الفهرس

فهرس الفصل الثامن

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

العامل الثامن

عدم إرضاء الناس

إن كثيراً من المنظمات والأحزاب والجمعيات وما إليها تتكلم وتعمل باسم الناس بينما الناس لا يرضون بذلك.

أولاً: لأجل أنها لا تأخذ آراء الناس، بل آراء حزبها وجماعتها على أحسن فرض، والناس لا يحتاجون إلى السادة بل إلى المستشيرين، فإذا لم تأخذ الأحزاب بآراء الناس فلن يقبلوا أن تتكلم هذه الاحزاب باسمهم وتعمل باسمهم، ولذلك تحدث الفرقة بينها وبين الناس.

وثانياً: لأجل أنها إذا حصلت على مكسب فإنها تستبد بالأرباح ولا تشرك الناس فيه، سواء كان الربح مادياً أو معنوياً، والناس يريدون أن يتكلم باسمهم من يشركهم في الربح أيضاً.

ثالثاً: لأجل أنها منفصلة عن الشعب ـ حتى إذا قسمت الأرباح واتّبعت آراء الناس ـ فالناس بحاجة إلى من هو منهم لا من هو غريب عليهم.

الرسول (صلّى الله عليه وآله) يرضي الجميع

ولذا نرى في سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه كان يستشير الناس، لا طليعة القوم فقط بل وكافة الذين كانوا يتبعونه ويدخلون في الإسلام، سواء كانوا من قدماء المسلمين، أو جددهم، مهاجرين أو أنصاراً أو غيرهم، ثم إذا حصل ربح قسمه (صلّى الله عليه وآله) بين الجميع ولم يكن يستبد بالربح أو يجعل الربح لجماعة دون جماعة أو لطليعة القوم فقط، بالإضافة إلى أنه (صلّى الله عليه وآله) كان من الناس وإلى الناس، ولذا كان الناس ينضوون تحت لوائه وكانوا يتبعونه وبذلك أيضاً استطاع أن يقدم المسلمين إلى الأمام.

قصتان من السيرة النبوية

وقد ضرب النبي (صلّى الله عليه وآله) رقماً قياسياً في إرضاء جميع الناس وتقسيم الغنائم بين الجميع والاستشارة من الجميع ولنقرأ هاتين القصتين:

أن أعرابياً جاء إلى رسول الله يستعينه في شيء قال عكرمة أراه في دم، فأعطاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئاً ثم قال أحسنت إليك؟ قال الاعرابي: لا ولا أجملت، فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه، فأشار النبي (صلّى الله عليه وآله) إليهم أن كفوا، فلما قام النبي (صلّى الله عليه وآله) وبلغ إلى منزله دعا الاعرابي إلى البيت، فقال له: إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت، فزاده رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئاً فقال: أحسنت إليك؟ فقال الاعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشير خيراً.

فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله): إنك كنت جئتنا فأعطيناك فقلت ما قلت وفي نفس أصحابي عليك من ذلك شيء فاذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بي يدي حتى يذهب عن صدورهم، قال فلما جاء الاعرابي قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي أكذاك قال الاعرابي نعم فجزاك الله فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): (ان مثلي ومثل هذا الاعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً. فقال صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها وأعلم بها فتوجه إليها صاحب الناقة فأخذ لها من قُمام الأرض ودعاها حتى جاءت واستجابت وشد عليها رحلها واستوى عليها ولو أني أطعتكم حيث قال دخل النار)(1).

ففي هذه القصة نرى أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يترك حتى أعرابياً يسخط عليه، وإنه لما رضى الأعرابي عنه قال له (صلّى الله عليه وآله): إذهب إلى أصحابي وقل لهم: إني رضيت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى يعرف الأصحاب إنه ليس هناك من ساخط ـ ولو واحد ـ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وفي قصة ثانية رواها الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رأى في بعض طريقة جارية قاعدة تبكي، فقال لها النبي (صلّى الله عليه وآله): ما شأنك؟

فقالت: يا رسول الله إن أهلي أعطوني أربعة دراهم لأشتري لم بها حاجة فضاعت فلا أجسر أن أرجع إليهم.

فأعطاها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أربعة دراهم وقال: ارجعي إلى أهلك.

ومضى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثم رجع وإذا بالجارية قاعدة على الطريق تبكي فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله): مالك لا تأتين أهلك؟

قالت: يا رسول الله إني قد أبطأت عليهم وأخاف أن يضربوني.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): مرّي بين يدي ودليني على أهلك.

فجاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى وقف على باب دارهم ثم قال: السلام عليكم يا أهل الدار، فلم يجيبوه فأعاد السلام فقالوا: عليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.

فقال لهم: ما لكم تركتم إجابتي في أول السلام والثاني؟

قالوا: يا رسول الله سمعنا سلامك فأجبنا أن تستكثر منه، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إن هذه الجارية أبطأت عليكم فلا تؤاخذوها.

فقالوا: يا رسول الله هي حرة لممشاك يا رسول الله(2).

وهكذا نرى أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع تمكنه من أن يرسل بعض أصحابه لأجل حل القضية ذهب بنفسه لأجل ذلك.. فهو القائد الشعبي إلى أبعد الحدود..

إذاً فمن الواجب على الذين يريدون الوصول إلى الهدف النهائي ـ وهي حكومة ألف مليون مسلم ومن ورائها إنقاذ العالم من براثن المشكلات ـ أن يسلكوا هذا الطريق الذي سلكه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسلكه علي (عليه السلام).

 

1 ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج9، ص16.

2 ـ بحار الأنوار: ج16، ص215.