الفهرس

فهرس الفصل الثامن

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

العامل الأول

انحراف الحكومات التي تدعي الإسلام

وهذا ما شاهده المسلمون أولاً، والعالم ثانياً من المظالم التي اقترفتها جملة من الحكومات (الإسلامية) ! ابتداءً من معاوية ومن سبقه من الغاصبين وانتهاء بسقوط آخر خليفة عثماني في تركيا، فقد حمل أكثرية أهل العالم انطباعات سيئة عن الحكومة الإسلامية ظناً منهم أن (الحكومة الإسلامية) هي التي أدارها الأمويون والعباسيون ومن إليهم فرأى الناس (مسلمين وغير مسلمين) أن في قيام الحكومة الإسلامية إعادة للمأساة، ولذا أخذت الجلود تقشعر من اسم (الخليفة) و(الأمير) و(الحكم الإسلامي) وما أشبه.

ومن الواضح أن ذلك لم يكن ذنب الإسلام، وإنما كان ذنب المسلمين الذين رضوا بأن يحكمهم مثل أولئك الحكام المنحرفين عن الإسلام وقد ورد في حديث تقدم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وجوب عزل الحكام الظالمين لكن المسلمين ـ غالباً ـ خنعوا وخضعوا وقبلوا بحكم أولئك لأسباب مختلفة، فقسم طمعاً، وقسم خوفاً وقسم حياداً وصارت النتيجة:

أولاً: تلك المجازر العظيمة والمظالم الهائلة في كل البلاد الإسلامية.

ثانياً: تلوث سمعة الحكومة الإسلامية، فأصبحت الحكومة الإسلامية تحمل لون (الظلم) و(العدوان) و(الاستهتار) ونحو ذلك، واتسم الحاكم الإسلامي في أذهان المسلمين وغير المسلمين بالخليفة المستبد الذي يصادر أموال الناس ويقتلهم بغير ذنب وبدون محاكمة، ويهتك الأعراض، ويملأ بيوته بالجواري والقيان والخصي، ويشرب الخمر، ويعربد ويلعب القمار، ويخاف منه حتى أقرب المقربين إليه، ولا يستشير من أحد شيئاً، ويقتل الصالحين ويترك الفاسقين ويعمل على تأخر البلاد والعباد، ومن الواضح أن مثل هذا الحكم لا يرغب إليه أحد.

نماذج من فساد الأمويين

ولا بأس بذكر جملة من الأعمال التي ارتكبها الأمويون والعباسيون ويقاس على تلك الأعمال ما ارتكبه العثمانيون ومن إليهم من المآثم والموبقات، حتى يعرف مدى ثقل التركة التي ورثناها نحن المسلمين من هؤلاء مما سبب تنفر كثير من أهل العالم من حكم الإسلام مثلاً:

جرائم معاوية بن أبي سفيان

قال معاوية على المنبر في الكوفة: (ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ـ إلى أن قال ـ وإنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم).

ويذكر الدميري في كتابه (حياة الحيوان): إن معاوية وجد رجلاً يزني بجاريته فقال له: ما جرأك على هذا!

قال الرجل: حلمك يا أمير المؤمنين! فعفا عنه وأعطاه تلك الجارية!

وقد احتال معاوية لكي يطلق رجل زوجته (ارينب) ليزوجها لابنه يزيد لما بلغه من جمالها.

وجرائم معاوية كثيرة من خدعه وحيله، ومحاربته مع علي (عليه السلام)، وإرساله السم إلى المناوئين له ولو كان الإمام الحسن (عليه السلام) الذي قال فيه وفي أخيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا)(1).

وخيانته بجعدة التي وعدها أن يزوجها يزيد إذا قتلت الإمام الحسن (عليه السلام) بالسم، ورمي جنازة الإمام (عليه السلام) بالسهم على يد عامله مروان، وقتله مالك الأشتر عن طريق السم، وقوله: (إن لله جنوداً من العسل) !

واستحلاله البلاد الإسلامية بقتل المسلمين وحرقهم ـ كما أحرق ذات مرة في اليمن أربعين ألفاً من المسلمين ـ وإباحته قتل الأطفال ونهب الأعراض ـ كما فعل عامله في اليمن حيث قتل أولاد عبيد الله ـ وسبّه للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وللخيرة من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وشربه الخمر علناً حتى أنه كان يهدى إليه زقاق الخمر ـ حتى خرقها أبو الدرداء في قصة مشهورة ـ واستخلافه ليزيد بالقسر (يزيد المعروف بكل موبقة وإثم) وحمله على رقاب المسلمين بالقوة مما أسفر عن أسوأ النتائج، وجعله الملوكية كسروية وقيصرية من دون استشارة من الأمة ولا إشراك لأهل الحل والعقد، وعلى سنن معاوية سار جملة من الأمراء مثل ذلك الأمير الذي قال: (إن السواد (العراق) بستان لقريش) وكان ينهب المال لنفسه ولذويه ويترك المسلمين وغير المسلمين جياعاً، ومثل الأمير الآخر الذي كان يشرب الخمر ويصلي صلاة الصبح أربعاً، ويستفرغ الخمر في مسجد الكوفة ويقرأ في صلاته:

علق القلب الربابا          بعدما شابت وشابا

وغير ذلك من أمثال هذه المآثم والموبقات التي كان الخلفاء والأمراء يرتكبونها.

يزيد يسير على خطى أبيه

ولما وصل الأمر إلى يزيد أكثر من الآثام والموبقات بقتل ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عطشاناً، وقتل أصحابه معه، وتنكيله بجثثهم أسوأ تنكيل، وحرق خيامهم، وذبح أطفالهم، وسبي نسائهم من بلد إلى بلد وهن عقائل الوحي، وقطع رأس الحسين (عليه السلام) ورؤوس أصحابه وأولاده وأنصاره وجعلها على رؤوس الرماح من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام، ثم إحضاره الرأس الشريف في مجلسه، وشربه الخمر، ونكثه ثنايا الإمام (عليه السلام) بقضيب كان بيده، وإنشاده الأشعار الإلحادية كقوله:

لما بدت تلك الــرؤوس وأشرقـــــت          تلك الشموس عــلى ربى جـــيرون

نعب الغراب فقلت: صح أو لا تصح          فلقد قضيت من النبــــــي ديونـــــي

وقوله:

لــــيت أشياخـــــــي ببدر شهــــدوا          جزع الخزرج مــن وقـــع الأســـــل

لأهلّـــــوا واستهلّــــــوا فــــــــــرحاً          ثم قــــــالوا: يا يـــــــزيد لا تشــــل

قـــــد قتلنا القــــــــــرم مـن سادتهم          وعــــــدلـــناه بـــبـــــدر فــاعــتــدل

لعــــــبت هاشـــــــم بالمـــــلك فــــلا          خبـر جــــــاء ولا وحــــي نـــــــزل

وكان يزيد شريباً للخمر، لاعباً بالقمار، يعمل بدماء الناس وأعراضهم ما يشاء، يزني بأرحامه كعمته وغيرها، وقد هدم الكعبة بالمنجنيق في قصة مشهورة، وأباح المدينة المنورة ـ بلد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والخيرة من المسلمين والصحابة الأطهار ـ جيشه فزنوا بالنساء حتى في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأجروا الدماء الغزيرة حتى في نفس المسجد، ونهبوا الأموال، وقتلوا الأطفال في قصة الحرة المشهورة.

دور الحجاج في الانحراف

وعلى خطى معاوية ويزيد: سار الحجاج فعندما دخل الحجاج الكوفة ـ كوالٍ من قبل الخليفة الأموي الذي كان بيده نصف العالم الإسلامي الشرقي إلى باكستان ـ أخذ معه مجموعة من الجلادين وأمرهم أن يقفوا شاهرين سيوفهم عند أبواب المسجد وأن ينفذوا أوامره ثم صعد المنبر وعمامته تستر وجهه وقد غصّ المسجد بالناس للاستماع إلى الوالي الجديد فقرأ الحجاج رسالة عبد الملك ثم سكت، ثم قرأ العبارة التي فيها سلام عبد الملك إلى أهل الكوفة مرة أخرى وسكت، وكان ينتظر من الناس أن يردّوا الجواب على سلام الخليفة ولكن من دون جدوى، وفي المرة الثالثة وضع عمامته فبان وجهه وأنشد هذا البيت:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا          متى أضع العمامة تعرفوني

فلما وضعها عرف الناس أنه الحجاج المجرم المعروف فقد كانت له سوابق رهيبة في نفوس المسلمين ثم تكلم وقال: (ويلكم عبد الملك يبلغكم السلام ولا تجيبونه؟).

فوقف الناس احتراماً للخليفة خوفاً، وأجابوا: (وعليك السلام وعلى أمير المؤمنين السلام).

ولكن الحجاج استمر في كلامه قائلاً: (اسمعوا أيها الناس إن عليكم أن تجهزوا جيشاً للأهواز) وسكت.

فقام جماعة من الشباب واعتذروا.

فقال الحجاج للجلادين الذين كانوا ينتظرون أوامره بشغف: (إضربوا أعناقهم) وبعد لحظات كانت الرؤوس تتطاير في الهواء وكانت الجثث تملأ المسجد.

ثم قام جماعة من الشيوخ واعتذروا فأمر الجلادين فضربوا أعناقهم، وكل من أراد الهروب أخذه الجلادون الذين كانوا على أبواب المسجد فقتلوه.

وقد بدأ الحجاج الكلام قبل ضربه الناس بقوله: (ألا وإني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني أرى الدماء تترقرق بين العمائم واللحى).

وبهذا الأسلوب خضع الناس للحجاج وأصبح هذا المجرم إلهاً جديداً يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، يقتل وينهب، ويشرب الخمر ومعه في كل ذلك جلاوزته وزملاؤه.

ولم يكن الحجاج ليقتصر على قتل المجرم، بل كان يقتل كل من أساء به الظن لا هذا فقط، بل كان يقتل الأبرياء لإرواء نفسه المتعطشة للدماء فكان يأمر بالشخص فيقتل، ثم يمدّ على جسمه السماط ويأكل ويقول: إني ألتذ أن أرى أطراف السماط تتراقص أمامي على أجساد القتلى وأن آكل على مثل هذا السماط.

(الله أكبر) جريمة جزاؤها: القتل!

وذات مرة سمع الحجاج وهو على شرفة قصره رجلاً من المارة يقول: (الله أكبر) (الله أكبر) فدعاه الحجاج وعندما مثل أمامه جرى بينهما الحوار التالي:

أين كنت؟

قال الرجل: في المسجد.

ماذا كنت تفعل؟

قال الرجل: أصلي العشاء.

والى أين كنت تذهب؟

قال الرجل: إلى البيت.

وماذا كنت تقول؟

قال الرجل: لم أقل شيئاً.

بل قلت: الله أكبر.

قال الرجل: نعم قلته.

قال الحجاج: ماذا قصدت من قولك؟

قال الرجل: لم أقصد شيئاً وإنما قصدت معنى الله أكبر.

قال الحجاج: لا، لابد أنك قصدت شيئاً آخر.

قال الرجل: لا، لم يكن لي أي قصد آخر.

قال الحجاج: إنك قصدت الإثارة ضدنا، أليس كذلك؟

قال الرجل: لا والله.

فقال الحجاج: لا ينفعك الحلف الكاذب، إن إصرارك دليل على قصدك الفاسد!

ثم أمر جلاديه أن يسجنوه تلك الليلة، وينكلوا به الى الصباح.

وفي الصباح رأى الناس على باب المسجد جلادين يجردون الرجل من ثيابه، ويطوفون به راكباً على حمار بشكل معكوس وعند الظهر أوقفوه على باب المسجد وأمام مرأى الناس تقدم إليه الجلادون وشدوا جبهته بالجدار ثم أخرجوا فكه الأسفل الذي تحرك بكلمة الله أكبر، ثم كسروا عظام وجهه وجمجمته بالفؤوس، ثم قطعوا رأسه، وعلقوا المتبقي منه على باب المسجد مصلوباً.

سجون الأبرياء مقابرهم

وينقل التاريخ أن الحجاج وضع جماعة من الشباب الأبرياء في السجن، وأمر أن تسد في وجوههم منافذ النور والهواء حتى لا يميزوا الليل من النهار، كما أمر أن لا يطعموهم الطعام إلا بعد مزجه بالرمال، وأن لا يسقوهم الماء إلا بعد خلطه بالملح، فمات أحدهم، فرفض الحجاج أن يواروا جثته حتى تفسخت ومات الثاني والثالث والرابع والخامس إلى الرجل السادس عشر وأخبروا الحجاج بذلك فلم يأذن بإخراج الجثث، وإنما أمر أن يهدموا السقف عليهم ليتحول السجن إلى مقبرة لهم وليموت الباقون مع رفاقهم. وهكذا كان.

صور رهيبة من سجون الحجاج

وكان سجن الحجاج يحتوي على مائة وعشرين ألفاً بين رجل وامرأة، عارين من اللباس، يعيشون تحت الشمس اللافحة نهاراً والبرد القارص ليلاً.

وكان قد أمر السجانين أن يكونوا على سور السجن فإذا أراد أحد أن يتكئ على الحائط في وقت الظل رموه بالنشاب من على السور حتى يتحول إلى الشمس.

وكان أحدهم إذا تكلم وتضرع يتلو عليه السجان قوله تعالى: (اخسؤوا فيها ولا تكلمون) (المؤمنون: 108)

كما أن الحجاج زار ذات مرة السجن فلما ضج السجناء قرأ نفس الآية الكريمة.

وكان يأمر أن يعطي السجناء الخبز الممزوج بالرماد والماء الممزوج بالملح.

وكان سجنه يسبب تغيير لون الإنسان الذي يعيش فيه لمدة، حتى أن الأمهات لم يكن يعرفن أولادهن إذا زرنهم بعد إصرار كثير لتغير وجوههم وعدم حلق رؤوسهم وقص أظفارهم، إذ كان كل ذلك ممنوعاً في داخل سجون الحجاج.

وكانت المرافق في السجن عارية مكشوفة، فكل سجين يجب عليه أن يتخلى حيث يراه الناس.

إلى غير ذلك من موبقات سجن الحجاج.

يخرج قلب الرجل ليرى هل هو أكبر؟

وينقل لنا التاريخ أن موظف ضرائب (جابي ضرائب) من قبل الحجاج دخل على إنسان وطالبه بزكاة أغنامه فقال له الرجل: ليس عندي زكاة لأن ماشيتي ماتت بسبب البرد.

فرجع الموظف إلى الحجاج، وبدل أن يخبره بالحقيقة ذكر أن الرجل يرفض الإيمان بالزكاة.

واستغل الحجاج الموقف وأمر بإحضار الرجل وقال له: كيف لا تؤمن بالزكاة؟

قال الرجل: والله إنني مسلم، ولا يسع المسلم إلا أن يؤمن بالزكاة.

فقال له الحجاج: إذاً كيف قلت إنك لا تؤمن بالزكاة؟

قال الرجل: لم أقل ذلك إنما قلت ليس عندي ما يتعلق به الزكاة.

ولم يقتنع الحجاج فقال للرجل: لابد أن يكون لك قلب أكبر من قلوب الآخرين ولهذا تجرأت على رد كلامي!

ثم صاح: أيها الجلاد اخرج لي قلبه!

وبعد لحظات كان النطع ينتظر الرجل حيث شدوا يديه، وربطوا رجليه، ثم مدوه وشقوا صدره وأخرجوا قلبه وقدموه إلى الحجاج وكان القلب لا يزال يضطرب.

ولما أخذه الحجاج ضحك ضحكة صفراء ثم قال: لا، لم يكن قلبه أكبر ردّوا إليه قلبه وادفنوه.

وهكذا ذهب الرجل ضحية طيش هذا الجبار.

.. ويقتل منقذه!

وذات مرة غرق الحجاج في الفرات فنجاه رجل من الغرق، ولما خرج قال الحجاج: لماذا نجيتني؟

فأجابه الرجل: بأنه رأى إنساناً يغرق فأراد نجاته.

قال الحجاج: لا، إنك لم تنجّني لأنني الحجاج، وإذا كنت تعلم أني الحجاج لم تكن تنجيني فأنت تستحق القتل ثم أمر بقتله.

ويحرق الأموات!

وفي التاريخ: أنه نبش اثنين وعشرين ألفاً من القبور الموجودة في ضواحي الكوفة، وأحرق بعض الجثث.

طرق مبتكرة في التعذيب

كما أنه كان يعذب الناس بالقصب، فكان يأمر بأن يقطع القصب نصفين، ثم يأمر أن تلف تلك القصبات من جهة القطع على جسم الرجل المغضوب عليه شداً محكماً ثم يأمر الجلادين أن يجروها قصبة قصبة حتى يتناثر لحم الرجل ويصيبه ألم كبير ويموت في مكانه.

إلى غيرها من الموبقات التي يندى لها جبين الإنسانية في كل زمان ومكان.

زياد وابنه يواصلان المسيرة!

ونحو الحجاج زياد بن أبيه وابن زياد، حيث أنهما أسرفا في القتل والتعذيب وشرب الخمر وانتهاك الأعراض.

وقصة قتل الإمام الحسين (عليه السلام) التي أمر بها يزيد.

وقصة منعه الناس من التجول في البصرة وأمره بقتل الذين خالفوا أمره حتى بلغ عدد المقتولين في يوم واحد ستمائة قتيل جمعت رؤوسهم على باب داره كتلة كبيرة مشهورة.

إعدام بلا إنذار

ولما أعلن ابن زياد النفير العام لأهل الكوفة نحو قتال الحسين (عليه السلام) رأى بعض جلاوزته في أزقة الكوفة رجلاً فأخذوه وجاؤوا به إلى ابن زياد فقال له ابن زياد: لماذا لم تذهب إلى قتال الحسين؟

قال: والله إني لست من أهل الكوفة، إني من أهل الشام ولا أعلم شيئاً، وإنما دخلت الكوفة صباح اليوم ولي مأرب في هذا البلد، ولو كنت أعلم الأمر لهرعت إلى قتاله.

قال ابن زياد: إني أعلم انك لصادق ولكن أيها الجلاوزة خذوه واقتلوه، واصلبوا جثته وعلقوا رأسه على باب القصر، حتى لا يجرأ إنسان على مخالفة الأمير.

وبعد لحظة كان الرأس معلقاً على باب القصر والجثة معلقة بجنبه.

سحب القتلى في الأسواق

وكذلك قصة قتله لمسلم بن عقيل (عليه السلام) وهاني بن عروة (رضوان الله تعالى عليه) وتعليق رأسيهما على باب القصر، وأمره جلاوزته بسحب جثمانهما في الأسواق والأزقة من أرجلهما مشهورة.

إلى غير ذلك من موبقات وآثام هذا الجلاد الذي كان يحكم باسم الإسلام من قبل الأمويين.

الوليد يسبح في أحواض الخمر

وكان الوليد ـ الخليفة الأموي ـ يملأ الحوض بالخمر فيقع في الحوض هو وجواريه ويشربون من الخمور الموجودة في الحوض حتى يظهر النقص على حافته.

الجارية تؤمّ الرجال

وكان يقارب جواريه ولا يغتسلون وإذا حان وقت الصلاة عمم الجارية المجنبة وأرسلها إلى المسجد لتؤم الناس صلاة الجماعة في المسجد.

الوليد يمزق القرآن

وقصة رميه القرآن وتمزيقه له مشهورة، فإنه ذات مرة تفأل بالقرآن الحكيم فخرج في رأس الصفحة قوله تعالى: (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ) (إبراهيم: 15 ـ 17).

فغضب وجعل القرآن في الحائط وأخذ يرميه حتى مزقه قطعة قطعة، وهو ينشد هذا الشعر:

تهددنـــــي بجبار عنيـــــد؟          فها أنا ذاك جبــــار عنيـــد

إذا ما جئت ربك يوم حشر          فقل يا رب مزقنــــي الوليد

مفاسد خلقية

وتذكر بعض التواريخ أنه كان يزني بمحارمه، كما أنه كان يمارس الشذوذ الجنسي حتى مع أخيه في قصص مشهورة، وذات مرة أراد أن يزني ببنته فنهته مربيتها فأنشد:

من راقب الناس مات همّا          وفـــــاز باللذة الجسور

عيّـنات من جرائم العباسيين

ولما انتهى دور الأمويين ووصل الدور إلى العباسيين لم ينقصوا عنهم في عمل أو جرم بل زادوا عليهم في الجرائم والموبقات.

فقد زخر زمان العباسيين بالقتل الفردي والجماعي، والتمثيل، والتعذيب، وقطع الرؤوس، وانتشر فيه الإرهاب، والقتل على الظن والتهمة، واستئثار الحكام بالفيء ومصادرة الأموال بالإثم، والاستهانة بكرامات الناس، حتى أصبح السجن والضرب والقتل والتعذيب ومصادرة الأموال لأتفه الأسباب شيئا عاديا وأصبح النظام إمبراطوريا وراثيا دكتاتوريا يرثه فاسق عن فاسق وخليع عن خليع ومجرم عن مجرم، وأصبح الولاة ـ كأسيادهم العباسيين ـ يعبثون بالناس وبالأموال، ويتصرفوا كيف شاؤوا، يبنون القصور الشاهقة الوسيعة بأموال الكادحين، في الوقت الذي لا يجد فيه الناس حتى لقمة من الخبز، وانتشرت في قصورهم المجون واللهو والطرب والخمر والميسر، وغصت بأدوات اللهو، وبالمغنيين والمطربين، وبالشعراء المتملقين المتعبدين للدرهم والدينار، واشتغل حكام الولايات باقتناء الجواري ـ اقتداءً بأسيادهم ـ كما أنهم اتخذوا عادة إلباس الغلمان ملابس الفتيات، وإلباس الفتيات ملابس الغلمان، وكان يرقص في مجالسهم العشرات والمئات من هؤلاء أمام الخاصة والعامة، وكانوا يتشببون بنساء الناس والفتيات والغلمان.

ماذا جرى في فخ؟

وفي قصة (فخ) قتل العباسيون الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقطعوا رأسه ورؤوس أصحابه، وسبوا نساءهم إلى الخليفة العباسي، فلما وصلوا إليه والمجلس غاص بالناس أخذ الخليفة (وباسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وباسم الإسلام) يقتل النساء بالسيف في مجلسه.

الجماجم تملأ خزينة الخليفة!

ولما مات أحد الخلفاء العباسيين قام غيره مكانه فسأل الخليفة الجديد بعض نساء القصر عن خزائن الخليفة السابق فدلته على باب سرداب، فلما فتح الخليفة الجديد الباب ودخل في السرداب رآه بهواً كبيراً جداً وهو ممتلئ بالرؤوس المسقطة وفي كل رأس ورقة معلقة بالأذن ـ بواسطة خيط ـ مكتوب عليها إسم صاحب الرأس وقد امتلأ السرداب بالديدان وتعفن جو السرداب بشكل يورث التقزز وشوهت الرؤوس والوجوه تشويها كبيرا وسالت منها الدماء والقيح، فغشي على الخليفة وأخرج من السرداب.

ثم قالت له تلك المرأة: إن الخليفة الذي سبقك كان يقتل الناس ويقطع رؤوسهم، ثم يضع رؤوس الكبار منهم في هذا السرداب وفي سراديب أخرى، وبهذا الشكل استقام الحكم له، فإذا أردت أن يستقيم الحكم لك فعليك باتباع سيرته.

وهكذا كان.

الإرهاب حتى مع الأصدقاء

وإذا علمنا كيف كان العباسيون يعملون مع أصدقائهم نعرف ماذا كانوا يعملون مع عامة الناس أو مع أعدائهم؟

فمثلا: يذكر التاريخ أن (الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي) الذي كان من أخلص المقربين من هارون أمر هارون أن يجرد من ثيابه ويضرب ويهان ويلعن في مجلس عام ولم يكن ذنبه إلا أنه رفّه بعض الترفيه عن الإمام الكاظم (عليه السلام) في السجن وخفف عنه بعض الآلام فلم يقيده كما شاء هارون، ولم يضيق عليه كما ضيق عليه من بعد ذلك السندي.

وكذلك ما فعله هارون بالبرامكة ـ الذين لم يقم حكمه إلا على سواعدهم ـ حيث قتل رجالهم وصادر ممتلكاتهم وترك نساءهم حتى لم يجدوا لقمة عيش، ولا كسوة جلد، ونكل بكل من نطق باسمهم في قصص مشهورة في التاريخ.

الخوف يعم المقربين

والفضل بن الربيع ـ وكان من أبرز الساسة المقربين لهارون ومن أعمدة البلاط ـ يقول في قصة عن مدى خوفه من هذا الخليفة مع شدة قربه إليه:

كنت ذات ليلة في فراشي مع بعض جواريّ، فلما كان نصف الليل سمعت حركة باب المقصورة، فراعني ذلك، فقالت الجارية: لعل هذا من الريح، فلم يمض إلا يسير حتى رأيت باب البيت الذي كنت فيه قد فتح وإذا بمسرور الكبير خادم هارون الخاص قد دخل عليّ فقال لي: أجب أمير المؤمنين ولم يسلم عليّ فيئست من نفسي، وقلت: هذا مسرور ودخل علي بلا إذن، ولم يسلم، فليس هو إلا القتل وكنت جنبا ولم أجسر أن أسأله إنظاري حتى أغتسل فقالت لي الجارية: لما رأت تحيري وتبلدي ثق بالله عز وجل وانهض فنهضت ولبست ثيابي وأنا أرجف خوفا، وخرجت معه حتى أتيت الدار فسلمت على هارون حيث رأيته جالسا في بعض غرف القصر، وهو على فراش نومه فرد علي السلام فسقطت ـ حيث انهارت أعصابي من الخوف ـ فقال:

تداخلك رعب؟ قلت: نعم فتركني ساعة حتى سكنت (إلى آخر القصة).

ويظهر من هذه القصة مدى الخوف والإرهاب والاستهانة بكرامة الإنسان حتى لأقرب المقربين وان كان من أعمدة السلطة، فيدخل رسول من يسمي نفسه بالخليفة على أقرب المقربين إليه وهو نائم في حجرته مع جاريته دون استئذان ويخرجه من بيته نصف الليل بدون أن يأذن له حتى في الاغتسال.

الرعب يحكم الجميع

أما سائر الناس فكانوا يرتجفون كالسعفة من هؤلاء الحكام الظلمة.

فقد نقل أن يحيى بن خالد البرمكي لما قدم إلى بغداد لتدبير عملية قتل الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ـ الذي كان في سجنهم منذ مدة طويلة ـ فوجئ الناس به فاستولى الذعر والخوف، وانتشرت الإشاعات، وترقب الناس الشر.

ويذكر العلامة المجلسي (رحمه الله) في قصة هذا الرجل ما هذا نصه:

ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى أتى بغداد فماج الناس وأرجفوا بكل شيء.

فالناس في بغداد الوسيعة والتي بلغ نفوسها عشرة ملايين كما يقوله المؤرخون يرتجفون خوفا ويموجون ويرجفون بكل شيء من مجيء أحد جلاوزة الخليفة.

وأخيرا.. يبيع دينه!

وقصة أخرى يذكرها أحد جلاوزة هارون وهو (حميد بن قحطبة) يقول: إن هارون لما كان بطوس استدعاه وسأله عن طاعته لأمير المؤمنين؟ فأجاب: إنه يفديه بماله.

ثم أجاب ثانيا: إنه يفديه بماله ونفسه.

وأجاب ثالثا: إنه يفديه بماله ونفسه وعرضه.

وأجاب رابعا: إنه يفديه بماله ونفسه وعرضه ودينه وهنا تهللت أسارير هارون لأنه كان يريد منه ذكر (الدين) وكلما كان يسأله منه ذات مرة ولم يجب بالدين كان يقطب وجهه ويرخصه أن يذهب حيث شاء، فلما ذكر اسم الدين تهلل وجهه، فقال له هارون: خذ هذا السيف وأطع هذا الخادم.

فتناول حميد بن قحطبة السيف وذهب إلى بيت مغلق في وسطه بئر وفي البيت ثلاث غرف مغلقة، فقال له الخادم: افتح هذه الغرفة، ولما فتحها رأى فيها عشرين علويا من ذرية علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم مقيدون بالسلاسل والقيود، فطلب الخادم من حميد بن قحطبة قتلهم وإلقائهم في البئر الذي في وسط البيت ـ وكانت بئرا كبيرة واسعة عميقة ـ فجاء بهم وهم مغللون إلى حافة البئر فجعل يضرب أعناقهم واحدا بعد واحد ويلقي جثثهم ورؤوسهم في البئر.

ثم فتح الغرفة الثانية بأمر الخادم ووجد فيها مثل هذا العدد فأمره بقتلهم ففعل بهؤلاء مثل فعلته بأصحاب الغرفة الأولى.

ثم فتح الغرفة الثالثة وفيها مثل ذلك العدد وأمره بقتلهم ففعل.

ولما أراد أن يقتل آخرهم ـ وهو شيخ كبير السن ـ قال الشيخ له: يا فلان ماذا تقول لجدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قال لك يوم القيامة لماذا قتلت ستين من ذريتي من غير ذنب؟

فارتجف حميد وأراد أن يترك قتله لكن الخادم زجره وقال له: (أطع الخليفة فيه) فقتله أيضا.

الأعمدة المجوفة

كما أن هارون كان يقتل الناس بالسم والسيف وقد قتل الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بعد سجنه ما لا يقل عن أربع سنوات، وإهانته له وتسليمه إلى السندي بن شاهك المجوسي الذي كان من أقسى جلاوزته، فسجن الإمام (عليه السلام) في المطمورة، وجعل على يديه ورجليه وعنقه قيودا ثقيلة حتى أن بعضهم ذكر أن القيود كانت تساوي أربعمائة كيلو غرام، كما أن السندي بأمر من هارون كان يضرب الإمام (عليه السلام) بالسياط بغير جرم ولا ذنب، وإنما كل ذنبه أنه حفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وانه الإمام الشرعي، والخليفة من الله سبحانه وتعالى على الخلق أجمعين، وانه كان مشغولا على الدوام بالعبادة والزهد والفضيلة والتقوى إلى أن سقاه السم وقتله مسموما مظلوما، ثم لم يكتف بذلك وإنما أمر بوضع جثمان الإمام (عليه السلام) بكل إهانة على جسر بغداد ثلاثة أيام وكانوا يصيحون على الجنازة بنداء منكر، لكن لما تحرك الموالون للإمام (عليه السلام) في بغداد وخاف هارون من حدوث اضطرابات في البلاد أمر بعض أقرباءه وهو سليمان بتدارك الموقف (وكان سليمان أيضاً من المجرمين الذين شهدوا فخاً وقاتل الحسين (عليه السلام) وأصحابه وأهل بيته) فجعلوا ينادون بخلاف ما نادوا أولاً قائلين (إلا من أراد أن ينظر إلى جسد الطيب بن الطيب الطاهر بن الطاهر فلينظر إلى جنازة موسى بن جعفر).

وشيعوا الإمام (عليه السلام) باحترام ظاهري حتى دفن (عليه السلام) في مقابر قريش.

وفي لهو هارون ومجونه وزناه وشربه الخمر وقتله للأبرياء ومصادرته للأموال قصص مشهورة مما سودت معه التاريخ.

إحياء رموز الضلال

والغريب في الأمر أن بعض الجاهلين، وبعض العملاء يقدسون أمثال هؤلاء الحكام الجائرين الظالمين الذين لم يأت في تاريخ الدنيا من المجرمين أسوأ منهم إجراما ويسمون المدن باسمهم (كمدينة المنصور) والشوارع بألقابهم (كشارع الرشيد) في بغداد وما أشبه بينما الواجب أن يفضح هؤلاء، وان لا يذكروا إلا بكل سوء يليق بهم.

وهذا يشبه ما فعله عبد الناصر في مصر حيث أحيى فرعون والفرعونية، فرعون الذي حارب الله ورسوله وارتكب الجرائم التي سجلها عليه القرآن الحكيم: (يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم) (القصص: 4).

وما فعله شاه إيران، حيث أحيى المجوسية إلى غير ذلك من أمثال هؤلاء العملاء الذين لم يكن لهم همّ إلا تحطيم الإسلام وإحياء الفرعونية والنمرودية والمزدكية وما أشبه.

الخليفة يقامر ويطالب زوجته بالتعرّي!

وينقل التاريخ أن هارون قامر مع زوجته ذات مرة على شرط أن أيهما غلب فله ما أراد، فغلب هارون فقال لزوجته إني أريد أن تتعري عن جميع ملابسك ثم تمري أمام الجند والحرس والخدم عارية! وكلما أصرت الزوجة على ترك هذا الفعل المنكر والطلب الجنوني أصر هارون على ذلك ففعلت ما أراده هارون!

ومن لم تكن له غيرة على زوجته، حتى أنه يطالبها بمثل هذا العمل الشنيع كيف تكون غيرته بالنسبة إلى سائر أعراض الناس؟!!

العهد الأسود

وفي بغداد كانت المخازي تملأ مجالس هؤلاء الحكام الذين لم يكونوا يخافون الله سبحانه وتعالى ولم يكونوا يراعون شعور الناس.

وقد كثر الفساد في بغداد والفقر والمناوشات والثورات حتى يصح أن يسمى عهد هارون (بالعهد الأسود) على خلاف ما نفخ فيه الغرب وسموا عهده بـ(العهد الذهبي) مغترين بقوله ذات مرة كذبا للسحاب: (اذهب فامطر حيث شئت فإن خراجك في يدي).

ولكن:

أولا: هذه الكلمة كذبة افتراها هارون فهل الأمر كان كذلك؟

وثانيا: هل الملك العريض يدل على شيء من الواقعية والعظمة ـ بَلْهَ الإسلام والإيمان والفضيلة ـ وإلا فلو كانت سعة الملك فإن هولاكو كان له ملك عريض وكذلك ملك جماعة من المجرمين الذين أذاقوا الناس الويلات.

جرائم المأمون

وهذا خليفة آخر هو: المأمون العباسي الذي اقترف من الجرائم والموبقات ما لا يحصى، وكان يقتل الناس بالسم والسيف علنا وسرا، وقد قتل أخاه الأمين، وجعل رأسه على باب داره، وأمر كل من يدخل داره أن يبصق في وجه أخيه الأمين.

وولى المأمون وزارة القضاء رجلا كان معروفا باللواط مع الغلمان حتى قال أحدهم في ذمه:

متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها          إذا كان قاضي المسلمين يلوط

لكن الإنسان المنحرف لا يأتي إلا بالمنحرف.

وقضية قتل المأمون للإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بالسم غدرا وللحسن بن فضل بالسيف مكرا ولغيرهما مشهورة في التواريخ.

المتوكل يستهزئ بأميرالمؤمنين (ع) ويهدم قبر الحسين (ع) 

وهذا خليفة آخر هو المتوكل كان يشرب الخمر ويرتكب الموبقات ويستهزئ بالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عبر مخنثه (عبادة) فكان عبادة يجعل مخدة تحت ثيابه ويمشي في المجلس ويقول مستهزئاً (أنا الأنزع البطين، أنا أمير المؤمنين) استهزاءً بأمير المؤمنين (عليه السلام) وذات مرة نهر ولد المتوكل (عبادة) عن هذا العمل فقال له: (لا تفعل هذا) وأخرجه من المجلس، فقال المتوكل منددا بفعل ولده:

غار الفتى لابن عمه          رأس الفتى في حرامه

انظروا إلى هذا الإنسان الصلف الذي لا يستحي من ذكر عورات زوجته أمام الناس فكيف يكون حال أعراض المسلمين عنده.

وقد هدم المتوكل قبر الإمام الحسين (عليه السلام) في قصة مشهورة بواسطة يهودي من خدمه يسمى (ديزج).

طرق مبتكرة للتعذيب

وقد صنع المتوكل تنورا في داخله أسياخ حادة فكان إذا أراد تعذيب إنسان ألقاه في ذلك التنور وأشعل فيه النار حتى يحترق ذلك الإنسان.

وكان يهيئ أكياسا مغلقة يملأها (بالأفاعي والعقارب)، وعندما كان يجتمع الأشراف والقادة والوزراء والعلماء في المجلس كان يفتح تلك الأكياس ويرمي بالحيات والعقارب على الحاضرين مما يسبب ذعرهم الشديد وفرارهم من المجلس، فيضحك المتوكل ضحكات عالية.

يُحضِر الإمام الهادي (عليه السلام) في مجلس خمره!

وقد أحضر الإمام الهادي (عليه السلام) في مجلس خمره وقال للإمام (عليه السلام) إشرب الخمر، لكن الإمام (عليه السلام) أبى وامتنع فقال للإمام (عليه السلام): أنشدني الشعر (وكان يقصد أن يقرأ الإمام أشعار اللهو) لكن الإمام (عليه السلام) قرأ له أبيات جده علي بن أبي طالب (عليه السلام) تعريضا به وبمجلسه وجلاوزته:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهـــم          غلب الرجــال فلــــم تنفعهم القلل

واستنزلوا بعد عز عن معاقلهـــم          واسكنوا حفـــراً يا بئس ما نزلوا

ناداهم صائح من بعد ما دفنـــــوا          أيـــــن الأسرّة والتيجــان والحلل

أين الوجوه التي كانت منعمـــأـــة          مـن دونها تضرب الأستار والكلل

فافصح القبر عنهم حين ساءلهـم          تلك الـــــوجوه عليها الـدود ينتقـل

يا طالما أكلوا دهـرا وقد شربـــوا          فأصبحوا بعد طـول الأكل قد أُكِلـوا

إلى آخر الأبيات.

الإسلام من هؤلاء براء

وهكذا سطّر هؤلاء المجرمون الذين كانوا يسمون أنفسهم بـ(الخلفاء) سطورا سوداء في التاريخ، فظن كثير من الناس أن هذا هو الإسلام وأن عملهم مما يرضاه الإسلام، بينما عرف أصحاب البصائر أن هؤلاء منحرفون عن الإسلام وانهم قفزوا على الحكم ظلما واعتداءً، وان الإسلام ليس إلا دين (الشورى) و(العدل) و(العمل) و(النزاهة).

ولذا قال أحد الشعراء مقارنا بين العباسيين والعلويين ـ أصحاب الحق الشرعي ـ :

منكم علية أم منهــــــم؟ وصاحبكــــــم          شيخ المغنيين إبراهيـــــم أم لهم

تبدو التلاوة مـــن أبياتهــــــم سحــــرا          ومن بيوتكـــــم الأوتار والنغــــــم

ليس الرشيــد كموسى في القياس ولا          مأمونكم كالرضا أن أنصف الحكم

وقد اتفق أن مات أحدهم وقام آخر مكانه فلما أخبر أحد الشعراء بذلك أنشد هذين البيتين:

الله أكبر لا صبر ولا جلـــــد          ولا عزاء إذا أهل البلا فقدوا

خليفة مات لم يحزن له أحد          وآخر قام لـم يفرح به أحـــد

جنايات العثمانيين

وعلى سنن أسلافهم سار الخلفاء العثمانيون، فقد أشاعوا القتل، والتنكيل، والتعذيب والاستهتار بحقوق الناس، وسجن الأبرياء، وتعذيبهم ومصادرة الأموال وما قصة (جمال السفاح) في سوريا ولبنان ببعيدة عن الأذهان.

وكانت قصورهم تموج بالقيان والحظايا والنساء ومن أشبه.

وقد قتل خليفة عثماني في موقعة واحدة أربعين ألف إنسان ظلما واعتداءً لمجرد أنهم يخالفونه في العقيدة والمذهب.

كما كانوا يقتلون العلماء، وقضاياهم في العراق معروفة حيث قتلوا الناس في كربلاء والنجف والحلة وسبوا النساء المسلمات وهتكوا أعراضهن وأسروهن إلى غير ذلك من الموبقات.

الأمة تتخلى عن الحكام

وقد كانت هذه الجرائم وأمثالها هي السبب في تحطم الخلفاء العثمانيين أمام هجمة غربية واحدة كما كانت السبب في سقوط الإمبراطورية الأموية بهجمة من المسلمين ـ في قصة أبي مسلم الخراساني ـ وكذلك كانت وراء سقوط العباسيين عندما زحف عليهم المغول، فالأمة كانت مشمئزة من هؤلاء الحكام، وكانت تنتهز الفرص للإنقضاض عليهم والتخلص منهم، فلما سنحت الفرصة لم يساعدهم المسلمون، فسقطوا كالورق اليابس في عواصف الخريف.

ضرائب باهظة

وقد كان هؤلاء الحكام يأخذون الضرائب المرهقة من الناس.

مثلا: كانوا الأمويون يأخذون (الجزية) من الذين أسلموا بالإضافة إلى أخذ (الزكاة) منهم.

وكان العباسيون ينهبون الناس مهما وجدوا إلى ذلك سبيلا وقد ذكر أبو الفضل البيهقي في تاريخه: أن هارون أرسل علي بن عيسى بن ماهان إلى خراسان، فشدد هذا الوالي على الناس في أخذ الضرائب، حتى هيأ ذات مرة هدية كبيرة لهارون هي عبارة عن ألف غلام تركي، بيد كل واحد جامان ملونان من افضل معادن ذلك اليوم، مع الاستبرق والحرير، وراء الغلمان ألف جارية من أفضل النساء وأجملهن، بيد كل واحدة جام ذهب مملوء من المسك والكافور والعنبر وأصناف العطور، ووراءهن ألف عبد هندي، ومائة وصيفة هندية، ووراءهن مائة عبد هندي، ومائة وصيفة هندية في غاية الجمال، مع هدايا وتحف، ومع هذا الموكب خمسة من الفيلة العظام الذكور، واثنان من الفيلة الإناث، وكلها مرصعة بالجواهر والذهب والأحجار الكريمة ووراءها مائة فرس خراساني ملبسة بالديباج، وعشرون عقابا، وعشرون كركسا، وألف جمل ملبسة بالديباج والإبريسم: ثلاثمائة منها مع المحامل ومع كل ذلك خمسمائة ألف وثلثمائة من أقسام البلور، ومائة بقرة وعشرون عقدا من أثمن الجواهر، وثلاثمائة ألف قطعة من اللؤلؤ ومائة عدد من الأواني البلورية لم تر مثلها عين، وألف قطعة بلورية أخرى من الجنس الرفيع، وخوابي كبيرة وصغيرة من البلور وغيره، وثلاثمائة قسم آخر من البضائع الثمينة، ومائتا معمل لصنع السجاد ومائتا معمل أخر محفورة!

وبهذه الكيفية ورد هذا الموكب بغداد، وكان هارون خارج بغداد لاستقبال الهدية وكان معه وزراءه وجلاوزته وضباطه وقواده والجيش، ولما رأى الناس هذا الموكب الهائل من الهدايا المبعوثة من قبل والي خراسان أخذوا يكبرون، ودقت الطبول وكان يوما مشهودا!!

النهب المنظم!

وقد جاء في كتاب (مواطنون لا رعايا) أنه: شرع السلطان سليم لأبنائه وحفدته انتهاب الشعوب، فإن جرجي زيدان يحدثنا في كتابه (تاريخ مصر الحديث): أن هذا السلطان بعد فتحه القاهرة والإسكندرية وحين أزمع الرجعة إلى بلاده نقل معه ألف جمل محملة ذهبا وفضة وأشياء أخرى وتولى الخلافة بعده ابنه السلطان سليمان فأعلن في فرمان رسمي: إنه المالك الحر لجميع أرض مصر، ووزعها إقطاعات على مزارعين دعاهم (الملتزمين) نظير خراج باهض، وكانت الرشوة طريق الوصول إلى قلب السلطان وكان الباشا الذي يريد خيراً بالشعب ويقنع بالإيراد العام ويجعل الغلبة في مجالسه للعدل يجذب على نفسه سخط مليكه، كان الباب العالي يطلب الرشوة من ولاته، وولاته يقتسرونها من الجماهير الجائعة وكانت عملة متداولة مشروعة.

الوالي يقاسم اللصوص

وينقل أن علي باشا الصوفي أحد ولاة السلطان سليمان كان يقاسم اللصوص سرقاتهم نظير حمايتهم مما أغرى الدهماء والخطرين بأمن الناس، وكان الخلفاء يبيعون المناصب جهرة، فيحدثنا عبد الرحمن الرافعي في كتابه (تاريخ الحركة القومية) ناقلا عن فلان: أن تاريخ مصر من منتصف القرن السابع عشر إلى آخره مليء: بتعاقب الباشوات الأتراك على ولايتها، فكان الواحد منهم يشتري منصب الولاية من ديوان الآستانة، ويظل الباشا في منصبه لا عمل له إلا جمع المال واستصفائه من أهله بمختلف وسائل النهب حتى يغادر منصبه، وبهذا نرى أن الحكام الأتراك الذين يقاسمون اللصوص نظير حمايتهم ورعايتهم والذين يرشون ويرتشون في وضح القانون كانوا أساتذة علموا هذا الشعب المطيع السمسرة والرشوة الحرام.

هكذا أمر الإسلام

سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) :

ولنقس أمثال هذه القضايا بقضايا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام).

فقد كانا يجمعان المال من الموارد الأربعة فقط: (الخمس) و(الزكاة) و(الجزية) و(الخراج) لا أكثر وكان الجمع بمنتهى اللطف واللين.

والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبن لنفسه دارا إلا الغرف التي بناها حول المسجد لنسائه من الطين ونحوه وعلي (عليه السلام) لم يضع حجرا على حجر كما ورد في الروايات، وكان يرتجف في الليل الشاتي من البرد، كما أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يشد على بطنه الحجر من شدة الجوع.

ولما توفي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مدينا ثمانين ألف درهم كما أنه لما استشهد علي (عليه السلام) كان مدينا ثمانمائة ألف درهم كما ورد في الروايات.

أمير المؤمنين (عليه السلام) يوصي الجباة

وإليكم ما يرويه محمد بن الحسين الرضي (رحمه الله) في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصية كان (عليه السلام) يوصي بها لمن يستعمله على الصدقات، فكان يكتب إليهم: (انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تروعن مسلما، ولا تجتازن عليه كارها، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله، فإذا قدمت على الحي فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امضي إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم، ولا تخدج التحية (أي لا تسلم سلاما ناقصا وسلام كبرياء، وإنما سلام تواضع) ثم تقول: عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم فهل في أموالكم من حق تؤدوه إلى وليه؟ فإن قال قائل: لا، فلا تراجعه، وان أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخفيه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه، فخذ ما آتاك من ذهب أو فضة، فإن كانت له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه، فإن أكثرها له، فإذا أتيتها فلا تدخلها دخول متسلط عليه ولا عنيف به، ولا تمصّرن بهيمة ولا تفزعنها ولا تسوءن صاحبها فيها، ثم اصدع المال صدعين، ثم خيره، فإن اختار فلا تعرضن إلى اختياره، ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره فإن اختار فلا تعرضن لما اختار، ولا تزل كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله فاقبل حق الله منه، فإن استقالك فأقله ثم اخلطهما ثم اصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حق الله في ماله ولا تأخذن عورا ولا هرمة ولا مكسورة ولا مهلوسة ولا ذات عوار، ولا تأمنن عليها إلا من تثق بدينه رافقا بمال المسلمين حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم، ولا توكل بها إلا ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا غير معنف ولا مجحف ولا مغلب ولا متعب ثم أحدر إلينا ما اجتمع عندك نصّيره حيث أمر الله به، فإذا أخذها أمينك أوصى إليه أن لا يحول بين ناقة وبين فصيلها، ولا يمصّر لبنها فيضر ذلك بولدها، ولا يجهدنّها ركوبا، وليعدل بين صواحبها في ذلك وبينها، وليرفه على اللاغب، وليستان بالنقب والضالع، وليوردها ما تمر به من المياه ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جواد الطرق، وليروحها في الساعات الحارة وليمهلها عند النطاف وبالأعشاب حتى تأتينا بها بإذن الله بدنا غير متعبات ولا مجهودات، لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن ذلك أعظم لأجرك وأقرب لرشدك إن شاء الله)(2).

فانظروا كيف كان الإمام (عليه السلام) يأخذ الصدقات من الناس؟

وكيف كان يوصي حتى بالحيوان؟

وفي رواية أخرى يرويها رجل من ثقيف استعمله الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على بعض البلاد قال (عليه السلام) له في جملة وصيته له: إياك أن تضرب مسلما أو يهوديا أو نصرانيا في درهم خراج، أو تبيع دابة عمل في درهم فإنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو(3).

الرسول (صلّى الله عليه وآله) يأمر الجباة بالرفق

وقبل ذلك كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يسهل مع الناس في الحقوق، فقد روى علي (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى أن يحلف الناس على صدقاتهم وقال: (هم فيها مأمونون)(4).

ونهى أن يثنى عليهم في عام مرتين وانه لا يؤخذ بها في العام إلا مرة واحدة، ونهى أن يغلب عليهم في أخذها منهم وان يقهروا على ذلك أو يضربوا أو يشدد عليهم أو يكلفوا فوق طاقتهم، وأمران لا يأخذ المصدق منهم إلا ما وجد في أيديهم، وان يعدل فيهم.

توصيات متكررة

وفي رواية أخرى، عن علي (عليه السلام)، أنه أوصى مخنف بن سليم الأزدي وقد بعثه على الصدقة بوصية طويلة أمره فيها:

بتقوى الله تعالى ربه في سرائر أموره وخفيات أعماله، وان يلقاهم ببسط الوجه ولين الجانب، وأمره أن يلزم التواضع ويجتنب التكبر فإن الله تعالى يرفع المتواضعين ويضع المتكبرين، وقال له: (يا مخنف بن سليم أن لك في هذه الصدقة حقا ونصيبا مفروضا، ولك فيها شركاء فقراء ومساكين وغارمون ومجاهدون وأبناء سبيل ومملوكون ومتألفون، وأنا موفوك حقك، فوفهم حقوقهم وإلا فإنك من أكثر الناس يوم القيامة خصما وبؤسا لأمرء خصمهم مثل هؤلاء)(5).

وفي رواية أخرى عن علي (عليه السلام) أنه كان يقول: (تؤخذ صدقات أهل البادية على مياههم ولا يساقون ـ يعني من مواضعهم التي هم فيها ـ إلى غيرها)(6).

وقال (عليه السلام): (وإذا كان الجدب أخروا حتى يخصبوا)(7).

 

1 ـ بحار الأنوار: ج39، ص291.

2 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج3، ص23.

3 ـ وسائل الشيعة: ج6، ص90.

4 ـ مستدرك الوسائل: ج7، ص42.

5 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج3، ص26.

6 ـ مستدرك الوسائل: ج7، ص71.

7 ـ المصدر السابق.