الفهرس

فهرس الفصل السادس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الأساس الرابع: الشريعة الإسلامية

يجب أن تكون الشريعة الإسلامية هي السائدة في البلاد بدلاً عن القوانين الوضعية، والقوانين الإسلامية كثيرة جداً، إلا أننا نلمع إلى بعضها هنا.

الحقوق الجنائية

مثل: حكم الحقوق فقد ورد في الحديث: (ولا تبطل حقوق المسلمين بينهم)(1).

وفي حديث آخر: (لئلا يتوى حق امرء مسلم)(2).

فإن الإسلام جعل للحق حرمة مهما كان صغيراً حتى (أرش الخدش) و(أرش الغمز) كما في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) مذكورة في الوسائل، بل وفوق ذلك، فقد بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (خالد بن الوليد) مع جماعة في مهمة الدعوة إلى الإسلام إلى (بني جذيمة) ـ وهم بنو المصطلق وكان قد سبق أن أسلموا ـ ولم يأمرهم بقتال، فأوقع بهم خالد وقتل منهم جماعة لترة كانت بينه وبينهم، فبلغ الخبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فبكى النبي (صلّى الله عليه وآله) وقام وصعد المنبر ورفع يديه إلى السماء وقال ثلاثاً: (اللهم إني أبرء إليك مما صنع خالد بن الوليد)(3).

ثم دعا النبي (صلّى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) فدفع إليه سفطاً ـ أي صندوقاً من الذهب ـ وأمره أن يذهب إلى (بني جذيمة) ويدفع إليهم ديات الرقاب، وما ذهب من أموالهم، فجاء علي (عليه السلام) وقسم المال كما يلي:

أولاً: دفع ديات المقتولين ظلماً إلى ورثتهم، عن كل واحد منهم ألف دينار ذهب.

ودفع إليهم ثانياً: ثمن كل جنين غرة أي أعطى عوض الجنين، إما عبداً وإما أمة.

ودفع إليهم ثالثاً: ثمن ما فقدوه من المبالغ والعقل.

ودفع إليهم رابعاً: ثمن ما ربما فقدوه مما لا يعلم بفقده، مما احتمل أن أخذه خالد أو من كان معه أو مما تلف أثناء القتال.

ودفع إليهم خامساً: ثمناً لروعة نسائهم وفزع صبيانهم.

ودفع إليهم سادساً: مقابل كل مال فقدوه مثله من المال.

ودفع إليهم سابعاً: بقية المال ليرضوا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

ودفع إليهم ثامناً: ما يفرح به عيالهم وخدمهم بقدر ما حزنوا.

ثم رجع علي (عليه السلام) إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وأخبره بما فعل من توزيع الذهب بثمانية أقسام قائلاً: (يا رسول الله عمدت فأعطيت لكل دم دية، ولكل جنين غرة، ولكل مال مالاً، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لميلغة كلابهم وحبلة رعاتهم، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لروعة نسائهم وفزع صبيانهم، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لما يعلمون وما لا يعلمون، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم ليرضوا عنك يا رسول الله.

فتهلل وجه النبي (صلّى الله عليه وآله) وضحك حتى بدت نواجده، وقال: يا علي (أعطيتهم ليرضوا عني، رضى الله عنك) ثم قال (صلّى الله عليه وآله): (يا علي إنما أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)(4).

الحقوق السياسية

وقال علي (عليه السلام) في كتابه إلى مالك الأشتر: (ثم الله الله في الطبقة السفلى، من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى، فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً، فاحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلدة، فإن للأقصى منهم منهم مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعيت حقه، فلا يشغلنك عنهم بطر، فانك لا تعذر بتضييع التافه لأحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك عنهم، ولا تصعر خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم، ممن تقتحمه العيون، وتحقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم.

ثم اعمل فيهم بالأعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه، فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم وكل فاعذر إلى الله في تأدية حقه إليه، وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسالة نفسه وذلك على الولاة ثقيل، والحق كله ثقيل وقد يخفقه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم، واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلساً عاماً فتواضع فيه لله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك مكلمهم غير متتعتع فإني سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول في غير موطن (لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي، ثم احتمل الخرق منهم والعيّ ونح عنهم الضيق الأنف يبسط الله عليك بذلك اكناف رحمته ويوجب لك ثواب طاعته، وأعط ما أعطيت هنيئاً وامنح في إجمال واعذار)(5).

الأحوال الشخصية

ومثل: مسائل الزواج كالتعدد، والمهر، وحرمة اتخاذ الأخلاء والخليلات وما أشبه.

ومسائل الطلاق: الطلاق الرجعي والطلاق الخلعي وطلاق المبارات وغيرها، واحتياج الطلاق إلى الشهود.

ومسائل الإرث: مثل للذكر مثل حظ الأنثيين، وطبقات الإرث: الطبقة الأولى والطبقة الثانية والطبقة الثالثة، ومسائل الحبوة، وإرث الزوجة وغيرها.

قضايا المرأة

ومثل مسائل اشتراك المرأة في كل الشؤون مع الرجل بلا إفراط ولا تفريط وهي كثيرة وقد ألمعنا إليها في بعض كتبنا.

حق العامل والفلاح

ومثل مسائل حق العامل والفلاح بدون رأسمالية أو شيوعية تضغط على العامل والفلاح أو رب العمل أو رب الأرض على الموازين المقررة في الشريعة الإسلامية.

إحياء الموات

ومثل مسائل إحياء الموات، حيث إن الإسلام جعل (من أحيى أرضاً مواتاً فهي له)(6) و(من سبق إلى مالم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به)(7) في إطار عدم إجحافه بحق الآخرين على تفصيل ذكره الفقهاء في كتاب إحياء الموات.

وكذلك مسائل الحدود والديات، والقصاص، على التفصيل المذكور هناك.

القضاء الإسلامي

ومثل مسائل حل المنازعات بالأسلوب الإسلامي من جهة القاضي والشهود حيث تعتبر فيهم العدالة، وكذلك عدم وجود السجن، وعدم الغرامة، وعدم التبعيد إلا نادراً جداً.

أصالة الحل

(وأصالة الحل) في عمل الإنسان لقوله (عليه السلام): (كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك)(8).

أصالة الطهارة: (وأصالة الطهارة) في كل شيء إلا ما علم نجاسته لقوله (عليه السلام): (كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر)(9).

أصالة الصحة: (وأصالة الصحة) في عمل الإنسان لقوله (عليه السلام): (ضع أمر أخيك على أحسنه)(10).

بل ورد في الأحاديث أن المرأة إذا قالت إنها ليست بذات زوج لا يلزم التحقيق في أمرها مثل خبر يونس قال سألته (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة في بلد من البلدان فسألها: لك زوج؟ فقالت: لا، فتزوجها، ثم إن رجلاً أتاه فقال هي امرأتي فأنكرت المرأة ذلك، ما يلزم الزوج؟ فقال (عليه السلام): (هي امرأته، إلا أن يقيم البينة)(11) وخبر عبد العزيز قال سألت الرضا (عليه السلام) قلت: جعلت فداك إن أخي مات، وتزوجت امرأته، فجاء عمي فادعى أنه كان تزوجها سراً فسألتها عن ذلك فأنكرت أشد الإنكار وقالت: ما بيني وبينه شيء قط فقال (عليه السلام): (يلزمك إقرارها ويلزمه إنكارها)(12) وخبر ميسر قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): ألقى المرأة في الفلاة الذي ليس فيه أحد فأقول لها: ألك زوج؟ فتقول: لا، فأتزوجها؟ قال (عليه السلام): (نعم هي المصدقة على نفسها)(13).

وخبر أبان بن تغلب، قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إني أكون في بعض الطرقات فأرى المرأة الحسناء ولا آمن أن تكون ذات بعل أو من العواهر؟ قال (عليه السلام): (ليس هذا عليك وإنما عليك أن تصدقها في نفسها)(14).

وخبر محمد بن عبد الله الأشعري قال: قلت للرضا (عليه السلام): الرجل تزوج بالمرأة فيقع في قلبه أن لها زوجاً؟ فقال (عليه السلام): (وما عليه؟ أرأيت لو سألها البينة كان يجد من يشهد ليس لها زوج)(15).

إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية التي جعلها الشارع وقررها لاحترام الإنسان وعرضه وماله ودمه.

أصل اليسر وتوابعه

وكذلك (أصل اليسر) في الأحكام الإسلامية كما قال سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة: 185).

وقال سبحانه: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج: 78).

وتبعاً لذلك اليسر فقد رفعت عدة أمور عن الإنسان، فعن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (رفع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه والحسد والطيرة والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفته)(16).

وعن الصادق (عليه السلام) أنه قال: (رفع الله عن هذه الأمة ما لا يستطيعون وما استكرهوا عليه وما نسوا وما جهلوا حتى يعلموا)(17).

وكذلك سقوط الحد مع الاشتباه، فقد ورد (إن الحدود تدرأ بالشبهات) سواء شبهة الحاكم أو شبهات الحكم أو شبهة من فاعل المنكر، كما أن الحد يرفع عن المستكره والمستكرهة والمضطر والمضطرة وما أشبه.

فعن علي (عليه السلام) أنه كان يقول: (ليس على المستكره حد ولا على مستكرهة)(18).

وعن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (رفع عن أمتي أربع خصال: ما خطؤوا وما نسوا وما أكرهوا عليه وما لم يطيقوا وذلك في كتاب الله تبارك وتعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) (البقرة: 286)(19).

وعن علي (عليه السلام): (ليس على المستكرهة حد إذا قالت إني استكرهت)(20).

وعن أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام) قال: (قضى أمير المؤمنين في امرأة اعترفت على نفسها أن رجلاً استكرهها، قال: هي مثل السبية لا تملك نفسها، لو شاء لقتلها، ليس عليها حد ولا نفي)(21).

وعن أميـــر المؤمنين (عليه السلام) أنه قــــال في حديث: (ولا شـــيء عـــلى المرأة إذا كان أكرهها ولها مهر مثلها في ماله)(22).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه أتي بامرأة أخذت مع رجل يفجر بها فقالت: يا أمير المؤمنين والله ما طاوعته لكن استكرهني، فدرء عنها الحد(23).

وفي رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (ادرؤوا الحدود بالشبهات)(24).

كما أنه: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)(25).

في بحث طويل يذكره الفقهاء..

والواقع: إنه لا توجد أمثال هذه الأحكام في أي قانون أو شريعة حسب تتبعنا لهما.

إلى غيرها من الأحكام الشرعية التي تسبب سهولة الدين ويسر الحكم ما أوجب التفاف الناس حول الإسلام.

القيمة الحقوقية للفقه الإسلامي

وأخيراً ننقل مقتطفاً من مقدمة كتاب (المدخل الفقهي العام إلى الحقوق المدنية في البلاد السورية) يشير إلى أهمية الفقه الإسلامي لدى علماء الغرب فيقول: (عقدت شعبة الحقوق الشرعية من المجمع الدولي للحقوق المقارنة مؤتمراً للبحث في الفقه الإسلامي في كلية الحقوق من جامعة باريس تحت اسم (أسبوع الفقه الإسلامي) برئاسة أحد العلماء الغربيين وهو أستاذ في التشريع الإسلامي في كلية الحقوق بجامعة باريس، ودعت إليه عدداُ كبيراً من أساتذة كليات الحقوق العربية وغير العربية وكليات الأزهر ومن المحامين الفرنسيين والعرب وغيرهم من المستشرقين.. وفي ختام المؤتمر وضع المؤتمرون بالإجماع هذا التقرير الذي نترجمه فيما يلي:

بناءً على الفائدة المتحققة من المباحث التي عرضت أثناء أسبوع الفقه الإسلامي وما جرى حولها من المناقشات التي تلخص منها بوضوح:

أولاً: إن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة حقوقية تشريعية لا يمارى فيها.

ثانياً: إن اختلاف المذاهب الفقهية في هذه المجموعة الفقهية العظمى ينطوي على ثروة من المفاهيم والمعلومات ومن الأصول الحقوقية التي هي مناط الإعجاب وبها يتمكن الفقه الإسلامي أن يستجيب لجميع مطالب الحياة الحديثة والتوفيق بين حاجاتها.

ولا يخفى إنا نعتقد أن الفقه الإسلامي مقدم على الفقه الروماني والفقه الغربي والفقه الشرقي في القوانين، وإن المقارنة تظهر هذا التقدم بكل وضوح وجلاء كما ذكرنا بعض البنود في هذا الصدد، وللتفصيل يراجع كتب معنية بهذا الشأن.

 

1 ـ وسائل الشيعة: ج14، ص210.

2 ـ مستدرك الوسائل: ج17، ص447.

3 ـ المصدر السابق: ج18، ص366.

4 ـ المصدر السابق: ص367.

5 ـ المصدر السابق: ج13، ص168.

6 ـ بلغة الفقيه: ج1، ص272.

7 ـ المبسوط: ج3، ص268.

8 ـ وسائل الشيعة: ج12، ص60.

9 ـ مستدرك الوسائل: ج2، ص583.

10 ـ المصدر السابق: ج9، ص144.

11 ـ وسائل الشيعة: ج14، ص226.

12 ـ المصدر السابق.

13 ـ المصدر السابق: ص228.

14 ـ المصدر السابق: ص456.

15 ـ المصدر السابق: ص457.

16 ـ المصدر السابق: ج11، ص295.

17 ـ مستدرك الوسائل: ج16، ص51.

18 ـ المصدر السابق: ج18، ص56.

19 ـ المصدر السابق: ج12، ص24.

20 ـ المصدر السابق: ج18، ص57.

21 ـ المصدر السابق.

22 ـ المصدر السابق.

23 ـ المصدر السابق.

24 ـ المصدر السابق: ص58.

25 ـ وسائل الشيعة: ج17، ص376.