات هذه البلاد تتلو ليل نهار: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات: 13).

(إنما المؤمنون إخوة) (الحجرات: 10).

(إن هذه أمتكم أمة واحدة) (الأنبياء: 92).

لكنها مجرد شعارات لا عمل وراءها، فكل بلدة من البلاد الإسلامية لها أحكامها وخصوصياتها وقياداتها وتفرقاتها وامتيازاتها، فقد عدنا إلى ما كانت البشرية عليه قبل ظهور الإسلام، بل صرنا أسوأ وأسوأ وأسوأ، وقد قال الله سبحانه وتعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) (طه: 124).

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق المسلمين لإعادة حكم الإسلام دولة وأمة وأخوة وقانوناً حتى ينهضوا بأنفسهم وبالعالم أجمع إلى حيث الخير والرفاه، وما ذلك على الله بعزيز.

 

1 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص296.

2 ـ المصدر السابق.

3 ـ المصدر السابق.

4 ـ كنز العمال: ج3، ص699.

5 ـ بحار الأنوار: ج28، ص288.

6 ـ وسائل الشيعة، ج18، ص333.

7 ـ بحار الأنوار: ج62، ص139.