الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الثالث

السلم والسلام في الاقتصاد

التطرف والإرهاب الاقتصادي
شمولية الاقتصاد الإسلامي
تطور الشريعة الإسلامية
التطرف الاقتصادي
الإرهاب الاقتصادي
دور التكافل الاجتماعي في تكامل السلام الاقتصادي
التعريف النظري والإجرائي لمفهوم الضمان والتكافل الاجتماعي
أصل قوانين الغرب في الضمان والتكافل الاجتماعي
أبعاد التكافل الاجتماعي في الشريعة
فوائد التكافل الاجتماعي على المجتمع
مفهوم التكافل الاجتماعي في روايات أهل البيت (عليهم السلام)
موارد التكافل الاجتماعي ومستحقيه
صور من التكافل الاجتماعي الإسلامي
التكافل بين الفرد ونفسه
التكافل الأسري
التكافل في المجتمع
ذم التطرف في جمع الأموال والثروة
ظلامات أبي ذر الغفاري (رحمه الله)
أسباب دعوة أبي ذر (رحمه الله) إلى مبدأ الإنفاق في سبيل الله
السلام والعدالة في حقوق الملكية الفردية
الملكية الفردية في الشريعة الإسلامية
الشروط التي وضعها الإسلام حول الملكية الفردية
نظرة الإسلام الاقتصادية في القضاء على الفقر
تعريف الفقر
مفهوم الفقر في روايات أهل البيت (عليهم السلام)
عوامل نشوء مشكلة الفقر وأسبابها
الحلول الإسلامية للقضاء على الفقر
مسائل في السلم والسلام الاقتصادي

 

التطرف والإرهاب الاقتصادي

مسألة: يحث الإسلام على السلم والسلام الاقتصادي، ويمنع من التطرف والإرهاب في هذا الباب.
ربما يقال: إن المواضيع التي تبحث في مجال الاقتصاد واضحة، فمنها على سبيل المثال الأمور المتعلقة بالعمل والإنتاج والتوزيع وغيرها من هذه المسائل المعروفة، وإذا كانت كذلك فما المراد بهذا المصطلح (السلم والسلام الاقتصادي) وهل يعني هذا أن هناك تطرفاً وإرهاباً اقتصادياً؟.

شمولية الاقتصاد الإسلامي

وقبل الجواب نشير إلى ملاحظة مهمة وهي أن الدين الإسلامي كامل بتمام معنى الكلمة، وفي كل مجالات الحياة ومنها الاقتصاد، فمن يزعم بأن الإسلام ليس فيه قانون اقتصادي متكامل فهو غير صائب.
إن الشريعة الإسلامية فيها نظرية متكاملة وأجوبة تامة لجميع المسائل الاقتصادية، وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) عن الشريعة: »فيها كل ما يحتاج الناس إليه وليس من قضية إلا وهي فيها حتى أرش الخدش«(1).
وقد ذكر الفقهاء في الفقه الإسلامي ما يقارب خمسين نوعاً من الموضوعات المرتبطة بشؤون الاقتصاد، بيعاً وشراءً ومضاربة وتجارة وإجارة وشراكة ومزارعة وغير ذلك، كما إنهم ذكروا المحرمات الاقتصادية التي ذكرها الإسلام، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك في كتاب (الفقه: المكاسب المحرمة)(2) و(الفقه: آداب المال)(3).

تطور الشريعة الإسلامية

ثم إن الشريعة الإسلامية قابلة للتجديد والتطوير، وصالحة لكل زمان ومكان، وهذا لا يعني أن الدين الإسلامي يتطور أو يتغير عبر مرور التاريخ في قواعده العامة الأساسية، وإنما التطور والتغيير والتجديد يكون في جزئيات هذه القواعد ومصاديق أصولها، أي إن الإسلام لـه قواعد عامة تنطبق على الجزئيات سواء كانت تلك الجزئيات في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) أم حدثت بعد ذلك، أو ستحدث في المستقبل.
وعلى سبيل المثال: ما شرعه الإسلام من قواعد في مجال التجارة كما في قوله تعالى: (وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا((4).
وقوله سبحانه: (تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ((5).
وقوله تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ((6).
وقوله سبحانه:(أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ((7).
وهذه عبارة عن أصول وقواعد كلية عامة، وهي لا يمكن أن تتغير، فلا يمكن أن يأتي زمان (يحرم فيه البيع ويحل الربا)، أو (تحرم التجارة مع الرضا وتحل التجارة بدون الرضا) أو (يجوز أكل المال بالباطل) أو (لا يجب الوفاء بالعقود اللازمة).
وأما الجزئيات والفروع ـ المصاديق ـ فيمكن أن تكون موضوعاً جديداً للحكم الشرعي ومصداقا للقاعدة الكلية، وقد يتغير الحكم باختلاف الموضوع وتغيره، على سبيل المثال في مجال بيع الطائرة فهي لم تكن في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا وجدت حل بيعها، وأما اختلاف هذا الحكم كما لو بيعت من دولة محاربة للإسلام وكان من بيع السلاح للأعداء فيتغير حينئذ الحكم ويتحول إلى الحرمة.
أو مثلاً البنك فلم يكن في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنك كما هو اليوم في زماننا، فإذا اعتمد النظرية الإسلامية في معاملاته فيجوز التعامل معه، وأما إذا كان ربويّاً فالحكم هو تحريم التعامل معه لما تعاطاه من الربا المحرم.
ومن هنا نعرف أن الشريعة الإسلامية قابلة للتطبيق في كل تجديد وتطوير، وصالحة لكل زمان ومكان، عبر التطور والتغيير والتجديد في جزئيات القواعد الكلية العامة. وفي الجواب على السؤال المتقدم نقول: نعم هناك تطرف وإرهاب اقتصادي، على التفصيل التالي:

التطرف الاقتصادي

التطرف الاقتصادي له أنواع كثيرة ونذكر منها نوعين:
الأول: تطرف بعض المسلمين ـ كما في التاريخ الإسلامي ـ في الجانب الاقتصادي ممن حُسبوا على الإسلام وليس هم منه ولا يمثلونه.
الثاني: تطرف غير المسلمين، ويتمثل في النظريات الاقتصادية غير الإسلامية، كالاشتراكية والرأسمالية والشيوعية وما أشبه.
فهناك تطرفات للمذهب الرأسمالي والماركسي في المسائل الاقتصادية ومن أبرزها ما يرتبط بالملكية الفردية، وهي من أهم المسائل الاقتصادية التي لازالت رحى الصراع تدور عليها بين أتباع المذهب الرأسمالي والاشتراكي.
وسيأتي الحديث عن ذلك خلال هذه الصفحات بإذن الله تعالى.

الإرهاب الاقتصادي

وأما الإرهاب الاقتصادي فيمثله الغرب والدول الاستعمارية ضد دول العالم وخصوصاً الإسلامية منها وهو حقيقة لا يمكن إنكارها.
ومصاديق هذا الإرهاب كثيرة ومنها: التجسس الذي تقوم به الدول الاستعمارية على ثروات الشعوب المسلمة من أجل نهبها واستغلالها واحتكارها والسيطرة عليها، وعلى معاملاتها التجارية، وذلك من خلال وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت وغيره من الوسائل المتطورة، كما يتم التجسس عبر عملائهم في الحكم.
ومنها: القيام بالأعمال السياسية التي يراد بها الإرهاب الاقتصادي، كحصار الشعوب المستضعفة والتحكم في ثرواتها ومنعها من استثمار خيرات بلادها، وكالقضاء على الشركات الكبيرة والمنع من تأسيسها أو استمرارها، وتخريب البنية التحتية للبلاد، والبرمجة الدقيقة لهجرة رأس المال إلى الغرب، وما أشبه هذه الأمور.
وكل ذلك كي يصل الاستعمار إلى النتيجة التي يسعى إليها وهي القضاء على المنابع المالية للشعوب الإسلامية وتجفيفها، وهذا ما لاحظناه في إيران والعراق، وفي الحقيقة إنها مؤامرة أريد منها تدمير الشعب وليس الحكومة.
ومنها: ما نراه من الفوائد التي تفرضها الدول الكبرى لقاء إعطاء قرض طويل الأجل أو لمدة معينة مما يثقل كاهل الدولة والشعب بزيادة الفائدة المرتفعة عبر مرور الوقت.
ومنها: عدم إعطاء بعض الدول الغنية القروض والمساعدة إلا بعد إعلان الدولة المقترضة بأنها تابعة لها في سياستها أو في غيرها من المجالات المختلفة.
ومنها: ما عرف الآن عالميا بمنظمة التجارة العالمية وهي مؤسسة وضعت من أجل خدمة الاستعمار الغربي والأمريكي وذلك لأجل السيطرة على الاقتصاد العالمي وجعله مسيراً من قبل دول محدودة(8).
وهذه الأعمال وغيرها من النهب والسلب واحتكار الثروة وما أشبه، هي التي كانت سبباً في إيجاد أكثر من ألف مليون جائع في عالم اليوم(9)، وموت مليون طفل جوعاً بسبب عدم العناية الصحية في كل عام، وكذلك هي السبب في بث الرعب والقلق والخوف في النفوس.
وقد عقدوا المؤتمرات الدولية واستغلوا الإعلام العالمي لمسائل اختلقت لهذا الشأن ومنها مثلاً المشكلة السكانية في العالم وأنها تهدد مستقبل العالم وتنذر بانفجار سكاني لا يعرف مصيره ولا تعلم عواقبه، فتعقد لأجلها المؤتمرات وتبحث فيها مسائل كثيرة ومنها تحديد النسل وعلاج المشكلة الاقتصادية التي تعاني منها!.
والحقيقة أن المال متوفّر بقدر ما يخلق الله سبحانه وتعالى من البشر، وما من نفس تخلق إلا وحدد لها من الرزق مدة وجودها في الدنيا كما قال سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُم إنّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً((10).
وقال أيضاً: (وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَوْلاَدَكُمْ مّنْ إمْلاَقٍ نّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ((11).
إضافة إلى ذلك إن العلماء ذكروا أن الكرة الأرضية قابلة لأن يسكنها مائتا مليار من البشر أي أربعون مرّة ضعف هذا البشر المتواجد عليها فإن فيها ما يكفيهم للعيش والرزق والسعادة.
إلا أن الشيء الذي سبّب فقر خمس البشر في الحال الحاضر هو القوانين الوضعية التي كلها مخالفة لصريح الإسلام والعقل، أما إذا رجع الإنسان إلى قوانين الإسلام فإنه يتمكن من أن يعيش على الأرض بكل رفاه وسلام.
وكانت هذه بعض العناوين المتعلقة بالأعمال الإرهابية التي تتعلق بالجانب الاقتصادي، كما أن منها الجمارك والمكوس والضرائب الباهضة والاحتكار وتجارة الجنس والدعارة، وتجارة المخدرات، ووضع القوانين التي تمنع الإنسان من حيازة المباحات، ومن التجارة الحرة والاستيراد والتصدير، وسرقة أموال الشعوب وإفقار الأمة، و...
وهنا لابد من مقابلة هذا الإرهاب والوقوف بوجهه ولكن ليس بإرهاب اقتصادي مضاد وإنما عبر مواجهته بالطرق السلمية، وعبر الرجوع إلى القوانين الفطرية التي وضعها الإسلام في المجال الاقتصادي.
ولهذا اصطلح على موضوعات هذا الفصل بهذا العنوان: (السلم والسلام الاقتصادي) ولعله لم يستخدم هذا المصطلح كثيراً، وهو يتحدث عن بعض جوانب النظرية الاقتصادية بالمعنى الأعم في الإسلام التي تؤدي إلى السلام الاقتصادي.
وكما هو واضح فإن هذا الكتاب لم يخصص للحديث بصورة مفصلة عن هذا العنوان أو الخطوط العامة لهذا الموضوع ـ إذ لم نتعرض للمسائل الاقتصادية العلمية الهامة كالحديث عن البنك الإسلامي أو الإنتاج والتوزيع أو المقارنة بين المذهب الاقتصادي الإسلامي والمذاهب الأخرى إلا بقدر الإشارة ـ لأن الحديث عن السلام الاقتصادي واسع جداً ولا يمكن أن يحيط كتاب بتفاصيله، وسيكون الحديث عن جملة من الموضوعات المتفرقة من خلال النظرية الاقتصادية الإسلامية التي تدخل ضمن هذا العنوان بقدر ما تسمح به صفحات هذا الكتاب، ومن أراد الإطلاع على هذه المسائل بصورة مفصلة فعليه الرجوع إلى:
(الفقه: الاقتصاد) و(الفقه: التجارة) و(الفقه: المكاسب المحرمة) و(الفقه: البيع) وغيرها من الكتب(12) التي فصلنا الحديث فيها عن المسألة الاقتصادية وما وضعه الإسلام من حلول لمشاكلها.
وأما المواضيع التي اختيرت للبحث في هذا الفصل فهي أربعة:
1: دور التكافل الاجتماعي في تكامل السلام الاقتصادي
2: ذم التطرف في جمع الأموال والثروة
3: السلام والعدالة في حقوق الملكية الفردية
4: نظرة الإسلام الاقتصادية في القضاء على الفقر
هذا مضافا إلى قانون الحريات الاقتصادية في الإسلام، والتي تشمل كل جوانب الحياة إلا المحرم منها، وهي بدورها تضمن سلامة الاقتصاد في المجتمع، على تفصيل ذكرناه في محله.
وهذه الموضوعات الأربعة هي من أهم المواضيع الاقتصادية التي لها علاقة وطيدة وأكيدة في عملية السلام الاقتصادي والاجتماعي، لأن عدم العمل بها وفق النظرية الإسلامية يؤدي إلى وقوع الاقتصاد والمجتمع في اضطرابات كثيرة وبالتالي ارتكاب الجرائم وإيجاد الطبقية، إذ كل واحد من هذه الموضوعات يخلق مشاكل معينة في الاقتصاد وكذلك في الجانب الاجتماعي، لأن الأمور المالية لها علاقة وثيقة بالاجتماع ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
قال تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً}(13).
وفي هذه الآية الكريمة يعبر تعالى عن المال بالقيام، فإن قيام المجتمع بالمال. ومن هنا أراد الإسلام باقتصاده الصحيح القيام للمجتمع.

1 دور التكافل الاجتماعي في تكامل السلام الاقتصادي

التعريف النظري والإجرائي لمفهوم الضمان والتكافل الاجتماعي
من المصطلحات التي لها علاقة وثيقة بعلم الاقتصاد: الضمان والتكافل الاجتماعي، والأول: هو يعني أن الدولة تقوم بمعونة المحتاجين وهو ما يعبر عنه بالضمان الاجتماعي وهو من المصطلحات الحديثة.
وأما التكافل الاجتماعي فهو الذي يقوم به أفراد المجتمع وهو عبارة عن إعطاء القادر والمتمكن إلى من هو بحاجة للعطاء والمساعدة.
وهناك فرق آخر بين المصطلحين، فالأول خاص إذ يشمل الأمور المادية فقط ويصدر عن جهة واحدة، وأما الثاني عام ويشمل الحاجات المادية والمعنوية وهو لا يصدر من جهة واحدة فحسب وإنما يشترك فيه جميع أفراد المجتمع، وسمّي التكافل تكافلاً لأنه بين اثنين من باب التفاعل، سواء كان بين مجموعة كما يقال: تكافل القوم أي كفل بعضهم بعضا، أو بين طرفين حيث يكفل كلٌ طرفه، أو كان الطرفان في شخص واحد كالطبيب الذي يعالج نفسه فهو معالِج (بصيغة الفاعل) ومعالَج (بصيغة المفعول).
وقد يصطلح على التكافل بالتضامن وهو التزام القوي أو الغني معاونة الضعيف.
ويمكن أن يكون مصطلح التكافل عاماً وشاملاً، أي يكون جنساً ولـه مصاديق متعددة، ومنها أنه يشمل كما ذكرنا المادية والمعنوية، ومن المادية الضرائب المالية الإسلامية كالخمس والزكاة لأنها تتكفل بمعيشة المحتاج وتقوم حياته، ويشمل أيضاً الإنفاق الذاتي الذي يقوم به الإنسان في إحسانه للغير كالأموال التي تبذل لتقوية أواصر صلة الرحم وقرى الضيف وإغاثة الملهوف وإشباع الجائع وهو المقصود في هذا الفصل، وهذا العطاء هو من الحقوق المالية التي أولته الشريعة الإسلامية اهتماما عظيماً.

أصل قوانين الغرب في الضمان والتكافل والاجتماعي

وهنا ملاحظة مهمة حول التكافل الاجتماعي في الإسلام وهو أنه ينبع من ضمير الإنسان وأعماقه ولا يفرض عليه من الخارج عبر قوانين وضعية كما هو في الغرب، وذلك لأنه يتربى على هذا النمط من المسؤولية، فهناك المئات وربما الآلاف من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وروايات العترة الطاهرة (عليهم السلام) التي ترشد الإنسان إلى البذل والإنفاق وتحثه على الكرم والعطاء، سواء في الحقوق الشرعية الواجبة أو التي ندب إليها الإسلام.
هذا أولاً، وثانياً: هناك التشريع الحكيم الذي يتلاءم مع فطرة الإنسان فيما فرض عليه من الضرائب كالخمس والزكاة وغيرها من أجل سعادة أخيه الإنسان في الجانب المعيشي.
وقد شرعت بعض دول العالم المتحضر بعض القوانين التي تتعلق بالضمان الاجتماعي، وواقع تلك القوانين وأصلها يرجع إلى الإسلام ومأخوذ منه، وقد نادى بها الإسلام وطبقها قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، هذا بالإضافة إلى أن تطبيق الغرب لها لا يرقى إلى مستوى تطبيق الإسلام.
ومن ذلك على سبيل المثال: ما فرضه الإسلام على الدولة من حقوق للفقير والمريض والأرملة والعاجز وإن لم يكونوا مسلمين، وقد ورد في (وسائل الشيعة) في كتاب الجهاد أن أمير المؤمنين (عليه السلام) جعل في بيت مال المسلمين حقاً للنصراني العاجز المكفوف قائلاً: »ما أنصفتموه، استعملتموه حتى إذا كبر وعجز تركتموه، أجروا لـه من بيت المال راتباً« في قصة مشهورة(14).
وهنا قد يرد سؤال: هل أن هناك تقصير حدث في تأمين هذا الضمان أو غيره من قوانين التكافل الإسلامي في البلاد الإسلامية، حيث عم الفقر والحرمان؟
الجواب: إن التقصير ليس في القوانين والأنظمة الإسلامية التي تتعلق في هذا الموضوع، وإنما في الدولة التي خالفتها، ولهذا أوجب الإسلام العصمة في الإمام (عليه السلام) كي لا تقع أخطاء ولا يحدث تقصير يكون الضحية فيه المجتمع.

أبعاد التكافل الاجتماعي في الشريعة

ربما لم يجد الإنسان لفظ (التكافل) بالمعنى الذي ذكرناه صريحاً في الآيات الكريمة، أو في حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والعترة الطاهرة (عليهم السلام)، وإنما ورد ما يؤدي معناه، فهناك العديد من الآيات والروايات التي تتحدث عن البذل والإنفاق في سبيل الله وتحث على إعانة المحتاجين والفقراء وقضاء حوائج المؤمنين بل كل إنسان.
وقد أكد أهل البيت (عليهم السلام) على هذا الجانب في سيرتهم العملية العطرة وفي أحاديثهم حيث ورد فيها مفهوم (التكافل) بألفاظ التعاون والتواصل والمواساة وما أشبه، كما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم الله عزوجل رحماء بينكم متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم، على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) » (15).
وقد ورد أيضاً معنى التكافل بمعنى إعطاء الحق والوفاء به، كما عن معلى بن خنيس عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قلت له ما حق المسلم على المسلم؟ قال (عليه السلام): »له سبع حقوق وواجبات ما منهن حق إلا وهو عليه واجب، إن ضيع منها شيئاً خرج من ولاية الله وطاعته، ولم يكن لله فيه من نصيب، من حق المؤمن على أخيه المؤمن: أن يشبع جوعته، ويواري عورته، ويفرج عنه كربته، ويقضي دينه، فإذا مات خلفه في أهله وولده...«(16).
وتفصيل دلالة هذا الحديث وتقريبه من موضوع التكافل كما يلي:
1: إن المستفاد من كلمة الحقوق في الحديث هو التكافل بالمعنى الذي ذكرناه ففيه وجوب أن يبذل الرجل مساعدته من أجل إشباع الجائع أو إعطائه المال من أجل قضاء دينه.
2: ذكرنا أن التكافل أشمل من الضمان، فهو يشمل الحاجات المادية والمعنوية، والمادية في الحديث تتمثل في: »أن يشبع جوعته، ويواري عورته، ويقضي دينه« والمعنوية: »ويفرج عنه كربته، فإذا مات خلفه في أهله وولده«(17).

فوائد التكافل الاجتماعي على المجتمع

1. التكافل يمثل نوعاً من الترابط بين أفراد المجتمع، فيكون كالأسرة الواحدة فحينما يقوم الإنسان بعمل ما في المجتمع الإسلامي فهو يقدم خدمة لذلك المجتمع فله حق عليه إن احتاجه في أمر ما، فإذا استجاب له المجتمع وأدى متطلباته وما يستحقه من مساعدة فيشعر حينئذٍ أنه عضو فاعل في المجتمع ولـه موقع فيه، ولا يخاف إن نزلت فيه نائبة لأن هناك من يهتم بأمره ومن هو ملتزم ببذل المال والإنفاق عليه. أما إذا لم يتحسس المجتمع مشاعر ذلك الإنسان ولم يسع في سد حاجاته فيشعر بأنه غريب عنه.
2. هناك بعض الأعمال إذا تحملتها الجماعة الكثيرة يسهل القيام بها ولا يكون فيها عبء اقتصادي على أحد وتصبح يسيرة، لأن الأموال التي بذلت لهذا العمل توزعت على الجميع، وهذا من فوائد التكافل الاجتماعي الإسلامي.
3. القضاء على ظاهرة الانحراف والجريمة التي تنشأ من الحرمان والجوع والفقر، لأن عدم القيام بهذا التكافل والإعانة يؤدي إلى هذه الأعمال، فالجائع لا يبقى عنده استقرار نفسي فإذا لم يجد الخبز سوف يتهاون في صلاته ـ إن أداها وأقامها على أحسن الأحوال ـ التي تجعله يأمر بالمعروف ويبتعد عن الفحشاء وينهى عن المنكر، وحينئذٍ سيحقد على المجتمع ويرتكب الجرائم.
ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهم بارك لنا في الخبز ولا تفرق بيننا وبينه فلولا الخبز ما صلينا ولا صمنا ولا أدينا فرائض ربنا»(18).
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنما بني الجسد على الخبز»(19).
ومن هنا يعرف أن الإنسان لا يمكن أن يعيش حياة طبيعية إلا بعد أن يؤمن حاجاته الأساسية مثل الغذاء والطعام.
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن يعقوب (عليه السلام) كان لـه مناد ينادي كل غداة من منزلـه على فرسخ: ألا من أراد الغداء فليأت إلى منزل يعقوب، وإذا أمسى ينادي: ألا من أراد العشاء فليأت إلى منزل يعقوب»(20).
وقد ورد تشديد في روايات كثيرة على من يتهاون في مسألة التعاون والتواصل والتكافل فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: »أيما رجل من شيعتنا أتى رجلاً من إخوانه فاستعان به في حاجته فلم يعنه وهو يقدر إلا ابتلاه الله بأن يقضي حوائج غيره من أعدائنا يعذّبه الله عليها يوم القيامة«(21).
وهناك لون من الشدة في بعض الروايات إذ يعتبر أي تفويت أو تنقيص للمورد المستحق من هذه الحقوق جريمة وخروجاً عن طاعة الله تعالى. ومنها ما ورد عن محمد بن عجلان قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل رجل فسلم فسأله: »كيف من خلفت من إخوانك«؟
قال: فأحسن الثناء وزكى وأطرى.
فقال (عليه السلام) لـه: »كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم«؟
فقال: قليلة.
قال (عليه السلام): »وكيف مشاهدة أغنيائهم لفقرائهم«؟ قال: قليلة.
قال (عليه السلام): »فكيف صلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم«؟ فقال: إنك لتذكر أخلاقاً قل ما هي فيمن عندنا، قال: فقال (عليه السلام): »فكيف تزعم هؤلاء أنهم شيعة!«(22).

مفهوم التكافل الاجتماعي في روايات أهل البيت (عليهم السلام)

ورد في سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) الحث والتأكيد على التكافل والتعاون والتواصل والمواساة، فإن النفس الإنسانية أمارة بالسوء فتمنع الإنسان من القيام بهذا العمل المقدس وهو التعاون والتواصل والتكافل مع أفراد مجتمعه.
وفي الأحاديث أنه لا يستطيع القيام بهذا العمل إلا القليل، ولا تطيق الأمة ذلك ولا تستجيب لـه عادة. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »يا علي ثلاث لا تطيقها هذه الأمة: المواساة للأخ في ماله، وإنصاف الناس من نفسه، وذكر الله على كل حال...«(23).
ولهذا ورد الحث على تحدي النفس ومقاومتها عند تقديم العطاء، ويلزم عليه أن يصبرها على إعطاء هذه الحقوق وحتى بالنسبة إلى ما لا تصل حد الوجوب منها كالمال الذي يصل به الإنسان رحمه أو يصرفه في الضيافة أو يعطيه الفقير أو غيرها من الموارد المشابهة، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): »فمن أتاه الله مالاً فليصل به القرابة وليحسن منه الضيافة وليفك به الأسير وليعط منه الفقير والغارم وليصبر نفسه على الحقوق والنوائب ابتغاء الثواب، فإن فوزاً بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الآخرة إن شاء الله«(24).
ومن خلال النظرية الإسلامية في حقيقة التكافل ودرجاتها ومراتبها يعرف أن الأنفس البشرية التي ليست فقط تكفل وتعطي وتعاون وتواسي بل تلك التي تفتح أبواب قلوبها وأموالها للآخرين أيضاً، هي نادرة في التاريخ! كندرة تطبيق هذا المورد الذي ورد في رواية سعيد بن الحسن قال:
قال أبو جعفر (عليه السلام) »أ يجيء أحدكم إلى أخيه فيدخل يده في كيسه فيأخذ حاجته فلا يدفعه«؟ فقلت: ما أعرف ذلك فينا، فقال أبو جعفر (عليه السلام): »فلا شيء إذاً« قلت: فالهلاك إذاً؟ فقال (عليه السلام): »إن القوم لم يعطوا أحلامهم بعد«(25).
إن هذا التكافل يعتبر من جملة الأمور التي بها قوام الدين والدنيا فقال الإمام علي (عليه السلام): » قوام الدين والدنيا بأربعة: عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وجواد لا يبخل بمعروفه، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه «(26).
وقد وردت روايات وأحاديث كثيرة تذم من يتهاون عن تكافل أخيه ويقصر في تعاونه معه ويتخلف عن القيام في قضاء حاجته، ومنها ما ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: »من بخل بمعونة أخيه والقيام له في حاجته إلا ابتلي بمعونة من يأثم عليه ولايؤجر«(27).
وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: »أيما رجل من أصحابنا استعان به رجل من إخوانه في حاجة فلم يبالغ فيها بكل جهد فقد خان الله ورسوله والمؤمنين« قال أبو بصير: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تعني بقولك والمؤمنين؟ قال (عليه السلام): »من لدن أمير المؤمنين إلى آخرهم«(28).
وعن أبي جميلة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: »من مشى في حاجة أخيه ثم لم يناصحه فيها كان كمن خان الله ورسوله وكان الله خصمه«(29).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: »من استشار أخاه فلم يمحضه محض الرأي سلبه الله عزوجل رأيه«(30).

موارد التكافل الاجتماعي ومستحقيه

هناك من يعمل وأجره يكفي معيشته الطبيعية فهذا لا يشمله التكافل وهو ليس بحاجة لـه لأن ما يحصل عليه يسد احتياجاته، وهناك من يعمل ولكن لا يكفي ما يحصل عليه في سد حاجاته وهنا يأتي دور صندوق الضمان الاجتماعي كما في عصرنا الحاضر وكان سابقاً يصطلح عليه بـ (بيت المال) فيكمل له كي تكون معيشته كالآخرين، وإذا لم يؤد دوره هذا الصندوق يأتي دور التكافل الاجتماعي الذي يمارس من قبل المؤسسات الخيرية أو غيرها، أو مباشرة بين أفراد المجتمع.
ومن جملة الموارد التي لا تعطى عن طريق التكافل: الغني والقوي وصحيح البدن ولا صاحب المهنة المحترف بها، وقد ذكر هذه الموارد الإمام أبو جعفر (عليه السلام) فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ولا لمحترف ولا لقوي« قلنا: ما معنى هذا؟ قال (عليه السلام): »لا يحل له أن يأخذها وهو يقدر على أن يكف نفسه عنها«(31).
وأما العاطل عن العمل فيكفل حتى يوفر له عمل، وهنا الكثير من الروايات التي تحث على العمل ومنها ما ورد عن زرارة قال: إن رجلاً أتى أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: إني لا أحسن أن أعمل عملا بيدي ولا أحسن أن أتجر وأنا محارف محتاج فقال (عليه السلام): »اعمل فاحمل على رأسك واستغن عن الناس، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد حمل حجراً على عاتقه فوضعه في حائط له من حيطانه وإن الحجر لفي مكانه ولا يدرى كم عمقه إلا أنه ثم بمعجزته«(32).
وقد بين الإسلام أن العمل هو شرف الإنسان وكرامته وهو طاعة من طاعات الله عزوجل يكفل الإنسان بها نفسه وعياله.
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: »إن محمد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى أن مثل علي بن الحسين (عليه السلام) يدع خلفاً لفضل علي بن الحسين (عليه السلام) حتى رأيت ابنه محمد بن علي (عليه السلام) فأردت أن أعظه فوعظني فقال له أصحابه: بأي شيء وعظك؟ قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيت محمد بن علي (عليه السلام) وكان رجلاً بديناً وهو متكئ على غلامين له أسودين أو موليين له فقلت في نفسي: شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا والله لأعظنه، فدنوت منه فسلمت عليه، فسلم علي بنهر وقد تصبب عرقاً، فقلت: أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة في طلب الدنيا‍! لو جاءك الموت وأنت في هذه الحال؟
قال: فخلى على الغلامين من يده ثم تساند (عليه السلام) وقال: لو جاءني والله الموت وأنا في هذه الحال لجاءني وأنا في طاعة من طاعات الله أكف بها نفسي عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله.
فقلت: يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني«(33).
وإما إذا كان عاطلاً عن العمل ولا يريد أن يعمل فهذا لـه توجيه وتربية بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى لا يصبح عالة على المجتمع. وقد وردت روايات كثيرة في ذم العاطلين، فعن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا نظر إلى الرجل فأعجبه قال: »له حرفة«؟ فإن قالوا: لا، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): »سقط من عيني« قيل وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): »لأن المؤمن إذا لم يكن له حرفة يعيش بدينه«(34).
وعن حذيفة بن منصور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: »من كف يده عن الناس فإنما يكف عنهم يداً واحدة ويكفون عنه أيدي كثيرة«(35).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: »شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس«(36).
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): »إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئاً إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ولا يكون له رجاء إلا عند الله، فإذا علم الله عزوجل ذلك من قلبه لم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه«(37).
وعن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: »رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس ومن لم يرج الناس في شيء وردّ أمره إلى الله عزوجل في جميع أموره استجاب الله عزوجل له في كل شيء«(38).
وعن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: »طلب الحوائج إلى الناس استلاب للعز ومذهبة للحياء، واليأس مما في أيدي الناس عز للمؤمن في دينه والطمع هو الفقر الحاضر«(39).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «اليأس مما في أيدي الناس عز المؤمن في دينه أوَ ما سمعت قول حاتم:
إذا ما عزمت اليأس ألفيته الغنى إذا عرفته النفس والطمع الفقر»(40)
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: »من طلب الرزق في الدنيا استعفافاً عن الناس وتوسيعاً على أهله وتعطفاً على جاره لقي الله عزوجل يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر«(41).
وعن داود الرقي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: »يا داود تدخل يدك في فم التّنّين إلى المرفق خير لك من طلب الحوائج إلى من لم يكن فكان«(42).
وفي الحديث أنه لما نزل قوله تعالى: (وَمَن يَتّقِ اللّهَ يَجْعَل لّهُ مَخْرَجاً( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ((43) انقطع رجال من الصحابة في بيوتهم واشتغلوا بالعبادة وثوقاً بما ضمن لهم، فعلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك فعاب ما فعلوه وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »إني لأبغض الرجل فاغراً فاه إلى ربه يقول: اللهم ارزقني ويترك الطلب«(44).

صور من التكافل الاجتماعي الإسلامي

1: التكافل بين الفرد ونفسه
التكافل الفردي هو عبارة عن أن يكفل الإنسان نفسه، وتكفل نفسه الإنسان، ولا نقصد بالنفس هنا الأمارة بالسوء بل العاقلة الرشيدة، وإذا تم هذا التكافل على ما قرره الإسلام فحينئذ يحصل السلام بين الإنسان ونفسه في هذا الجانب(45) ويكون قد حاز ثواب الدنيا والآخرة وعاش عيشة سعيدة ومات ميتة حميدة، وذلك يتم عن طريق تحقيق حقوق كل من الطرفين وهما الإنسان ونفسه:
فأما حق النفس على الإنسان في هذا الجانب كفايتها عن المسألة واستغناؤها عن الناس، وذلك يكون في اكتساب المال عبر كدحه وعمله في هذه الدنيا. وإذا لبى هذا الحق يكون قد أعطى من إنسانيته لنفسه حقها وقدم ما فرض عليه لها.
وموقف الشرع من هذا الحق واضح، فالإسلام يرى لزوم أداء الإنسان لحقوق النفس في هذا المجال وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن رجل كما سيأتي: »كان يسعى على نفسه ليكفيها عن المسألة ويغنيها عن الناس«(46).
وهذا يتطلب من الإنسان أن لا يترك الدنيا ويهملها فقالت الآية الكريمة: (وَابْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ اللّهُ الدّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ((47)، ولكن من الضروري أن يصلح الإنسان دنياه بقدر أيضاً، ولذا جعل الله ما آتاه لأجل الدار الآخرة ثم قال: (ولا تنس نصيبك من الدنيا( حيث للإنسان نصيب من الدنيا. وفي آية أخرى قال عزوجل: (وِمِنْهُمْ مّن يَقُولُ رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النّارِ((48).
وعن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: »اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا«(49).
وقد جاء في حديث: »ليس منا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه«(50).
والروايات في تكريم معطي حق النفس من إنسانيته في هذا المجال عديدة، ومنها في قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان جالساً ذات يوم مع أصحابه فنظروا إلى شاب في جلد وقوة وقد بكّر يسعى فقالوا: ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): »لا تقولوا هذا فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكفيها عن المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله«(51).
وقال أبو الحسن موسى (عليه السلام): »من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله«(52).
وأما حق الجسد على النفس في التكافل أن تهيأ له الراحة والاطمئنان والسكينة وهذا ما حث عليه الإسلام ضمن ضوابط شرعية، فلا يكون هناك إفراط في الكدح والعمل في اكتساب المال من أجل إرضاء النفس في كل الأحوال لأن الأصل فيها (أمارة بالسوء) كما قال الله تعالى: (إِنّ النّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسّوَءِ إِلاّ مَا رَحِمَ رَبّيَ((53)، وإيجاد متطلبات شهوة هذه النفس سيكون حينئذ على حساب البدن، لأنها ترهقه بنزواتها وشهواتها في الأعمال الكثيرة التي قد تضعف قوته الجسدية والبدنية، وحينئذ لا يقوى على العمل والعبادة وغيرها من الأمور الحياتية التي يجب أن يؤديها، أو تؤدي إلى إضعاف هذه القوة بسبب الأمراض التي تأتي من الإفراط في شهوة الأكل والرغبات، فيجب على النفس أن تكون غنية بالقناعة والورع ومكارم الأخلاق كالزهد والصبر، وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »ليس الغنى كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس«(54).
وقال علي (عليه السلام): »خير الغناء غناء النفس«(55).
وقد لخص (عليه السلام) هذا في قوله: »إن لبدنك عليك حقاً«(56).
وإذا تم هذا التكافل بين الجسد والنفس وأدى كل منهما حق الآخر سيعمهما السلام، حيث إذا كفل الجسد حقوق النفس وأغناها عن المسألة والناس فستعيش في سلم وأمان، وكذلك لو أدت النفس حق الجسد فسيكون سليماً ومعافى.
وأما إذا حصل إفراط في الأعمال والشهوات أو تفريط وتقصير في الحقوق كما في إفراط عمل الإنسان في الدنيا لأجل النفس فلا يكون هذا العمل أداء لحقها وإنما تلبية لرغبات الجشع وتحقيق لأهواء الطمع. وهذا يوجب عدم سلامة الإنسان،وليس هذا في الزهد أو الاقتصاد أو التكافل فقط بل حتى في العبادات والطاعات، لأن الإسلام يمنع الإنسان من أن يفرط فيها وقد وردت الإشارة إلى هذا المعنى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث رأى شخصاً كان مفرطاً في العبادة بحيث ضيع سائر الحقوق فنهاه عن ذلك وقال له كلمته المشهورة: »إن المنبت ـ يعني المفرط ـ لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع«(57).
2: التكافل الأسري
التكافل بين الفرد وأسرته من أسس السلم والسلام في نواة المجتمع، فإن المجتمع يتكوّن من عشرات الأسر ومئاتها وآلافها، وكل أسرة نواة في هذا المجتمع، فإذا صلح حال التكافل الاجتماعي في الأسرة صلح المجتمع، وإذا تدهورت الأسرة اقتصاديا وغيره ولم يصلح حال التكافل بينها تسقط قيمة تلك الأسرة، وبسقوطها تسقط قيمة المجتمع، فإن المجتمع المتكوّن من الأسر حاله حال البناء المتكوّن من الأحجار فإذا لم توضع الأحجار بالشكل الصحيح لا يعقل أن يكون البناء صحيحاً.
وأما روايات المدح والذم في هذا المجال وعكسه كثيرة، منها ما روي في مدح المعطي حق أهله في التكافل وذلك بالإنفاق عليهم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): »وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفهم فهو في سبيل الله… «(58).
وفي رواية أخرى لما رجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من غزوة تبوك استقبله أحد الصحابة وقد كان في يده آثار العمل، فقال لـه (صلى الله عليه وآله وسلم): »ما هذا الذي أرى بيديك؟«، قال: من أثر المرّ والمسحاة أضرب وأنفق على عيالي، فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لـه: »هذه يد لا تمسها النار«.
وفي رواية أخرى: »هذه يد يحبها الله سبحانه وتعالى«.
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »الكاد على عياله من حلال كالمجاهد في سبيل الله«(59).
وعن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: »الذي يطلب من فضل الله عزوجل ما يكف به عياله أعظم أجراً من المجاهد في سبيل الله«(60).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: »إذا كان الرجل معسراً فيعمل بقدر ما يقوت به نفسه وأهله ولا يطلب حراماً فهو كالمجاهد في سبيل الله«(61).
وعنه (عليه السلام) قال: »من سعادة الرجل أن يكون القيم على عياله«(62).
وأما الروايات التي ورد فيها ذم للمفرط في حق أهله وأسرته وأولاده من بدنه وجسده في العمل والكدح، فمنها قول علي (عليه السلام) لعاصم بن زياد في البصرة كما ذكره الشريف الرضي (قدس سره) في النهج، فقال: ومن كلام له (عليه السلام) بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده، فلما رأى سعة داره قال (عليه السلام): »ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة تقري فيها الضيف وتصل فيها الرحم وتطلع منها الحقوق مطالعها فإذاً أنت قد بلغت بها الآخرة«، فقال لـه العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، قال (عليه السلام): »وما لـه«؟ قال: لبس العباءة وتخلى عن الدنيا، قال (عليه السلام): »عليَّ به«.
فلما جاء قال (عليه السلام): »يا عُديّ نفسه لقد استهام بك الخبيث أما رحمت أهلك وولدك؟ أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك«.
قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك!
قال (عليه السلام): »ويحك إني لست كأنت إن الله تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كي لا يتبيّغ بالفقير فقره«(63).
3: التكافل في المجتمع
ومن الواضح أن التكافل بين الفرد والجماعة يؤدي إلى السلم والسلام، فكل يحنو على الآخر ويريد رضاه ويسعى لأجله.
وإذا كان هناك تكافل متبع بين أفراد المجتمع وفق النظرية الإسلامية سيعم أبناءه الأمن المعيشي والسلام الاقتصادي، وأما إذا صار المجتمع طبقاتٍ، طبقة فقيرة وأخرى غنية ولم يكن بينهما تكافل، فهناك انعدام السلام، وكثيراً ما يوصل ذلك إلى الاضطرابات والمظاهرات وإلى الثورة أو الحرب.
وهكذا تكافل الصحابة في الصدر الإسلامي الأول فأدوا ما عليهم مما فرضه التشريع الإسلامي في أموالهم أو ندبهم إليه في الزائد عن حاجاتهم الأساسية فكان كل واحد منهم يعتقد أنه عضو في ذلك المجتمع يتعاون مع أفراده ويساهم معهم في استقراره ويسعى في صلاحه من الزيغ والانحراف والفقر والمرض والجهل والعداء ونحو ذلك...
وكان كل واحد منهم يشد أزر إخوانه من الصحابة، يعالج مرضاهم ويسعف فقراءهم ويقضي حاجاتهم، وقد تجسد هذا التكافل بأروع صورها فيما جرى بين المهاجرين والأنصار في بداية الهجرة المباركة، وكان لمجتمع الأنصار الفضل في ذلك فأصبحوا مضرب المثل في الإحسان والتكافل والتواصل والتعاون مع المهاجرين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد وردت في مدحهم روايات كثيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) كما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: »يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم الله عزوجل (رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ((64) متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «(65).
ولا شك أن أمثال هذه الأعمال والحقوق التي يؤديها الإنسان لأخيه الإنسان تعتبر من أفضل العبادات وتمنحه الانطلاق إلى الآفاق الواسعة ليبلغ كماله، ويحصل على ارتقائه المقدر له، سواء كان مادياً أم اجتماعياً.

2: ذم التطرف في جمع الأموال والثروة

ذكرنا فيما سبق ما جرى بين المهاجرين والأنصار من تكافل وإيثار وتعاون وتواصل في عهد النبوة حتى أصبحوا كالأسرة الواحدة، ولكن لما مات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وحدثت من بعده الاختلافات، تغيرت سيرة بعض الصحابة فأقبلوا على حطام الدنيا وملذاتها وتنافسوا في جمع الأموال والثروة وادخارها، ومال كثير منهم إلى حياة الترف والنعيم وخاصة في عهد عثمان وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك فقد روي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا عبيدة بن الجراح فجاءه بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما صلى (صلى الله عليه وآله وسلم) انصرفوا فتعرضوا لـه، فتبسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: »أظنكم أنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء«، قالوا: أجل يا رسول الله، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): »فأبشروا وأملوا ما يسركم فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط لكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم«(66).
وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) في إحدى خطبه إلى بعض أحداث بني أمية وتصرفاتهم في عهد عثمان فقال مشيراً إلى ذلك: »فقام بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع«(67).
وقد ذكر صاحب كتاب الذخائر والتحف عدداً من ثروات جملة من الصحابة الذي ابتنوا القصور وجمعوا الأموال وقبلوا قطائع عثمان.
وكذلك أشار المسعودي في تاريخه فقال: وأحد الأسباب التي أدت بهم إلى نهج هذا السبيل هو تأثرهم باليهود بعد أن فسح لهم المجال في عهد الخلفاء.
وهناك شواهد كثيرة في هذا المجال وسنقتصر هنا في الحديث عن هذا الموضوع على بعض المقاطع من الرواية الطويلة المشهورة ومحورها الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري (رضوان الله عليه) جاء فيها:
إن عثمان بن عفان نظر إلى كعب الأحبار فقال له: يا أبا إسحاق ما تقول في رجل أدى زكاة ماله المفروضة هل يجب عليه فيما بعد ذلك فيها شيء؟
قال: لا ولو اتخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضة ما وجب عليه شيء، فرفع أبوذر عصاه فضرب به رأس كعب ثم قال لـه: يا ابن اليهودية الكافرة ما أنت والنظر في أحكام المسلمين، قول الله أصدق من قولك حيث قال: (وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ( يَوْمَ يُحْمَىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنّمَ فَتُكْوَىَ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ((68).
وفي تكملة الرواية قال عثمان للإمام علي (عليه السلام) الذي كان حاضراً: يا أبا الحسن انظر ما يقول هذا الشيخ الكذاب، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): »مه يا عثمان لا تقل كذاب فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر«. فقال أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): صدق علي (عليه السلام) فقد سمعنا هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(69).
فهذه إحدى الروايات الكثيرة التي تتحدث عن تأثر بعض الصحابة باليهود في جمع المال والثروة وعدم الإنفاق في سبيل الله، وبما أن هذه الرواية من الروايات المهمة في تاريخ المسلمين ولابد من الوقوف عندها فيمكن استخلاص جملة من الموعظة والعبر منها:
أولاً: هناك فرق شاسع بين منهج الحكام وسيرة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فالحاكم يؤيد كلام كعب الأحبار وهو اكتناز الذهب والفضة بعد إخراج الزكاة وأن لا ضير في عدم الإنفاق في سبيل الله، بينما علي أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: »لا ادخرت من غنائمها وفراً..«(70).
وحتى لو قيل إن بعض الحكام كان يحث على الإنفاق في خطبه وكلماته، لكن الكلام يختلف عن الفعل، فإن العمل شيء صعب والقول شيء سهل، فإذا نظر الإنسان إلى خطابات بعض من عاش في ذلك العهد ورأى خطابات أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الذي كان يتورّع أشدّ الورع ولم يختلف اثنان في عدله وزهده وورعه وإعراضه عن الدنيا، ربما رأى الكلام من كليهما متساوياً في بعض الجهات لكن فرق العمل بينهما بعد المشرقين.
فروي أن علياً (عليه السلام) اجتاز بقصاب وعنده لحم سمين فقال: يا أمير المؤمنين هذا اللحم سمين اشتري منه، فقال (عليه السلام) لـه: »ليس الثمن حاضراً«، فقال: أنا أصبر يا أمير المؤمنين، فقال (عليه السلام) له: »أنا أصبر عن اللحم«(71).
بينما كانت تأتي إليه البيضاء والصفراء من مختلف بلاد الإسلام كافة والتي كانت تعدّ ذلك اليوم بحوالي خمسين دولة حسب خريطة اليوم، لكنه كان يتورّع حتى عن أكل اللحم.
وفي حديث آخر: كان يأكل اللحم في العام مرة واحدة يوم عيد الأضحى(72) حيث يقول (عليه السلام): »إني أعلم أن في هذا اليوم يأكل الجميع اللحم«. وعلى هذا بقيَ زهاء خمس سنوات من أيام خلافته لم يأكل اللحم الرخيص جداً في ذلك اليوم إلا خمس مرات.
ويقول (عليه السلام) في نهج البلاغة: »ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع لـه في القرص ولا عهد له بالشبع«(73).
وقبله كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أشد الزاهدين كما قال علي (عليه السلام):»محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أزهد الأنبياء« (74)، مع أنه كان يملك زمام تسع دول من دول عالمنا الحاضر حتى أن الراوي يقول: ذهبت إليه ببعض الرطب فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »ضعه على الأرض«(75)، حيث لم يجد في داره حتى ظرفاً واحداً من الخزف ليضع الرطب فيه.
ثانيا: يتضح من الرواية أن هناك سيرة ابتدعت وهي الاحتفاظ بالأموال واكتنازها في بيت المال وذلك على حساب المسلمين واستثمارها في مصالح شخصية معينة كصرفها على الأقرباء وللقيام بأعمال خاصة لا تعم الشعب. وهذا خلاف سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه كان يقسم الأموال ولم يدخرها، إذ من جملة هذه الرواية أن عثمان لما أمر بنفي أبي ذر (رحمه الله) إلى الربذة دخل عليه أبوذر وكان عليلاً متوكّئاً على عصاه وبين يدي عثمان مائة ألف درهم قد حملت إليه من بعض النواحي وأصحابه حوله ينظرون إليه ويطمعون أن يقسمها فيهم، فقال أبوذر لعثمان: ما هذا المال؟
فقال عثمان: مائة ألف درهم حملت إلي من بعض النواحي أريد أن أضم إليها مثلها ثم أرى فيها رأيي.
فقال أبوذر: يا عثمان أيما أكثر مائة ألف درهم أو أربعة دنانير؟
فقال عثمان: بل مائة ألف درهم.
فقال: أما تذكر أنا وأنت دخلنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عشاء فرأيناه كئيباً حزيناً فسلمنا عليه فلم يرد علينا السلام، فلما أصبحنا أتيناه فرأيناه ضاحكاً مستبشراً فقلنا له: بآبائنا وأمهاتنا دخلنا عليك البارحة فرأيناك كئيباً حزيناً وعدنا إليك اليوم فرأيناك فرحاً مستبشراً؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »نعم كان قد بقي عندي من في‏ء المسلمين أربعة دنانير لم أكن قسمتها وخفت أن يدركني الموت وهي عندي وقد قسمتها اليوم فاسترحت«(76).
وسيرة علي أمير المؤمنين (عليه السلام) هي ذاتها سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت المال، فقد روى هارون بن مسلم البجلي عن أبيه قال: أعطى علي (عليه السلام) الناس في عام واحد ثلاثة أعطيات ثم قدم عليه خراج أصفهان فقال (عليه السلام): »يا أيها الناس اغدوا فخذوا فو الله ما أنا لكم بخازن« ثم أمر ببيت المال فكنس ونضح وصلى فيه ركعتين ثم قال (عليه السلام): »يا دنيا غري غيري«، ثم خرج فإذا هو بحبال على باب المسجد فقال (عليه السلام): »ما هذه الحبال«؟ فقيل: جي‏ء به من أرض كسرى، فقال (عليه السلام): »اقسموها بين المسلمين«(77).
ثالثاً: من هذه الرواية وغيرها تتضح صورة المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أصبح طبقات مختلفة ومتفاوتة، أي أن الطبقية بدأت تنتشر منذ أن استولى البعض على الخلافة واختلفت سيرته عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في توزيع العطاء، وبدى أثر هذا التفاوت بين الناس واضحاً في تلك العهود، فترك إلى حد كبير قانون التكافل بين أفراد المجتمع بعضهم لبعض.
أما في عهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فلم تختلف سيرته عن نهج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا هو واقع نظرية المساواة والعدالة في الإسلام، فقد قرّر المساواة بين أفراد البشر أمام القانون، ولولاها لانهار السلم والسلام، لأن الإنسان يطلب المساواة مع غيره أمام القانون، فإذا لم يعط ذلك اتخذ أسلوب العنف لتحصيله، فالمساواة هي القاعدة العامة إلا إذا كان العدل حاكماً.
ومن هنا يقال: إن هناك اختلافا في بعض الأحكام بحسب موضوعاتها، أو هي استثناء على قانون المساواة، سواء كان الاختلاف من جهة الدين أو من جهة بعض المزايا الأخر، فمثلاً العدالة تقتضي أن يعطى لكلّ ذي حق حقّه ولو لم يكن متساوياً مع غيره، كما لو فرضنا أن هناك فردين، أحدهما عمل بمقدار دينار والآخر بمقدار أكثر، فحسب الموازين الاقتصادية العادلة يستحق الثاني أجراً يزيد على أجر الأول، ومقتضى العدالة أن يعطى دينار لهذا وديناران للآخر مثلاً، أما إذا أعطي ذو الدينار دينارين كان معنى ذلك الزيادة من غير الاستحقاق، وإذا أعطي ذو الدينارين ديناراً كان ذلك أقلّ من حقه وظلماً لـه، والله سبحانه وتعالى يقول: (وَلاَ تَبْخَسُواْ النّاسَ أَشْيَآءَهُمْ((78).
والنظرية الإسلامية العامة التي يمثلها أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هي المساواة كأصل إلا ما خرج بالدليل، وتكون المساواة حتى في العطاء الذي يصرف من بيت المال لآحاد الأمة كمسلمين، وان اختلفت منزلتهم، فلا فرق في العطاء العام بين مختلف المستويات فإنهم متساوون في إنسانيتهم، فالطبيب والمهندس والعامل وغيرهم كلهم في درجة واحدة من البشرية.
وأما إذا قيل بأن أحدهم لا يكفيه العطاء المتساوي، فهذا يتكفل بيت المال بسد حاجاته ويزيد لـه في عطائه من باب فقره مثلا، ولكن هذه الزيادة لا تحسب من أصل العطاء.
رابعاً: هناك مخالفة ابتدأت في عصر هؤلاء الحكام لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورفض لتقييمه وأوسمته التي أسبغها على بعض الصحابة الأجلاء، فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في حق أبي ذر وبإجماع المؤرخين: »ما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر«(79)، بينما هم يرفضون هذا الوسام الرفيع ويقولون فيه: (الشيخ الكذاب)، وفي هذه القصة يتضح أن النيل من الصحابة الأجلاء أبتدأ منذ عصر الخلفاء ومنه قول عثمان في أبي ذر المتقدم(80).
خامساً: هناك مؤامرة واضحة ضد الطليعة الرشيدة من الصحابة وتتمثل في أمور منها:
1: إبعادهم ونفيهم عن الحواضر الإسلامية المعروفة كي لا ينال المنكرَ أمر بمعروف، كما نفي أبو ذر إلى الشام والربذة.
2: حرمانهم من عطائهم الذي هو من حقوقهم المشروعة والواجبة، وهذا ما حصل مع أبي ذر، وذلك لما أخرجه عثمان إلى الشام أخذ ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية ثلاثمائة دينار، فقال أبوذر: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها، وردها عليه(81).
سادساً: في أحد مقاطع هذه الرواية يتضح أمران لهما علاقة بالقرآن وهما غاية في الأهمية.
الأمر الأول: يتمثل في غياب بعض المفاهيم القرآنية عن أذهان الناس التي تتعارض مع مصالح القوم، فهناك أمر بمنع قراءة الآيات التي تدعو إلى الإنفاق وبذل المال في سبيل الله تعالى، ومنها هذه الآية: (وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ((82)، لأنها لا تتفق مع ما يذهبون إليه من جمع المال وادخاره وعدم إنفاقه في سبيل الله تعالى، فلما أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه، وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت مائة ألف درهم، جعل أبوذر يقول: بشر الكافرين بعذاب أليم، ويتلو قول الله عزوجل: (والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم(، فرفع ذلك مروان إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذر نائلا مولاه أن انته عما يبلغني عنك، فقال: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله، وعيب من ترك أمر الله، فو الله لأن أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أرضي عثمان بسخط الله(83).
والأمر الثاني: هو محاولة تحريف القرآن عبر حذف حرف الواو من هذه الآية وهو ما قام به معاوية، فلما نفى عثمان أباذر إلى الشام ورأى من أحداث معاوية أخذ يقرأ هذه الآية: (والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم( فقيل لـه: هذه الآية ليست في المسلمين وإنما في الأحبار واليهود وهي صفة لهم وقرأت لـه بحذف الواو (الذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله( أي يكون محل إعرابها صفة للأحبار والرهبان بينما حقيقة المراد في الآية عام فتشمل الأحبار واليهود والمسلمين وغيرهم (يَـا أيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِنّ كَثِيراً مّنَ الأحْبَارِ وَالرّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ((84).
ولكن محاولة معاوية في هذا التحريف لم تنجح وبائت بالفشل وبقي أبو ذر يرددها دائماً، ولما بنى معاوية الخضراء بدمشق، قال لـه أبو ذر: يا معاوية إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهو الإسراف، وكان أبو ذر (رحمه الله تعالى) يقول: (والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا في سنة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، والله إني لأرى حقاً يطفأ، وباطلاً يحيا، وصادقاً مكذباً، وأثرة بغير تقى، وصالحاً مستأثراً عليه)(85).
وقد كان لهذه الدعوة الصادقة التي واصل العمل فيها أبو ذر (رحمه الله) الأثر الكبير على الناس في الشام حتى وصل الأمر إلى أن حبيب بن مسلمة الفهري قال لمعاوية: إن أباذر لمفسد عليكم الشام فتدارك أهله إن كانت لكم فيه حاجة، فكتب معاوية إلى عثمان فيه، فكتب عثمان إلى معاوية: (أما بعد، فاحمل جنيدباً إليّ على أغلظ مركب وأوعره). فوجه به مع من سار به الليل والنهار، وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب، حتى قدم به المدينة، وقد سقط لحم فخذيه من الجهد، فلما قدم أبوذر (رحمه الله) المدينة، بعث إليه عثمان: أن الحق بأي أرض شئت، فقال: بمكة. قال لا، قال: فبيت المقدس، قال: لا، قال: فبأحد المصرين، قال: لا، ولكني مسيرك إلى الربذة، فسيره إليها، فلم يزل بها حتى مات(86).
سابعاً: ومن العبر التي يمكن استخلاصها من هذه الرواية ما يتعلق بأبي ذر ومنها أن موقفه هذا يدل على شجاعته في مواجهة الانحراف والمنكر، الاقتصادي وغيره، فلايرهبه التهديد بالقتل ولا يهاب الإبعاد والتغريب، ولا يهتم لقطع عطائه وحرمانه منه، لأن ما قام به هو من أجل الحفاظ على سلامة مسيرة الرسالة الإسلامية، ومن أجل إرساء أحد المفاهيم الإسلامية الاقتصادية المهمة التي بها يستتب الأمن والاستقرار والسلام.
ولو عمل المسلمون في هذا اليوم بهذا المبدأ السامي الإسلامي الذي يمثله أبو ذر المترجم الصادق الأمين لمبادئ الإسلام ومفاهيمه قولاً وعملاً لما بقي فقير بينهم، ولعم السلم والسلام الاقتصادي المجتمع بأسره، ولكن أنى لهم الأخذ بهذا المبدأ بعد ما بدا تقصيرهم الواضح في إعطاء الواجب عليهم كالخمس والزكاة، أو في توزيعها بشكل صحيح.

ظلامات أبي ذر الغفاري

وظلامات أبي ذر (رحمه الله) التي بدأت على يد الحاكم الأموي بوصفه (الشيخ الكذاب)(87)، ونفيه وغيرها، ومروراً بما حصل له من معاوية، لن تنتهي بموته فهي لازالت حتى في عصرنا، فقد وجه له البعض من المغرضين التهم وزعم أنه كان يدعو إلى الشيوعية، وينفي المبدأ الإسلامي القائل بالملكية الفردية.
والجواب على هذه الشبهة:
1: إن أبا ذر لم ينف في دعوته الملكية الفردية فهي مبدأ إسلامي يقبل به كل مسلم، فكيف بصحابي جليل مثل أبي ذر الغفاري (رحمه الله)، ولكن الملكية الفردية هي مشروطة بشروطها المقررة شرعاً.
وإنما كان حديث أبي ذر (رحمه الله) عن الإنفاق في سبيل الله من الأموال المكدسة في بيت المال والتي كانت تعطى اعتباطا لبعض أقرباء الحاكم.
2: حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تكريم أبي ذر (رحمه الله) هو رد على هذه التهمة وهو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): »ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر«(88)، فهو يؤكد أنه صادق في عقيدته وسلوكه وتوجهاته وصادق فيما يلهج به لسانه، وهو ترجمة أمينة لمبادئ الإسلام.

أسباب دعوة أبي ذر إلى مبدأ الإنفاق في سبيل الله

هناك جملة من الأسباب التي دعت أبا ذر الغفاري (رضوان الله عليه) للتمسك بهذا المبدأ القرآني (الإنفاق في سبيل الله) ومنها:
1: إن جمع المال وادخاره ينسي الإنسان الآخرة ويجعله يخلد إلى الدنيا، وعمل الإنسان يجب أن لا يقتصر على الدنيا فعليه أيضاً أن يعمل لآخرته وكأنه يموت غدا.
2: إن هذه الأموال لن تجمع بهذه الكثرة عادة إلا من بخل أو حرام، فالجامع يجب أن يُأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
3: إن جمع المال والثروة من قبل بعض الصحابة والحكام أصبح ظاهرة واضحة فخشي أبو ذر (رحمه الله) من هذه الظاهرة أن تصبح سنة متبعة، ولذا كان عليه أن يقف منها موقفا حازما.
4: عمل أبي ذر (رحمه الله) هو دفاع عن حقوق الطبقة الفقيرة المسحوقة وهم الفقراء والمساكين، فلو بذلت الأغنياء المال من الحقوق التي افترضها الله تعالى عليهم لما وجد هؤلاء ولما جاعوا، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): »فما جاع فقير إلا بما منع به
غني«(89).
5: إن هذا العمل يخلق الطبقية والصراع في وسط المجتمع، فيكون هناك تفاوت غير عادل بين أفراده، وهذا يؤدي إلى عدم استقراره. فيجب أن لا تكون هناك مثل هذه الطبقية في المجتمع إذ لا صراع في الإسلام بين الطبقات، ولا عدوان من الإنسان على الإنسان.
6: إنه يطلب السلم والسلام حينما يأمرهم بالإنفاق كما أمرهم الله عزوجل، لأن أحد أسباب الحرب والقتال ومختلف النزاعات هو جمع المال عن طريق الحرام وعدم رعاية حقوق الآخرين.
وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في قصة يوم الجمل: »كأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى: (تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ((90) بلى والله سمعوها ووعوها ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها...«(91).
والخلاصة: إن المبدأ الذي عمل أبوذر (رحمه الله) لأجله وتحمل معاناة التهجير والإبعاد من مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وضحى بحياته في سبيله هو مبدأ إسلامي قرآني حثت عليه الشريعة المقدسة وأيده النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وعمل به، فهو يحرم على الحكام كنز أموال الشعب والتصرف بها كيف ما شاؤوا، ويوجد تعاونا تاما وتكافلا كاملا وعدالة اجتماعية بين جميع أفراد البشر، ويخلق السلم والأمن والاستقرار في المجتمع وخاصة في ا لمجال الاقتصادي.

3: السلام والعدالة في حقوق الملكية الفردية

مسألة: إن من أهم خصائص الاقتصاد الإسلامي الاعتدال والوسطية وعدم التطرف، فهو يحقق العدالة لجميع الأفراد ويحفظ حقوق كل إنسان، ويصلح للتطبيق في جميع الأزمان.
ومن أبرز مواضيع الاقتصاد الإسلامي: الملكية الفردية، والحديث عنها أثار انتباه الفقهاء والمجتهدين في العصر الحاضر فكتبوا فيها المؤلفات التي بينت النظرية الإسلامية في الملكية الفردية وهي الاعتدال وليس التطرف، فهي ليست ملكية جماعية كما يذهب إليه الاشتراكيون، وليست مطلقة وبلا حدود كما ذهب إليه الرأسماليون، فقانون الملكية الفردية يختلف عن المذهبين الجماعي والفردي فهو لا يكون مع الجماعة على حساب الفرد، ولا يكون مع الفرد في ملكية مطلقة على حساب الجماعة.
وسنذكر هنا أمرين حول الملكية الفردية، ومن خلالهما نعرف أن الأمن والسلام الاقتصادي في هذا الجانب يتحقق باتباع الموقف الإسلامي، وهي إضافة لذلك تدلل على الاعتدال والواقعية. بينما قوانين المذاهب الأخرى التي وضعت حول الملكية الفردية لا تتلاءم مع فطرة الإنسان ولا تحقق له العدالة وهي السبب في إيجاد الكثير من المشاكل في المجتمع.
والأمران هما: الملكية الفردية في الشريعة الإسلامية، والشروط الذي وضعها الإسلام حولها.

الملكية الفردية في الشريعة الإسلامية

من الأمور المهمة التي يقوّم الإنسان في حياته: الثروة المالية، ونعني بها المال بمختلف مصاديقه، فهو مما يكوّن الحياة المعيشية، وقد أولى الإسلام هذا الجانب عناية مهمة، فاعتبر حق اكتساب المال وحفظه من الحقوق التي تجب مراعاتها لأجل السلم والسلام: فقد قال سبحانه وتعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً((92).
وقد وردت أحاديث كثيرة تحث على تحصيل المال، فعن عمرو بن جميع قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: »لا خير في من لا يحب جمع المال من حلال، يكف به وجهه ويقضي به دينه ويصل به رحمه«(93).
وقد ورد هذا التأكيد على هذا الجانب لأسباب ومنها:
1: إن الإنسان الذي سعى في تحصيل المال الحلال يعني أنه يقوّم نفسه وحينئذ يحصل لديه استقرار نفسي فيستطيع أن يعيش بسلام وأمان ولا تحصل لديه مشاكل الفقر والمسكنة إذا كان التقويم من هذا المال باعتدال.
2: السعي من أجل تحصيل المال لابد له من عمل، وهذا هو الذي يريده الإسلام فلا مكان فيه للعاطل عن العمل بدون سبب، فالإسلام يحارب البطالة بشدة لأنها من الأسباب الرئيسية للكثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية.
3: تحصيل المال من مقومات نشر السلم والسلام بين أفراد المجتمع لأنه سيبذل على الآخرين في المجتمع لحث الإسلام على ذلك، فتارة من أجل قضاء الدين، وأخرى للضعفاء والعجزة، ومرة للفقراء والمساكين، أو يبذل على الأقرباء والأرحام. فالحديث الشريف يقول: »خير المال ما وقي به العرض«(94).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «خير المال ما أورثك ذخراً وذكراً، وأكسبك حمداً وأجراً»(95).
وقال (عليه السلام): «أفضل المال ما قضيت به الحقوق»(96).
وقال (عليه السلام): «إن خير المال ما كسب ثناء وشكراً، وأوجب ثواباً وأجرا»(97).
وقال (عليه السلام): «خير الأموال ما أعان على المكارم»(98).
4: تحصيل المال وصرفه في الموارد الصحيحة من شأنه أن يعمر الحياة، فالإنسان يلزم أن يكون لديه أمل معقول في بقائه في هذه الدنيا، فالحديث يقول: »اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً«(99)، لأن الإنسان إذا انقطع أمله في البقاء على هذه الأرض فسوف لن يفكر في إعمارها وبنائها، وهذا خلاف المنطق القرآني في الاستخلاف فالله سبحانه يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ((100) وعبادة الله تعالى لايمكن أن تكون في أرض خراب ودنيا خالية من الإعمار والبناء، ثم إن »الدنيا مزرعة الآخرة«(101) كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذه المزرعة لا يمكن أن تزرع فيها وتتركها خراباً وتنتظر قطف الثمر، بل على الإنسان أن يجمع بين الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا((102).
وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما سمع رجلاً يذم الدنيا: »إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها، مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها«؟(103).
والشرط في هذه النقطة هو أن لا يتغلب هذا الأمل فتشغله دنياه عن آخرته، فإذا التزم بهذا الشرط يكون كما قال علي (عليه السلام): »عمل في الدنيا لما بعدها فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل فأحرز الحظين معاً وملك الدارين جميعاً فأصبح وجيهاً عند الله لايسأل الله حاجته فيمنعه«(104).
إذن الإسلام يقر الملكية والفردية ويحترم قانونها، ولكن بشروطها.

الشروط الذي وضعها الإسلام حول الملكية الفردية

مسألة: هناك جملة من الشروط التي وضعها الشرع الإسلامي حول الملكية الفردية، وهي ترتبط بكسب المال وإنفاقه والتي يعرف قسم منها بالواجبات والحقوق الشرعية:

1: الكسب الحلال المشروع

يجب أن يكون أصل هذه الملكية وما يضاف لها مكتسبا من الحلال، ولا فرق بين أن تكون هذه الملكية أرضاً أو ماءً أو شجراً أو نقوداً أو غير ذلك، فإنه لا بأس بتحصيل المال من الوجوه المشروعة التي رسمها الإسلام، بأن لا يكون رباً ولا غشاً ولا اختلاساً ولا ظلماً ولا اغتصاباً ولا رشوة ولا سرقة، ولا شبه ذلك من المحرمات. فإن الملكية الفردية في حلالها حساب وفي حرامها عقاب، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »لايزول قدم العبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع... عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه..«(105).
وفي حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »ما من رجل أقطع مال امرئ مسلم بيمينه إلاّ حرّم الله عليه الجنة وأوجب لـه النار« فقيل: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): »وإن كان سواكاً من أراك«(106)، أي عوداً من الشجرة المشهورة التي يؤخذ منها السواك، وذلك لأن حساب الإسلام حساب مثقال ذرة، قال الله سبحانه وتعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ( وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَهُ((107)، ومن الواضح أن عود الأراك أكبر من مثقال الذرة ألوف المرات، ومن الواضح أن النار بقدره وحرمان الجنة بقدره.
قال سبحانه: (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ( وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً((108).
و(الأكل) الوارد في الآية المتقدمة هو بمعناه المجازي وليس المراد خصوص الأكل بمعناه الحقيقي وهو عن طريق الفم، فقد أباح الإسلام أن يأكل الإنسان من بيوت مرتبطة بالإنسان بشرط أن لا يظهر أصحابها الكره لـه فقد قال سبحانه: (وَلاَ عَلَىَ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلّمُواْ عَلَىَ أَنفُسِكُمْ تَحِيّةً مّنْ عِندِ اللّهِ مُبَارَكَةً طَيّبَةً كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ((109).
ويشترط أن لا يأكل الإنسان غير الطيّبات سواء كان الأكل بمعناه الحقيقي أو المجازي كما قال سبحانه: (يَـا أيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ((110)، وقال تعالى: (يَـا أيّهَا الرّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً((111).
والمال الحرام إذا أكله الإنسان لـه سلبيات كثيرة ومنه أنه :يوجب عدم استجابة دعائه كما في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »من أكل لقمة حرام لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، ولم تستجب لـه دعوة أربعين صباحاً، وكل لحم ينبته الحرام فالنار أولى به، وإن اللقمة الواحدة تنبت اللحم«(112).
وقد قال الإمام الحسين (عليه السلام) للذين جاءوا لمحاربته: »ملئت بطونكم من الحرام وطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون ألا تسمعون...« (113).
وقال (عليه السلام): »ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم،لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم فتباً لكم ولما تريدون«(114).
وكان من أسباب ذلك ملئ بطونهم بالحرام، فإن من ملئ بطنه بالحرام لا يرفع له دعاء تسمعه الملائكة، كالمحل القذر الذي لا تصدر منه رائحة طيبة يستفيد منها المستفيدون.
ويجب أيضاً أن لا تجمع هذه الملكية عبر الوسائل غير الشرعية مثل الربا، فقد أصبح الربا في حضارة اليوم كعصب للاقتصاد العالمي، يسير بسوء المعرفة من صنّاع السياسة الاقتصادية من الغربيين والشرقيين، وذلك سبب جوع ألف مليون إنسان(115) مع جملة أسباب أخرى، فإن الربا يأخذ أموال الضعفاء ويعطيها إلى الأغنياء بمختلف التسميات والعناوين والسبل وتحت ستار مختلف القوانين بينما هذا يعتبر حراماً في الإسلام حرمة أكيدة.
لا يقال: إن حذف الربا يهدم الاقتصاد.
لأنه يقال: إن الحضارة الإسلامية باقتصادها القوي دامت ما يقارب ثلاثة عشر قرناً ولم تكن تستعمل فيه الربا إلا من قبل بعض الجماعات النادرة والمعروفة في المجتمع بالفسق، وكان الناس يتجنبونهم حيث إن الله سبحانه وتعالى شدد النكير على أكل الربا، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في كتبنا الاقتصادية، قال سبحانه: (الّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَالُوَاْ إِنّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرّبَا وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رّبّهِ فَانْتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( يَمْحَقُ اللّهُ الْرّبَا وَيُرْبِي الصّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ كُلّ كَفّارٍ أَثِيمٍ ( إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ( يَـا أيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرّبَا إِن كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ ( فَإِن لّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ((116).
ولم نجد في القرآن الحكيم شدة في التحريم كشدة الربا حيث جعله الله سبحانه وتعالى إيذانا بحرب من الله ورسوله، وهناك روايات شديدة جداً حول الربا والتأكيد على حرمتها.
فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه رأى ليلة أسري به رجالاً بطونهم كالبيت الطَّحِم وهم على سابلة آل فرعون فإذا أحسوا بهم قاموا ليعتزلوا عن طريقهم فمال بكل واحد منهم بطنه فيسقط حتى يطأهم آل فرعون مقبلين ومدبرين، فقلت لجبرئيل: من هؤلاء؟ قال: أكلة الربا«(117)، أي يطأهم آل فرعون الذين يعرضون على النار كل غداة وعشي، كما ورد في القرآن الحكيم من أن آل فرعون يذهب بهم إلى النار فيعرضون عليها ثم يرجع بهم كل يوم هكذا، قال تعالى: ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ ( النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوَاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدّ الْعَذَابِ((118).
وفي حديث آخر عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): »رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا السماء السابعة فنظرت فوقي فإذا أنا برعد وبرق وعواصف فأتيت على قوم بطونهم كالحيّات ترى من خارج بطونهم، قلت: يا جبرائيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أكلة الربا«(119).
والظاهر أن هذا الأمر مثّل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يؤول إليه أمر أمته في المستقبل وكون بعضهم في السماء الدنيا وبعضهم في السماء السابعة أو فوقها لعل المراد به اختلاف مراتب الأكلة فإن النار دركات كما أن الجنة درجات.
وهناك طرق شرعية عديدة لتحصيل الأرباح ولزيادة رأس المال من دون سحق الضعفاء، ومن أفضلها المضاربة المعقولة وقد فصلنا الحديث عنها في كتبنا الاقتصادية وقد رأينا في بعض بلاد الخليج بيت التمويل الإسلامي الذي يتعامل مع التجار معاملة لا ربوية وإنما مضاربية، وكان الإقبال عليه من الناس كبيراً لا لمجرد أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر فيتجنبون الربا، بل من جهة أن الأرباح أيضاً تكون كثيرة كما أن جملة من الأرباح تصرف في الأمور الخيرية، فإن الإسلام لا يبيح للمسلمين أن يكتسبوا المال كيف ما شاءوا وأن يصرفوها في أي طريق أرادوا بل جعل للاكتساب والصرف طرائق مشروعة، كما حذر عن طرائق غير مشروعة تضرّ الدين والدنيا أضراراً فردية واجتماعية.
وهناك أمور أخلاقية ذكرتها الشريعة المقدسة في طلب المال وجمعه وهي كثيرة، ذكرنا تفصيلها في كتاب (فقه المال)، ومنها أن لا يكون هذا الطلب والجمع لأجل التفاخر والمباهاة فقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): »من طلب الدنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله وهو عليه غضبان، ومن طلبها استعفافا عن المسألة وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر«(120).

2: إخراج الحقوق والواجبات من الملكية الفردية

يشترط في الملكية الفردية إخراج الحقوق والواجبات، وتشمل الخمس والزكاة وما أشبه مما هو مقرر شرعاً، وهي أقل من الضرائب الباهضة المفروضة من الدول على ما يملكه الفرد.
فالخمس في سبعة أشياء:
1: أرباح الكسب والتجارة.
2: المعادن.
3: الكنوز.
4: المال المختلط بالحرام.
5: المجوهرات التي يحصل عليها بالغوص في البحر.
6: غنائم الحرب.
7: الأرض التي يشتريها الكافر الذمي من المسلم.
والزكاة في تسعة أشياء:
1-4: الغلات الأربعة وهي: الحنطة والشعير والتمر والزبيب
5-6: في (النقدين) وهما الذهب والفضة
7-9: الأنعام الثلاثة وهي: الإبل والبقر والغنم.
وهناك شروط معينة في تحقق وجوب الخمس والزكاة في هذه الموارد المتقدمة وكذلك في موارد صرفها ومستحقيها وتفصيل كل ذلك مذكور في الفقه (121).

3: إخراج الحقوق الثانوية من الملكية الفردية

لم يقتصر الإسلام في تشريعه للملكية الفردية على الواجبات والحقوق المالية الأساسية وإنما حث ـ من دون إكراه ـ على إعطاء حقوق مالية أخرى غير الخمس والزكاة وهو ما يعبر عنه بـ (الإنفاق في سبيل الله) وهي لا تقل أهمية عن تلك الحقوق.
ورد عن معلى بن خنيس عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قلت لـه ما حق المسلم على المسلم؟ قال (عليه السلام): »له سبع حقوق وواجبات ما منهن حق إلا وهو عليه واجب إن ضيع منها شيئاً خرج من ولاية الله وطاعته ولم يكن لله فيه من نصيب... «(122). وقد مر نص الحديث في موضوع التكافل الاجتماعي، وهذه الحقوق الثانوية هي التي يستطيع المسلمون من خلالها أن يجتهدوا في التواصل والتعاون والتعاطف والمواساة فيما بينهم.

4: مراقبة إنفاق الملكية والموارد التي تصرف عليها

وضعت الشريعة الإسلامية جملة من القيود لسلامة تصرف صاحب الملكية حرصاً عليه وحفظاً لأمواله، وكي تضمن سلامة المجتمع الذي يتعامل معه ومنها:
1: حرمة صرفها في الموارد المحرمة شرعاً، فلا تصرف في الزنا والقمار وشرب الخمر وما شابه ذلك، لأنها تضر صاحبها وتضر المجتمع، وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع... عن ماله.. وفيما أنفقه«(123).
2: تختلف نظرة الإسلام للملكية الفردية عن المذهب الرأسمالي بأن على صاحب المال أن لا يضر الآخرين ولا يجحف بهم، فلا يحتكره، ولا يسيء التصرف فيه فيحصل به الضرر، وذلك كما لو كانت هذه الملكية ـ على سبيل المثال ـ بيد السفهاء فالموقف الإسلامي حينئذ يحجر عليه ويمنعه من التصرف وقد قال سبحانه: (وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مّعْرُوفاً((124).
والخلاصة إن النظرة الإسلامية للملكية الفردية هي التي تحقق السلام والعدل في الجانب الاقتصادي، فالإسلام لا يتعصب للفرد على حساب الجماعة، ولا يميل بها للجماعة على حساب الفرد، بل يحاول أن يوفق بين الطرفين من أجل استمرار الجدول العام الذي يخدم الإنسانية ويحقق مطالب مجتمعاتها.

4: نظرة الإسلام الاقتصادية في القضاء على الفقر

مسألة: الإسلام يقضي على الفقر وذلك بسلمه وسلامه الاقتصادي.

تعريف الفقر

يختلف تعريف الفقر ومعناه بحسب الموضوع الذي يبحث فيه، ففي الاقتصاد: هو الجوع والعوز والحرمان، وهذا المعنى هو المشهور في اللغة، ومنه الفقير وهو الذي لايملك إلا قوت يومه وهو الذي يستحق العطاء والصدقة وإليه أشارت الآية: (إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ((125).
وهناك معان أخرى تأتي بالعرض وهي أعم مما هو شائع عنه، وتنقسم إلى معنوية ومادية.
ومثال المعنوية: فقر الإنسان إلى الله تعالى فمهما كانت صفته فإنه فقير إلى الله تعالى، أي محتاج إلى رحمته وعفوه، وهو الذي أشارت لـه الآية: (رَبّ إِنّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ((126) ، وقولـه في الدعاء: »اللهم أغنني بالافتقار إليك ولاتفقرني بالاستغناء عنك«(127) وله عنى الشاعر في قوله:
ليعجبني لو لا محبتك الفقر(128)
ويعجبني فقري إليك ولم يكن
وأيضاً(129) ما ورد ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: »الفقر الموت الأحمر« قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الفقر من الدينار والدرهم؟ قال (عليه السلام): »لا، ولكن من الدين«(130).
ومن ذلك أيضاً الفقر في العلم: وهو الجهل والتخلف، ولذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): »لا فقر كالجهل«(131).
وأما المادية: فيقال: افتقر الرجل أي صار فقيراً إلى الأمر واحتاج إليه، وهذا الأمر ليس متعلقاً بالحالة الاقتصادية فحسب وإنما الحاجة العامة للإنسان.
قال تعالى: (يَـا أيّهَا النّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ((132).
وكذلك يأتي الفقر بمعنى الطمع أو شدة القنوط، فالغني الذي جبل على الطمع يصطلح عليه بالفقير، لأنه لازال محتاجاً لما يريده، فعن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: » …والطمع هو الفقر الحاضر«(133).
والبخيل أيضاً فهو يملك مالاً ولكن ينكر وجوده عملاً فيطلبه، ورغم امتلاكه للمال قد لا يقال عنه: غني، بل هو والفقير الواقعي يعيشان في الدنيا سواء، يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): »عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغنى الذي إياه طلب فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء«(134).
قال الشاعر في هذا المعنى:
مخافة فقر فالذي فعل الفقر(135)
ومن ينفق الساعات في جمع ماله
وأما في الاصطلاح: فلا يختلف عن المعنى اللغوي الأول وهو المعنى التقليدي السائد أي العوز والجوع والحرمان.
وفي العصر الحديث أعطيت معان للفقر ربما تختلف عما ذكر بعض الشيء، فلايقال: إن الفقر هو العوز والحرمان، بل هو عبارة عن كثرة الحاجات وقلة الدخل، أو هو مشكلة سوء تنظيم الإنسان في توزيع الثروة والدخل، أو هو عبارة عن تأخر الأفراد أو المجتمعات والشعوب عن ركب الدول المتقدمة في الموارد الاقتصادية كما يصطلح على العالم الإسلامي وغيره بدول العالم الثالث أي الدول المتأخرة عن اللحاق بالعالم الأول والثاني: (الدول الصناعية في العالم)، وهذه الدول وإن كان بعضها منتجة للنفط إلا أنها فقيرة في جوانب أخرى إلى الدول الصناعية فاصطلح عليها بالعالم الثالث.
وما يعنينا في الفقر هنا هو ما يمثله من مشكلة اقتصادية واجتماعية وقد أشرنا إلى معناه وما يتعلق به في (الفقه: الاقتصاد)، بأنه العدم، وأردنا من ذلك: معناه في الجانب الاقتصادي وهو ينطبق على الجوع والعوز والحرمان، بعكس الغنى الذي هو وجود وهو ضد ما سبق من المعاني التي ذكرت في الفقر.
مفهوم الفقر في روايات أهل البيت (عليهم السلام)  يجد المتتبع للروايات الشريفة التي تتحدث عن الفقر قسمين منها، فقسم يمدح الفقر والآخر يذمه.
فمجموعة منها تتحدث عن مدحه والثناء عليه وأنه نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى وأنه شعار الأنبياء (عليهم السلام) وزينة الأولياء وزي الصلحاء وهو أحد الأسباب التي تقرب الإنسان من الله تعالى، ومن هذه الروايات التي تعرضت لمدح الفقر على سبيل المثال قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): »الفقر فخري وبه أفتخر«(136).
وقولـه (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين» فقالت له إحدى زوجاته: لِمَ تقول هكذا؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لأنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين عاماً» ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم):
«انظري ألاّ تزجري المسكين وإن سأل شيئاً فلا ترديه ولو بشق تمرة، وأحبّيه وقرّبيه إلى نفسك حتى يقربك الله تعالى إلى رحمته»(137).
ومنها: ما يدل على أنه شعار الأنبياء (عليهم السلام)، كما ورد في نهج البلاغة عنه (عليه السلام) قال: »ولقد دخل موسى بن عمران (عليه السلام) ومعه أخوه هارون (عليه السلام) على فرعون وعليهما مدارع صوف وبأيديهما العصي فشرطا له إن أسلمَ بقاء ملكه ودوام عزه، فقال: ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذل، فهلا ألقي عليهما أساورة من ذهب إعظاماً للذهب وجمعه واحتقاراً للصوف ولبسه«(138).
وما روي عن الإمام الصادق أنه (عليه السلام) قال: »أربعة لم تخل منها الأنبياء والأوصياء ولا أتباعهم: الفقر في المال… «(139).
وقد تميز أهل البيت (عليهم السلام) عن سواهم بعلاقتهم مع الفقراء وتواضعهم ومواساتهم لهم، وقد نقل التاريخ شواهد رائعة من سيرتهم هذه، ومن ذلك ما رواه أبو جعفر محمد بن علي (عليه السلام) قال: »كان علي (عليه السلام) إذا صلى الفجر لم يزل معقباً إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء والمساكين وغيرهم من الناس فيعلمهم الفقه والقرآن«(140).
ومن أروع صور علاقتهم مع هذه الشريحة من المجتمع الإمام السجاد علي بن الحسين (عليه السلام) حيث يقول في دعائه من الصحيفة السجادية: »اللهم حبب إلي صحبةَ الفقراء، وأعني على صحبتهم بحسن الصبر، وما زويت عني من متاع الدنيا الفانية فاذخره لي في خزائنك الباقية، واجعل ما خولتني من حطامها وعجلت لي من متاعها بلغة إلى جوارك، ووصلة إلى قربك، وذريعة إلى جنتك، إنك ذو الفضل العظيم، وأنت الجواد الكريم«(141).
وهذه الشواهد من سيرتهم تدل على عدم وجود حالة الترف في حياتهم، ولذلك ورد عنهم (عليهم السلام): »من أحبنا أهل البيت فليستعد للفقر جلباباً«(142).
ولكن هناك الكثير من الروايات الواردة في ذم الفقر، فمنها ما ورد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »كاد الفقر أن يكون كفرا«(143).
وقال علي (عليه السلام) لابنه محمد بن الحنفية: »يا بني إني أخاف عليك الفقر فاستعذ بالله منه، فإن الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت«(144).
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا أخبركم بأشقى الأشقياء؟». قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة نعوذ بالله من ذلك»(145).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «القبر خير من الفقر..
الحرمان خذلان..
ألا وإن من البلاء الفاقة، وأشد من الفاقة مرض البدن، وأشد من مرض البدن مرض القلب..
الفقر ينسي..
العسر يفسد الأخلاق، العسر يشين الأخلاق ويوحش الرفاق..
إن الفقر مذلة للنفس، مدهشة للعقل، جالب للهموم..
ثلاث هن المحرقات الموبقات: فقر بعد غنى، وذل بعد عز، وفقد الأحبة.
ضرورة الفقر تبعث على فظيع (قطع) الأمر..
الفقير في الوطن ممتهن..
ليس في الغربة عار إنما العار في الوطن الافتقار»(146).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الفقر يخرس الفطن عن حجته، والمقل غريب في بلدته، طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف، الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة، القناعة مال لا ينفد، الفقر الموت الأكبر، إن الله سبحانه وتعالى فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاء فقير إلا بما منع غني، ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند الله عزوجل، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالا على الله»(147).
ولأول وهلة قد يبدو للناظر في هذه الروايات أن هناك تعارضاً بينها، فمنها ما ورد في مدح الفقر والثناء عليه، ومنها ما ورد في ذمه والتعوذ منه!
وعند الرجوع إلى حقيقة كل من هذه الروايات نجد أن لا تعارض بين الأمرين، فالروايات المادحة لـه حينما كان على صفة إيجابية فاستحق المدح والثناء وهو أن يكون الفقير صبوراً قانعاً منقطع الطمع عن الخلق، صارفاً نفسه عما في أيدي الناس، ولم يكن حريصاً على اكتساب المال وجمع الثروة كيف كان، ويعز نفسه عن ذل السؤال، وهذا هو الذي يقال عنه: الفقر المحمود، وقد قال الشاعر فيه:
يعزُّ النفس عن ذل السؤال
أعزُّ الناس نفساً من تراه
بفضلٍ ناب عن جاهٍ ومال
ويقنع بالكفاف ولا يبالي
وقال الآخر:
أحب إلي من منن الرجالِ
لنقل الصخر من قلل الجبالِ
فقلت العار في ذل السؤالِ
وقالوا لي بأن الكسب عار
وقد أشارت بعض الروايات إلى حقيقة هذا الفقر وأنه الابتلاء والاختبار، حيث إن الله سبحانه وتعالى يختبر به عباده ويبتليهم به ليعلم الصابر منهم ليثيبه ويجزيه. وفي الحديث القدسي: »إن من عبادي المؤمنين عباداً لا يصلح لهم أمر دينهم إلا بالفاقة والمسكنة والسقم فأبلوهم بالفاقة والمسكنة والسقم فيصلح عليهم أمر دينهم..«(148).
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): »ما أعطي عبد من الدنيا إلا اعتباراً وما زُوي عنه إلا اختباراً«(149).
وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إليه بأنه ابتلاء واختبار للعباد وذلك حينما مرض فعاده قوم، فقالوا له: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام): »أصبحت بشر« فقالوا: سبحانه الله هذا كلام مثلك؟ فقال (عليه السلام): »يقول الله تعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ((150)، فالخير الصحة والغنى، والشر المرض والفقر ابتلاءً واختباراً«(151).
وأما الروايات الواردة في ذم الفقر فما كان منه على صفة سلبية وما كانت عاقبته سيئة فاستحق الذم لأنه ينتهي بصاحبه إلى كفران نعم الله ونسيان ذكره.
هذا ومن المستحب للفقير الصبر وعدم الشكوى إلى الناس.
عن كميل بن زياد قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يا كميل لا تري الناس افتقارك واضطرارك واصبر عليه احتسابا تعرف بستر»(152).
وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه ‏قال: «من أبدى إلى الناس ضره فقد فضح نفسه»(153).
وعن مفضل بن قيس بن رمانة قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فشكوت إليه بعض حالي وسألته الدعاء. فقال: «يا جارية هاتي الكيس الذي وصلنا به أبو جعفر». فجاءت بكيس فقال: «هذا كيس فيه أربعمائة دينار فاستعن به». قال: قلت: لا والله جعلت فداك ما أردت هذا ولكن أردت الدعاء لي. فقال لي: «ولا أدع الدعاء ولكن لا تخبر الناس بكل ما أنت فيه فتهون عليهم»(154).
وعن قبيصة بن مخارق الهلالي أنه قال: تحملت حمالة فأتيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أسأله فيها. فقال: «أقم عندنا حتى نعاونك عليها واعلم أنه لا تحل لأحد المسألة إلا لإحدى ثلاث رجل تحمل حمالة فحلت لـه المسألة ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له الصدقة حتى يصيب كفافا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت لـه المسألة حتى يصيب قواما من العيش وما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت»(155).
وعن شعيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه دخل عليه واحد فقال: أصلحك الله إني رجل منقطع إليكم بمودتي وقد أصابتني حاجة شديدة وقد تقربت بذلك إلى أهل بيتي وقومي فلم يزدني بذلك منهم إلا بعدا. قال: «فما آتاك الله خير مما أخذ منك». قال: جعلت فداك ادع الله لي أن يغنيني عن خلقه. قال: «إن الله قسم رزق من شاء على يدي من شاء ولكن سل الله أن يغنيك عن الحاجة التي تضطرك إلى لئام خلقه»(156).
وعن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: «أظهر اليأس من الناس فإن ذلك هو الغنى، وأقل طلب الحوائج إليهم فإن ذلك فقر حاضر»(157).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم فيكون افتقارك في لين كلامك وحسن بشرك ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك إليهم وبقاء عزك»(158).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من فتح على نفسه بابا من المسألة فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر لا يسد أدناها شيء»(159).
وكانت هذه إشارة مختصرة إلى موضوع الفقر في الروايات وسيأتي أيضا ذكر علاجه من الجهة الروائية والأخلاقية، والتفصيل في (الفقه: الاقتصاد) وغيره من الكتب، وقد ذكرنا هناك تفصيلا للجمع بين الروايات، وفي أفضلية الفقر أو الغنى أو الحالة الوسطية بينهما وهي الكفاف.
وسنذكر هنا جملة من النقاط التي تتعلق بالفقر والسبل التي اتبعها الإسلام للقضاء على مشاكله كي يعيش الإنسان في حياته برخاء وسعة وبأمن وسلام.

عوامل نشوء مشكلة الفقر وأسبابها

لقد ذكرت عدة عوامل لنشوء مشكلة الفقر، فهي على رأي الرأسماليين نابعة من قلة الموارد الطبيعية، وعلى رأي الماركسيين سببها بقاء المظالم الاجتماعية عبر التاريخ، وهو ناتج من عدم بلوغ التطور مراحله المتقدمة.
وهناك أمور أخرى كانت سبباً في إيجاد هذه المشكلة، منها كثرة الحاجات وقلة دخل الفرد، وينشأ أيضاً بسبب سوء تنظيم الإنسان في توزيع الثروة والدخل.
والبعض الآخر قال: هو تخلف الشعوب وتأخرها عن الركب الحضاري في العالم المتمثل بالدول الغربية هو الذي يخلق مشكلة الفقر.
والحقيقة أن مشكلة الفقر لا يمكن أن يحددها سبب معين وإنما هي نتيجة عوامل متعددة، ترجع إلى ثلاثة عناصر أساسية وهي: الدولة والمجتمع والإنسان، وهذه العناصر الثلاثة إن اشتركت بأجمعها في أداء ما عليها من حقوق اجتماعية واقتصادية لا يبقى لمشكلة الفقر أي أثر، وإن حدث تقصير من أحد هذه العناصر الثلاثة تبقى مشكلة الفقر حاضرة لا يمكن القضاء عليها.
إن المحيط الذي يتعامل معه الإنسان في وجوده على هذه الأرض يتكون من خمسة عناصر:
الأول: الحياة أو ما يعبر عنها بالكون.
الثاني: المذهب الذي يعتقده الإنسان، أو المنهج الذي يتبعه أو الوسيلة التي يلتزمها في هذه الحياة.
الثالث: النظام الذي يعيش في ظله وهو دائرة الدولة.
الرابع: دائرة المجتمع.
الخامس: شخصية الإنسان.
أما العنصر الأول: وهو الكون، لا يمكن أن نعتبره من العناصر التي اشتركت في إيجاد مشكلة الفقر، لأن الكون بما فيه من مفردات وثروات خلقها الباري عزوجل بحيث يكفي لكل البشر، نعم ربما الإنسان بنفسه أو ببني نوعه يسيء التصرف في الكون فلا يمكنه الاستفادة الصحيحة من ثرواته.
وقد ذكرنا في أول هذا الفصل أن العلماء أثبتوا أن الكرة الأرضية قابلة لأن يسكنها مائتا مليار من البشر أي أكثر من ثلاثين مرّة ضعف هذا البشر المتواجد عليها اليوم، فإن فيها من السعة ما يكفيهم للعيش عليها، وهذا يدل على أن ما من نفس تخلق إلا وقد هيأ الله لها ما تحتاجها من المكان الذي تعيش فيه وبقعة الأرض التي تقضي فيها حياتها والرزق المحدد لها.
أضف إلى ذلك أن هناك قوانين السنة الكونية والإرادة الإلهية في بقاء نسبة التعادل بين الأحياء على هذه الأرض ومساحتها، وذلك من خلال المدة المحدودة التي يعيشها الإنسان، فهناك أجيال تغادر الحياة بموتها ويقابلها مجيء أجيال جديدة من البشر بولادتها، فهناك نسبة من التعادل بين الأرض ومن يعيش عليها.
ثم إن الإنسان ينعم في هذا الكون الفسيح بما يحتوي على هذه المفردات التي لا تعد ولا تحصى، وبما فيه من هذا النظام البديع ومنها الأرض التي يعيش الإنسان في ظل خيراتها وينعم بمواردها الطبيعية، والآيات والروايات التي تحدثت عن هذه الموضوعات كثيرة جداً.
فإذاً عنصر الكون وما يحتوي على هذه العناصر لا يمكن اعتباره سبباً في إيجاد مشكلة الفقر.
وأما العنصر الثاني: وهو العقيدة أو المذهب، فينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: المبادئ الوضعية ومنها: المذهب الرأسمالي والشيوعي.
والقسم الثاني: المبادئ السماوية، ويمثلها الإسلام، فإنه نسخ الأديان السابقة.

المبادئ الوضعية

إن هذه المبادئ الوضعية من الرأسمالية والشيوعية والاشتراكية وما أشبه، لايمكن بحال من الأحوال أن تلبي حاجات الإنسان ومتطلباته بشكل صحيح، إذ لا يصدر منها قانون إلا وفيه ظلم للإنسان نفسه أو بني نوعه، من الموجودين أو الأجيال القادمة، وهذه القوانين الوضعية من أهم أسباب إيجاد مشكلة الفقر.
فأما المذهب الرأسمالي الغربي: فتجد ظاهرة الفقر وتضييع حقوق الضعفاء بارزة فيه، والبطالة منتشرة في أرجائه، وذلك لأنه لم يحسب للفقير أدنى حساب ولم توضع المناهج والخطط التي ترفع من مستوى الفقير والأخذ بحقه، فتبقى منافذ حاجياته مفتوحة لم يستطع إغلاقها، ثم إنه يفسح المجال أمام الغني فلم يضع حداً له أو شرطاً حتى وإن كان سبباً في خلق مشاكل اقتصادية واجتماعية للمجتمع من خلال عمل أمواله في الربا والاحتكار والاستغلال.
ثم هناك أمر آخر لا يقل أهمية عما سبق، وهو أن المذهب الرأسمالي والتي سبقته من المذاهب الوضعية لم تعترف بحق من لا تتوفر له فرصة العمل وهو في حالة فقر، يقال: إن أول قانون وضع في الدول الغربية يحدد الفقير وما له من حقوق كان في عام (1601م) في إنكلترا وسمي بقانون الفقراء، وهذا لا يحل مشكلة الفقر ولا يضمن جميع حقوق الفقراء والمساكين.
وأما المذهب الشيوعي: فالفقراء في ظله أشد بؤساً والأغنياء أشد قهراً وظلماً من أي مذهب آخر، فإن الأغنياء يحكمون وبيدهم الدولة والقوة، ولذا لم يستطع أن يضع الحلول الناجحة للقضاء على مشكلة الفقر.

المبادئ السماوية

القسم الثاني وهي المبادئ السماوية ويمثلها الإسلام، فهي الكفيلة بحل مشكلة الفقر، وذلك بقوانين وضعها الباري عزوجل العالم بجميع متطلبات الإنسان، المخلوق منهم والذي سوف يخلق من الأجيال القادمة، كما هو عالم بالثروات التي خلقها وسخرها للإنسان، وهو غني مطلق لا يظلم أحداً، ولا يريد الخير إلا لعباده.
ولنرى في لمحة موجزة ما هو دور الإسلام في حل مشكلة الفقر.
لقد كان الإنسان موضع تكريم السماء، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَىَ كَثِيرٍ مّمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً((160)، وشواهد هذا التكريم لا تعد ولا تحصى ومنها:
1: إن الله سبحانه وتعالى أنزل الإسلام شريعة سمحاء تتلاءم مع الفطرة الإنسانية بكل أبعادها، وتساير الإنسان في حياته وفق متطلبات الزمن، وبلّغ هذه الرسالة وصدع بها نبي الرحمة المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: (وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ((161).
2: ما من شيء على هذه الأرض وفوقها إلا وهو مسخر للإنسان، قال عزوجل: (خَلَقَ لَكُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً((162).
وقال سبحانه: (اللّهُ الّذِي خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَرَاتِ رِزْقاً لّكُمْ وَسَخّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ ( وَسَخّر لَكُمُ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخّرَ لَكُمُ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ ( وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ((163).
وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ سَخّرَ لَكُم مّا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رّحِيمٌ((164).
وقال عزوجل: (أَلَمْ تَرَوْاْ أَنّ اللّهَ سَخّرَ لَكُمْ مّا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مّنِيرٍ((165).
وقال تعالى: (اللّهُ الّذِي سَخّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ( وَسَخّرَ لَكُمْ مّا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ((166).
3: ومن شواهد هذا التكريم أن الإسلام تابع كل تفاصيل الإنسان وجزئياته فشرع له السنن ونظم القوانين من أجل أن يعيش في هذه الحياة حراً كريماً، وبما أن الشريعة الإسلامية فيها تبيان لكل شيء يتعلق بالإنسان فلابد أنها وضعت لكل ما يواجهه الإنسان من مشاكل ومصاعب، الحلول الناجعة التي من خلالها يتغلب على كل مشكلة تمر به بيسر وسهولة.
ومن تلك المشاكل التي واجهت الإنسان ووضع لها الإسلام الحلول الجذرية مشكلة الفقر.
فإنه لم يخل مجتمع في زمن من الأزمنة عبر التاريخ إلا وكانت مشكلة الفقر حاضرة فيه، فكانت منذ القِدَم تقض مضاجع الرسل والأنبياء (عليهم السلام)، والأوصياء والعلماء، فهذا علي أمير المؤمنين (عليه السلام) تراه يذكر فيها في أكثر من خطبة من على منبر الكوفة، فمن كلام له (عليه السلام) في ذكر المكاييل والموازين: »وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدباراً، ولا الشر فيه إلا إقبالاً، ولا الشيطان في هلاك الناس إلا طمعاً... اضرب بطرفك حيث شئت من الناس، هل تبصر إلا فقيراً يكابد فقراً؟ أو غنياً بدل نعمةَ الله كفراً؟ أو بخيلاً اتخذ البخلَ بحق الله وفراً؟ أو متمرداً كأن بأذنه عن سمع المواعظ وقراً، أين خياركم وصلحاؤكم، وأين أحراركم وسمحاؤكم؟ وأين المتورعون في مكاسبهم، والمتنزهون في مذاهبهم«(167)؟.
والإمام (عليه السلام) في كلامه هذا يبين أربعة أسباب للمجتمع الذي لا يزداد إلا إدباراً وتخلفاً وبؤساً وشقاءً وهي: (الفقر والغنى والبخل والتمرد)، والطابع الذي يغلب على هذه الأسباب هو الطابع الاقتصادي المالي فالثلاثة: الغنى والفقر والبخل ترجع للمال. فإذاً مشكلة الفقر هي من أهم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية سواء كانت على صعيد الفرد أو الجماعة.
ومن المعلوم إن خلافة الإنسان في هذه الأرض لابد لها من أمرين:
الأول: عقيدة توجهها، والثاني: سلوك ينظمها. وكل منهما مكمل للآخر، إذ لا يمكن أن يستقيم أمر الإنسان في هذه الأرض بدون عقيدة وشريعة، وكذلك سلوك وعمل، وقد أدركت الشرائع السماوية ولا سيما الإسلام باعتباره خاتم الأديان أن العقيدة الصحيحة لها دورها الأساسي في حل مشاكل مادية كبيرة كمشكلة الفقر والجوع والحرمان، وذلك لأن الإنسان لديه غرائز أولية وذاتية ولابد من إشباعها أولاً إذ بدونها لا يمكن أن يحيا الإنسان ويعيش حياة طيبة، كغريزة الأكل فإذا عدم الخبز انتهى وجود الإنسان، وهكذا الغرائز الأخرى من الجنس وما أشبه.
وبما أن الشريعة الإسلامية أرسلت إلى البشرية كافة والله سبحانه وتعالى يقول لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ((168) والعالم يشمل الجائع والشبعان والفقير والغني وغيرهم من طبقات المجتمع وشرائحه. كان لابد وأن يكون الإسلام مشتملاً على أفضل الحلول لمشاكل مختلف الناس.
وبما أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض كان هذا الاهتمام العظيم من قبل الإسلام في حل هذه المشكلة واضحة، ويتمثل في تأمين مستلزمات المجتمع المعيشية، وذلك لأن هذه المشكلة تعتبر عائقاً في طريق عبادة الله سبحانه وتعالى ومن هنا نرى سيرة الأنبياء (عليهم السلام) والآيات الكريمة في القرآن تبين نعم الله عزوجل في قضاء الحاجات الأولية الأساسية للإنسان ثم يأتي التذكير بعبادة الله سبحانه وتعالى.
فحينما دعا موسى (عليه السلام) ربه(قَالَ رَبّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي( وَيَسّرْ لِيَ أَمْرِي((169) ثم جاء بعد هذا الشرح والتيسير دور الذكر والتسبيح والعبادة فقال: ( كَيْ نُسَبّحَكَ كَثِيراً ( وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً((170).
وفي موضع آخر من القرآن نرى أن الله سبحانه وتعالى طالب الناس بالعبادة بعد أن هيأ لهم الأمان والاستقرار والغذاء والطعام كي لا يستشعروا بالخوف ومن أجل أن لا يلههم الجوع فقال: ( فَلْيَعْبُدُواْ رَبّ هَـَذَا الْبَيْتِ ( الّذِيَ أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مّنْ خَوْفٍ((171).
ولما كان إيجاد هذه الحاجات الأساسية التي يحتاجها الإنسان هو أساس العبادة في الإسلام نرى شدة اهتمام الشرع المبين بهذه الأنظمة والقوانين والحلول من أجل حل هذه المشكلة. وتفصيلها يحتاج إلى مجلدات، ولكن سنذكر بعض جوانب نظرة الإسلام لبعض الجوانب التي يمر بها الإنسان في مشكلة الفقر، ثم نذكر بعض ملامح الأنظمة والحلول والتشريعات التي وضعها لحل هذه المشكلة لتكون شاهداً على أن الإسلام هو الدين الوحيد من بين تلك الأديان والمذاهب الذي أدرك ما تخلقه هذه المشكلة من سلبيات على الإنسان فوضع لها كل ما تحتاجه من إرشاد وتوجيه وأنظمة وقوانين.
ثم إن المشاكل الناتجة عن الفقر لها علاقة بكل المجالات التي يتحرك فيها الإنسان، ونذكر منها اثنين على سبيل المثال:

1: الجانب الإنساني

لقد أدرك الإسلام أهمية المشاكل التي يخلقها الفقر للإنسان وقد تحدث في مختلف جوانبه ومنها في المجال الإنساني، فالذي يعاني من هذه المشكلة لا يمكنه عادة أن يتمتع بكل مقومات الإنسان الكامل، ومن ذلك على سبيل المثال سلبيات هذه المشكلة على ذهنية الإنسان وقدرته لإبداء الرأي الصحيح واتخاذ المواقف الناجحة، فالجائع مشغول بنفسه قد لا يمكنه أن يشيرك في أمر ما، لأن الفقر جعله مولّه العقل، مشتتاً في كيفية تدبير شؤون معيشته، وعدم وجود الخبز أخذ مدى تفكيره فجعل حجته غائبة عنه، لايهتدي إلى سبيله، مدهوش اللب، فلا يتأمل منه ـ عادة ـ إبداء الرأي الصحيح والصائب والناضج، ولذلك قال الإمام علي (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام): »يا بني من ابتلي بالفقر ابتلي بأربع خصال … بالضعف في يقينه والنقصان في عقله والرقة في دينه وقلة الحياء في وجهه«(172).
وقال (عليه السلام) لابنه محمد ابن الحنفية: »... فإن الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت«(173).
وقال (عليه السلام): »الفقر يخرس الفطن عن حجته«(174).
وعلى هذا تكون هذه الشريحة ـ عادة ـ غير فاعلة في المجتمع وليس لها دور يذكر في المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية وغيرها، فيعتبر الإسلام هذا الأمر خسارة للمجتمع البشري لأنه جاء يحمل للناس مجموعة من المفاهيم والمبادئ من أجل سعادتهم، ومنها قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): »كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته«(175). ومن يتصف عقله بـ (النقصان) أو بـ (المدهشة)كيف يكون راع ومسؤول عن رعيته؟.

2: الجانب النفسي

وقد أدرك الإسلام أيضاً المشاكل النفسية التي تخلقها مشكلة الفقر للإنسان وخاصة إذا كان يعيش في وسط مجتمع قاس لا توجد فيه رحمة وهي تلك المجتمعات التي يغلب عليها طابع التفكير الجمعي السوقي والرأسمالي الغربي، التي تنعدم فيها روابط الإنسانية كالرحمة والشفقة والحنان والعطف، فهذا المجتمع ينظر للفقير بازدراء وعدم احترام، يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) للحسن (عليه السلام): » … يا بني الفقير حقير لا يسمع كلامه، ولا يعرف مقامه، لو كان الفقير صادقاً يسمونه كاذباً، ولو كان زاهداً يسمونه جاهلاً … «(176).
وقد قال الشاعر في وصف نظرة ذلك المجتمع لمن يعاني من هذه المشكلة مترجماً حديث الإمام (عليه السلام):
وفعلك محمود وأنت محمد
فإن كنت ذا مالٍ فقولك صادق
مقيم لك الهم المبرّح معقد
فإن صرت محتاجاً ففي كل حادثٍ
وقد قال شاعر آخر في الرد على ذلك:
عيب الغنى أكبر لو تعتبر
يا عائب الفقر ألا تزدجر
على الغني إن صح منك النظر
من شرف الفقر ومن فضله
ولست تعصي الله إن تفتقر
إنك تعصي لتنال الغنى
ولا يخفى أن المقصود بيان ما يترتب على الفقر والفقير من المساوئ في المجتمع.
وربما يكون البيت الأخير إشارة إلى مثل هذا الحديث الشريف:: »ما جمع مال إلا من بخل أو حرام« وسيأتي ذكر معنى هذه الروايات في العناوين القادمة إن شاء الله تعالى.

العناصر الأخرى

وقد ذكرنا فيما تقدم أن العناصر التي تحيط بالإنسان خمسة وذكرنا العنصر الأول وهو الكون وقلنا بأنه لا علاقة للكون بإيجاد مشكلة الفقر، والعنصر الثاني هو المذهب واتضح أن المبدأ الصحيح ـ وهو الإسلام ـ ليس له أية علاقة بإيجاد هذه المشكلة، بل هو من وراء القضاء عليها وحلها بأحسن ما يمكن، فبقت العناصر الثلاثة: الدولة والمجتمع والإنسان وهي المسؤولة عن إيجاد مشكلة الفقر.

الحلول الإسلامية للقضاء على الفقر

وقبل أن نوضح تقصير كل من الدولة والمجتمع والإنسان في هذا الباب، نذكر ما شخصه الإسلام من المشاكل التي تواجه الفقير وما وضعه من حلول لها:

1: توفير الحاجات الأولية للإنسان

من جملة ما تعرف به ملائمة الشريعة الإسلامية للفطرة الإنسانية ما وضعته من حلول للمشاكل التي تواجه الإنسان في حياته، ومما شرعه الإسلام في سبيل القضاء على مشكلة الفقر هو أن يحس الأغنياء بما يلاقيه الفقراء، فمن فلسفة فريضة الصوم وحكمتها هي أن يتحسس الغني ألم الفقر ومعاناة الفقراء، فيسعى في قضاء حوائجهم، وهذا له تأثير نفسي كبير كما هو مذكور في علم النفس.
إن الإسلام يعتبر أهم شيء لديه هو وجود الإنسان فهو يسعى لأن يجعله سعيداً سواء في هذه الفترة الزمنية القصيرة التي يقضيها في هذه الحياة الدنيا، أو في الآخرة.
فمن مميزات هذه الفريضة أنها تطبق شيئا من المساواة العملية بين طبقات المجتمع المختلفة على صعيد الجوع، فيعرف الغني ألم الفقير ويعرف الفقير مساواته للغني.
وقد حرص الإسلام على المواساة وبعض مصاديق المساواة التي لا تنافي العدالة فإن بينهما عموما من وجه كما في المنطق، وقد مر بنا سابقاً كيف ساوى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بين الناس في العطاء، ومن هنا يعرف أن الإسلام يرفض الفقر والمسكنة للناس.
وهنا يأتي سؤالان:
السؤال الأول: قد يقال إن الإسلام يدعم ما ورد في المذهب الاشتراكي من دعوته للمساواة!.
والجواب الإسلام يدعو للعدالة وقد تكون المساواة مصداقا لها، ثم إن الصوم ـ مثلا ـ الذي فرض ليراد ضمن ما أريد منه أن يخلق في نفوس أفراد المجتمع الشعور بالمساواة يوجب الاندفاع إلى رفع مستوى الفقير بإرادتهم. بينما الاشتراكية الجائرة وضعت القوانين لهدم الأسس الفطرية للاقتصاد فتخلق المساواة بالإكراه والجبر وبالنار والحديد بين الناس وتحتكر الثروة للطبقة الحاكمة، وفي هذا ظلم أكبر من ظلم الرأسمالية.
ثم في النظرية الإسلامية إن العطاء الذي يجبر عليه الإنسان عبر أساليب معينة من قبل الحكومات مثلاً لا تعد فضيلة للإنسان، وحتى في الجانب الأخلاقي يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): »السخاء ما كان ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء
وتذمم«(177).
والمسلم الحقيقي هو الذي يعطي تطوعاً ويبذل حراً ويعمل من أجل إشباع الجائع ومساعدة المحتاج وإغاثة الملهوف بإرادته واختياره. وهكذا يربي الإسلام نفوس المسلمين بحب المواساة والمساواة والأخذ بأيدي الفقراء وما أشبه ويعد بالثواب الجزيل على ذلك.
وهذه سيرة أهل البيت (عليهم السلام) تشع بالشواهد العظيمة على ذلك العطاء والعمل، ومنها الروايات التالية:
قدم أعرابي المدينة فسأل عن أكرم الناس بها، فدل على الإمام الحسين (عليه السلام) فدخل المسجد فوجده مصليا فوقف بإزائه وأنشأ:
لم يخب الآن من رجاك ومن
حرك من دون بابك الحلقة
أنت جواد وأنت معتمد
أبوك قد كان قاتل الفسقة
لو لا الذي كان من أوائلكم
كانت علينا الجحيم منطبقة
قال: فسلم الحسين (عليه السلام)، وقال: «يا قنبر هل بقي شيء من مال الحجاز؟». قال: نعم أربعة آلاف دينار. فقال: «هاتها قد جاء من هو أحق بها منا». ثم نزع برديه ولف الدنانير فيهما وأخرج يده من شق الباب حياء من الأعرابي وأنشأ:
خذها فإني إليك معتذر
واعلم بأني عليك ذو شفقة
لو كان في سيرنا الغداة عصا
أمست سمانا عليك مندفقة
لكن ريب الزمان ذو غير
والكف مني قليلة النفقة
قال: فأخذها الأعرابي وبكى. فقال: «له لعلك استقللت ما أعطيناك؟». قال: لا ولكن كيف يأكل التراب جودك!(178).
وعن عمرو بن دينار قال: دخل الإمام الحسين (عليه السلام) على أسامة بن زيد وهو مريض، وهو يقول: وا غماه! فقال لـه الحسين (عليه السلام): «وما غمك يا أخي؟». قال: ديني وهو ستون ألف درهم. فقال الحسين: «هو عليَّ». قال: إني أخشى أن أموت. فقال الحسين: «لن تموت حتى أقضيها عنك». قال: فقضاها قبل موته. وكان (عليه السلام) يقول: «شر خصال الملوك: الجبن من الأعداء والقسوة على الضعفاء والبخل عند
الإعطاء»(179).
وقال شعيب بن عبد الرحمن الخزاعي: وجد على ظهر الحسين بن علي (عليه السلام) يوم الطف أثر، فسألوا زين العابدين (عليه السلام) عن ذلك فقال: «هذا مما كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين»(180).
وعن إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده المعلى بن خنيس إذ دخل عليه رجل من أهل خراسان، فقال: يا ابن رسول الله أنا من مواليكم أهل البيت، وبيني وبينكم شقة بعيدة، وقد قل ذات يدي ولا أقدر أن أتوجه إلى أهلي إلا أن تعينني؟ قال: فنظر أبو عبد الله (عليه السلام) يميناً وشمالاً وقال: «أ لا تسمعون ما يقول أخوكم، إنما المعروف ابتداء فأما ما أعطيت بعد ما سأل فإنما هو مكافأة لما بذل لك من ماء وجهه ـ ثم قال ـ: فيبيت ليلته متأرقا متململا بين اليأس والرجاء لا يدري أين يتوجه بحاجته فيعزم على القصد إليك فأتاك وقلبه يجب وفرائصه ترتعد وقد نزل دمه في وجهه وبعد هذا فلا يدري أ ينصرف من عندك بكآبة الرد أم بسرور النجح فإن أعطيته رأيت أنك قد وصلته، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): والذي فلق الحبة وبرأ النسمة وبعثني بالحق نبيا لما يتجشم من مسألته إياك أعظم مما ناله من معروفك». قال: فجمعوا للخراساني خمسة آلاف درهم ودفعوها إليه(181).
وروي: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أتاه طالب في حاجته فقال لـه: «اكتبها على الأرض فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجه السائل»(182).
وجاء رجل إلى الرضا (عليه السلام) فقال: يا ابن رسول الله لقد فقدت نفقتي، ولم يبق معي ما يوصلني إلى أهلي، فاقرضني وأنا أتصدق به عنك. فدخل داره وأخرج يده من الباب وقال: «خذ هذه الصرة». وكان فيها مائتي دينار وقال لـه: «لا حاجة لنا إلى صدقتك». فقال لـه: يا ابن رسول الله لم لا تخرج وجهك؟ فقال: «نحن أهل بيت لانرى ذل السؤال في وجه السائل»(183).
وسأل رجل الحسن بن علي (عليه السلام) شيئا، فأعطاه خمسين ألف درهم وأعطى الجمال طيلسانه كراه وقال: «تمام المروءة إعطاء الأجرة لحمل الصدقة»(184).
وقال علي بن الحسين (عليه السلام): «إني لأبادر إلى قضاء حاجة عدوي خوفا أن يقضيها له غيري أو أن يستغني»(185).
نية المواساة
ومن عظمة الإسلام أنه كرم الإنسان الذي يتمتع بصفة المواساة وأجزل له الثواب والجزاء حتى وإن لم يصدر منه عمل وبقى على نية الخير لعدم إمكانيته، فقد ورد أن الله يعطي الثواب العظيم لنية الخير وللقلب العطوف الذي يمتلك الرحمة وإن لم يوفّق للعمل، ففي الحديث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: »إن العبد المؤمن الفقير ليقول يا رب ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير، فإذا علم الله عزوجل ذلك منه بصدق نية، كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله، إن الله واسع عليم«(186).
وروي: »إن عابداً من عبّاد بني إسرائيل مرّ على كثيب من رمل وقد أصابت بني إسرائيل مجاعة عظيمة فتمنّى في نفسه أن هذا لو كان دقيقاً لأشبع به بني إسرائيل، فأوحى الله إلى نبيّ من أنبيائه (عليهم السلام) أن قل لفلان: إنّ الله تعالى قد أوجب لك من الأجر ما لو كان دقيقاً وأشبعت به الناس«.
ومن هنا فإن الإسلام يجل ويكبر للإنسان أن توجد فيه هذه الصفات والخصائص حتى لو اختلف عن منهجه وسلوكه فكان كافراً، كما ورد من مدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لحاتم الطائي الجواد المشهور، وذلك لما جيء بسبايا طي إلى المدينة وادخل السبي على
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخلت (سفانة) بنت حاتم الطائي، فعجب الحاضرون من حسنها وجمالها فلما تكلمت نسوا حسنها وجمالها لعذوبة منطقها قالت: أي محمد، مات الوالد، وغاب الوافد، فإن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي الأعداء، أو (أحياء العرب)، فإني ابنة سيد قوم، وإن أبي كان يحب مكارم الأخلاق وكان يطعم الجائع ويفك العاني ويكسو العاري، وما أتاه طالب حاجة إلا ورده بها.
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا جارية هذه صفات المؤمنين حقاً لو كان أبوك مسلماً لترحّمنا عليه، ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أطلقوها كرامةً لأبيها. فقالت: أنا ومن معي.
قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أطلقوا من معها كرامةً لها.
ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): »ارحموا ثلاثاً، وحق لهم أن يرحموا: عزيزاً ذل من بعد عزه، وغنياً افتقر من بعد غناه، وعالماً ضاع ما بين جهال«.
ثم قالت سفانة: يا رسول الله أتأذن لي بالدعاء لك.
قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم.
فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة قوم إلا جعلك سبباً لردها.
قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): آمين، ثم أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لها بإبل وغنم سدت ما بين الجبلين فعجبت من ذلك!، وقالت: يا رسول الله هذا عطاء من لا يخاف الفقر، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): هكذا أدبني ربي(187).
وكذلك كان ابنه عدي بن حاتم الطائي وهو من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد كان سخياً جواداً حتى قيل إنه كان يفت الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات ولهن علينا حق الجوار، ومن غريب الحوادث التي مرت به وهو في عمله هذا قيل: كان يفت الخبز للوحوش في كل يوم فإذا كان يوم عاشوراء لم تأكله(188).
وقد ورد أيضاً إن الله عزوجل أوحى إلى موسى (عليه السلام): »أن لا تقتل السامري فإنه سخي«(189).
وفي حادثة أخرى أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) بقتل أحد هؤلاء الثلاثة الذين أرادوا اغتياله (عليه السلام) وقد قام أمير المؤمنين (عليه السلام) ليضرب عنقه فهبط جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: لا تقتله فإنه حسن الخلق سخي في قومه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي أمسك فإن هذا رسول ربي عزوجل يخبرني أنه حسن الخلق سخي في قومه، فقال المشرك تحت السيف: هذا رسول ربك يخبرك؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم، قال: والله ما ملكت درهماً مع أخ لي قط ولا قطبت وجهي في الحرب، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا ممن جره حسن خلقه وسخاؤه إلى جنات النعيم(190).
السؤال الثاني: قد يقول قائل: إن فريضة الصوم تبدأ وتنتهي وتتجدد في كل عام ولا نرى أثراً لهذه المساواة، بل على عكس ذلك فالفقير لا يزداد إلا فقراً وبؤساً وشقاءً، والغني لا يزداد إلا جشعاً وحرصاً وبخلاً؟
والجواب: إن الإسلام يحل مشكلة الفقر جذريا، ويهيئ مقومات الحل نفسيا، ومن حكمة الصوم التهيؤ النفسي للمواساة مع الفقراء ومساعدتهم وليس هذا الأمر هو الحل بكامله كما هو واضح، ثم إن قسماً من الأغنياء رغم أدائهم لهذه الفريضة ربما يشعرون بأن هذه الأموال هي المقياس الذي يميزهم عن غيرهم من طبقات المجتمع الأخرى فيظنون بأن وجودهم لا يساوي شيئا بدونها.
ورؤية الأموال بهذه النظرة يعني الطبقية الخاطئة في المجتمع فأصحاب الأموال يشعرون بالاستعلاء والفقراء يشعرون بالضعف وأنهم الطبقة السفلى من المجتمع وهذه النظرة لا واقع لها في الإسلام ولا تُستمدُ من مثله العليا وقيمه السامية.
بل إن القرآن الكريم يقول: ( يَـا أيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ((191).
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تحقروا مؤمنا فقيراً، فإنه من حقر مؤمناً فقيراً واستخف به حقره الله ولم يزل الله ماقتاً لـه حتى يرجع عن محقرته أو يتوب»(192).
وقال (عليه السلام): «من استذل مؤمنا او احتقره لقلة ذات يده ولفقره شهره الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق»(193).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليأذن بحرب مني من أذل عبدي وليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن»(194).
والطبقية توجد في كل زمان ومكان مادام فيه أهل للخير وأعوان للشر، فهناك فئات من المجتمع تغذي بقاءها ووجودها على حساب الآخرين وتضييع حقوق الناس، وهذا الواقع المر هو الإرث الذي تركه بعض الحكام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقبل خلافة الإمام علي (عليه السلام) وحكومته العادلة، وقد أوجدت السياسة المالية التي تقدمت على عهده طبقات مختلفة من ذلك المجتمع فمنها: طبقة يصطلح عليها بالأشراف، ومنها طبقة المرتزقة وهم بطانة الحاكم وأعوانهم، وطبقة راضية قانعة بتلك السياسية المالية الجديدة التي ابتدعوها، وطبقة الفقراء.
ولما ولى الإمام (عليه السلام) الحكم أخذت هذه المشكلة الاقتصادية بعداً واسعاً في سيرته الإصلاحية التي اتبعها، وذلك لما رأى ذلك المجتمع غرابة هذه السيرة العلوية التي لم يألفها سابقاً إلا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن سلوك الحكام السابقين كان يقوم على جملة من الأسس التي ليس لها مدرك في الشريعة ومنها: الملك والاستبداد كسيرة معاوية. ومنها: التفضيل في العطاء. وقد وجدت حالات لا يتأمل الإنسان المسلم حدوثها كتفضيل من لا سابقة لـه في الإسلام ومن ليس لـه معرفة بالدين كمروان بن الحكم وعبد الله بن أبي سرح والوليد بن عقبة ونظائرهم.
ولهذا تجد الإمام (عليه السلام) بين آونة وأخرى يئن من حمل أعباء هذه التركة ويتألم من هذا الإرث المشتت ويصرخ من وطأة هذا الجرح الغائر في جسم الكيان الإسلامي وقد عرف من خلال فلسفته لحل هذه المشكلة أن لها دورا عظيما في تقويم الدنيا وصلاحها إن أحسن الغني والفقير التعامل معها فيقول (عليه السلام) لجابر بن عبد الله الأنصاري: «يا جابر قوام الدين والدنيا بأربعة: عالم يستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وجواد لا يبخل بمعروفه، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه»(195).
وقد عالج الإمام (عليه السلام) هذا الواقع الصعب واضعاً القرآن نصب عينيه، فما عارضه من تلك التركة وذلك الإرث وضعه جانباً، وما وافق القرآن أخذ به، فلما رأى التفاضل سائداً بين الناس بالأموال وهو يخالف منهج القرآن وذلك في قوله تعالى: (يَـا أيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ((196) دعا الناس حينئذ إلى التفاضل فيما بينهم بالتقوى والفضيلة ومكارم الأخلاق وفي العطاء والكرم، وأن يتباهوا فيما بينهم بعبادة الله تعالى، فساوى بين الناس في العطاء فأصبح العربي والعجمي والكبير والصغير والشريف والوضيع كلهم سواء، وقد خلقت لـه هذه السياسة المالية التي اتبعها مشاكل كثيرة ونشبت بسببها حروب ومعارك، وذلك لأن الطغاة أبوا قبول المنطق القرآني في نظرية المساواة والتفاضل فقال (عليه السلام) لهم:
«أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟ والله ما أطور به ما سمر سمير، وما أم نجم في السماء نجما، لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله، ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف»(197).
ثم كانت هناك طبقة من ذلك المجتمع أبت أن ترجع ما أخذنه ظلماً واغتصاباً عبر تلك السياسات المالية الخاطئة، فقال (عليه السلام) لهم: »ألا وكل قطعة أقطعها عثمان أو مال أعطاه من مال الله فهو رد على المسلمين في بيت مالهم فإن الحق لا يذهبه الباطل والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو وجدته قد تزوج به النساء وتفرق في البلدان لرددته على أهله فإن في الحق والعدل لكم سعة ومن ضاق به العدل فالجور به أضيق«(198).

2: رفع المستوى الاجتماعي

حرص الإسلام على إزالة مشكلة الفقر حرصاً على سلامة المجتمع، فاهتم بتوجيه كل إنسان حتى يكون عنصراً صالحاً فيه، فسعى للقضاء على الفقر ورفع مستوى الفقراء، لأن المشاكل التي تخلقها حالة الفقر كثيرة، ومنها البطالة وفيها ضرر كبير على المجتمع، ومن أضرارها تفشي ظاهرة السرقة وعدم الأمان، وخطرها عظيم كما هو واضح، فالمجتمع الذي يفتقر الأمان لا يمكن أن يكتب له الاستمرار في الحياة، والإسلام لا يريد أن يفرط بهذه الشريحة من المجتمع وهي قد تكون ذات نسبة عالية فيه فسعى عبر ما أوجده من حلول وتشريعات لرفع مستوى هذه الفئة من الناس كي تكون صالحة ومستقرة قال سبحانه: (وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ((199).

3: الاهتمام بالجانب المالي

موقف الإسلام من المال والثروة موقف إيجابي، ومن هنا فقد أولى الإسلام العامل المادي عناية مهمة فقال عزَّ وجلَّ: (يَابَنِيَ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوَاْ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْرِفِينَ ( قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ قُلْ هِي لِلّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ((200).
واعتبر الإسلام المال زينة الحياة الدنيا: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا((201) وبه قوام المجتمع: (وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً((202) حيث عبر عن المال بقيام الإنسان، وإنه (نعم العون على تقوى الله)(203) وإن (طلب المال الحلال فريضة وجهاد في سبيل الله) (204) وإن الله تعالى »يحب أن يرى أثر نعمته على عبده«(205).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «لا خير في من لا يحب جمع المال من حلال يكف به وجهه ويقضي به دينه ويصل به رحمه»(206).
ولكن إلى جانب هذا الانفتاح على كسب المال وضع الإسلام شروطاً لهذا المال ومنها:
1: على الإنسان أن يبذل مما رزقه الله سبحانه وتعالى مالاً وجاهاً وقدرةً، وأن يضع قسماً من إمكانياته في رفع مستوى الفقر والفقراء، من أجل نشر السلم والسلام في المجتمع الإسلامي(207)، وذلك من خلال توزيع الحقوق الشرعية في مواردها المقررة، فيعطي من الفاضل على ما زاد من حد الكفاية ويوزعها على أفراد المجتمع الفقراء والمحتاجين، من إعطاء القروض أو المساعدة أو تشغيل هذه الأموال مع من يستحقه عبر المضاربة أو غيرها.
2: يسمح الإسلام بتجميع الثروة واكتناز المال بعد ما يتم تحصيله من الحلال ودفع ما يجب عليه من الحقوق.
كما يحث الإسلام الغني بمواساته ومشاركته الفقراء والأخذ بأيديهم إلى حد الكفاية، وليس معناه الكفاف بل هو تلبية متطلبات الإنسان الضرورية في هذه الحياة والتي قد تتغير باختلاف حالته وعمله.
فالإسلام لا يحارب الغني والغنى، بل يسعى في القضاء على الفقر ورفع مستوى الفقراء. كما يدعو الغني إلى عدم الترف والمغالاة وعدم الحرص.
يقول الإمام أبو عبد الله (عليه السلام) حينما شكا إليه رجل وقال: إنه يطلب ويصيب ولايقنع، وتنازعه نفسه إلى ما هو أكبر منه وقال: علمني شيئا أنتفع به، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): »إن كان ما يكفيك يغنيك فأدنى ما فيها يغنيك وإن كان ما يكفيك لايغنيك فكل ما فيها لا يغنيك«(208). وهذه آداب يسعى الإسلام بأن يتحلى الغني بها، فتكون نفسه غنية قبل كل شيء.
ومن هذا يعرف أن الشريعة الإسلامية تعتبر حد الكفاية لكل إنسان هو الغنى في النفس والمال، وتعتبر الدنيا نعم العون على الآخرة.
عن أبي عبد الله (عليه السلام): «نعم العون على الآخرة الدنيا»(209).
وقال (عليه السلام): «غنى يحجزك عن الظلم خير من فقر يحملك على الإثم»(210).
ومن هنا لا يسمح الإسلام للدولة والحاكمين بكنز الأموال وفي المجتمع من لاتتوفر له حد الكفاية.
تشريع قانون الضرائب المالية (الخمس والزكاة)
لم يكن هناك تشريع قبل الإسلام يأمر الغني بمساعدة الفقير وإنما يتم هذا الأمر من خلال بعض الطرق الأخلاقية كما في الحث على الكرم والعطاء والإحسان وهذا لم يكن فرضاً وإنما كان يتم عبر الإحسان الاختياري الذاتي، ولما جاء الإسلام فرض الخمس والزكاة والجزية والخراج ضرائب مالية فأصبح واجبا عليهم الوفاء به فكان للفقير حقان في أموال الغني:
حقوق مستحبة
الحق الأول: وهو الذي يعطى وينفق من دون وجوب على المنفق، ولكن بحث من الإسلام عليه ووعده بالثواب الجزيل، فيقدم اختياراً كالذي يعطى للأرحام أو إكرام الضيف أو الوالدين أو مختلف الناس من المحتاجين أو المشاركة في المشاريع الخيرية وما أشبه.
أما ما يبذل لما يكفي الدولة الإسلامية الصحيحة والجامعة لشرائطها في أحوال خاصة استثنائية طارءة كما لو عجزت مصادر الدولة ومنابعها المالية من تمويل النفقات العامة أو ما يلزمها في مواجهة العدو مثلاً، فإنها مؤقتة وخلاف الأصل، وقد يصطلح عليه بحق الحاكم في وضع اليد على ما تقضي به المصلحة العامة. وهذا الأمر يجب أن يكون حسب تعيين وتشخيص شورى الفقهاء المراجع كما ذكرنا ذلك في بعض كتبنا.
والإنسان في إعطاء الحق الأول الذي يكون بالعنوان المستحب إنما يعبر بمشاركته لمن واساه بالعطاء عن الإنسانية، ويعلن أن حياته معه في مجتمع واحد على سواء، وأنهم إخوة متحابين، وهذا هو هدف الشريعة الإسلامية، فالإسلام لا يريد من الإنسان أن يتفاعل مع قواعده وقوانينه بالإكراه والجبر لأنه حينما أعلن إسلامه كان ذلك عن رغبة وطواعية واختيار، وإذا كان كذلك فيلزم عليه الالتزام بكل تفاصيل هذه الشريعة وجزئياتها، وأن يفي الله بما عاهد عليه، ويكون حينئذ قد اهتم بشؤون المسلمين ومن لا يهتم بهم فليس منهم، ومن جملة هذه الاهتمامات الإحسان والإنفاق على المحتاجين.
وإذا كان من اللازم بذل الأموال والأنفس في سبيل إعلاء كلمة الله وحرية الناس وأمن الوطن الإسلامي الواسع بدون حدود جغرافية أو لغوية أو ما أشبه ذلك، فلاشك أن هذا يشمل الإنفاق في سبيل رفع حالة فقر إخوانه من المسلمين وقضاء حوائجهم لأنهم جزء من الأمة الإسلامية وقد لزم بذل الأموال والأنفس في سبيل تلك الموارد.
حقوق واجبة
والحق الثاني: وهو الإنفاق الواجب، ويتمثل في الخمس والزكاة والجزية والخراج فقط، وهي الواجبات من الضرائب التي شرعتها الشريعة وفرضتها من أجل رفع مستوى حالة الفقير وتقدم البلاد والعباد.
وقد أشرنا إلى مواردها في موضوع التكافل، ونضيف هنا رواية تتعلق بالخمس لأهميته وهي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: » …إن الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالنا وموالينا وما نفك وما نشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته فلا تزووه عنا، فان إخراجه مفتاح رزقكم وتمحيص ذنوبكم وما تمهدون لأنفسكم يوم فاقتكم، والمسلم من يفي لله بما عاهد وليس المسلم من أجاب باللسان وخالف بالقلب«(211).
والفرق بين هذا وبين ما قد يجب في ظروف خاصة استثنائية، أن الحق الاستثنائي يكون فيه العطاء بالعنوان الثانوي وليس بثابت إلا في الاستثناء، ولا يكون قانوناً دائماً وإنما مؤقت، وأما الحق الثاني الذي يكون فيه العطاء بالعنوان الأولي ثابت إلا في الاستثناء.
مضافاً إلى ما مر من الحقوق المستحبة.
وبذلك أصبح في أموال الغني حقوق معلومة للفقراء، كما قال تعالى: (وَفِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ((212).
وحالة الفقر اليوم منتشرة في أرجاء العالم الإسلامي ولا يمكن أن ينكرها أحد فيلزم على الدول السعي للقضاء على ظاهرة الفقر عبر العمل بالقوانين الإسلامية التي تقلع الفقر من جذوره وذلك بالحريات الاقتصادية وقانون بيت المال والتكافل الإسلامي وما أشبه.
وبالنسبة إلى الحق الثاني وهو الخمس والزكاة فوجوبهما معلوم فيجب على الإنسان المسلم الغني إعطاؤهما ولا يستطيع أن يتخلف عنهما إلا أن يكون ظالماً ومغتصباً لحقوق الآخرين وخارجاً عن ولاية الله تعالى كما نصت الرواية على ذلك.
ومن حكم هذا التشريع وفرض هذه الضرائب أنه يكون مانعاً من تراكم الأموال والثروة بشكل غير شرعي وغير سليم، علماً بأن رفع مستوى الفقراء يكون بصالح الأغنياء أيضاً فإنه يوجب الحركة الاقتصادية الصحيحة وهذا يدر أرباحاً أكثر للأغنياء على ما هو مذكور في محله.
ثم إن الإسلام يمنع من الاحتكار المحرم ولا يجوز استغلال الآخرين وفرض الضرائب غير المشروعة على الأغنياء، إلى غيرها مما ذكرناه في فقه الاقتصاد.
دلالات عدم الإنفاق
لقد تحدثنا في الموضوع المتقدم عن واجبات المسلمين تجاه السلام الاقتصادي عبر الإنفاق في سبيل الله، وهنا نشير لأهميته في الإسلام مرة أخرى باختصار وهو الذي يمثل الحقل الأول الذي يُعطى اختياراً.
لقد أمر الإسلام بالإنفاق في السّراء والضرّاء، كما قال تعالى: (وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ ( الّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السّرّآءِ وَالضّرّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ((213) فمن لم ينفق لا يكون من المتقين حسب الآية المباركة والدليل على هذا إن الغني الذي يكنز الأموال والثروة يتصف عادة بجملة من الصفات التي تتعارض مع التقوى ومنها:
1ـ الكذب: وذلك لأنه يقول: آمنت بهذا الدين وبما فرض علي عن رغبة وطواعية، ولكن يكذب فعله قولـه وذلك حينما يأمره الله سبحانه وتعالى بالإنفاق في قولـه: (وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ((214)، و(الّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السّرّآءِ وَالضّرّآءِ((215) وغيرهما من الآيات الكريمة فيمتنع عن الإنفاق ثم تأتي آيات أخرى لتتوعده بالعذاب، قال تعالى: (وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ( يَوْمَ يُحْمَىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنّمَ فَتُكْوَىَ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ((216)، ومع ذلك فلم يزيده هذا الأمر والوعيد إلا حرصاً وجشعاً وطمعاً بالمال واكتنازه، فما هذا إلا الكذب على الله سبحانه وتعالى.
2ـ النفاق: وذلك لأنه يدعي أمراً وهو الإيمان والعمل بمبادئ هذه الرسالة الإسلامية وفي قلبه شيء آخر، فيعمل على خلاف ما يدعيه وبعكس ما أمر به. وهذا هو الذي قيل عنه: »يرجو الآخرة بغير العمل، ويرجئ التوبة بطول الأمل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين ويعمل فيها بعمل الراغبين، إن أعطي منها لم يشبع وإن منع منها لم يقنع، ويبتغي الزيادة فيما بقي، ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم... «(217).
3ـ البخل: وهو من صفات الذين يكنزون الأموال والثروة، فإن العطاء والإنفاق يحتاج إلى إرادة قوية وإلى شجاعة في بذل المال، وهذه الصفات معدومة لديهم.
4ـ ارتكاب المحرم: وذلك لأن في أموال الأغنياء حقوق يجب عليهم دفعها وإن لم تدفع لتصرف في مواردها تبقى عالقة بذمتهم ويعتبر تصرفهم بها كالتصرف بمال الغير ولا يجوز إلا مع إذنه ولهذا قيل: »ما جمع مال إلا من بخل أو حرام« فقد يكون أساس هذه المالية الكبيرة هو مال مغصوب وهو حق الفقراء والمحتاجين والمساكين.
5ـ عدم البر والإحسان: إن هؤلاء الأغنياء أحبوا المال حباً جماً وارتبطوا به ارتباطاً وثيقاً، وكلما ازداد المال لديهم اشتد تعلقهم بالحياة وغرتهم الدنيا الغرور وخدعهم الأمل الكاذب فأسهى عقولهم وأنساهم آخرتهم، فتركوا البر والإحسان، وذلك لشدة ارتباطهم بالمال الذي أصبح أعز شيء عندهم بحيث خالفوا أمر الله عزوجل فيه، وإذا كان كذلك فكيف يبذلونه في سبيل الله تعالى؟ والله سبحانه وتعالى يقول: (لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىَ تُنْفِقُواْ مِمّا تُحِبّونَ((218).
وهم أيضاً في هذا يخالفون سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) يقول الإمام الصادق (عليه السلام): »أنا أحب أن أتصدق بأحب الأشياء إلي«(219).
وقد عرفوا بسيرتهم الكريمة وأنهم كانوا: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ((220).
وإذا كانت هذه النقاط المتقدمة وغيرها من صفات هؤلاء الأغنياء إذنً كيف:
«تريدون أن يجاوروا الله في دار قدسه، ويكونوا أعز أوليائه عنده؟ هيهات! لا يخدع الله عن جنته، ولا تنال مرضاته إلا بطاعته»(221). فإذن صح أن ينفى مكتنز المال وجامعه من صفوف المتقين حسب الآية المباركة(222).
4: التأكيد على أهمية الوعظ والإرشاد
ومن الجوانب المهمة التي أولتها الشريعة الإسلامية أهمية بالغة فيما يتعلق بحل مشكلة الفقر: مجال الوعظ والإرشاد، وهو السبيل السلمي الذي اتبعه الإسلام في حث الأغنياء على الإنفاق لصالح الفقراء والمساكين.
وقد يقول قائل: إن هناك تهديدا ووعيدا في أخذ هذا المال من الأغنياء أو أمرهم بالاستجابة لهذا الطلب، وما هذه الصورة إلا كما يذهب إليه المذهب الاشتراكي.
والجواب: إن الحقوق الشرعية الواجبة في الدين الإسلامي ليس فيها مواراة أو مخادعة، وإنما أهدافه صريحة وواضحة، والإسلام يسعى في تطبيقها حرصاً على سلامة المجتمع، ثم ليس فيها إكراه وجبر ولا حديد ونار، بل مجرد وعيد بالعقوبة في الآخرة والحرمان من الجنة، فهذا السبيل هو عكس ما يذهب إليه المذهب الاشتراكي في نظرته لحل المشكلة الاقتصادية المتعلقة بالفقير وذلك عبر استخدام وسيلة الإكراه والجبر تارة، وأخرى بالحديد والنار لأخذ أموال الأغنياء.
عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل:
(سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ((223) فقال: «يا محمد ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلا جعل الله عزوجل ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوقا في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب»
ثم قال: «هو قول الله عز وجل: (سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ( يعني: ما بخلوا به من الزكاة»(224).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «بينما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد إذ قال: قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، حتى أخرج خمسة نفر، فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلوا فيه وأنتم لا تزكون»(225).
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم وهو قولـه عزوجل: (رَبِّ ارْجِعُونِ ( لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ((226)» وفي رواية أخرى: «ولا تقبل له صلاة»(227).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من ذي زكاة مال نخل ولا زرع ولا كرم يمنع زكاة ماله إلا قلدت أرضه في سبع أرضين يطوق بها إلى يوم القيامة»(228).
وعن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ما من عبد يمنع درهما في حقه إلا أنفق اثنين في غير حقه، وما رجل يمنع حقا من ماله إلا طوقه الله عزوجل به حية من نار يوم القيامة»(229).
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ملعون ملعون مال لا يزكى»(230).
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من منع قيراطا من الزكاة فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا»(231).
وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: «من حبس حق امرئ مسلم وهو يقدر على أن يعطيه إياه مخافة من أنه إن خرج ذلك الحق من يده أن يفتقر، كان الله عزوجل أقدر على أن يفقره منه على أن يغني نفسه بحبس ذلك الحق»(232).
ثم إن هذا لا يعني أن العلاج الوحيد في الإسلام لمشكلة الفقر يقتصر على المواعظ والخطب، لأن بعض الناس لا تزيدهم كثرة المواعظ والتذكير إلا بعداً عن منهج الحق فيغتر بمحاسن الدنيا وزبرجها فيزداد طمعاً وحرصاً وجشعاً، وكأن المحتاج الذي يعيش إلى جواره ليس من عالمه فيتغاضى عن الروابط الإنسانية التي يجتمعان في ظلها فيعيش في الدنيا وكأنه مخلد فيها حتى إذا فاجأه الموت (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ( لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ((233). بل هناك طرق عملية تقلع الفقر من جذوره بسن الحريات الاقتصادية والقضاء على البطالة وتثبيت قانون بيت المال وغيرها...، كما يقوم الإسلام بحماية أموال الدولة والمجتمع من اللصوص والمستغلين، ثم المراقبة لما تصرفه الدولة في موارده، وسيأتي شيء من ذلك في ما يجب على الدولة من عمل لحل مشكلة الفقر.
ثم إنه اتخذ جانب الوعظ والإرشاد في الاقتصاد الإسلامي اتجاهين: الأول خطاب الأغنياء، والثاني موجه للفقراء.

وعظ الأغنياء

فأما الأول: فالمواعظ والحِكَم والإرشادات التي وردت فيه(234) كثيرة جداً، تكاد لا تعد ولا تحصى، وقد اشتملت على تعريف الأغنياء بعدة أمور، منها:
1ـ تذكيرهم بيوم الآخرة وأن حسابهم يترتب وفق ما بذلوه من أموالهم، فإن أحسنوا في البذل والإنفاق والعطاء فالله سبحانه وتعالى سيعاملهم بالحسنى وسيحفظ لهم الأجر و(إِنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ((235)، وتارة أخرى يكون حسابهم بالعدل والدقة، فقد لا يعامل باللطف والإحسان من قصر في هذا الجانب في الدنيا.
وقد ورد الوعظ على صورة الوعد والوعيد في هذه الحالة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقولون: ربنا ظلمونا حقوقنا التي فرضت عليهم في أموالهم«(236).
وعن مبارك غلام شعيب قال: سمعت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يقول: «إن الله عزوجل يقول: إني لم أغن الغني لكرامة به عليَّ، ولم أفقر الفقير لهوان به عليَّ، وهو مما ابتليت به الأغنياء بالفقراء، ولولا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنة»(237).
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أكرموا ضعفاءكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم»(238).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما منع غني والله تعالى سائلهم عن ذلك»(239).
وعن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «نهى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طعام وليمة يخص بها الأغنياء ويترك الفقراء»(240).
وعن إسحاق بن عمار والمفضل بن عمر قالا: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «مياسير شيعتنا أمناؤنا على محاويجهم فاحفظونا فيهم يحفظكم الله»(241).
وعن أبي المغراء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن الله تبارك وتعالى أشرك بين الأغنياء والفقراء في الأموال فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم»(242).
وفي الدنيا، فلا يعد مؤمنا الغني الذي ينسى الفقراء، وهذا يتمثل في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »ما آمن بي من أمسى شبعاناً وأمسى جاره جائعا«(243).
وفي قول أبي ذر (رحمه الله): (عجبت للفقراء كيف لا يخرجون على الأغنياء بسيوفهم). وهذا لا يعني أن أباذر (رحمه الله) يطلب من الفقراء قتل الأغنياء، بل أولاً: هو في مقام بيان ما يترتب على مشكلة الفقر عادة حيث تولد حالة العداء بين الفقراء والأغنياء، وثانياً: يريد في كلامه تصوير خطر هذه المشكلة على المجتمع، وثالثاً: يريد تذكير الأغنياء بأن في أموالهم حقوق مغتصبة وتعريفهم بأن (وَفِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ((244) وعليهم إعطاؤها، ورابعاً: أنه يتكلم لصالح الطرفين، فبدفع هذه الحقوق بالنسبة للأغنياء تبرئ ذمتهم منها ومن الواجبات المالية التي فرضت عليهم، وبالنسبة للفقراء تحل مشكلتهم اقتصادياً.
2ـ ومن بُعد آخر في مجال الوعظ والإرشاد هو تعريف الأغنياء بما ورد عن أئمة الهدى (عليهم السلام) في هذا الشأن وأسبابه وما يتعلق به، ومنه قول أمير المؤمنين (عليه السلام): »ما جمع مال إلا من شح أو حرام«.
وقال (عليه السلام): »إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما متع به غني«(245).
وقال (عليه السلام): »ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيع«.
وقال (عليه السلام): »لعله من باطل جمعه ومن حق منعه«(246).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »من واسى الفقير من ماله وأنصف الناس من نفسه فذلك المؤمن حقاً«(247).
3ـ إن منعهم الحقوق فيه آثار سلبية على أبنائهم في مستقبلهم، لأنهم أطعموهم من مال حرام، ومن هنا يتخذ الابن إذا كبر نهج والده في الحرام لأن جسده تربى على أكل الحرام، وحينئذ يتحمل الأب مسؤوليتين، مسؤولية ما أرتكبه من محرم وثانياً ارتكابه جريمة في تدمير أسرته بإطعامهم من الحرام، وهذا لـه أثار على أجيال من أسرته وهو بدوره ينعكس سلباً على المجتمع.
4ـ تعريفهم أيضاً بأن على الغني أن لا يثق بغناه ولا يطمئن لـه، لأن الدنيا لا تفي لأحد، مع أن الغنى والثروة هي ملك لله واقعاً وأمانة بيد الإنسان، حيث ملّكه الله تعالى وشرط عليه شروطاً منها أداء حق الفقراء، فالله هو المالك الحقيقي، يقول الحديث الشريف: »لا ينبغي للعبد أن يثق بخصلتين العافية والغنى بينا تراه معافى إذ سقم وبينا تراه غنيا إذ افتقر«(248). وقد قال الشاعر في هذا المعنى:
على الناس طراً إنها تتفلت
إذا جادت الدنيا عليك فجد بها
ولا البخل يبقيها إذا هي ولت(249)
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت
وكذلك تعريفهم بأن كثرة هذا المال ـ وهو مادة الشهوات ـ ليس فيه دلالة على الخير إن لم ينفق حسب ما ورد في القرآن الكريم وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة الهدى (عليهم السلام)، وقد سئل الإمام علي (عليه السلام) عن الخير؟ فقال (عليه السلام): »ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك وأن يعظم حلمك، وأن تباهي الناس بعبادتك ربك...«(250).
5ـ وكما توزعت المواعظ الموجهة للغني لتشمل الدنيا والآخرة، فكذلك تنوعت في الموضوعات التي تحدثت عنها، فكما بينت طرق جمع المال ومسؤولية الغني عنها، كذلك وضحت للغني والبخيل الموارد التي يجب أن يبذل فيها أمواله كي لا يبقى لـه عذر، وكذلك ذكرت لـه عظيم الثواب الذي يحصل عليه فهو (شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الآخرة) ومن هذه الروايات:
قوله (عليه السلام): »فمن آتاه الله مالا فليصل به القرابة، وليحسن منه الضيافة، وليفك به الأسير، وليعط منه الفقير والغارم، وليصبر نفسه على الحقوق والنوائب، ابتغاء الثواب فإن فوزاً بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الآخرة إن شاء الله«(251).
وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):»يا جابر من كثرت نعمة الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فمن قام بما يجب لله فيها عرض نعمة الله لدوامها، ومن ضيع ما يجب لله فيها عرض نعمته لزوالها«(252).

وعظ الفقراء

وأما الثاني: فالمواعظ الموجهة للفقير وهي لا تقل كثرة عما ذكرت للغني، وهي كذلك متنوعة في موضوعاتها ومنها الروحية والعملية، ومنها ما يرتبط بالأسباب ومنها بالحلول، ومنها بالآداب، وغيرها.
ومن الأسباب الروحية التي ورد الحث على الابتعاد عنها لأنها تورث الفقر: ترك غسل اليدين عند الأكل، إهانة الكسرة من الخبز، استخفاف الصلاة، تعجيل الخروج من المسجد، اللعن على الأولاد، الكذب، النوم قبل طلوع الشمس، رد السائل، ترك تقدير المعيشة، اليمين الفاجرة، وقطيعة الرحم.
وهناك بعض الأعمال الروحية التي ينبغي الالتزام بها كي يزول الفقر، وهي كثيرة، ومنها: قراءة الأدعية المأثورة، مثل: »اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في
غناك«(253). و«اللهم أني أعوذ بك من الفقر»(254)، وما ورد في الصحيفة السجادية من دعاء الإمام السجاد (عليه السلام): »اللهم صل على محمد وآله واحجبني عن السرف والازدياد، وقومني بالبذل والاقتصاد، وعلمني حسن التقدير، واقبضني بلطفك عن التبذير، وأجر من أسباب الحلال أرزاقي، ووجه في أبواب البر إنفاقي، وازْوِ عني من المال ما يحدث لي مخيلة أو تأدياً إلى بغي أو ما أتعقب منه طغيانا«(255).
ومن الأعمال: »حج البيت واعتماره فإنهما ينفيان الفقر«(256).
وصلة الأرحام، فعن أبي حمزة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «صلة الأرحام تزكي الأعمال، وتدفع البلوى، وتنمي الأموال، وتنسئ لـه في عمره، وتوسع في رزقه، وتحبب في أهل بيته، فليتق الله وليصل رحمه»(257).
وحسن الجوار: «حسن الجوار يزيد في الرزق»(258).
والتزويج: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فشكا إليه الحاجة فقال تزوج، فتزوج فوسع عليه»(259).
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «الرزق مع النساء والعيال»(260).
وأما ما يتعلق بالجانب العملي فمنها: حثه على الصبر والتعفف، فالعفاف زينة الفقر، وأن لا يقنط ويحزن إن افتقر، وأن لا يذل نفسه في تعامله مع الآخرين، فعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يخرج الرجل مع قوم مياسير وهو أقلهم شيئاً فيخرج القوم النفقة ولا يقدر هو أن يخرج مثل ما أخرجوا، فقال (عليه السلام): «ما أحب أن يذل نفسه، ليخرج مع من هو مثله»(261).
ومنها: الحث على العمل والنهي عن البطالة، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله»(262).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن النفس إذا أحرزت قوتها استقرت»(263).
ومنها: أن يكون الإنسان على معرفة تامة بأن الغنى والفقر لا يبقيان، فإن الدنيا وما فيها في طريق الزوال والفناء، وقد مر نص الحديث: «وبينا تراه غنياً إذ افتقر».
وهناك الكثير من المواعظ الأخلاقية والوصايا النافعة التي تخص الفقر والفقير، وتوجب القضاء على الفقر بأسباب مادية أو معنوية، وأغلبها مذكورة في الكتب الأخلاقية وكتب الحديث.

عناصر لها مدخلية في الفقر

وقد تبين ـ بعدما ذكرنا شيئاً عن نظرة الإسلام لبعض الجوانب التي يمر بها الإنسان في مشكلة الفقر، وبعض ما تراه الأنظمة، وبعض الحلول والتشريعات التي وضعها الإسلام لحل هذه المشكلة ـ أن العنصر الثاني الذي يحيط بالإنسان وهو المذهب والرؤية قد يكون سبباً من أسباب الفقر كما في النظرية الماركسية، أما الدين الإسلامي فلم يكن السبب في إيجاد هذه المشكلة بل هو يكفل بالحل الصحيح للقضاء على ظاهرة الفقر.
وتبقى العناصر الثلاثة وهي الدولة والمجتمع ونفس الإنسان وهي من أسباب إيجاد هذه المشكلة.
فأما الإنسان فيمكن أن يكون هو السبب في فقره وليس من سوء التوزيع أو تقصير من الدولة أو المذهب وليس من أفراد المجتمع الأغنياء، كما لو كان غنياً وافتقر بعدم حكمته في الأمور الاقتصادية، فالإنسان في هذه الحالة هو السبب في فقره، وقد مرت شواهد عن الأسباب الروحية والعملية التي توجد الفقر…
وأما المجتمع فقد يكون السبب في إيجاد هذه المشكلة لأن التكافل الاجتماعي فيه معدوم، وقد فصلنا الحديث عن موضوع التكافل في هذا الفصل، وأما السلبيات الناتجة عن هذا التقصير فتعود سلباً عليه لأنه حينما يوجد تنازع وتضارب بين الفروق الاقتصادية، تنعدم مصادر الخير من المجتمع وتسيطر عليه نوازع الشر والرذيلة، وذلك لأن الجائع حينما يفقد الخبز لا يمكن ـ عادة ـ أن يكون مستقيماً في سلوكه، لأن أغلب حالات الحرمان والجوع تدفع إلى الإجرام والفساد، فينقلب العديد من ضحايا هذه المشكلة إلى قتلة ومجرمين لأنهم لم يجدوا طعاما عبر الطرق المشروعة.
وقد لا ينفع الوعظ والإرشاد والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، مع بعض من يعاني من هذه المشكلة، فقد ينقلب بسبب الحرمان الذي يعانيه كافراً بكل المثل والقيم والمفاهيم الإنسانية، فكبد حرى وبطن غرثى ولا عهد بالشبع عناصر مجتمعة أو متفرقة تجعل من ضعيف الإيمان عدواً للمجتمع فينتقم منه عبر الاستغلال والسرقة وارتكاب أنواع الجرائم وهو في ذلك يعبر عن انتقامه لمجتمع لم يعترف له بإنسانيته ولم يهتم لوجوده ولم يمنحه الحق في حياة حرة كريمة.
ويحمّل الإسلام المجتمع مسؤولية هذا العمل بالإضافة إلى صاحب الجرم نفسه، فالقرآن الكريم اعتبر عدم اهتمام المجتمع بأحد أفراده الجائعين أو الضائعين أو اليتامى هو تكذيب للدين فالله تعالى يقول: (أَرَأَيْتَ الّذِي يُكَذّبُ بِالدّينِ( فَذَلِكَ الّذِي يَدُعّ الْيَتِيمَ( وَلاَ يَحُضّ عَلَىَ طَعَامِ الْمِسْكِينِ((264).
ويقول تعالى: (وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ( فَكّ رَقَبَةٍ ( أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ( أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ( ثُمّ كَانَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ((265).
وليس أدل على مسؤولية المجتمع في إيجاده لهذه المشكلة من الحديث المشهور:
«من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم»(266). فالمجتمع الذي يكون فيه هذا الواقع ليس من الإسلام في شيء.
ولو طبق المسلمون في عالم اليوم نظام الضريبة المالية في الإسلام تطبيقاً صحيحاً لقضي على مشاكل الفقر بأجمعها، ولكانوا مجتمعاً صالحاً مقوماته التكافل الاجتماعي والعدالة والمساواة والكفاية والحب والتعاون والأخوة والسلم والسلام.
وأما الدولة فاعتبرها الإسلام الظل الذي يحمي أفراد المجتمع وهي المسؤولة عن مشاكل المجتمع ومتطلباته.
ولن تقوم الدولة بواجبها الصحيح إلا إذا كانت على منهج حكومة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهناك منهج كامل وسيرة تامة للإمام علي (عليه السلام) في كيفية تعامله مع مشكلة الفقر باعتباره قد تسلم في فترة قصيرة زمام الحكومة الإسلامية واستطاع أن يترك أثراً ناجحاً عن منهجه الإصلاحي في تلك الفترة التي زخرت بالمشاكل والاضطرابات والفتن التي أوجدتها الفئات الثلاثة: الناكثة في الجمل، والقاسطة في صفين، والمارقة في النهروان. وقد تقدمت الإشارة في ذكر شيء عن منهجه الإصلاحي.
فالدولة الإسلامية يديرها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن ثم الإمام المعصوم (عليه السلام) وفي غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) كما في عصرنا هذا، فيلزم أن تكون تحت رعاية شورى الفقهاء المراجع لأنهم نواب الإمام (عليه السلام).
وهناك أمور كثيرة يجب على الدولة الاهتمام بها كي تزول مشكلة الفقر ومنها:
1: حث الإنسان على إعمار الأرض باعتبارها السكن له في هذه الحياة لينعم بخيراتها بعد تهيئة كل الوسائل والأسباب له، وتذكير الإنسان بأهمية العمل في الإسلام فاعتبر العمل والسعي على الرزق وخدمة المجتمع من أسمى مراتب العبادة، قال تعالى: (هُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولاً فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النّشُورُ((267).
وقال سبحانه: (هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً((268).
وقال سبحانه: (وَقُلِ اعْمَلُواْ((269).
وقال الإمام أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): «إن الله تعالى ليبغض العبد النوام، إن الله تعالى ليبغض العبد الفارغ»(270).
2: الاهتمام بصندوق الضمان الاجتماعي (بيت المال) واستثمار موارده بصورة صحيحة وحث أفراد المجتمع وأغنيائه على التكافل فيما بينهم، وقد فصلنا الحديث عن هذا في الموضوع السابق.
3: وهناك بعض العناوين التي تقع على عاتق الدولة والتي تكفل الاستقرار الاقتصادي ولها دور كبير في زوال مشكلة الفقر، ومنها إنتاج الحاجات الرئيسية التي يحتاجها أفراد المجتمع وتوفير متطلبات المجتمع من المواد الاستهلاكية والسعي لنيل الاكتفاء الذاتي في هذا الجانب، وتشجيع الأغنياء على مشاركة الآخرين في تشغيل أموالهم بشكل مضاربة أو سائر المعاملات الإسلامية، وعلى عدم اكتنازها، ومراقبة الأسواق لمنع ظاهرة الغش والاحتكار والتلاعب بالأسعار.
وقد كانت سيرة الإمام علي (عليه السلام) مع ولاته أن يذكرهم بالحفاظ على أموال هذه الأمة وصونها وحذرهم من الخيانة فكتب لهم: »إن أعظم الخيانة خيانة الأمة«(271) وكان يصفهم بــ: »خزان الرعية، ووكلاء الأمة، وسفراء الأئمة«(272).
وقبل أن يكتب لهم طبّق كل ذلك بنفسه، فلما جاءه عقيل (عليه السلام) يطلب زيادة على حقه رده الإمام (عليه السلام) قائلاً: »إن هذا المال ليس لي وإنما هو مال الأمة«، وجاءه آخر يطلب منه مالاً، فرده قائلا: »إن هذا المال ليس لي ولا لك وإنما هو فيء للمسلمين«(273).
ثم إن الإمام (عليه السلام) لم يكتف بما كان يكتب لولاته ويرشدهم وينبههم، بل وضع عليهم العيون، فإن وضع العيون على المسلمين لا يجوز إلا على الولاة ومن أشبه رعاية لحقوق الناس. فإنه (عليه السلام) أول من وضع العيون والرقباء على ولاته، حرصاً على أموال الدولة وأمنها.
وكان للإمام (عليه السلام) جملة من الأوليات التي نفذها في الكوفة، وقد وردت الإشارة إلى بعضها في كتابه القيم إلى مالك الأشتر (رحمه الله) حينما ولاه مصر(274).
وفي (وسائل الشيعة): مر شيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما هذا؟!». قالوا: يا أمير المؤمنين، نصراني.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال»(275).
وهذا يدل على أن الإمام (عليه السلام) قضى على ظاهرة الفقر، ولم يكن في حكومته الواسعة حتى فقير واحد، ولذا سأل متعجبا (ما هذا) ولم يقل (من هذا)؟ ثم أمر (عليه السلام) للنصراني براتب من بيت مال المسلمين حتى لا يبقى فقير وإن كان غير مسلم في حكومته المباركة!.

مسائل في السلم والسلام الاقتصادي

هناك مسائل عديدة وواجبات ومستحبات وشواهد وأمور أخرى حول السلم والسلام بالمعنى الأعم في الاقتصاد الإسلامي، نشير إلى بعضها:
مسألة: يلزم مراعاة قانون السلم في البرنامج الاقتصادي للدولة.
مسألة: يلزم على الحكومة الإسلامية مراعاة قانون السلم الاقتصادي مع سائر الدول الإسلامية فتكون التجارة حرة فيما بينها من دون جمارك.
مسألة: يلزم على الدولة الإسلامية مراعاة قانون السلم الاقتصادي مع سائر الدول الأجنبية.
مسألة: يلزم نشر وبيان الأُسلوب السلمي الاقتصادي في حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
مسألة: لا يجوز مصادرة أموال أحد فإنه من مصاديق العنف.
مسألة: لا يجوز وضع القوانين التي تمنع أو تحد من حريات الناس كقانون الضرائب على الأعمال وعلى البناء وعلى السفر وعلى حيازة المباحات وما أشبه فإنه من العنف المحرم شرعاً.
مسألة: يلزم فضح الظالمين الذين لا يلتزمون بقانون السلم والسلام الاقتصادي الإسلامي وينسبون عملهم إلى الإسلام سواء كانوا على شكل دول أو جماعات، ولكن الفضح يلزم أن يكون بطريق سلمي، فانّه من النهي عن المنكر بشرائطه.
مسألة: ينبغي مراعاة قانون السلم في المعاملات.
مسألة: يلزم مراعاة قانون السلم في النكاح والطلاق، قال تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ((276).
مسألة: ينبغي مراعاة السلم في باب القرض.
مسألة: يحرم أكل أموال الناس بالباطل، فإنه من مصاديق العنف.
مسألة: لو تعارض قانون السلم الاقتصادي مع قانون (الأهم والمهم)، فاللازم في المسائل العامة العمل بنظر شورى الفقهاء والمراجع.
مسألة: لو تعارض قانون السلم مع قانون (لا ضرر) كما في قصة سمرة بن جندب تُقدّم قانون لا ضرر(277).
مسألة: لا تجوز الجمارك في الإسلام فإنّها نوع من العنف الاقتصادي، بل اللازم تحكيم ميزان (لا ضرر) كما ذكرناه في (الفقه).
مسألة: الإنسان حر في التكسب وأخذ الأجرة والجعل على كل ما هو جائز بالمعنى الأعم، على تفصيل مذكور في الفقه.
مسألة: الإنسان حر في البيع، سواء كان بيعا للعين أو الحق أو المنفعة، كما أنه حر في شراء أي من ذلك.
مسألة: الإنسان حر في المصالحة والمضاربة والمزارعة والمغارسة والمشاركة مع مراعاة الموازين الشرعية.
مسألة: الإنسان حر في الاستقراض والإقراض بشرط عدم الربا.
مسألة: الإنسان حر في الرهن والضمان والحوالة والكفالة والإيداع والاستعارة والإجارة والوكالة على ما هو مذكور في الفقه.
مسألة: الإنسان حر في جعل شيء وقفا، أو صدقة، أو سكنى، أو عمرى، أو رقبى، أو حبس، على ما هو مذكور في الفقه.
مسألة: الإنسان حر في الهبة والسبق والرماية، على ما هو مذكور في الفقه.
مسألة: الإنسان حر في الإقرار والجعالة والأخذ بالشفعة وإحياء الموات والصيد والذباحة على ما هو مذكور في الفقه، إلى آخر ما ذكرناه في كتاب (الحريات).
(1) الكافي: ج1 ص241 ح5. المراد بأرش الخدش: الغرامة التي يدفعها الإنسان إذا جرح جسم غيره ولو بقدر خدشة طفيفة.
(2) يقع الكتاب في مجلدين، وهو من تأليفات الإمام الشيرازي (أعلى الله مقامه) في مدينة قم المقدسة 1414هـ، الجزء الأول 296 صفحة قياس 24×17. وفيه الموضوعات التالية: العقد المحرم، بيع الأبوال والفضلات، بيع الدم والخمر وسائر المسكرات، المنافع المحللة للخمر، بيع الخنزير، بيع الكلاب، المستثنيات، بيع الميتة، المذكى المشتبه، بيع المني، استئجار الرحم، حق الاختصاص، بيع المتنجسات? ? بيع غير مأكول اللحم، العصير العنبي، العصير الزبيبي، بيع الدهن المتنجس، بيع الأصنام، بيع آلات القمار، بيع آلات اللهو، أواني الذهب والفضة، النقد المغشوش، اختلاف القوة الشرائية، بيع العنب والتمر ممن يعمله خمرا، الإعانة على الإثم، بيع السلاح، بيع آلات التعذيب، بيع ما لا نفع فيه، تدليس الماشطة، المستثنيات، تشبه الرجل بالمرأة وبالعكس، التشبيب، الاستهزاء، الأفلام السينمائية والصور الخلاعية، البخس والتطفيف، علم النجوم، كتب الضلال، الرشوة، السب، السحر، التسخير، التنويم المغناطيسي، الكهانة، النفث والعزائم، العين، الرمل والجفر، النيرنج والفال، القيافة، تنزيه أولاد الأئمة (عليهم السلام)، العرافة، الطلسمات، قراءة الكف، الغش، الغناء، مستثنيات الغناء، زف العرائس، الرقص والتصفيق، الموسيقى، الغيبة، مستثنيات الغيبة، رواية الحقوق.
الجزء الثاني 287 صفحة وفيه الموضوعات التالية:: القمار، أقسام اللعب، المباريات، اليانصيب، القيادة، الكذب، مستثنيات الكذب: الهزل،خلف الوعد، المبالغة، التورية، الضرورة والإصلاح، القصص المخترعة، اللهو واللعب، مدح من لا يستحق المدح، التعاون مع الظالمين، النجش، النوح بالباطل، لسان الحال، الولاية من قبل الجائر، بين العرض والولاية، هجو المؤمن، الهجر، الأجرة على الصناعات، الأجرة على الأذان والإمامة والقضاء والشهادة والتعليم الواجب، ما يكره من المعاملات، بيع المصحف للكافر، جوائز السلطان، مجهول المالك، الضرائب غير الشرعية، الأراضي الخراجية، الأرض الخربة، الأقوال في الحريم، تحجير الأرض، الأرض التي أسلم عليها أهلها، السبق في الأحياء، المعادن، ملكية المباحات، المياه، فروع، و... قام مركز الرسول الأعظم ( للتحقيق والنشر، بيروت لبنان بطبعه ونشره عام 1417ه‍ـ / 1996م.
(3) مخطوط، وهو من موسوعة (الفقه) الإستدلالية للإمام الشيرازي الراحل (، وقد تناول سماحته في الكتاب موضوع: المال وآدابه من البعد الفقهي وما يترتب عليه من أحكام شرعية. وقد تم تأليفه في مدينة قم المقدسة. والنسخة موجودة عند مؤسسة الوعي الإسلامي للتحقيق والنشر.
(4) سورة البقرة: 275.
(5) سورة النساء: 29.
(6) سورة البقرة: 188.
(7) سورة المائدة: 1.
(8) الموسوعة الدولية: ص1020.
(9) ذكرت المنظمة الدولية للعمل في تقريرها السنوي أن ربع البشرية يعيش في البؤس إذ أن (5ر1) مليار إنسان لا يملكون دولاراً واحداً في اليوم للعيش، وقالت: إن 75% من 150 مليون عاطل عن العمل في العالم لا يتقاضون أي معونات ضد البطالة ولا يتمتعون بأي حماية اجتماعية. (الشرق الأوسط: العدد 7877، في (22/6/2000م).
(10) سورة الإسراء: 31.
(11) سورة الأنعام: 151.
(12) من مؤلفات الإمام الشيرازي الراحل ( أيضا في الاقتصاد الكتب التالية:
الاقتصاد الإسلامي المقارن، الاقتصاد عصب الحياة، الاكتفاء الذاتي والبساطة في العيش، حل المشكلة الاقتصادية على ضوء القوانين الإسلامية، الكسب النزيه، من أسباب الفقر والحرمان في العالم، من القانون الإسلامي في المال والعمل، ماذا بعد النفط؟، كيف يمكن علاج الغلاء؟.
(13)سورة النساء: 5.
(14) راجع وسائل الشيعة: ج15 ص66 ح19996، وفيه: عن محمد بن أبي حمزة عن رجل بلغ به أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: مر شيخ مكفوف كبير يسأل: فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): »ما هذا؟« فقالوا: يا أميرالمؤمنين نصراني، قال: فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): »استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه!! أنفقوا عليه من بيت المال«.
(15) الكافي: ج2 ص174 ح15.
(16) الكافي: ج2 ص169 ح2.
(17) الكافي: ج2 ص169 ح1.
(18) الكافي: ج6 ص287 ح6.
(19) الكافي: ج6 ص287 باب إن ابن آدم أجوف لابد له من الطعام ح7.
(20) الكافي: ج6 ص287 باب الغداء والعشاء ح1.
(21) الكافي: ج2 ص366 ح2.
(22) الكافي: ج2 ص173 ح10.
(23) من لا يحضره الفقيه: ج4 ص358 ح5762.
(24) نهج البلاغة: الخطب 142.
(25) الكافي: ج2 ص173 ح13.
(26) نهج البلاغة: قصار الحكم 372.
(27) الكافي: ج2 ص365 ح1.
(28) الكافي: ج2 ص362 ح3، ووسائل الشيعة: ج16 ص383 ح21826.
(29) وسائل الشيعة: ج16 ص384 ح21827، والكافي: ج2 ص363 ح4.
(30) الكافي: ج2 ص363 ح5، ووسائل الشيعة: ج12 ص44 ح15599.
(31) وسائل الشيعة: ج9 ص233 ح11912.
(32) الكافي: ج5 ص76 ح14.
(33) مستدرك ‏الوسائل: ج13 ص12 ح14582.
(34) مستدرك الوسائل: ج13 ص11 ح14581.
(35) الكافي: ج2 ص117 ح6.
(36) الكافي: ج2 ص148 ح1.
(37) وسائل الشيعة: ج7 ص142 ح8953.
(38) الكافي: ج2 ص148 ح3.
(39) وسائل الشيعة: ج9 ص444 ح12454.
(40) الكافي: ج2 ص149 ح6.
(41) الكافي: ج5 ص78 ح5.
(42) تهذيب الأحكام: ج6 ص329 ح33.
(43) سورة الطلاق: 2-3.
(44) مستدرك الوسائل: ج13 ص15 ح14597.
(45) ويبقى السلام العام بين الإنسان ونفسه ناقصاُ إلا في هذا الجانب وهو الاقتصادي إلا أن يتم ويكمل في جميع النواحي والمجالات.
(46) راجع بحار الأنوار: ج93 ص153، وثواب الأعمال: ص183، وجامع الأخبار: ص139.
(47) سورة القصص: 77.
(48) سورة البقرة: 201.
(49) مستدرك الوسائل: ج1 ص146 ح220.
(50) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص156 ح3568.
(51) الكافي: ج5 ص93 ح3.
(52) وسائل الشيعة: ج17 ص20 ح21875.
(53) سورة يوسف: 53.
(54) مجموعة ورام: ج1 ص163.
(55) غرر الحكم ودرر الكلم: ص371 ح8365.
(56) راجع مستدرك الوسائل: ج11 ص154 ح12664، وفيه: عن الإمام السجاد (عليه السلام) قال في رسالته المعروفة برسالة الحقوق: »اعلم رحمك الله أن لله عليك حقوقاً محيطة بك - إلى أن قال - فجعل?
?لبصرك عليك حقاً ولسمعك عليك حقاً وللسانك عليك حقاً وليدك عليك حقاً ولرجلك عليك حقاً ولبطنك عليك حقاً ولفرجك عليك حقاً… « الخبر.
(57) وسائل الشيعة: ج1 ص110ح27.
(58) مقارنة الأديان: ج3 ص138.
(59) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص168 ح3631.
(60) الكافي: ج5 ص88 ح2.
(61) الكافي: ج5 ص88 ح3.
(62) الكافي: ج4 ص13 ح13.
(63) نهج البلاغة: الخطب 209، وراجع أيضاً الكافي: ج1 ص410 ح3.
(64) سورة الفتح: 29.
(65) الكافي: ج3 ص200 ح4.
(66) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج1 ص132.
(67) نهج البلاغة: الخطب 3، الخطبة الشقشقية.
(68) سورة التوبة: 34 و35.
(69) بحار الأنوار: ج22 ص426 ح36.
(70) نهج البلاغة: الرسائل 45.
(71) إرشاد القلوب: ج1 ص119.
(72) راجع مستدرك الوسائل: ج16 ص300 ح19950، وفيه: في أعلام أمير المؤمنين (عليه السلام): »واعلم أن إمامكم قد اكتفى بطمريه، يسد فورة جوعه بقرصيه، لا يطعم الفلذة في حوله إلا في سنة أضحية، ولن تقدروا على ذلك فأعينوني بورع واجتهاد«.
(73) نهج البلاغة: الرسائل 45.
(74) مستدرك الوسائل: ج16 ص215 ح19636.
(75) راجع بحار الأنوار: ج16 ص244.
(76) مستدرك الوسائل: ج11 ص94 ح12503.
(77) وسائل الشيعة: ج15 ص109 ح20087.
(78) سورة الأعراف: 85.
(79) بحار الأنوار: ج22 ص426 ح36.
(80) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج3 ص56 وج8 ص259.
(81) بحار الأنوار: ج31 ص174.
(82) سورة التوبة: 34.
(83) انظر بحار الأنوار: ج31 ص174.
(84) سورة التوبة: 34.
(85) راجع بحار الأنوار: ج31 ص174.
(86) راجع بحار الأنوار: ج31 ص174.
(87) راجع تفسير القمي: ج1 ص52، وشرح نهج البلاغة: ج3 ص56.
(88) راجع بحار الأنوار: ج22 ص343.
(89) وسائل الشيعة: ج9 ص29 ح11444.
(90) سورة القصص: 83.
(91) معاني الأخبار: ص360 ح1.
(92) سورة الكهف: 46.
(93) الكافي: ج5 ص72 ح5.
(94) وسائل الشيعة: ج21 ص557 ب28 ح27865.
(95) غرر الحكم ودرر الكلم: ص367 الفصل الرابع في المال، خير الأموال، ح8284.
(96) غرر الحكم ودرر الكلم: ص367 الفصل الرابع في المال، خير الأموال، ح8283.
(97) غرر الحكم ودرر الكلم: ص367 الفصل الرابع في المال، خير الأموال، ح8285.
(98) غرر الحكم ودرر الكلم: ص367 الفصل الرابع في المال، خير الأموال، ح8292.
(99) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص156 ح3569.
(100) سورة الذاريات: 56.
(101) غوالي اللآلي: ج1 ص267 ح66.
(102) سورة القصص: 77.
(103) نهج البلاغة: قصار الحكم 131.
(104) نهج البلاغة: قصار الحكم 269.
(105) تأويل الآيات الظاهرة: ص483.
(106) مستدرك الوسائل: ج16 ص38 ح19052.
(107) سورة الزلزلة: 7-8.
(108) سورة النساء: 29-30.
(109) سورة النور: 61.
(110) سورة البقرة: 172.
(111) سورة المؤمنون: 51.
(112) بحار الأنوار: ج63 ص314 ح7.
(113) راجع بحار الأنوار: ج45 ص5.
(114) راجع بحار الأنوار: ج45 ص5، والمناقب: ج4 ص100، وكلام الإمام (عليه السلام) إشارة إلى قول الله العظيم: (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون(، سورة المجادلة: 19.
(115) ذكرنا تفصيل ذلك فيما سبق من هذا الكتاب.
(116) سورة البقرة: 275 - 279.
(117) مستدرك الوسائل: ج13 ص332 ح15508.
(118) سورة غافر: 45-46
(119) الغدير للعلامة الأميني (: ج10 ص188 ح17.
(120) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج1 ص153.
(121) انظر موسوعة الفقه: ج29-33.
(122) الكافي: ج2 ص169 ح2.
(123) الأمالي للصدوق: ص39 ح9.
(124) سورة النساء: 5.
(125) سورة التوبة: 60.
(126) سورة القصص: 24.
(127) راجع بحار الأنوار:ج69 ص31، وشرح نهج البلاغة: ج18 ص117.
(128) بحار الأنوار: ج69 ص31.
(129) أي من الفقر المعنوي.
(130) الكافي: ج2 ص266 ح2.
(131) غرر الحكم ودرر الكلم: ص73 ح1109.
(132) سورة فاطر: 15.
(133) الكافي: ج2 ص148 ح4.
(134) نهج البلاغة: قصار الحكم 126.
(135) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج1 ص168.
(136) عدة الداعي: ص123.
(137) مستدرك الوسائل: ج7 ص203 ح8037.
(138) نهج البلاغة: الخطب 192.
(139) مستدرك الوسائل: ج2 ص147 ح1663.
(140) بحار الأنوار: ج34 ص335.
(141) صحيفة السجادية: ص136، من دعائه (عليه السلام) في المعونة على قضاء الدين، الرقم 30.
(142) نهج البلاغة: قصار الحكم 112.
(143) الكافي: ج2 ص307 ح4.
(144) نهج البلاغة: قصار الحكم 319.
(145) أعلام الدين: ص159 فصل في ذكر الغنى والفقر.
(146) غرر الحكم ودرر الكلم: ص365 الفصل الأول ذم الفقر وآثاره الفردية والاجتماعية، الحديث 8217 إلى 8231.
(147) بحار الأنوار: ج69 ص46 ب94 ح57.
(148) الكافي: ج2 ص60 ح4.
(149) الكافي: ج2 ص261 ح6.
(150) سورة الأنبياء: 35.
(151) مستدرك الوسائل: ج2 ص149 ح1669.
(152) مستدرك الوسائل: ج7 ص225 ب31 ح8097.
(153) كنز الفوائد: ج2 ص194 فصل في ذكر الغنى والفقر.
(154) رجال الكشي: ص183 في مفضل بن قيس بن رمانة ح320.
(155) مستدرك الوسائل: ج7 ص227 ب31 ح8104.
(156) الكافي: ج2 ص266 ح1.
(157) بحار الأنوار: ج68 ص185 ب64 ضمن ح46.
(158) مشكاة الأنوار: ص126.
(159) وسائل الشيعة: ج9 ص438 ب31 ح12431.
(160) سورة الإسراء: 70.
(161) سورة الأنبياء: 107.
(162) سورة البقرة: 29.
(163) سورة إبراهيم: 32-34.
(164) سورة الحج: 65.
(165) سورة لقمان: 20.
(166) سورة الجاثية: 12-13.
(167) نهج البلاغة: الخطب 129.
(168) سورة الأنبياء: 107
(169) سورة طه: 25-26.
(170) سورة طه:33 -34
(171) سورة قريش:3 - 4
(172) راجع جامع الأخبار: ص110، وبحار الأنوار: ج69 ص47.
(173) بحار الأنوار: ج34 ص348، وشرح نهج البلاغة: ج19 ص227.
(174) أعلام الدين: ص159، وتحف العقول: 201، وروضة الواعظين: ج2 ص454.
(175) بحار الأنوار: ج72 ص38.
(176) جامع الأخبار: ص110، وبحار الأنوار: ج69 ص47.
(177) وسائل الشيعة: ج9 ص457 ح12491.
(178) بحار الأنوار: ج44 ص190 ب26 ح2.
(179) بحار الأنوار: ج44 ص189 ب26 ح2.
(180) المناقب: ج4 ص66 فصل في مكارم أخلاقه (عليه السلام).
(181) مستدرك الوسائل: ج7 ص236 ب36 ح8126.
(182) إرشاد القلوب: ج1 ص136 الباب 43 في السخاء والجود.
(183) إرشاد القلوب: ج1 ص136 الباب 43 في السخاء والجود.
(184) إرشاد القلوب: ج1 ص136 الباب 43 في السخاء والجود.
(185) إرشاد القلوب: ج1 ص136 الباب 43 في السخاء والجود.
(186) الكافي: ج2 ص85 ح3.
(187) شجرة طوبى: ج2 ص400.
(188) كانت هذه الصورة من حزن الوحوش على مأساة كربلاء كما بكت على سيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام) في قصص مذكورة في كتب التاريخ والحديث من الفريقين.
(189) الكافي: ج4 ص41، ومن لا يحضره الفقيه: ج2 ص61.
(190) بحار الأنوار: ج41 ص73 ح4.
(191) سورة الحجرات: 13.
(192) المحاسن: ج1 ص97 ب25 ح60.
(193) المحاسن: ج1 ص97 ب25 ح60.
(194) المحاسن: ج1 ص97 ب25 ح61.
(195) بحار الأنوار: ج2 ص36.
(196) سورة الحجرات: 13
(197) شرح نهج البلاغة: ج8 ص109.
(198) دعائم الإسلام: ج1 ص396.
(199) سورة البقرة: 3.
(200) سورة الأعراف: 31-32.
(201) سورة الكهف: 46
(202) سورة النساء: 5.
(203) إشارة إلى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (نعم العون على تقوى الله الغنى(. الكافي: ج5 ص71 ح1.
(204) إشارة إلى قول أبي عبد الله (عليه السلام): (الكاد على عياله من حلال كالمجاهد في سبيل الله( من لا يحضره الفقيه: ج3 ص168 ح3631.
(205) مستدرك الوسائل: ج3 ص236.
(206) الكافي: ج5 ص72 باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة ح5.
(207) اصطلاح المجتمع المسلم أو أفراد المجتمع أو غيرها من هذه المفردات لا يراد منه من يقيم ضمن هذه الحدود المصطنعة من قبل الاستعمار وإنما يشمل جميع المسلمين على هذه الكرة الأرضية.
(208) مستدرك الوسائل: ج15 ص224 ح18066.
(209) الكافي: ج5 ص72 باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة ح9.
(210) الكافي: ج5 ص72 باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة ح11.
(211) تهذيب الأحكام: ج4 ص139.
(212) سورة الذاريات: 19.
(213) سورة آل عمران: 133-134.
(214) سورة البقرة: 3.
(215) سورة آل عمران: 134.
(216) سورة التوبة: 34-35
(217) بحار الأنوار: ج69 ص199.
(218) سورة آل عمران: 92.
(219) تهذيب الأحكام: ج4 ص331.
(220) سورة الحشر: 9
(221) نهج البلاغة: الخطب 129.
(222) سورة التوبة: 34-35.
(223) سورة آل عمران: 180.
(224) الكافي: ج3 ص502 باب منع الزكاة ح1.
(225) من لا يحضره الفقيه: ج2 ص12 باب ما جاء في مانع الزكاة ح1592.
(226) سورة (المؤمنون): 99-100.
(227) الكافي: ج3 ص503 باب منع الزكاة ح3.
(228) تفسير العياشي: ج1 ص207 سورة آل عمران ح159.
(229) وسائل الشيعة: ج9 ص43 ب1 ح11479.
(230) الكافي: ج3 ص504 باب منع الزكاة ح8.
(231) وسائل الشيعة: ج9 ص33 ب4 ح11453.
(232) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص184 باب الدين والقرض ح3691.
(233) سورة (المؤمنون): 99 - 100.
(234) أي في الإسلام.
(235) سورة التوبة: 120، وسورة هود: 115، وسورة يوسف: 90.
(236) إرشاد القلوب: ج1 ص36.
(237) الكافي: ج2 ص265 باب فضل فقراء المسلمين ح20.
(238) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج2 ص221.
(239) وسائل الشيعة: ج9 ص29 ب3 ح11444.
(240) الكافي: ج6 ص282 باب الولائم ح4.
(241) التمحيص: ص49 ح82.
(242) الكافي: ج3 ص545 باب الرجل يعطي من زكاة من يظن أنه معسر ثم يجده موسرا ح3.
(243) وسائل الشيعة: ج24 ص327 ح30675.
(244) سورة الذاريات: 19.
(245) مستدرك الوسائل: ج7 ص9 ح7498.
(246) كفاية الأثر: ص239.
(247) الكافي: ج2 ص147 ح17.
(248) شرح نهج البلاغة: ج20 ص71، وبحار الأنوار: ج69 ص68.
(249) إرشاد القلوب: ج1 ص138، والمناقب: ج4 ص66.
(250) مستدرك الوسائل: ج12 ص121 ح13684.
(251) نهج البلاغة: الخطب 142.
(252) وسائل الشيعة: ج16 ص325 ح21668.
(253) مصباح الكفعمي: 301
(254) الكافي: ج4 ص464
(255) الصحيفة السجادية: ومن دعاء له (عليه السلام) في المعونة على قضاء الدين، الدعاء رقم 30.
(256) الكافي: ج4 ص255، تهذيب الأحكام: ج5 ص22.
(257) وسائل الشيعة: ج21 ص535 ب17 ح27794.
(258) الكافي: ج2 ص666 باب حق الجوار ح3.
(259) الكافي: ج5 ص330 باب أن التزويج يزيد في الرزق ح2.
(260) الكافي: ج5 ص88 باب من كد على عياله ح1.
(261) الكافي: ج4 ص287 باب الوصية ح8.
(262) الكافي: ج5 ص88 باب من كد على عياله ح1.
(263) الكافي: ج5 ص89 باب إحراز القوت ح2.
(264) سورة الماعون: 1- 3.
(265) سورة البلد: 12- 17.
(266) الكافي: ج2 ص164 ح5.
(267) سورة الملك: 15.
(268) سورة البقرة: 29.
(269) سورة التوبة: 105.
(270) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص169 ح3635.
(271) مستدرك الوسائل: ج7 ص72.
(272) نهج البلاغة: الرسائل 51.
(273) هذا قول أمير المؤمنين (عليه السلام) مع عبد الله بن زمعة وذلك انه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالا ، نهج البلاغة: الخطب 232.
(274) انظر نهج البلاغة، الرسائل: 53 ومن كتاب له (عليه السلام) للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر، وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن.
(275) وسائل‏ الشيعة: ج15 ص66 ب19 ح1996.
(276) سورة البقرة: 229.
(277) راجع الكافي: ج5 ص292ح2.