الفهرس

فهرس الفصل الثامن

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

العامل الرابع عشر

التجارب الفاشلة

لقد وردت كلمة (الحزب) في القرآن الحكيم تارة بعنوان (حزب الله) وتارة بعنوان (حزب الشيطان) فقد قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) (المائدة: 54 ـ 56).

وقال سبحانه: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون) (المؤمنون: 53).

كما قال سبحانه: (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) (المجادلة: 19).

وقال سبحانه: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأتي الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أبنائكم ولو كان فيكم ماقاتلوا إلا قليلاً) (الأحزاب: 20)، إلى غيرها من الآيات:

ولكن:

1 ـ باعتبار أن غالب الأحزاب التي ظهرت في البلاد الإسلامية كانت مرتبطة بالاستعمار وكانت خلاف الإسلام ـ كالحزب الشيوعي، والحزب القومي، والحزب البعثي، والحزب الديمقراطي، والحزب الوجودي وما أشبه ـ.

2 ـ وباعتبار أن غالب الأحزاب الإسلامية أساءت التصرف في كثير من الأحيان.. لذلك كله اختلطت (الحزبية) في نظر كثير من المسلمين بالصورة التي شاهدوها، وصار ذلك سبباً في كراهية كثير من المسلمين الأحزاب والحزبيات، ونفورهم منها، وتطلعهم إلى نظام يخلو من الأحزاب ويسود فيه الوفاق والوئام.

الأحزاب بين السلب والإيجاب

لكن: يجب أن نعلم أن الحزب له جانبان: جانب إيجابي هو: إن الأحزاب ـ التي تتحرك في الإطار الإسلامي وتنتهي إلى المرجعية ـ مدارس سياسية لتربية الأمة وحقل عملي لتطبيق مبادئ الشورى.

وجانب سلبي وهو: إن الأحزاب ارتبطت في أذهان المسلمين بالتفرقة والتناحر وشق الصفوف وما أشبه.

ورغم وجود هذه المساوئ إلا أننا لا يمكننا إغماض النظر عن المحاسن، بل يجب إفراغ الأحزاب عن المساوئ بربطها بالمرجعية الدينية التي هي الإطار الشرعي الصحيح والموصى به من قبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) ولذا ذكرنا في موضع آخر: إن الصيغة الصحيحة للحكومة الإسلامية هي حكومة المراجع الفقهاء والتي ترتبط بها الأحزاب الإسلامية.

محاولة رد الاعتبار

... وحيث إن هذه السلبية حدثت في أذهان كثير من المسلمين فمن الضروري على القائمين بالأحزاب الإسلامية أن يهتموا غاية الاهتمام لإفراغها من السلبيات وإرجاعها إلى الخط المستقيم، فالحزبية مثلها مثل إنسان ساءت سمعته بتصرفات سيئة، فإنه إذا أراد أن يبدل سمعته إلى الحسن فاللازم عليه أن يبذل جهوداً مضاعفة.

وعليه فمن الضروري على الأحزاب الإسلامية الاهتمام لإستفادة الأخوان والأصدقاء، وقبول العتاب، والاستشارة الدائمة، وذكر محاسن الناس، وإشراك الناس في الرأي، وعدم تتبع عثرات الآخرين، إلى غير ذلك.

نحو كسب الأصدقاء

وهناك روايات كثيرة في جهة استفادة الإخوان والأصدقاء نذكر جملة منها:

فعن محمد بن يزيد قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: (من استفاد أخاً في الله استفاد بيتاً في الجنة)(1).

وروى الصدوق ـ قده ـ عن أبيه قال: قال لقمان لابنه: (يا بني اتخذ ألف صديق، وألف قليل، ولا تتخذ عدواً واحداً، والواحد كثير)(2).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (عليك بإخوان الصفا، فهم عماد إذا استنجدتم وظهور، وليس كثيراً ألف خليل وصاحب، وإن عدواً واحداً لكثير)(3).

وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: (لا يدخل الجنة رجل ليس له فرط، قيل: يا رسول الله ولكل فرط؟ قال: نعم إن من فرط الرجل أخاه في الله)(4).

وعن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: (أكثروا من الأصدقاء في الدنيا فإنهم ينفعون في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فحوائج يقومون بها، وأما الآخرة فإن أهل جهنم قالوا: (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) (الشعراء: 100 ـ 101)(5).

وفي رواية أخرى عن الصادق (عليه السلام) قال: (استكثروا من الإخوان، فإن لكل مؤمن دعوة مستجابة).

وقال: (استكثروا من الاخوان فإن لكل مؤمن شفاعة).

وقال: (أكثروا من مؤاخاة المؤمنين فإن لهم عند الله يداً يكافئهم بها يوم القيامة)(6).

وعن علي (عليه السلام) كما في نهج البلاغة: (أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم)(7).

وعن علي (عليه السلام) قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: (المؤمن عز كريم والمنافق خب لئيم، وخير المؤمنين من كان مألفه للمؤمنين، ولا خير فيمن كان لا يألف ولا يؤلف).

قال: وسمعت رسول الله يقول: (شر الناس من يبغض المؤمنين، وتبغضه قلوبهم، المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة البادون للناس العيب، أولئك لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم يوم القيامة ـ ثم تلا هذه الآية: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم) (الأنفال: 62 ـ 63)(8).

وفي رواية عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (من استفاد أخاً لله تعالى زوجه الله حوراء، فقالوا: يا رسول الله وإن آخى أحدنا في اليوم سبعين أخاً؟

قال: أي والذي نفسي بيده، لو آخى ألفاً لزوجه الله تعالى ألفاً)(9).

وعن داود بن سليمان، عن الرضا (عليه السلام) قال: (من استفاد أخاً فقد استفاد بيتاً في الجنة).

وفي الاختصاص عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (ومن جدد أخـــاً في الإسلام بنى الله لـــه برجاً فــي الجنة مـــن جوهرة)(10).

وروى العلامة الكراجكي في كنزه أنه نشد لأمير المؤمنين (عليه السلام) :

وليس كثيراً ألف خل وصاحب          وإن عـــــدواً واحـــــداً لكثيــر

وفي لب اللباب، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (ما أحدث عبد أخاً في الله إلا أحدث الله له درجة في الجنة).

إلى غيرها من الروايات الكثيرة بهذا الصدد.

وعليه من الضروري على الأحزاب الإسلامية المرجعية التي هي بصدد إقامة حكم الله سبحانه وتعالى أن تفيد الأخوان في الله سبحانه وتعالى، وأن تتجنب المشاكسات والمهاترات وما أشبه مما يسبب تفرق الناس عنهم وينتهي أخيراً إلى أن يبقوا بلا أصدقاء أو مع قليل الأصدقاء أو مع كثرة الأعداء ولا يصلوا إلى الهدف، فإن الهدف فوق كل شيء وكل شيء في طريق الهدف فهو طريقي.

وننهي هذا الفصل بذكر كلام لعلي (عليه السلام) مما يجب أن تتخذه الأحزاب والتجمعات الإسلامية التي تريد الوصول إلى الهدف درساً وعبرة وأسوة.

قال (عليه السلام): (فدع الإسراف مقتصداً، واذكر في اليوم غداً، وأمسك من المال بقدر ضرورتك، وقدم الفضل ليوم حاجتك، أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبرين؟ وتطمع وأنت متمرغ في النعيم تمنعه الضعيف والأرملة أن يوجب لك ثواب المتصدقين؟ وإنما المرء مجزي بما أسلف، وقادم على ما قدّم والسلام).

 

1 ـ وسائل الشيعة: ج8، ص407.

2 ـ المصدر السابق.

3 ـ المصدر السابق.

4 ـ المصدر السابق.

5 ـ المصدر السابق.

6 ـ المصدر السابق: ص408.

7 ـ المصدر السابق.

8 ـ المصدر السابق.

9 ـ المصدر السابق: ص322.

10 ـ المصدر السابق: ص323.