الفهرس

فهرس الفصل السابع

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

القيادة الرشيدة المتواضعة

عن أبان الأحمر، عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: (جاء رجل إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقد بلى ثوبه فحمل إليه اثني عشر درهماً، فقال: يا علي خذ هذه الدراهم فاشتر لي ثوباً ألبسه، قال علي (عليه السلام): فجئت إلى السوق فاشتريت له قميصاً باثني عشر درهماً وجئت به إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فنظر إليه فقال: يا علي غير هذا أحب إلي، أترى صاحبه يعيلنا؟

فقلت: لا أدري.

فقال: أنظر فجئت إلى صاحبه، فقلت: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد كره هذا يريد ثوباً دونه فأقلنا فيه فردّ عليّ الدراهم وجئت به إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فمشى معي إلى السوق يبتاع قميصاً فنظر إلى جارية قاعدة على الطريق تبكي فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما شأنك؟.

قالت: يا رسول الله إن أهل بيتي أعطوني أربعة دراهم لأشتري لهم بها حاجة فضاعت فلا أجسر أن أرجع إليهم.

فأعطاها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أربعة وقال: ارجعي إلى أهلك.

ومضى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى السوق فاشترى قميصاً بأربعة دراهم ولبسه وحمد الله وخرج، فرأى رجلاً عرياناً يقول: من كساني كساه الله من ثياب الجنة، فخلع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قميصه الذي اشتراه وكساه السائل.

ثم رجع إلى السوق فاشترى بالأربعة التي بقيت قميصاً آخر فلبسه وحمد الله ورجع إلى منزله، وإذا الجارية قاعدة على الطريق، فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما لك لا تأتين أهلك؟.

قالت: يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إني قد أبطأت عليهم وأخاف أن يضربوني فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): مرّي بين يدي ودليني على أهلك.

فجاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى وقف على باب دارهم، ثم قال: السلام عليكم يا أهل الدار فلم يجيبوه، فأعاد السلام فلم يجيبوه فأعاد السلام، فقالوا: عليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.

فقال لهم: مالكم تركتم إجابتي في أول السلام والثاني؟!

قالوا: يا رسول الله سمعنا سلامك فأحببنا أن تستكثر منه.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إن هذه الجارية أبطأت عليكم فلا تؤاخذوها.

فقالوا: يا رسول الله هي حرة لممشاك.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): الحمد لله ما رأيت اثني عشر درهماً أعظم بركة من هذه، كسى الله بها عريانين، واعتق بها نسمة).

وعن ابن طريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه (عليه السلام): (إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يورث ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا وليدة ولا شاة ولا بعيراً، ولقد قبض (صلّى الله عليه وآله) وإن درعه مرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعاً من شعير استلفها نفقة لأهله)(1).

وعن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (خمس لا ادعهن حتى الممات:

الأكل على الحضيض مع العبيد، وركوبي الحمار مؤكفاً، وحلبي العنز بيدي، ولبس الصوف، والتسليم على الصبيان، لتكون سنة من بعدي)(2).

وعن جرير بن عبد الله: (إن النبي (صلّى الله عليه وآله) دخل بعض بيوته فامتلأ البيت ودخل جرير فقعد خارج البيت فأبصره النبي (صلّى الله عليه وآله) فأخذ ثوبه فلفّه فرمى به إليه وقال: اجلس على هذا، فأخذ جرير فوضعه على وجهه فقبله)(3).

وعن جابر قال: (كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا خرج مشى أصحابه أمامه وتركوا ظهره للملائكة)(4).

وعن أنس بن مالك قال: (كنا إذا أتينا النبي (صلّى الله عليه وآله) جلسنا حلقة)(5).

وعن علي (عليه السلام) قال: ما صافح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحداً قط فنزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده وما فاوضه أحد قط في حاجة أو حديث فانصرف، حتى يكون الرجل ينصرف.

وما نازعه الحديث حتى يكون هو الذي يسكت.

وما رأى مقدماً رجله بين يدي جليس له قط.

ولا عرض له قط أمران إلا أخذ بأشدهما.

وما انتصر نفسه من مظلمة حتى ينتهك محارم الله فيكون حينئذٍ غضبه لله تبارك وتعالى.

وما أكل متكئاً قط حتى فارق الدنيا.

وما سأل شيئاً قط فقال: لا.

وما رد سائلاً حاجة إلا بها أو بميسور من القول.

وكان أخف الناس صلاة في تمام.

وكان أقصر الناس خطبة واقله هذراً.

وكان يعرف بالريح الطيب إذا أقبل.

وكان إذا أكل مع القوم كان أول من يبدأ وآخر من يرفع يده.

وكان إذا أكل، أكل مما يليه، فإذا كان الرطب والتمر جالت يده.

وإذا شرب شرب ثلاثة أنفاس، وكان يمص الماء مصاً ولا يعبه عباً.

وكان يمينه لطعامه وشرابه وأخذه وإعطائه كان لا يأخذه إلا بيمينه ولا يعطي إلا بيمينه، وكان شماله لما سوى ذلك من بدنه.

وكان يحب التيمن في كل أموره في لبسه وتنعله وترجله.

وكان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا تكلم تكلم وتراً، وإذا استأذن استأذن ثلاثاً.

وكان كلامه فصلاً يتبينه كل من سمعه، وإذا تكلم رأى كالنور يخرج من بين ثناياه، وإذا رأيته قلت أفلج الثنيتن وليس بأفلج.

وكان نظره اللحظ بعينه.

وكان لا يكلم أحداً بشيء يكرهه.

وكان إذا مشى كأنه ينحط من صبب.

وكان يقول: إن خياركم أحسنكم أخلاقاً.

وكان لا يذم ذواقاً ولا يمدحه ولا يتنازع أصحابه الحديث عنده.

وكان المحدث عنه يقول: لم أر بعيني مثله قبله ولا بعده (صلّى الله عليه وآله)(6).

وكان (صلّى الله عليه وآله) يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة أو يسميه فيأخذه فيضعه في حجره تكرمة لأهله، فربما بال الصبي عليه فيصيح بعض من رآه حين بال فيقول (صلّى الله عليه وآله): لا تزرموا بالصبي فيدعه حتى يقضي بوله ثم يفرغ له من دعائه أو تسميته ويبلغ سرور أهله فيه ولا يرون أنه يتأذى ببول صبيهم، فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعد.

ودخل رجل المسجد وهو جالس وحده فتزحزح له، فقال الرجل: في المكان سعة يا رسول الله، فقال (صلّى الله عليه وآله): (إن حق المسلم على المسلم إذا رآه يريد الجلوس إليه أن يتزحزح له)(7).

وروي: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (لا تقوموا كما تقوم الأعاجم بعضهم لبعض)(8).

(وكان الأعاجم يتواضع بعضهم لبعض إلى حد الركوع).

وروي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا دخل منزلاً قعد في أدنى المجلس حين يدخل)(9).

وروي عنه (عليه السلام): (إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (إذا أتى أحدكم مجلساً فليجلس حيث ما انتهى مجلسه)(10).

وكان صلى الله عليه وآله يأكل كل الأصناف من الطعام وكان يأكل ما أحلّ الله له مع أهله وخدمه إذا أكلوا ومع من يدعوه من المسلمين على الأرض وعلى ما أكلوا عليه، ومما أكلوا إلا أن ينزل به ضيف فيأكل مع ضيفه(11).

وكان يقول (صلّى الله عليه وآله): (أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد)(12).

وعن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (ما أكل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) متكئاً منذ بعثه الله عز وجل نبياً حتى قبضه الله إليه تواضعاً لله عز وجل، وكان (صلّى الله عليه وآله) إذا وضع يده في الطعام قال: بسم الله بارك لنا فيما رزقتنا وعليك خلفه(13).

وما ذم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) طعاماً قط كان إذا أعجبه أكله، وإذا كرهه تركه، وكان (صلّى الله عليه وآله) ما عاف من شيء فإنه لا يحرمه على غيره)(14).

وعن المعلى بن خنيس قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): ما أكل نبي الله وهو متكئ منذ بعثه الله جل وعز، وكان يكره أن يتشبه بالملوك(15).

عدالته الاجتماعية (صلّى الله عليه وآله) 

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إن يهودياً كان له على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دنانير فتقاضاه فقال له: يا يهودي ما عندي ما أعطيك فقال: فإني لا أفارقك يا محمد حتى تقضيني فقال: إذا أجلس معك فجلس معه حتى صلى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة، وكان أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يتهددونه ويتواعدونه، فنظر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إليهم فقال: ما الذي تصنعون به؟ فقالوا: يا رسول الله يهودي حبسك فقال (صلّى الله عليه وآله): لم يبعثني ربي عز وجل بأن أظلم معاهداً ولا غيره، فلما علا النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وشطر مالي في سبيل الله(16).

وعن عنبسه بن مصعب، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: (أتى النبي (صلّى الله عليه وآله) بشيء فقسمه فلم يسع أهل الصفة جميعاً فخصّ به أناساً منهم، فخاف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يكون قد دخل قلوب الآخرين شيء فخرج إليهم فقال: معذرة إلى الله عز وجل وإليكم يا أهل الصفة إنا أوتينا بشيء فأردنا أن نقسمه بينكم فلم يسعكم فخصصت به أناساً منكم خشينا جزعهم وهلعهم(17).

جوانب من حياته (صلّى الله عليه وآله)

عن الحسن الصيقل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: مرت امرأة بدوية (بذيه) برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو يأكل وهو جالس على الحضيض فقالت: يا محمد والله إنك لتأكل أكل العبيد وتجلس جلوسه، فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ويحك أي عبد أعبد مني.

قالت: فناولني لقمة من طعامك فناولها، فقالت: لا والله إلا التي في فمك، فأخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اللقمة من فمه فناولها فأكلتها، قال أبو عبدالله (عليه السلام): فما أصابها داء حتى فارقت الدنيا روحها(18).

وكان (صلّى الله عليه وآله) إذا أكل الخبز واللحم خاصة غسل يديه غسلاً جيداً ثم مسح بفضل الماء الذي في يده وجهه.

وكان (صلّى الله عليه وآله) لا يأكل وحده ما يمكنه وقال: (ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى، قال: من أكل وحده وضرب عبده ومنع رفده).

وكان (صلّى الله عليه وآله) إذا شرب بدأ فسمى وحسا حسوة وحسوتين، ثم يقطع فيحمد الله ثم يعود، فيسمي ثم يزيد في الثالثة ثم يقطع فيحمد الله وكان له في شربه ثلاث تسميات وثلاث تحميدات، ويمص الماء مصاً ولا يعبه عباً، ويقول: إن الكباد من العب، وكان (صلّى الله عليه وآله) لا يتنفس في الإناء إذا شرب، فإن أراد أن يتنفس أبعد الإناء عن فيه حتى يتنفس... وكان يشرب في الأقداح التي تتخذ من الخشب وفي الجلود، ويشرب في الخزف ويشرب بكفيه يصب الماء فيهما ويشرب ويقول: ليس إناء أطيب من اليد(19).

وقال أنس بن مالك: كانت لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) شربة يفطر عليها وشربة للسحر، وربما كانت واحدة، وربما كانت لبناً، وربما كانت الشربة خبزاً يماث فهيأتها له (صلّى الله عليه وآله) ذات ليلة فاحتبس النبي (صلّى الله عليه وآله) فظننت أن بعض أصحابه دعاه فشربتها حين احتبس، فجاء (صلّى الله عليه وآله) بعد العشاء بساعة فسألت بعض من كان معه هل كان النبي (صلّى الله عليه وآله) أفطر في مكان أو دعاه أحد، فقال: لا فبت بليلة لا يعلمها إلا الله من غم أن يطلبها مني النبي (صلّى الله عليه وآله) ولا يجدها فيبيت جائعاً فاصبح صائماً، وما سألني عنها ولا ذكرها حتى الساعة(20).

ولقد جاءه (صلّى الله عليه وآله) ابن خولى بأناء فيه عسل ولبن فأبى أن يشربه، فقال: شربتان في شربة وإناءان في إناء واحد، ثم قال: ما أحرمه ولكني أكره الفخر والحساب بفضول الدنيا غداً وأحب التواضع، فإن من تواضع لله رفعه الله(21).

وكان يحب الدهن ويكره الشعث ويقول: إن الدهن يذهب البؤس(22).

وكان (صلّى الله عليه وآله) يتطيب بالمسك حتى يرى وبيصه في مفرقه.

وكان يستجمر بالعود القمـــاري، وكان يـــعرف في الليــــلة المظلمة قبل أن يرى بالطيب، فيقال: هذا النبي (صلّى الله عليه وآله)(23).

وكان لا يـــعرض عليه طـــيب إلا تطيب به ويقول: هو طيب ريـــحه خفيف محـــمله، وإن لم يتطيب وضع إصبعه في ذلك الطيب(24).

وكان (صلّى الله عليه وآله) ينظر في المرآة ويرجل جمته ويمتشط، وربما نظر في الماء وسوى جمته فيه، ولقد كان يتجمل لأصحابه فضلاً على تجمله لأهله، وقال ذلك لعايشة حين رأته ينظر في ركوة فيها ماء في حجرتها ويسوي فيها جمته وهو يخرج إلى أصحابه، فقالت: بأبي أنت وأمي تتمرء في الركوة وتسوى جمتك وأنت النبي وخير خلقه فقال: (إن الله تعالى يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيأ لهم وتجمل)(25).

وكان لا يفارقه في أسفاره قارورة الدهن والمكحلة والمقراض والمرآة والمسواك والمشط.

وفي رواية: تكون معه الخيوط والإبرة والمخصف والسيور(26).

وكان (صلّى الله عليه وآله) إذا لبس ثوباً جديداً قال: (الحمد لله الذي كساني ما يواري عورتي، وأتجمل به في الناس).

وكان إذا نزعه نزع من مياسره أولاً(27).

وكان (صلّى الله عليه وآله) إذا لبس ثيابه واستوى قائماً قبل أن يخرج قال: (اللهم بك استترت، وإليك توجهت، وبك اعتصمت وعليك توكلت، اللهم أنت ثقتي وأنت رجائي، اللهم اكفني ما أهمني، وما لا أهتم به، وما أنت أعلم به مني، عز جارك، وجل ثنائــــك، ولا إله غيرك، اللهــــم زودني التقـــــوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير حيث ما توجهت) ثم يندفع لحاجته(28).

وعن علي (عليه السلام) كان فراش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عباءة وكانت مرفقته أدم حشوها ليف فثنيت ذات ليلة، فلما أصبح قال: لقد منعني الليلة الفراش الصلاة (أي النافلة) فأمر (عليه السلام) أن يجعل بطاق واحد.

وكان له فراش من أدم حشوه ليف، وكانت له (صلّى الله عليه وآله) عباءة تفرش له حيثما انتقل وتثنى ثنيتين، وكان (صلّى الله عليه وآله) كثيراً ما يتوسد وسادة له من أدم حشوها ليف ويجلس عليها، وكانت له قطيفة فدكية يلبسها يتخشع بها، وكانت له قطيفة مصرية قصيرة الخمل، وكان له بساط من شعر يجلس عليه، وربما صلى عليه(29).

وكان ينام على الحصير ليس تحته شيء غيره، وكان يستاك إذا أراد أن ينام ويأخذ مضجعه(30).

وفي حديث: أنه أعتزل (صلّى الله عليه وآله) نساءه في مشربة (والمشربة العلبة)(31) فدخل عـــليه رجــــل وفي البــــيت أهب(32) عطنة(33) قرظ(34) والنبي (صلّى الله عليه وآله) نائم على حصير قد اثر في جنبه فوجد الرجل ريح الأهب، فقال: يا رسول الله ما هذه الريح؟.

قال: هذا متاع الحي(35) فلما جلس النبي (صلّى الله عليه وآله) قد أثر الحصير في جنبه فقال الرجل: أما أنا فأشهد انك رسول الله ولأنت أكرم على الله من قيصر وكسرى وهما فيما هما فيه من الدنيا وأنت على الحصير قد أثر في جنبك.

فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): أما ترضى أن يكون لهم الدنيا ولنا الآخرة(36).

وعن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: أفطر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عشية خميس في مسجد قبا فقال: هل من شراب؟ فأتاه أوس بن خولي الأنصاري بعس مخيض بعسل، فلما وضعه على فيه نحاه، ثم قال: (شرابان يكتفي بأحدهما من صاحبه لا أشربه ولا أحرمه، ولكن أتواضع لله، فإن من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر خفضه الله، ومن اقتصد في معيشته رزقه الله، ومن بذّر حرمه الله، ومن أكثر ذكر الموت أحبه الله)(37).

وعن طلحة بن زيد، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: ما أعجب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيء من الدنيا إلا أن يكون فيها جائعاً خائفاً(38).

وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: دخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى أم سلمة (رض) فقربت إليه كسرة، فقال: هل عندك أدام؟

فقالت: لا يا رسول الله ما عندي إلا خل(39).

فقال (صلّى الله عليه وآله): نعم الأدام الخل ما افتقر بيت فيه خل.

وعن ابــــن عباس قال: كان رســــول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا مــشى مــشى مشياً يعرف أنه ليس بمشي عاجز ولا بكسلان(40).

إكرام النبي (صلّى الله عليه وآله) للناس

عن جرير بن عبد الله قال: لما بعث النبي (صلّى الله عليه وآله) أتيته لأبايعه، فقال لي: يا جرير لأي شيء جئت؟

قال: قلت: جئت لأسلم على يديك يا رسول الله.

فألقى لي كساءه، ثم اقبل على أصحابه فقال: (إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه)(41).

وعن عمار بن حيان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أتته أخت له من الرضاعة، فلما نظر إليها سرّ بها وبسط ملحفته لها فأجلسها عليها، ثم اقبل يحدثها ويضحك في وجهها، ثم قامت فذهبت، ثم جاء أخوها فلم يصنع به ما صنع بها، فقيل: يا رسول الله صنعت بأخته ما لـــم تصنــــع به وهو رجــــل؟ فقال: لأنها كانت أبرّ بوالديها منه(42).

حق الحيوان

روي: أن النبي (صلّى الله عليه وآله) جلس يوماً يأكل رطباً فكان فأكل بيمينه وامسك النوى بيساره ولم يلقه في الأرض فمرت به شاة قريبة منه فأشار إليها بالنوى الذي في كفه، فدنت إليه وجعلت تأكل من كفه اليسرى، ويأكل هو بيمينه، ويلقي إليه النوى حتى فرغ وانصرفت الشاة حينئذٍ(43).

وعن موسى بن جعفر، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال علي (عليه السلام): (بينما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يتوضأ إذا لاذ به هر البيت، وفعرف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إنه عطشان فأصفى إليه الإناء حتى شرب منه الهر وتوضأ بفضله)(44).

ورأى (صلّى الله عليه وآله) ديكاً بدون دجاجة فقال (صلّى الله عليه وآله) لصاحبه هلا اتخذت له أهلاً.

ونامت هرة على كمه (صلّى الله عليه وآله) فلما أراد القيام قطع كمه لئلا تنزعج الهرة.

قضايا اجتماعية

عن سفيان بن عتيبة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث:

إن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (من ترك ديناً أو ضياعاً فعلي، ومن ترك مالاً فلورثته).

فالرجل ليست له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال وليس له على عياله أمر ولا نهي إذا لم يجر عليهم النفقة والنبي (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) ومن بعدهما الزمهم هذا فمن، هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم وما كـــان ســـبب إســـلام عامة اليهود إلا من بعد هذا القول من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأنهم آمنـــوا على أنفــــسهم وعلى عيالاتهم(45).

وعن داود بن عبد الله بن محمد الجعفري، عن أبيه: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان في بعض مغازيه فمر به ركب وهو يصلي فوقفوا على أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسائلوهم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ودعوا وأثنوا، وقالوا: لولا أنا عجال لانتظرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاقرؤه منا السلام ومضوا فانفتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مغضباً، ثم قال لهم: يقف عليكم الركب ويسألونكم عني ويبلغوني السلام، ولا تعرضون عليهم الغداء، ليعز على قوم فيهم خليلي جعفر أن يجوزوه حتى يتغدوا عنده(46).

وعن بحر السقا قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): يا بحر حسن الخلق يسر.

ثم قال: ألا أخبرك بحديث ما هو في يدي أحد من أهل المدينة.

قلت: بلى، قال: بينما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذات يوم جالس في المسجد إذ جاءت جارية لبعض الأنصار وهو قائم فأخذت بطرف ثوبه فقام لها النبي (صلّى الله عليه وآله) فلم تقل شيئاً ولم يقل لها النبي (صلّى الله عليه وآله) شيئاً حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فقام لها النبي (صلّى الله عليه وآله) في الرابعة وهي خلفه فأخذت هدبة من ثوبه ثم رجعت، فقال لها الناس: فعل الله بك وفعل حبست رسول الله ثلاث مرات لا تقولين له شيئاً، ولا هو يقول لك شيئاً ما كانت حاجتك إليه؟ قالت: إن لنا مريضاً فأرسلني أهلي لآخذ هدبة من ثوبه يستشفي بها، فلما أردت أخذها رآني، فقام فاستحييت أن آخذها وهو يراني، وأكره أن أستأمره في أخذها فأخذتها(47).

وعن عجلان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان لا يسأله أحد من الدنيا شيئاً إلا أعطاه فأرسلت إليه امرأة إبناً لها، فقالت: انطلق إليه فاسأله فإن قال لك: ليس عندنا شيء، فقل: أعطني قميصك، قال: فأخذ قميصه فرمى به إليه(48).

وعن عبد الله بن طلحة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: أن رجل من بني فهد كان يضرب عبداً له والعبد يقول: أعوذ بالله فلم يقلع عنه، فقال: أعوذ بمحمد فأقلع عنه الضرب، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يتعوذ بالله فلا تعيذه ويتعوذ بمحمد فتعيذه، والله أحق أن يجار عائذه من محمد.

فقال الرجل: هو حر لوجه الله.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): والذي بعثني بالحق نبياً لو لم تفعل لواقع وجهك حر النار(49).

وعن الفضل قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يريد حاجة، فإذا بالفضل بن العباس قال: فقال احملوا هذا الغلام خلفي قال: فاعتنق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بيده من خلفه على الغلام، ثم قال: يا غلام خف الله تجده أمامك يا غلام خف الله يكفك ما سواه(50).

العفو العام

عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أتى باليهودية التي سمّت الشاة للنبي (صلّى الله عليه وآله) فقال لها: ما حملك على ما صنعت؟

فقالت: قلت: إن كان نبياً لم يضره وإن كان ملكاً أرحت الناس منه.

قال: فعفا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عنها(51).

وعن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مرّ في بعض طرق المدينة وسوداء تلقط السرقين، فقيل لها: تنحي عن طريق رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقالت: إن الطريق لمعرض، فهمّ بها بعض القوم أن يتناولها، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): دعوها فإنها جبارة(52).

كما أنه (صلّى الله عليه وآله) عفا عن قاتل عمه حمزة (وحشي)، وعن قاتل ابنته زينب (عليها السلام) (هبّار)، إلى غير ذلك من أخبار عفوه (صلّى الله عليه وآله).

 

1 ـ بحار الأنوار: ج16، ص214.

2 ـ المصدر السابق: ص99.

3 ـ المصدر السابق: ص235.

4 ـ المصدر السابق: ص236.

5 ـ المصدر السابق.

6 ـ المصدر السابق.

7 ـ المصدر السابق: ص240.

8 ـ المصدر السابق.

9 ـ المصدر السابق.

10 ـ المصدر السابق.

11 ـ المصدر السابق: ص241.

12 ـ المصدر السابق: ص242.

13 ـ المصدر السابق.

14 ـ المصدر السابق: ص245.

15 ـ المصدر السابق: ص262.

16 ـ المصدر السابق: ص216.

17 ـ المصدر السابق: ص269.

18 ـ بحار الأنوار: ج59، ص420.

19 ـ المصدر السابق: ج16، ص246.

20 ـ المصدر السابق.

21 ـ المصدر السابق: ص247.

22 ـ المصدر السابق.

23 ـ المصدر السابق: ص248.

24 ـ مستدرك الوسائل: ج1، ص423.

25 ـ بحار الأنوار: ج16، ص249.

26 ـ المصدر السابق: ص250.

27 ـ المصدر السابق: ص251.

28 ـ المصدر السابق.

29 ـ المصدر السابق: ص253.

30 ـ المصدر السابق.

31 ـ العلبة: الغرفة.

32 ـ اهب: الجلد.

33 ـ عطنة: المتننة.

34 ـ قرظ: ورق يدبغ به.

35 ـ أي متاع الإنسان الحي.

36 ـ بحار الأنوار: ج16، ص257.

37 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص220.

38 ـ الكافي: ج2، ص129.

39 ـ المصدر السابق: ج6، ص329.

40 ـ مستدرك الوسائل: ج8، ص239.

41 ـ المصدر السابق: ص396.

42 ـ بحار الأنوار: ج22، ص267.

43 ـ المصدر السابق: ج16، ص542.

44 ـ مستدرك الوسائل: ج1، ص220.

45 ـ الكافي: ج1، ص406.

46 ـ المصدر السابق: ج6، ص275.

47 ـ المصدر السابق: ج2، ص102.

48 ـ المصدر السابق: ج4، ص56.

49 ـ وسائل الشيعة: ج15، ص582.

50 ـ بحار الأنوار: ج16، ص289.

51 ـ وسائل الشيعة: ج8، ص519.

52 ـ المصدر السابق: ج11، ص303.