الفهرس

فهرس الفصل الثامن

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

العامل الحادي عشر

التطبيق المعكوس للأفكار

.. وليست المسألة مسألة المبادئ والتاريخ فقط، وإنما مسألة التطبيق أيضاً..

فقد رأى المسلمون والعالم أجمع المجتمع الإسلامي الأول ـ الذي بناه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ـ مجتمع مبني على الألفة والثقة والتعاون والمحبة ووحدة الكلمة والاستشارة.. و.. لقد رأوا منهجاً سليماً، وتطبيقاً كاملاً لذلك المنهج.

بينما لا يجد الناس في كثير من المنظمات والأحزاب النموذج الذي تدعو المنظمة أو الحزب أو الجماعة أو الهيئة إليه، بل يرون العكس من ذلك.

مثلاً: المنظمة أو الحزب أو الجماعة تدعو إلى الشورى في الحكم، والناس يرون أن الاستبداد والدكتاتورية يسودان التنظيم فيقولون: هؤلاء يمارسون الدكتاتورية فيما بينهم قبل الحكم فإذا وصلوا إلى الحكم ماذا يصنعون؟

ويرون بينهم الاختلاف الفاحش في مستوى المعيشة، فبينما يرون الطبقات العليا من المنظمة والحزب يتمتعون بالدور والأثاث والسيارات والزوجات وما أشبه، يرون قاعدة الحزب محرومة من كل ذلك.

ويرون أن قيادات المنظمة والحزب أو ما أشبه يجلسون في الأبراج العاجية، ويأمرون الأفراد بالأعمال الشاقة من السهر وإلقاء أنفسهم في المهالك والمشاكل ونحو ذلك،... وكل ذلك مما يزهّد الــناس في الانضمام إلى هذه الأحزاب وما أشبه (أولاً).

ويوجب عدم اطمئنان الناس بهم حتى يساعدوهم في الوصول إلى الحكم (ثانياً).

نموذجية المجتمع الإسلامي الأول

بينما نجد المجتمع الإسلامي الأول على العكس من كل ذلك، فهو مجتمع يعيش أفراده في مستوى متقارب بل إن القيادة وطليعة القوم كانوا يعيشون عيشة هي أدنى مستوى من عيشة سائر الناس ومن هنا كان الناس يحسون بأنهم إذا انضموا إلى هذه الجهة وجدوا الاحترام الكافي والعيش المتساوي.

فقد كان الرسول (صلّى الله عليه وآله) يساعد الشباب على التزويج بنين وبنات.

كما أنه (صلّى الله عليه وآله) زوج ابنته فاطمة (عليها السلام) تزويجاً أخفض مستوى من تزويج كثير من المسلمين لبناتهم، فقد ورد في بعض الروايات: إن مهر فاطمة (عليها السلام) كان ستة وثلاثين درهماً فقط.

الرسول (صلّى الله عليه وآله) يعيش كالآخرين

والرسول (صلّى الله عليه وآله) كان في طعامه ولبسه وركوبه وداره وسائر شؤونه كفرد عادي من المسلمين أو أقل حتى ورد: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان يقسم الأموال على المسلمين، ويحرم نفسه وعائلته، حتى غضبن وأردن منه الطلاق وفي هذه القضية نزل قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أُمتِّعكُنَّ وأسرحكن سراحاً جميلاً وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعدّ للمحسنات منكن أجراً عظيماً) (الأحزاب: 28 ـ 29).

وقد ورد في تفسير القمي (رحمه الله) أنه لما رجع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من غزوة خيبر وأصاب كنز آل أبي الحقيق قالت أزواجه: أعطنا ما أصبت فقال لهن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (قسمته بين المسلمين على ما أمر الله عز وجل) فغضبن من ذلك فقلن: لعلك ترى انك إن طلقتنا لا نجد الأكفاء من قومنا يتزوجونا! فاعتزلهن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مشربة (أم إبراهيم) تسعة وعشرين يوماً ثم نزلت آية التخيير (المتقدمة) فقامت أم سلمة أول من قامت فقالت: قد اخترت الله ورسوله، فقمن كلهن وقلن مثل ذلك، ورجعن إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

أثر الحصير في جنب الرسول (صلّى الله عليه وآله)

وينقل الراوي أنه دخل على النبي (صلّى الله عليه وآله) في اعتزاله لهن في مشربة أم إبراهيم فرأى النبي (صلّى الله عليه وآله) متكئاً على حصير قد أثر في جنبه فبكى الراوي وقال: يا رسول الله أنت هكذا؟

فأجابه الرسول (صلّى الله عليه وآله) بأن الآخرة خير من الأولى ـ في قصة مفصلة مذكورة في التواريخ ـ.

الستر والسواران

وفي قصة أخرى: أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) رأى على باب بيت فاطمة (عليها السلام) ستراً وفي يدي الحسن والحسين (عليه السلام) سوارين فلم يدخل البيت ـ كما كانت عادته حيث كان يدخل بيت فاطمة (عليها السلام) أول ما يرجع إلى المدينة ـ وذهب إلى المسجد.

وتفطنت الزهراء (عليها السلام) إلى السبب فقلعت الستر ونزعت السوارين من يدي الحسن والحسين (عليه السلام) وأرسلتهما إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ففرح النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال: (فعلت فداها أبوها)(1) ثم قسم السوارين والستر على فقراء المسلمين.

الرسول (صلّى الله عليه وآله) يرعى الأعداء

وكان (صلّى الله عليه وآله) يعفو ويغفر، وقد حفظ التاريخ إكرامه لأعدائه، فقد جاء في (أعلام الورى) وفي (السيرة النبوية) أنه لما رجع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى (الجعرانة) ومن معه من الناس قسّم بها ما أصاب من الغنائم يوم حنين وفيهم المؤلفة قلوبهم من قريش ومن سائر العرب ومن المنافقين.

قال محمد بن إسحاق: أعطى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كلاً من أبي سفيان، ومعاوية ابنه، ويزيد بن أبي سفيان، وحكيم بن حزام، ونصير بن حارث بن كلدة، والعلاء بن حارثة، والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم، ومالك بن عوف، وعلقمة بن علاءه، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وسهيل بن عمرو، وحويطب، وصفوان بن أمية، كل واحد مائة من الأبعرة.

ومن الواضح أن البعير في ذلك اليوم كان مثله مثل السيارة في هذا اليوم، فقد أعطى النبي (صلّى الله عليه وآله) كل واحد من رؤساء القبائل والشخصيات البارزة ـ وأكثرهم إما كفاراً أو منافقون ـ مائة مائة من الآبال، كما أنه (صلّى الله عليه وآله) أعطى إبلاً كثيراً لجملة آخرين أمثال: طليق بن سفيان، وخالد بن أسيد، وشيبة بن عثمان، وأبي السنابل، وعكرمة، وزهير، والحارث، وخالد بن هشام، وهشام بن الوليد، وسفيان بن عبد الأسد، والسائب، ومطيع، وأبي جهم، وأحيحة بن أمية، وعمير، وعدي، وهشام، ونوفل، وعلقمة، ولبيد، وخالد بن هوذة، والعباس وغيرهم.

وهكذا نجد الرسول (صلّى الله عليه وآله) يعيش كأحد الأفراد العاديين أو أقل حظاً منهم، كما نجده يراعي أعداءه كما يراعي أصدقاءه، بل يراعيهم أكثر مما يراعي أصدقاءه.

النبي (صلّى الله عليه وآله) يتزوج ابنة القائد اليهودي

وهذه قصة أخرى ـ ذكرها هكذا بعض الكتاب الإسلاميين ـ في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله) فبعد غزوة الخندق اتجه النبي (صلّى الله عليه وآله) لاستئصال اليهود من المدينة بعدما تبين أنهم يتحينون الفرص للإنقضاض عليها وبعدما نقضوا هم عهد الأمان وأعلنوا الحرب (كالتي قادها حي بن أخطب زعيم اليهود وقائدهم وصاحب الجهد الأكبر في تشكيل الحزب بين كل أعداء الدين الجديد ومحاصرة المدينة).

وفي تلك المرة هزم المسلمون اليهود، وكانت هزيمة اليهود ساحقة وعقوبتهم صارمة، وإذا كان قدر الإنسان هو الحرب فإن خير الحضارات هي التي لا تجعل الحرب نتيجة أحقاد موروثة، ولا ترتب على الحرب توارث الأحقاد والتفرقة، واليهود الذين رفضوا العالم ورفضهم العالم كان يمكن أن تسبب خيانتهم للمسلمين في محنتهم أثناء الحصار عداوة تاريخية تضاف إلى الشحنة الدائمة الموجودة ضد اليهود بفعل انعزالهم واحتقارهم للجنس البشري فتخلق عداوة أبدية بين الحضارة الجديدة البازغة وبين اليهود ولكأن العالم قد أطبق عليهم فعلاً فهم مرفوضون في العالم المسيحي وقتها بحكم خيانتهم للمسيح، ثم يرفضون في العالم الإسلامي بحكم خيانتهم للنبي (صلّى الله عليه وآله).

وهناك تألقت واحدة من إشراقات حضارة الإسلام، لفتة نبوية تستأصل كل إمكانية ظهور تيار معاد لليهود لأنهم يهود، أو لنموّ احتقار لجنس اليهود.

ليست المشكلة أن نحارب اليهود ولا أن نبغض بعض اليهود، بل الخطأ هو أن تقوم حضارة تبغض اليهود كل اليهود وكل الوقت ولأنهم مجرد يهود، ولو بقيت معركة النبي (صلّى الله عليه وآله) مع يهود بني قريظة في التاريخ مجرد ذكريات معركة وما أعقبها من قصاص صارم لولدت عداءً ربما تحول مع تدهور الحضارة إلى عنصرية متعصبة ضد اليهود، ولكن كيف تمتع اليهود بالمكانة السامية التي احتلوها في ظل الحضارة الإسلامية؟

بالطبع: للموقف الإسلامي أبعاده في صميم العقيدة التي تحترم وتؤمّن كل الأديان السماوية التي سبقتها، ولكن الحضارات ممارسة كما هي قيم وتعاليم، وفي تلك الغزوة اتخذ النبي قراراً استأصل كل إمكانيات انحراف السلوك المتسامح، إذ تزوج صفية ابنة قائد اليهود الذي قتل في تلك الحرب وألدّ أعداء المسلمين الذي سعى جهده في تكوين الحلف المعادي لغزو المدينة وإبادة المسلمين.

رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قائد الجيش المنتصر يتزوج يهودية أسيرة تبيح له القوانين وعرف العصر أن تكون جاريته يستنفع بها كيف شاء، ولكنه ينقلها من الأسر إلى مرتبة الزوجة وفي نفس ليلة المعركة، حتى لا يبيت الجيش المنتصر إلا وهو يسلّم على ابنة اليهودي (السلام عليكِ يا أم المؤمنين).

انتهت العداوة بانتهاء القتال لا تمييز ظالم ولا جنس سيد وجنس مقهور، لا شعب مختار ولا شعب ملعون. ابنة اليهودي أصبحت أماً لكل المؤمنين وفي معسكر المسلمين وفي بيت النبي (صلّى الله عليه وآله).

وكانت هناك أسيرة يهودية هي (ريحانة) رفضت الإسلام وأصرت على يهوديتها، وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) يحب أن تسلم حتى أنه كان إذا سمع صوت أقدام تسير نحوه قال:

لعل أحدهم جاء يبشرني بإسلام ريحانة، أسيرة في بيت قائد الجيش المنتصر تصر على تحدي دعوته وتصر على التمسك بيهوديتها، ولا يفكر النبي (صلّى الله عليه وآله) في إجبارها على التخلي عن عقيدتها.

نموذج من عطف النبي (صلّى الله عليه وآله) على الأعداء

بل نجد أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لما رأى أسيرات اليهود وهن متغيرات توجه إليهن وقال لهن: ما لكن هكذا؟

قلن: يا محمد (صلّى الله عليه وآله) إن هذا العبد ـ أي بلالاً ـ مرّ بنا على قتلانا.

فغضب النبي (صلّى الله عليه وآله) وتوجه إلى بلال قائلاً: (كأن الله نزع الرحمة من قلبك، أتمر بالنسوة على قتلاهن؟).

ونلاحظ في هذه القضية أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) بنفسه يباشر تسلم الأسرى، بينما كان من الممكن أن يأمر غير بتسلمهم، كما هي العادة في كل حروب العالم قديماً وحديثاً ـ لأن الملوك والرؤساء ومن إليهم لا ينزلون إلى الميدان إلا نادراً ـ ثم إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يسأل عن سبب تغير حالتهن وعندما أجبن غضب النبي (صلّى الله عليه وآله) (رغم أنه من الطبيعي أن تمر الأسيرات على المعركة وعلى جثث قتلاهن).

وأراد التنبيه على أنه لا يحق ذلك، فقال لبلال الكلمة الآنفة التي تقطر رقة وعطفاً وحناناً.

صفية في بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله)

وينقل التاريخ: أن إحدى زوجات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أرادت إهانة صفية ـ بعدما دخلت بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأخذت تسأل عن كل واحدة من الزوجات: أنت بنت من؟ ـ وكان قصدها إيذاء صفية بأن تقول: أنا بنت حي بن أخطب فتتذكر النسوة عداوة أبيها لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومحاربته للمسلمين ـ فاشتكت صفية إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تلك الزوجة فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إذا سألتك فقولي لها:

أبي موسى كليم الله، وعمي هارون نبي الله، وزوجي محمد رسول الله.

التطابق بين القول والعمل

إذاً.. فمن الضروري على الجماعة الإسلامية التي تريد الوصول إلى الهدف أن تكون مطبقة للمناهج الإسلامية على نفسها حتى يرى الناس صدقها في قولها وفي عملها، لا أن يروا التناقض الحاد بين القول والعمل.

قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) (الصف: 2 ـ 3).

وفي كلام للإمـــام أمير المؤمنين (عليه السلام): (لعن الله الآمـــريــــن بالمعـــروف التاركين له النـــاهين عن المنكر الــــعاملين به)(2).

رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف

وفي آخر هذا الفصل ننقل كلاماً عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يصلح أن يكون درساً لكل من يريد تطبيق الإسلام، قال (عليه السلام): (ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد، فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً، ن ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، ولا حزت من أرضها شبراً، ولا أخذت منها إلا كقوت أتان دبره، ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة مقرة (أي مرة).

بل كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله.

وما أصنع بفدك وغير فدك؟ والنفس مظانّها في غد جدث، تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعتها يد حافرها لأضغطها الحجر والمدر وسد فرجها التراب المتراكم.

وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق.

ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفىّ هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن: هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى (أي جائعة) وأكباد حرى (أي عطشانة) أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داءً أن تبيت ببطنة          وحولك أكباد تحن إلى القد

ءأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟

(فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، تكترش من أعلافها، وتلهو عما يراد بها، أو أترك سدى، أو أهمل عابثاً، أو أجر حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة.

وكأني بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان! ألا وإن الشجرة البرية أصلب عوداً، والروائع الخضرة أرق جلوداً، والنابتات العزية (الزرع الذي لا يسقيه ماء المطر) أقوى وقوداً وأبطأ خموداً، وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو، والذراع من العضد، والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها).

(إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك، قد انسللت من مخالبك، وأفلت من حبائلك، واجتنبت الذهاب عن مداحضك، أين القرون الذين غررتهم بمداعبتك؟

أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك؟ ها هم رهائن القبور، ومضامين اللحود، والله لو كنتِ شخصاً مرئياً وقالباً حسياً لأقمت عليكِ حدود الله في عباد غررتهم بالأماني، وألقيتهم في المهاوي، وملوك أسلمتهم إلى التلف، وأوردتهم موارد البلاء، إذ لا ورد ولا صدر هيهات من وطئ دحضك زلق، ومن ركب لججك غرق، ومن ازورّ عن حبائلك وفق، والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه، والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه، اغربي عني فوالله لا أذل لك فتستذليني، ولا أسلس لك فتقوديني).

(وأيم الله يميناً استثني فيها بمشيئة الله ـ لأروضنّ نفسي رياضة تهش معه إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوماً، وتقنع بالملح مأدوماً، ولأدعنّ مقلتي كعين ماء نضب معينها، مستفرغة دموعها. أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك، وتشبع الربيضة من عشبها فتربض، ويأكل علي من زاده فيهجع؟ قرت إذاً عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية‍! طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها، وعركت بجنبها بؤسها، وهجرت في الليل غمضها، حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها، وتوسدت كفها، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت بذكر ربهم شفاههم، وتقشعت بطول استغفارهم جنوبهم، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)(3).

ولما كان هذا الكتاب موجهاً إلى عثمان بن حنيف واليه على البصرة حيث حضر مأدبة قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو، ختم الإمام (عليه السلام) الكتاب بقوله: (فاتق الله يا بن حنيف، ولتكفك أقراصك، ليكن من النار خلاصك)(4).

وفي كلمة أخرى للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مذكورة في نهج البلاغة أنه (عليه السلام) قال: (إن الله تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيغ بالفقير فقره)(5) (والتبيغ هو التهيج أي لا يهيج به الألم).

 

1 ـ بحار الأنوار: ج66، ص87.

2 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج2، ص12.

3 ـ المصدر السابق: ج3، ص75.

4 ـ المصدر السابق.

5 ـ المصدر السابق: ج2، ص188.