الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الرابع

السلم والسلام في باب الجهاد

۞ هل يمكن تحقق السلام بدون ثمن
۞ تأثير القوة في تحقيق السلام واستقراره
۞ السلم طريق السلام
۞ إعداد القوة وتهيئتها
۞ أسلوب استخدام التهديد للتحقيق السلام
۞ رؤى الشريعة الإسلامية في السلم والدعوة إلى الحكمة والموعظة
۞ دلالة الآيات التي شرعت الحرب وأذنت بالقتال المشروع
۞ ضرورة الإيمان بالسلام في مراحل الاستعداد للمواجهات الحربية
۞ أسس السلم في ميادين الحرب
۞ أسباب النزاعات والمعارك بين المذاهب الإسلامية
۞ مسائل في السلم والسلام الجهادي

هل يمكن تحقق السلام بدون ثمن

ذكرنا في الموضوع السابق شيئاً عن الإرهاب الاستعماري وأن هناك عدة طرق في مواجهته من أجل إحلال السلام والأمن، وذكرنا مثالين على ذلك وهما الثورة الجزائرية وحزب المؤتمر الهندي وكان أسلوب الأخير في مواجهة الإرهاب الاستعماري هو الطرق السلمية وقد نجح تماماً، وهذا السبيل في زماننا هذا هو الأفضل وربما المتعين لمواجهة المستعمرين، فعلى المسلمين وحركاتهم اتخاذ سياسة اللين والسلم بعيداً عن القوة والعنف مطلقاً، وبرفع راية السلام أمامهم بعيداً عن الاستعداد للحرب مطلقاً.
وهنا يأتي سؤال: هل يمكن أن يتحقق السلام بدون ثمن؟ ثم كيف يمكن للسلام وسبيل اللاعنف أن يفرض نفسه على من لا يؤمن بالسلام، ويستعمل كل القوى التي توجب السيطرة والدمار؟
والجواب: إن لكل شيء ثمنا ومنه السلم والسلام، وعلينا أن نتعلم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) في كيفية تطبيق السلم والسلام، فإنه كان الأصل عندهم وفي جميع مجالات الحياة، نعم لو هجم عليهم الأعداء وشهروا السيف بوجوههم فعندئذ يشرع القتال مع مراعاة الآداب الإسلامية التي جعلت من حروب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وكلها كانت دفاعية ـ مدرسة أخلاق للبشرية. وهكذا كانت سيرة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في حروبه.
فإن الشهوات والأطماع تتجاوز لدى البعض منطق العقل والحقوق المشروعة، ولا يقف أمامها شيء إلاّ ما كان رادعاً، وهذا لا ينافي أن الأصل هو اللاعنف، لكن إذا لم يستطع استرداد الحقوق المشروعة والحفاظ عليها، تتحول الحالة إلى تهيئة مقدمات الجهاد لإحلال السلام والأمن، بعد استشارة الأخصائيين والأخذ برأي شورى الفقهاء المراجع، وهذا هو ما شرعه الإسلام من الدفاع عن النفس والعرض والمال والوطن عند الاعتداء على أحدها.
ولكن اليوم نرى اختلاف آراء البعض حول الطرق المؤدية للسلام، فهناك من لايسير بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسنته الشريفة وهدي عترته الطاهرة (عليهم السلام) فنرى يسفك الدماء ويقتل الأبرياء ويبيد الشعوب وهو يرفع شعارات السلم والسلام وربما يعقد المؤتمرات لأجله وهو بذاك يخدع العالم والشعوب، ثم إنه يعتقد أن السلم والسلام يكون وراء امتلاك الأسلحة وخاصة المدمرة والفتاكة كالقنابل الذرية والهيدروجينية والجرثومية وغيرها ويعتبر السلاح المتطور كمّاً وكيفاً هو الضمان لتطبيق السلام، وهذا كله يخالف الإنسانية والمبادئ القيمة في الإسلام، ومن هنا ندعو عقلاء العالم لتطبيق قانون يقتضي بنزع مختلف هذه الأسلحة عن جميع الدول وحتى الأسلحة الخفيفة.
وهذا السبيل ـ أي تطبيق السلام بالعنف ـ لا يمكن أن يحقق السلام كما هو واضح، وقد شاهدنا الحضارة الغربية والشرقية التي تدعي السلام منذ أن أمسكت بزمام الأمور أحدثت في العالم حروباً لا مثيل لها في التاريخ، ولو حدث انفجار بين المعسكرين المتصارعين شرقاً وغرباً لأدَّى إلى فنائهما وفناء العالم كله، وقد قرأت في تقرير أن الاتحاد السوفيتي السابق كان يملك ثلاثين ألف قنبلة نووية وإنها كانت تستطيع إفناء العالم سبع مرات، وأنه لو وقعت حرب ذرية بين القوتين لهلك في الساعات الأولى من الجانبين أربعمائة مليون من البشر. وحسبنا شاهداً على ذلك الحرب العالمية الأولى والثانية في القرن الماضي ونتائجهما السيئة على البشرية إلى هذا اليوم(1)، والحضارة الغربية وإن أمدت البشرية بشيء من الرفاه والتقدم الصناعي وما أشبه ذلك، إلا أنه من الصحيح أيضاً أنها دمرت البشرية بالحروب الكبيرة والثورات الفوضوية والفقر وأمثال ذلك.
بينما الوصول إلى السلام في النظرية الإسلامية وتحقيقه يأتي في سلوك السلام نفسه، أي أن الدخول في السلام عن طريقه لا عن الطريق المعاكس. وذلك لأن قوانين السماء تجعل السلام ينبع من ضمير الإنسان وذاته فحينما يقرأ الإنسان هذه الآية:
(مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً((2)، فيتكون لديه اعتقاد بأن القتل وسفك الدماء من الأعمال الإجرامية البشعة، وأن للدم منزلة عظيمة عند الله تعالى، فحينئذ يتقيد في داخل مشاعره وأحاسيسه بسلوك السلام لأهميته، فهو ينبع من ضمير الإنسان ولا يفرض عليه عبر الشعارات الفارغة أو المؤتمرات الخادعة، والآيات التي تتحدث عن هذا المعنى كثيرة جداً، والروايات أكثر.
ومن الأحاديث قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لزوال الدنيا جميعاً أهون على الله من دم يسفك بغير حق»(3).
ومن الأحاديث النبوية التي تدل على أهمية السلام قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما عجت الأرض إلى ربها كعجتها من دم حرام يسفك عليها»(4).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «زوال الدنيا أهون على الله من إراقة دم مسلم»(5).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إياك والدماء وسفكها بغير حلها فإنه ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها، والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة فلا تقوّين سلطانك بسفك دم حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله، ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد، لأن فيه قود البدن، وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بالعقوبة فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم«(6).
ومن هنا يتجلى الفرق واضحاً بين النظرية الغربية لإحلال السلام وبين موقف الدين الإسلامي فإن القاعدة في الإسلام هي السلام، والحرب استثناء وتكون في أقصى حالات الضرورة والاضطرار، كماً وكيفاً.

تأثير القوة في إحلال السلام واستقراره

يختلف تفسير الاتجاه الإسلامي لامتلاك القوة عما يراه الغرب وغيره ممن يدور في فلكه. فالإسلام كما أنه يؤكد على ضرورة السلم والسلام يرى ضرورة أن يكون المسلم قوياً غير ضعيف حتى لا يطمع فيه الأعداء، فتحقيق السلام لابد له من وجود قوة كافية للحفاظ عليه، لأنه لو لم يكن الحق مدعما بالقوة، لما انتصر على القوى التي تدعم الباطل، فإن الحق وإن كان يتمكن من أن يفتح الطريق أمام نفسه، إلا أن هناك من لا يرضى بالحق ويتجاوز على حقوق الآخرين.
ولذا فإن الله سبحانه وتعالى أمر المسلمين بأن يكونوا مستعدين حتى لا يؤخذوا على حين غرّة، حيث قال: (وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ((7).
علماً بأن القوة ليست في الجانب العسكري فحسب، بل في جميع الجوانب الاقتصادية والإعلامية والاجتماعية والدبلوماسية وغيرها، وربما كانت القوة العسكرية سبباً لهجمة الأعداء على الدولة، فيلزم التوازن في امتلاك القوى، فإنه شرع لردع العدوان أما إذا كان سبباً للعدوان فيكون ناقضاً للغرض.
ومع الأسف نرى بعض الدول تسعى بجد لصنع مختلف أنواع السلاح وشراء الطائرات والدبابات والغواصات والصواريخ وما أشبه, وهي في نفس الوقت لاتمتلك القوة الإعلامية والقوة الدبلوماسية الكافية، ولا تتصف بالحكمة والحنكة السياسية، فإن شراءها للأسلحة وسعيها لصنعها يعجل في القضاء عليها.
ولذلك قالوا: إن الطريق إلى السلم والسلام القائم على الحق والعدل والإنسانية هو امتلاك القوة في مقابل الضعف، لا القوة بمعنى العنف، فيلزم أن يكون الإنسان
ـ منفرداً كان أو جماعة ـ قوياً بحيث يتراجع أعداؤه عن مقابلته للخوف من مكانته.
ثم إن هناك فرقاً واضحاً بين السلام والاستسلام. فربما أصبحت أمة مستسلمة وهذا دليل على ضعفها، كما رأينا ذلك في قصة فلسطين واليهود.
وقد تتلاعب بمنطق السلام القوى الاستعمارية وذلك وفق معايير مصالحها، ولكي لا يكون هناك تشويه أو تلاعب ينبغي أن يكون التفوق في جانب الحق، أو ينبغي أن يكون هناك توازن بين القوى على أقل تقدير. وقد ذكرنا أن المقصود من القوة هو الأعم من العسكرية وغيرها كل في موردها، وفي إطار الردع لا الهجوم غير المشروع.
ومن هنا يتجلى الفرق بين النظرية الغربية في تفسير امتلاك القوة والنظرية الإسلامية، فالاثنان يتفقان على وجوب امتلاك القوة ولكن يختلفان في استخدام هذه القوة واستعمالها وكيفيتها وحدودها، فالغرب يرى استعمال القوة من أجل حفظ مصالحه واستغلال الآخرين من خلال الدخول في حروب توسعية، أو استعمارية، أو استثمارية، أو تنازعية، أو غيرها.
ويرى وجوب استعمال هذه القوة من أجل نشر أفكاره ومبادئه، كما رأيناه في الاتحاد السوفيتي السابق حيث كان يرى السلام في الشيوعية، وهكذا الدول الاشتراكية فإنها ترى السلام في الاشتراكية، والدول الرأسمالية ترى السلام في الرأسمالية، وكلها استخدمت العنف لتطبيق نظريتها.
وأما استعمال القوة في الإسلام فلم يكن في حروب توسعية أو استعمارية أو غيرها، إنما كان في مجالات محددة كالدفاع عن البلدان الإسلامية، أو الوقوف ضد من يريد فرض سيطرته بالقوة، مضافاً إلى أن الإسلام يدعو إلى عدم الضعف وامتلاك القوة لا في المنطق العسكري فحسب، بل في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية وغيرها، كما سبق.
ولابدّ للأمة أن تكون لديها القوة الكافية حتى لا يتمكن العدو من فرض ما يراه عليها، ويستولي على حقوقها وثرواتها، فيتقوى بكثير من إمكاناتها المادية والمعنوية ويقف ضدها في صف طويل مع القوى الأخرى التي تدعمه وتعززه بمختلف الإمكانيات والمميزات.

السلم طريق السلام

وطريق السلام لا يتحقق إلا بالسلام وبوجود قوة كافية للحفاظ عليه: أما العنف والعنف المضاد فهي حلقات متسلسلة لا تنتهي، قال أمير المؤمنين (عليه السلام):«من عامل بالعنف ندم»(8).
ثم هناك دول أو فئات وجماعات تكون من ذوي المراوغة واللؤم والدجل والخداع، فمن السذاجة حينئذ الوقوع في شرك ما يسمونه بالسلام، فإن الكثير يتخذون من السلام وسيلة لمقاصدهم وأغراضهم، فإنهم يريدون هدفاً آخر غير واقع السلام. ومن هنا تعرف أهمية امتلاك القوة في إحقاق الحق وإحلال السلام وثباته واستقراره، وتندحر أمامه القوة التي يدعمها الباطل والظلام والانحراف، لأن قوة الباطل صغيرة وقوة الحق كبيرة، قال سبحانه: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ((9)، والمراد هو أن منطق الحق دائماً فوق منطق الباطل.

إعداد القوة وتهيئتها

في الحديث: »الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه«(10) وهو يدلّ على وجوب أن يكون المسلمون أعلى من غيرهم في جميع الميادين فإن حذف المتعلق يفيد العموم. ومن أبرز تلك الميادين قوة العلم والمعرفة وقوة الإعلام وقوة المنطق وغيرها، ومنها أيضا القوة العسكرية.
والأسباب التي تدعو المسلمين لأن يكونوا أعلى من غيرهم في المجالات المختلفة كثيرة، ومن أهمها رفع المظالم ودحض العدوان، في سبيل القضاء على الفتن حتى لاتكون بلاد الإسلام مسرحاً لها، قال سبحانه: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ((11) فالقتال هنا دفاعي وواجب بشرائطه لأن: (الْفِتْنَةُ أَشَدّ مِنَ الْقَتْلِ((12) كما يقول الله عزوجل. وهذا يتطلب تهيئة القوة بالمقدار الذي لـه فاعلية في إحلال السلام لأن عالم اليوم جعل للقوة موضوعية غير قابلة للريبة واللبس والنقاش. قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ((13).
فإذا استفرغ المنطق جهده من غير الحصول على قناعة العدو بالتراجع عن عدوانه، يصبح استخدام القوة شرعياً لرد ومحق العدوان، وقد ذكرنا في أكثر من كتاب أن مثل الحرب بحاجة إلى تأييد من شورى الفقهاء المراجع، وإلا لم يكن مشروعاً.

أسلوب استخدام التهديد لتحقيق السلام

وهناك درجات في استعمال القوة من أجل إحلال السلام، فتارة تكون بالتهديد بها من دون استعمالها كما أشارت إليه الآية الكريمة: (وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ((14).
والقرآن اصطلح على هذه العدة ولوازمها بـ (ترهبون(، وهو معنى الترهيب الذي يختلف تماماً عن معنى (الإرهاب) المصطلح في هذا اليوم، فإن الإرهاب صار ينطبق على جرائم التعذيب والقتل والإبادة وغيرها، وهذا كله حرام شرعاً.
وأما القتال فهو يختلف عن الإرهاب، والقتال أيضا محرم إلا دفاعاً وبشروط كثيرة مذكورة في باب الجهاد، قال سبحانه وتعالى: (أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنّ اللّهَ عَلَىَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أَن يَقُولُواْ رَبّنَا اللّهُ((15).
وقال سبحانه وتعالى: (فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ((16).
وفي آية أخرى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ((17) إلى غيرها من الآيات الكثيرة والتي نحن لسنا بصدد سردها الآن.
وبالنسبة إلى مجرد التهديد، فله صور مختلفة ومنها الشدة كما في قولـه تعالى:
(مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً((18).
وهذا نوع تهديد, وإلا فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في سيرته العطرة بعيداً عن العنف بتمام مصاديقه حتى مع الكفار.
قال بعض المفسرين: إن شدة المسلمين على الكفار كان بتحرزهم عن ثياب المشركين وعن أبدانهم حتى لا تمس أبدانهم، وذلك رعاية لمسألة الطهارة والنجاسة.
ثم إن الكافر على أقسام كما ذكرنا تفصيله في كتاب الجهاد(19)، فإنه قد يكون محارباً وقد لا يكون كذلك، فغير المحارب يترك وشأنه ويُعامل حسب الموازين المذكورة في الفقه الإسلامي، أما المحارب فإنما يحارب في ميدان الحرب فقط بعد توفر الشروط المذكورة في كتاب الجهاد.
ومن هنا يعلم أن استعمال القوة ميدانياً لا يكون إلا إذا اقتضى الأمر بقدره ومن باب الاضطرار، والضرورات تقدر بقدرها، فالحرب تكون عند الضرورة القصوى فقط، وذلك مثل العملية الجراحية التي يضطر إليها الإنسان. ولا تكون إلا عند الضرورة الملحّة، فإن مثله حينئذٍ كمثل غدّة سرطانية تحتاج إلى القطع والاستئصال دفاعاً عن النفس، فإن الطبيب الحاذق يقتنع بالقدر الضروري من القطع أو الاستئصال في أقصى حالات الضرورة.
وهذه القوة تعتبر من لوازم الجهاد ومقوماته في الشريعة الإسلامية لأن الإسلام أولى الجهاد المشروع عناية مهمة لأن صلاح الدين والدنيا لا يكتمل إلا به وقد قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): »إن الله عزَّوجلَّ فرض الجهاد وعظمه وجعله نصره وناصره والله ما صلحت دنيا ولا دين إلا به«(20) وهو عنوان لعز الإسلام ورفعته وعظمته، كما قالت الصديقة فاطمة ( في خطبتها: »والجهاد عزاً للإسلام«(21). وعن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) قال: »الجهاد أفضل الأشياء بعد الفرائض«(22).
والجهاد مأخوذ من الجهد وهو الطاقة والمشقة، يقال: جاهد يجاهد جهاداً ومجاهدة، إذا استفرغ وسعه، وبذل طاقته، وتحمل المشاق في مقاتلة العدو ومدافعته، وهو ما يعبر عنه بالحرب في العرف.
والحرب هي القتال المسلح بين فئتين أو أكثر، والحروب والثورات والمصادمات مستمرة من قديم الزمان، وقد دوَّن التاريخ كثيراً منها، ولا تكاد تخلو منه أمة ولا جيل، لأنها تنشأ من اختلاف مصالح المجتمع البشري وذلك لوجود مسألة الصراع بين الخير والشر، فالخير في موقف الدفاع من أجل هداية من يمكن هدايته وإنقاذ المظلوم، وموقف الشر هو سعيه لتدمير خط الخير وإبادته، وكذلك تنتج من تعارض المصالح بين بني البشر، وقد قيل: إن الحرب لم تقتصر على الإنسان بل وجدت عند الحيوانات أيضاً. وهناك فرق كبير بين الحرب في القوانين الوضعية وبين قوانين السماء، فالأولى غالباً ما تكون تدميراً للبشرية وإفساداً للطبيعة لأنها لأجل المصالح الأنانية، وبجانب كونها اعتداء على الحياة فهي تدمير لما تصلح به الحياة، وهي حرب لأجل دار الدنيا الفانية فتكون حرباً خاسرة.
أما في الثانية، فيعبر عنها بالجهاد، وهو لا يكون إلا في سبيل الله تعالى ولأجل إعلاء كلمته وللدفاع عن دينه، ولذا منع الإسلام حرب التوسع، وبسط النفوذ، وسيادة القوى، فقال عز من قائل: (تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ((23)، وهي إذا كانت كذلك فستكون من نتائجها حسن العاقبة.
وهناك فرق بينهما فالأولى تكون لأجل الإبادة أو لارتكاب الجرائم المروعة أو غيرها من هذه المسائل، أما في الثانية فلم يحدث فيها من ذلك شيء، وذلك ما صرّح به علماء الغرب الذين يتحرّون الحقيقة ويقولونها، ولذا لم ير العالم قبل الإسلام ولا في هذا اليوم ولا في مختلف الحضارات حرباً مثل الحروب الإسلامية في النزاهة وقلة القتلى واحترام حقوق الإنسان.

رؤى الإسلام في السلم والدعوة إلى الحكمة والموعظة

لقد سبق الإسلامُ القانونَ الدولي في تشريعه للظروف والأحوال التي تشرع فيها الحرب، ووضع القواعد، والمبادئ، والنظم لها، التي تخفف من شرورها وويلاتها، ولكن لا يعرف عن الغرب أنه التزم بشيء من ذلك عند التطبيق، وذلك بسبب مصالح قوى الاستعمار العالمي والصهيونية العالمية لإذلال الشعوب المستضعفة واستعمار أرضها وخيراتها، وكما نرى اليوم من ازدواجية القيم والمعايير الدولية.
بينما لم يذكر في التاريخ الإسلامي لا سيما في عصر النبوة وما بعده في عهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) انتهاكات لهذه القواعد والنظم التي وضعها الإسلام وإن حدث شيء من ذلك في التاريخ الإسلامي فهذا مخالف لمبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء يحتمل مسؤوليتها الحكام المنحرفون الذين استولوا على رقاب الناس.
ولمعرفة مدى التزام المسلمين الأوائل بتلك القواعد والنظم التي وضعها المشرع الإسلامي، وللدلالة على أن السلام في الإسلام يأتي في سلوك السلام نفسه، وليس عن الطريق المعاكس. وإن القاعدة فيه هي السلم والسلام، والحرب استثناء، لابد من الرجوع إلى الصدر الأول لمعرفة أمرين:
الأول: من أجل إلقاء نظرة على واقع مسيرة الرسالة الإسلامية وهل أنها فرضت على الناس بالقوة والإكراه أو كانت عبر الطرق السلمية كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي (عليه السلام): »لئن يهدي الله بك أحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس«(24). ثم ما هو موقف المسلمين من الذين لم يقبلوا هذه الدعوة في أول الأمر؟
الثاني: ذكر لقطات من تاريخ عصر النبوة وما بعده لنرى فيها ما هو الأصل في الإسلام، هل هو الحرب أم السلام؟ وعن بعض المواضيع التي تتعلق بالحرب كبدء القتال وآدابه، وعن موقف أهل البيت (عليهم السلام) من أعدائهم في ساحة القتال وعن سيرتهم في أثناء المعركة.

الأمر الأول: خطوات مسيرة الرسالة الإسلامية

عند الرجوع إلى خطوات مسيرة الرسالة الإسلامية نجد عدة أمور اتبعتها هذه الرسالة المباركة:

1: الدعوة بالحكمة والموعظة ومقابلة الإساءة بالإحسان

لما أرسل الله عزوجل رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الناس جميعاً، وأمره أن يدعو إلى الهدى ودين الحق، لبث في مكة يدعو إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة وكان يقابل الإساءة بالإحسان، حيث قال الله: (ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ((25)، وكان لابد أن يلقى مناوأة من قومه الذين رأوا أن الدعوة الجديدة خطر على كيانهم المادي وشهواتهم المادية، فكان المشركون يؤذونه ويطاردون أصحابه ويعذبون المؤمنين به، حتى أن أحدهم ضرب رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوس فأدماه، ورضخه ثان بالحجارة(26)، وألقى ثالث سلى البعير على رأسه الشريف(27)، فكان توجيه الله لـه (صلى الله عليه وآله وسلم): أن يلقى هذه المناوأة بالصبر والعفو والصفح الجميل، كما قال سبحانه وتعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ فَإِنّكَ بِأَعْيُنِنَا((28).
وقال عزوجل أيضاً: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ((29).
وقال: (فَاصْفَحِ الصّفْحَ الْجَمِيلَ((30).
وقال: (قُل لّلّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيّامَ اللّهِ((31).
ولم يأذن الله بأن يقابل السيئة بالسيئة، كما قال سبحانه وتعالى: (ثُمّ بَدّلْنَا مَكَانَ السّيّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّىَ عَفَوْاْ((32)، أو يواجه الأذى بالأذى، أو يحارب الذين حاربوا الدعوة، أو يقاتل الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات. كما قال سبحانه: (ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ السّيّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ((33).
وكل ما أمر به جهاداً في هذه الفترة أن يجاهد بالمنطق، والقرآن، والحجة، والبرهان، قال سبحانه وتعالى: (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً((34).

2: الانتقال إلى مواقع أخرى من أجل منع وقوع الحرب

ومن جملة الأساليب التي اتبعتها الرسالة الإسلامية الانتقال والتحول إلى منطقة أخرى، وهو ما عرف بالهجرة، من أجل ممارسة الحرية الدينية وحرية الإنسان المؤمن وعدم وقوع مظاهر العنف بين المسلمين وغيرهم، فكانت الهجرة الأولى إلى الحبشة على تفصيل مذكور في التاريخ(35).
ولكي يتمكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من نشر دعوته ويستمر في عملية التبليغ وبصورة آمنة ومستقرة، اضطر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يهاجر من مكة إلى المدينة، ويأمر أصحابه بالهجرة إليها بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة. وذلك لاستمرار اضطهاد المسلمين من قبل المشركين واشتداد الأذى على المؤمنين حتى وصل قمته، وذلك حينما قاموا بتدبير مؤامرة لاغتيال الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) وقتله، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مهاجراً في نفس الليلة التي هجم المشركون على داره. قال الله عزوجل: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ((36).
وقال الله سبحانه: (إِلاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ((37).
وقد أشرقت أنوار هذا النصر العظيم في المدينة المنورة بعد أن هاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليها، فتهيأت له الإمكانيات لنشر الدعوة الإسلامية وتحصيل القوة المادية، فأخذ يسعى لتبليغ الرسالة حتى أصبح لا يجد وقتاً للوفود التي كانت تجيء لتسلم عليه مظهرة إسلامها وانقيادها وطاعتها لـه (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما قال الله سبحانه: (بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ( إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ( وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجاً( فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنّهُ كَانَ تَوّابَا((38).

دلالة الآيات التي شرعت الحرب وأذنت بالقتال المشروع

وفي المدينة المنورة ـ عاصمة الإسلام الجديدة ـ تقرر الإذن بالقتال دفاعاً، وذلك لجملة من الأسباب المشروعة، ومنها:

أولاً: تأمين مسيرة الرسالة الإسلامية وحرية العقيدة

كانت تلك الحروب الدفاعية من أجل تأمين السلم والسلام في مسيرة الرسالة الإسلامية وتمكينها في الأرض لمن يرغب الدخول في الإسلام بكامل اختياره، ولأجل الدفاع عن حرية المسلمين في ممارسة معتقداتهم وشعائرهم، من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وكانت أيضاً لانتشال المظلومين من اضطهادهم والظلم الذي يصب عليهم من قبل الطغاة والمستبدين، فهو قتال مشروع، ولولا أذن الله للناس بمثل هذا الدفاع، لهدمت جميع المعابد التي يذكر فيها اسم الله كثيراً، بسبب ظلم الكافرين الذي لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يعترفون بحرية الإنسان في العقيدة والرأي.
إن الإسلام يدعو إلى حفظ الدين، لأن المجتمع لا يستقر ولا يستقيم إلا به، فالدين هو الذي يوجه سلوك الإنسان نحو الاستقامة والنهج المستقيم، وهو الذي يوقف المجرم عن ارتكاب الجرائم، ومن خلاله يستطيع كل إنسان أن يقيم شعائره ومعتقداته بكل حرية، وهذا حق لكل إنسان فإذا وقف أحد في سبيل هذه الدعوة بتعذيب من آمن بها، أو وضع العقبات في سبيل تقدمها، أو صد من أراد الدخول فيها، أو منع الداعي عن تبليغها، أو أخذ يخطط لضعضعتها، فإن الإسلام يأمر بصد ذلك، وإذا أخذ الكفار بإشهار السيف ضد المسلمين فحينئذ يجوز إشهار السيف بالقدر الذي يزيل العثرة فقط.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »ومن قتل دون دِينه فهو شهيد«(39).
ومن الآيات القرآنية التي أشارت إلى هذا المعنى قولـه تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتّىَ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ( فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ فَإِنِ انْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ((40).
وهذه الآيات تضمنت:
1: الأمر بقتال الذين يبدؤون بالعدوان، وذلك لردع المعتدين ولكفِّ عدوانهم، ومن الواضح أن القتال دفاعاً عن النفس أمر مشروع في كل الشرائع، وفي جميع المذاهب وعند جميع العقلاء، وهذا ما يظهر من قوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ((41)، فأما الذين لا يبدؤون بعدوان، فإنه لا يجوز قتالهم ابتداءً، لأن الله نهى عن الاعتداء كما في الآية السابقة.
2: النهي عن قتال غير المعتدي نهي محكم غير قابل للنسخ، فإن تعليل النهي في الآية الشريفة بأن الله لا يحب المعتدين، دليل استمرارية الحكم، لأنه لا يمكن أن يحب الله الاعتداء في وقت ما، قال الله تعالى: (وَمَا اعْتَدَيْنَآ إِنّا إِذاً لّمِنَ الظّالِمِينَ((42)، وهذا لا يدخله النسخ لأن الاعتداء ظلم، والله لا يحب الظلم أبداً، كما قال سبحانه وتعالى: (وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ((43).
مضافاً إلى كثير من الروايات التي نهت عن الظلم والبدء بقتال غير المعتدي فإنه من مصاديق الظلم على ما مر.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة«(44).
وقال الإمام علي (عليه السلام): »من خاف القصاص كف عن ظلم الناس«(45).
وقال أبو عبد الله (عليه السلام):«العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم»(46).
وقال (عليه السلام) أيضاً: »من عذر ظالماًُ بظلمه سلط الله عليه من يظلمه، فإن دعا لم يستجب له ولم يأجره الله على ظلامته«(47).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: »ما انتصر الله من ظالم إلا بظالم، وذلك قولـه عزوجل: (وَكَذَلِكَ نُوَلّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ((48)«(49).
لأن الظلم يؤدي إلى تدمير البشرية ويتعارض مع نواميس العدل التي أقام الله بها الكون.
3: إن لهذه الحرب المشروعة غاية تنتهي إليها، وهي منع الفتنة والدفاع عن حقوق المؤمنين والمؤمنات بترك إيذائهم، وتأكيداً لحرياتهم ليمارسوا عبادة الله ويقيموا دينه، وهم آمنون على أنفسهم من كل عدوان. فإذا تحقق ذلك فتنتهي الحرب فوراً، وليس في الإسلام حب إراقة الدماء والتشفي والانتقام وما أشبه.
4: ومن هذه النقاط يستدل على ما فصلنا الحديث عنه في الفصل الأول من أن الإسلام لم يجعل الإكراه وسيلة من وسائل الدخول في الدين كما قال سبحانه: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ((50)، بل جعل وسيلة ذلك استعمال العقل وإعمال الفكر، والنظر في ملكوت السماوات والأرض كما قال سبحانه وتعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىَ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ((51).
ويقول الله عزوجل: (وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ لاَمَنَ مَن فِي الأرْضِ كُلّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّىَ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرّجْسَ عَلَى الّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ( قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا تُغْنِي الاَيَاتُ وَالنّذُرُ عَن قَوْمٍ لاّ يُؤْمِنُونَ((52).

ثانياً: الدفاع عن النفس

ومن دلالة الآيات التي شرعت الحرب وأذنت بالقتال المشروع أن الظلامات التي عانى منها المسلمون كثيرة، فمنها ظلاماتهم بالاعتداء عليهم ثم إخراجهم من ديارهم بغير حق إلا لأنهم يدينون بدين الله، ويقولون: ربنا الله، فلما أطبق عليهم الأعداء وأخذوا يحاربونهم بالسيوف، اضطروا إلى امتشاق الحسام، دفاعاً عن النفس، وحفظ الأنفس والدفاع عنها واجب شرعاً، وكانت أول آية نزلت في هذا قول الله سبحانه وتعالى:(أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنّ اللّهَ عَلَىَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ( الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أَن يَقُولُواْ رَبّنَا اللّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ ( الّذِينَ إِنْ مّكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ
الاُمُورِ((53).
ويستدل من هذه الآيات التي عللت الإذن بالقتال على أن الإسلام وهو في أزهى عصر سيادته لم يشنّ المعارك في العالم إلا لأسباب مشروعة على ما ورد في قوانينه الفطرية، ومنها حرب الدفاع عن النفس(54) من العدوان الذي يوجّه إليه من قبل المعتدين من أعداء الإسلام.
ومن مصاديق الدفاع عن الأنفس وحفظ الدماء الدفاع عن المستضعفين الذين وقعوا تحت ظلم الطغاة، فهو أمر مشروع وعقلائي من أجل إنقاذ حياتهم لأنهم يتعرضون إلى ظلم وعدوان من أعدائهم فتجب مناصرتهم ومؤازرتهم والدفاع عنهم، وقد قال سبحانه: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـَذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لّنَا مِن لّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لّنَا مِن لّدُنْكَ نَصِيراً((55)، فهذه أيضا من المعاني في دفع الظلم المجوزة للقتال من باب الدفاع عن النفس ضد المعتدين.
وقد بينت الآية سببين من أسباب القتال:
1: القتال الدفاعي في سبيل الله، وهو الغاية التي يسعى إليها الدين، حتى لاتكون فتنة ويكون الدين لله.
2: القتال الدفاعي في سبيل إنقاذ المستضعفين، وكان منهم الذين أسلموا بمكة ولم يستطيعوا الهجرة، فعذبتهم قريش وفتنتهم حتى طلبوا من الله الخلاص، فهؤلاء لا غنى لهم عن الحماية التي تدفع عنهم أذى الظالمين.
ولم يقتصر الدفاع عن هؤلاء المظلومين في محيط قريش بل تجاوز هذه القبائل وتعدى تلك المساحة الجغرافية إلى بلاد الشام فقد أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عسكراً إلى مؤتة ولَّى عليهم زيد بن حارثة(56) وذلك لأن بعض النصارى بالشام عمدوا إلى قتل بعض المسلمين هناك وهو أول قتال وقع بين المسلمين والنصارى.
علماً بأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقاتل أحداً منهم، حتى أرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) رسله بعد صلح الحديبية إلى جميع الملوك يدعوهم إلى الإسلام، فأرسل إلى قيصر، وإلى كسرى، وإلى المقوقس، وإلى النجاشي، وإلى ملوك العرب باليمن وغيرها، فدخل في الإسلام من دخل من النصارى وهم كثيرون.
وفي حالنا الحاضر يجب على المسلمين حماية إخوانهم المستضعفين من ظلم الطواغيت في كافة أنحاء العالم. وكذلك يلزم على النصارى أن يتعاملوا مع المسلمين كإخوان لهم في الإنسانية ويحسنوا لهم فقد كان من إحسانه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أهل الكتاب أنه كان يقترض منهم مكرّراً مع أن بعض الصحابة كانوا أثرياء وكلهم يتلهفون على أن يقترض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم، وإنما فعل ذلك تعليماً للأمة وتثبيتاً عملياً لما يدعو إليه من السلام والإسلام والوئام، وتدليلاً على أن الإسلام لا يقطع علاقات المسلمين مع من ينتحل غير دينهم.

ثالثاً: الدفاع لأجل حفظ الأعراض

ومن دلالة الآيات التي شرعت الحرب وأذنت بالقتال المشروع، الدفاع عن الأعراض، وذلك حينما تتعرض إلى الانتهاك فيجب حفظها والدفاع عنها، لأنها عنوان للأسرة وشرفها وكرامتها، وإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، وإذا فسدت الأسرة فسد المجتمع، وقد وردت أحاديث عن أئمة العترة الطاهرة (عليهم السلام) تشيد بالذي قاتل من أجل حفظ عياله ورحله، فعن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) قال:قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من قتل دون عياله فهو شهيد»(57).
وعن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال: «من قاتل فقتل دون رحله ونفسه فهو شهيد»(58).

رابعاً: الدفاع لأجل حفظ الأموال

ومن دلالة الآيات التي شرعت الحرب وأذنت بالقتال المشروع، القتال من أجل حفظ الأموال حينما تتعرض إلى النهب والسلب، وهذا الدفاع أمر مشروع، فالأموال قوام الأسرة والمجتمع والدولة، وبدونها لا يستقيم أمر المجتمع، وحق الملكية من ضمن حقوق الفرد المشروعة، قال الإمام جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال: »من قتل دون ماله فهو شهيد«(59).
وقد سجل التاريخ لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأهل البيت (عليهم السلام) صفحات مشرقة عن الدفاع في سبيل حفظ أموال المسلمين العامة والخاصة، كما في غزوة بدر.
ومن ذلك سياسة الإمام علي (عليه السلام) العادلة في الأموال، حيث كان شديد الحفظ لأموال الشعب.
وقد كانت سياسة من سبقه على أكل المال بالباطل، كما قال علي (عليه السلام):
»يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع«(60)، بينما لما جاء علي (عليه السلام) أخذ يسترجع أموال المسلمين التي وزعت على أرحام الحكام بالباطل، ومنها ما رده عليهم من قطائع عثمان فقال: »والله لو وجدته قد تُزوّج به النساء وملك به الإماء لرددته، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق«(61).
وأما بالنسبة لمتابعته لأموال الناس الخاصة فقولـه (عليه السلام) لبعض عماله: »فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة أسرعت الكرة وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم، اختطاف الذئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متأثم من أخذه كأنك لا أبا لغيرك، حدرت إلى أهلك تراثك من أبيك وأمك، فسبحان الله،‍ أما تؤمن بالمعاد؟ أو ما تخاف نقاش الحساب،‍ أيها المعدود كان عندنا من أولي الألباب، كيف تسيغ شراباً وطعاماً وأنت تعلم أنك تأكل حراماً، وتشرب حراماً وتبتاع الإماء وتنكح النساء من أموال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال وأحرز بهم هذه البلاد، فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلا دخل النار...« (62).

خامساً: الدفاع لأجل حفظ الأوطان

ومن دلالة الآيات التي شرعت الحرب وأذنت بالقتال المشروع، حفظ الوطن الإسلامي، وذلك حينما يتعرض بلد المسلمين إلى الاعتداء والغزو من قبل الأعداء، فيجب هنا الدفاع عن حرمة هذا البلد، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَمَا لَنَآ أَلاّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا((63).
وهذا القتال من أجل هذه الأمور المتقدمة لا يعتبر عدواناً على الآخرين بل هو دفاع مشروع مع رعاية سائر الشروط والتي منها إذن المعصوم (عليه السلام) أو الفقهاء المراجع.
إذن المعصوم (عليه السلام) أو شورى المراجع
ولا يخفى أن الحرب بمختلف أقسامها التي سبقت، بحاجة إلى إذن خاص من المعصوم (عليه السلام) وفي زمن غيبته إلى إذن شورى الفقهاء المراجع، ولا يكفي إذن فقيه واحد بالقتال، لأن الأمور العامة كالقتال والحرب بحاجة إلى استشارة سائر الفقهاء فإنها من الأمور الخطيرة المشتملة على الدماء والأعراض والأموال، والخطأ فيها لا يغتفر، ومن ثم يلزم الأخذ برأي الأكثرية من المراجع دون رأي واحد منهم.
كما أن مثل هذه المواضيع بحاجة إلى استشارة الأخصائيين الزمنيين لمعرفة نتائج الحرب وهل هي في صالح المسلمين أم في ضررهم ودراسة الأمور دراسة دقيقة شاملة مع مراعاة سائر الجوانب وعدم الاستعجال فيها، فلا يكفي مجرد رأي شورى الفقهاء المراجع. وكثيراً ما تكون الضغوط الإعلامية والدبلوماسية وما أشبه هي الأنفع من الحرب والخوض في المعارك. هذا كله مع رعاية الشروط الشرعية والآداب الإسلامية في الحروب وهي كثيرة جداً وقد أظهرت نزاهة الإسلام حتى في ميادين الحرب، على تفصيل سيأتي بإذن الله تعالى.
أما مجرد حث الناس على القتال من قبل بعض الأحزاب أو الفئات أو حتى بعض الشخصيات الدينية أو الاجتماعية أو السياسية فإنه غير صحيح بل غير جائز شرعاً، وقد يوجب الضمان على ما هو مقرر في الفقه.

الحقوق والاتفاقيات

وهناك أمور أخرى قد يقع الدفاع والقتال عنها كحفظ الحقوق وحماية الاتفاقيات والمعاهدات، ولكن مشروطة بعدم جدوى الطرق السلمية وأن الطرف هو الذي بدأ القتال فحينئذ يجوز الدفاع.
أما مجرد نقض العهود والاتفاقات وما أشبه، فربما أمكن الوصول فيه إلى الحل عبر المفاوضات السلمية ورفع الشكوى إلى المحاكم الدولية المستقلة وما أشبه.
قال تعالى: (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نّكَثُوَاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمّواْ بِإِخْرَاجِ الرّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مّؤُمِنِينَ ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مّؤْمِنِينَ ( وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَىَ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ((64) فإذا نكث المعتدون عهد الصلح مع المسلمين وأخذوا بمحاربتهم وجب القتال، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفّةً وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ ((65).
وأما قتال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لليهود الذين كانوا في المدينة وحواليها، فإنهم كانوا قد عاهدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد هجرته، ووفى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعهده ولم يتعرض لهم أبداً بل كان (صلى الله عليه وآله وسلم) حامياً عن أموالهم وأعراضهم وأنفسهم وحريتهم الدينية، ولكن اليهود لم يلبثوا أن نقضوا العهد وانضموا إلى المشركين والمنافقين ضد المسلمين، ووقفوا محاربين لهم في غزوة الأحزاب، فأنزل الله تعالى: (قَاتِلُواْ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلاَ يُحَرّمُونَ مَا حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتّىَ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ((66).
وقال أيضاً: (يَـا أيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ الْكُفّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ((67).
وهذا يدل على أن حروب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت كلها دفاعية، ليس فيها شيء من العدوان، وقتال المشركين من العرب ونبذ عهودهم بعد فتح مكة كان جارياً على هذه القاعدة.

ضرورة الإيمان بالسلام في الاستعداد للمواجهات الحربية

ذكرنا قبل صفحات أن الإسلام سبق القانونَ الدولي في وضع القواعد والمبادئ والنظم الإنسانية للحروب التي تخفف من شرورها وويلاتها، وتأكيداً لذلك سنذكر نوعين من الشواهد على ذلك.
الأول: من سيرة النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) السلمية في المجال الجهادي والتبليغي.
والثاني: من سيرة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في حروبه التي ألجؤوه إليها.
فإنهما عدل القرآن كما في حديث الثقلين.
الأول: السلم والسلام في سيرة المصطفى الجهادية (صلى الله عليه وآله وسلم)
الشواهد على حرص الإسلام في حقن الدماء في هذا المجال كثيرة جداً في التاريخ الإسلامي، نذكر منها هذه المشاهد المختلفة من سيرة النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)في غزواته وحروبه:
1: إذا أراد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يبعث سريَّة دعاهم فأجلسهم بين يديه ثم يوصيهم فيقول (صلى الله عليه وآله وسلم): »سيروا بسم الله، وبالله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، لاتغلوا، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً، ولا امرأة، ولاتقطعوا شجراً، إلا أن تضطروا إليها، وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه واستعينوا بالله«(68).
وهنا تتجلى مراعاة الإسلام لأساليب القتال الإنسانية بحيث لا تؤثر على معتزلي القتال من الشيوخ والنساء والأطفال والجرحى. مضافاً إلى التوصية بعدم الغدر وعدم التمثيل وعدم التعرض للبيئة من قلع الأشجار وما أشبه.
2: وهناك حوادث وقعت في هذا المجال تدلل على أن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكره أحداً من أسراه على الإسلام، فكان من سماحة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه عامل أسرى بدر معاملة حسنة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأمم، فقد كانت الأمم تعامل أسراها معاملة العدو البغيض، فتقتلهم أو تبيعهم أو تسترّقهم أو تسخرهم في أشق الأعمال أو تعذبهم أشد العذاب، واستشار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه في شأن أسرى بدر فأشار بعضهم عليه بقتلهم وأشار بعضهم بفدائهم فوافق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على الفداء، وجعل فداء الذين يكتبون أن يعلّم كل واحد منهم عشرة من صبيان المدينة الكتابة. كما أنه أشار بعض الصحابة أن يمثل بسهيل بن عمرو أحد المحرّضين على محاربة المسلمين بأن ينتزع ثنيتيه السفليتين كي لا يستطيع الخطابة، فرفض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: »لا أمثِّل به فيمثَّل الله بي وإن كنت نبياً«(69).
3: في الحديث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل قِبَلَ نجد سريّة فأسروا واحداً اسمه ثمامة بن أثال الحنفي سيد يمامة، فأتوا به وشدُّوه إلى سارية من سواري المسجد فمر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: »ما عندك يا ثمامة« فقال: خير، إن قتلت قتلت وارماً، وإن مننت مننت شاكراً، وإن أردت مالاً قل تُعطَ ما شئت، فتركه ولم يقل شيئاً، فمر به اليوم الثاني فقال مثل ذلك، ثم مرَّ به اليوم الثالث فقال مثل ذلك، ولم يقل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً، ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): »أطلقوا ثمامة« فأطلقوه، فمرَّ واغتسل وجاء وأسلم وكتب إلى قومه فجاؤوا مسلمين(70) وبذلك كانت هداية شخص واحد مقدمة لدخول عشيرته الإسلام.
4: وكان (ابن أبيّ) رأسا في المنافقين وأعظمهم نفاقاً وأشدهم، وكان المنافقون بكثرة حتى بلغوا ثلاثمائة رجل ومائة وسبعين امرأة، وقد انتهت إليه رئاسة الخزرج فلما ظفر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وانصرف الخزرج إليه حسد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالغ في العداوة له.
وكان ولده عبد الله من خيار الصحابة وأصدقهم إسلاماً وأكثرهم عبادة وأشرحهم صدراً، باراً بأبيه مع كفره ونفاقه، قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنك لتعلم إني أبر الناس بأبي وإن أمرتني لأتيك برأسه فعلت وأخشى أن تأمر أحداً بقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي فأقتله فأكون قد قتلت مؤمنا بكافر؟
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا يتحدث الناس إن محمداً يقتل أصحابه بل أحسن صحبته وبر به وترفق به ما صحبنا.
وفي رواية أخرى: أخبر ابنه عبد الله الخبر وعنده عمر بن الخطاب، فقال عمر: مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه(71).
5: منذ اليوم الأول نجد أن قريشاً اشترطت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صلح الحديبية شروطاً قاسية، منها: أن من جاء من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قريش لا ترده إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن جاء من قريش إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بغير إذن وليّه ردّه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقبل (صلى الله عليه وآله وسلم) شرطهم هذا لحكمة رآها من توسيع الإسلام كما شاهدناه بعد ذلك وتبرّم بعضهم وما كانوا يفقهون من توقيع المعاهدة حتى جاء أول امتحان للوفاء فما إن وصل مسلم من مكة اسمه أبو جندل بن سهيل يرسف في الحديد فارّاً من أذى قومه وألحّ على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في أن يضمّه إليه حتى سلّمه (صلى الله عليه وآله وسلم) لقريش وفاءً بعهده، وقال أبو جندل: إنهم سيعذبونني.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً إنا عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله فإنا لا نغدر بهم«، ثم وفد على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة أبو بصير عتبة ابن أسيد فرده وقال له: مثل ما قال لأبي جندل، ثم اجتمع جماعة منهم في الطريق بين مكة وبين المدينة وكانوا يقطعون على وفود مكة مما اضطر أهل مكة أن يقبلوا ويلتحقوا بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتنازلوا عن عهدهم(72).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لقريش في فتح مكة: »ماذا تظنون وماذا تقولون؟«
قالوا: نظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »إني أقول كما قال أخي يوسف لأخوته: (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ((73)«(74).
وهذه نماذج من عفوه وصفحه (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزواته وحروبه.
6: روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: »من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه فأنا حجيزه يوم القيامة«(75).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »لا إيمان لمن يقتل مسلماً أو معاهداً«(76).
وقد عقد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) معاهدة مع قبيلة تغلب في السنة التاسعة من الهجرة، وكان الإسلام قد قوي أشد القوة ودانت به العرب والجزيرة ومع ذلك أباح لهم فيها البقاء على نصرانيتهم، وصالح نصارى نجران وتركهم أحراراً في دينهم(77)، ووجه عمّاله إلى اليمن لأخذ الجزية ممن أقام على نصرانيته.
كما إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقبل أن يقطع الماء على أهل خيبر مع أن في قطعه تسليماً منهم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
وكذلك فعل مع النصارى واليهود جميعاً في بلاد العرب.
وهذا كانت سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) العطرة مع المجوس فإنهم كانوا في بقاع شتى من جزيرة العرب، منهم مجوس نجران وهجر وعمّان والبحرين، وهؤلاء جميعاً بقوا على دينهم ودفعوا الجزية في قبال حماية الحكومة الإسلامية عنهم، ولم ينقل التاريخ أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اضطهد مجوسياً واحداً بترك دينه أو بترك حريته، وقد فتح المسلمون بلاداً أخرى وسلكوا مع أهاليها مسلك السماحة ذاته.

نماذج أخرى من سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) السلمية في الحروب

نزل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ذا أمر وعسكر به وأصابهم مطر كثير فذهب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لحاجة فأصابه ذلك المطر فبل ثوبه وقد جعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وادي أمر بينه وبين أصحابه ثم نزع ثيابه فنشرها لتجف وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها والأعراب ينظرون إلى كل ما يفعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت الأعراب لدعثور وكان سيدهم وأشجعهم: قد أمكنك محمد وقد انفرد من بين أصحابه حيث إن غوث بأصحابه لم يغث حتى تقتله، فاختار سيفا من سيوفهم صارما ثم أقبل مشتملا على السيف حتى قام على رأس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالسيف مشهورا فقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم؟
قال: «الله».
ودفع جبرئيل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقام على رأسه. فقال: «من يمنعك مني؟»
قال: لا أحد وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعا أبدا، فأعطاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سيفه ثم أدبر ثم أقبل بوجهه ثم قال: والله لأنت خير مني.
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا أحق بذلك»(78).
وفي غزوة بدر أقبل نفر من قريش حتى وردوا الحوض منهم حكيم بن حزام فأراد المسلمون تنحيتهم عنه فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «دعوهم». فوردوا الماء فشربوا(79).
وروى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: رميت سهيل بن عمرو يوم بدر فقطعت نساءه فاتبعت أثر الدم حتى وجدته قد أخذه مالك بن الدخشم و هو ممسك بناصيته. فقلت: أسيري رميته. فقال: أسيري أخذته. فأتينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذه منا جميعا وأفلت سهل الروحاء، فصاح(صلى الله عليه وآله وسلم) بالناس فخرجوا في طلبه. فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «من وجده فليقتله». فوجده هو(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يقتله(80).
ولما افتتح القموص حصن ابن أبي الحقيق أتي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بصفية بنت حي بن أخطب وبأخرى معها فمر بهما بلال وهو الذي جاء بهما على قتلى من قتلى اليهود فلما رأتهم التي معها صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها... وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لبلال لما رأى من تلك اليهودية ما رأى: «أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمر بامرأتين على قتلى رجالهما»(81).
وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنزل لأكلمك. قال: «نعم». فنزل وصالح رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ويخلون بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين ما كان لهم من مال وأرض وعلى الصفراء والبيضاء والكراع وعلى الحلقة وعلى البز إلا ثوب على ظهر إنسان. وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا». فصالحوه على ذلك. فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم، ويخلون بينه وبين الأموال ففعل وكان ممن مشى بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود أحد بني حارثة فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعاملهم الأموال على النصف وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها. فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم وصالحه أهل فدك على مثل ذلك(82).
ولما اطمأن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أهدت له زينب بنت الحارث بن سلام بن مشكم وهي ابنة أخي مرحب شاة مصلية وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقيل لها الذراع، فأكثرت فيها السم وسمت سائر الشاة ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فأخذها فلاك منها مضغة وانتهش منها ومعه بشر بن البراء بن معرور فتناول عظما فانتهش منه فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة تخبرني أنها مسمومة». فدعاها فاعترفت فقال:«ما حملك على ذلك؟». فقالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت إن كان نبيا فسيخبر وإن كان ملكا استرحت منه، فتجاوز عنها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومات بشر بن البراء من أكلته التي أكل (83).
ولما فتح علي (عليه السلام) حصن خيبر الأعلى بقيت لهم قلعة فيها جميع أموالهم ومأكولهم ولم يكن عليها حرب بوجه من الوجوه، نزل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) محاصرا لمن فيها فصار إليه يهودي منهم فقال: يا محمد تؤمنني على نفسي وأهلي ومالي وولدي حتى أدلك على فتح القلعة؟ فقال لـه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت آمن فما دلالتك؟». قال: تأمر أن يحفر هذا الموضع فإنهم يصيرون إلى ماء أهل القلعة فيخرج ويبقون بلا ماء ويسلمون إليك القلعة طوعا. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«أو يحدث الله غير هذا وقد أمناك» فلما كان من الغد ركب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بغلته وقال للمسلمين: اتبعوني، وسار نحو القلعة فأقبلت السهام و الحجارة نحوه وهي تمر عن يمنته و يسرته فلا تصيبه ولا أحدا من المسلمين شيء منها حتى وصل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى باب القلعة فأشار بيده إلى حائطها فانخفض الحائط حتى صار من الأرض وقال للناس: «ادخلوا القلعة من رأس الحائط بغير كلفة»(84). إلى غيرها من سلمه وصفحه وعفوه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحروب.
الثاني: السلم والأمان في سيرة الإمام علي (عليه السلام) الجهادية
وهذه بعض المقتطفات من سيرة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الجهادية وهي تصلح لأن يستخرج منها منهاج للسلم في المجال العسكري، ومن خلال ما سيأتي من هذه السيرة العطرة يعرف أن قواعد الإسلام السلمية في الحرب لا تبدأ في مرحلة القتال وإنما تبدأ في التربية الجهادية العسكرية ثم يكون للسلم موقع في كل جزئيات الحرب وتفصيلاتها كما سنرى.

مشروعية الهدف والإيمان به والاعتقاد بسلامته

وبداية السلم في هذا المجال تكون قبل البدء في العمل العسكري وذلك في بداية التربية العسكرية والجهادية، وهو ما يعبر عنه بمشروعية الهدف والإيمان به والاعتقاد بسلامته، أي أن الدافع لهذا القتال الدفاعي هو لأجل إعلاء كلمة الله تعالى، وأهمية هذا الأمر تكمن في مشاركة المقاتل في ساحة المعركة وثباته فيها، لأنه لا يمكن أن تجبر قلب أحد وفكره على ما لا يعتقد بصحته، فإذا اعتقد بمشروعية الهدف كانت مشاركته فاعلة في هذه المعركة، بل لن يتوقف إذا اقتضى من قتال أهله وإخوانه، يقول (عليه السلام) في وصف أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك يوم صفين حين أمر الناس بالصلح:
«ولقد كنا مع رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيد ذلك إلا إيماناً وتسليماً...»(85).
ومن هنا لابد وأن يكون هناك إعداد متكامل لهذا الجيش حتى يصبح جيشاً عقائدياً مؤمناً بكل قضية تتعلق بمسائل الحرب والقتال، وهذا الأمر يرجع إلى طبيعة المجتمع الذي يتشكل منه ذلك الجيش، فإن وجدت فيه تلك الصفات والخصال فهي لاشك تنتقل إلى ذلك الجيش، لأنه من أبنائه وجنسه.

أمير المؤمنين (عليه السلام) والفتوحات

وهناك شبهة تذكر دائماً وهي أن الفتوحات الإسلامية لم تتوسع رقعتها في عهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فلماذا؟
والجواب: لأنه (عليه السلام) حينما وصل إلى الكوفة وابتدأ عهده بخلافته أخذ يربي ذلك المجتمع وفق النظرية الإسلامية الصحيحة ومبادئه القيمة حتى ينجب ذلك الجيش العقائدي، فأخذ يغير الكثير من الأمور والمفاهيم السائدة، والتربية تحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل، ومن أصعب مجالات التربية هو تغير عقيدة المجتمع الناشئ على مفاهيم معينة لاسيما الذين اعتبروها من واقع الشريعة لأنها وجدت منذ أيام الخلافة المغتصبة بينما هي التي لا تمت إلى الإسلام بأي صلة، ولهذا فر العديد من مجتمع الكوفة وغيره من الأمصار إلى معاوية.
وقد ذكرت بعض ملامح هذه السياسة التي انتهجها علي (عليه السلام) في ذلك المجتمع في محاورة له مع مالك الأشتر (رحمه الله) ذكرها مولى الأشتر فقال:
شكا علي (عليه السلام) إلى الأشتر فرار الناس إلى معاوية، فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين إنا قاتلنا أهل البصرة بأهل البصرة وأهل الكوفة والرأي واحد وقد اختلفوا بعد وتعادوا وضعفت النية وقل العدد، وأنت تأخذهم بالعدل وتعمل فيهم بالحق وتنصف الوضيع من الشريف، وليس للشريف عندك فضل منزلة على الوضيع، فضجت طائفة ممن معك من الحق إذ عمّوا به، واغتموا من العدل إذ صاروا فيه، وصارت صنائع معاوية عند أهل الغنى والشرف فتاقت أنفس الناس إلى الدنيا، وقل من الناس من ليس للدنيا بصاحب، وأكثرهم من يجتوي الحق ويستمرئ الباطل ويؤثر الدنيا، فإن تبذل المال يا أمير المؤمنين تمل إليك أعناق الناس وتصف نصيحتهم وتستخلص ودهم، صنع الله لك يا أمير المؤمنين وكبت عدوك وفض جمعهم وأوهن كيدهم وشتت أمورهم إنه بما يعملون خبير. فأجابه علي (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه وقال: »أما ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل فإن الله يقول: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبّكَ بِظَلاّمٍ لّلْعَبِيدِ((86) وأنا من أن أكون مقصراً فيما ذكرت أخوف، وأما ما ذكرت من أن الحق ثقل عليهم ففارقونا لذلك، فقد علم الله أنهم لم يفارقونا من جور، ولم يدعوا إذ فارقونا إلى عدل ولم يلتمسوا إلا دنيا زائلة عنهم كان قد فارقوها وليسألن يوم القيامة أ للدنيا أرادوا أم لله عملوا، وأما ما ذكرت من بذل الأموال واصطناع الرجال فإنا لا يسعنا أن نؤتي امرأ من الفيء أكثر من حقه، وقد قال الله وقولـه الحق: (كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ((87)، وبعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده فكثّره بعد القلة، وأعز فئته بعد الذلة، وإن يرد الله أن يولينا هذا الأمر يذلل لنا صعبه، ويسهل لنا حزنه، وأنا قابل من رأيك ما كان لله رضى، وأنت من آمن أصحابي وأوثقهم في نفسي وأنصحهم وأرآهم عندي«(88).
وقد مر في قول علي (عليه السلام) المتقدم أحد المفاهيم المعنوية المهمة في التربية العسكرية والجهادية التي يتربى عليها المقاتل المسلم وهو الإمداد الغيبي والعون الإلهي في قتاله، وذلك في قولـه تعالى: (كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ(، فيجعل المقاتل المسلم عظيماً في الجانب المعنوي، فلا يفكر بأي شيء إلا باثنين: إما النصر وإما الشهادة. وأما في الجانب المادي فيجعل منه طاقة هائلة تحسب له الأعداء ألف حساب، فلا يتردد ولا يخاف، يقاتل بروحية عالية، لأنه يعلم أن قتاله في سبيل الله ومن أجله، وقد سعى الإمام علي (عليه السلام) لترسيخ هذا المفهوم في مواطن كثيرة، ومنها في نصيحته لعمر حينما استشاره بشأن الشخوص لقتال الفرس فقال له: »وأما ما ذكرت من عددهم (الفرس) فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة«(89).
وقال (عليه السلام) أيضاً لمحمد بن أبي بكر عندما هاجم عمرو بن العاص مصر، في كتابه إليه:»فإن الله يعز القليل ويخذل الكثير«(90).
ثم إنه (عليه السلام) استخدم وسيلة الحوار والمناقشة من أجل أن يقتنع المقاتل بمشروعية الهدف والإيمان به والاعتقاد بسلامته، ومن ذلك قولـه في كتابه عند مسيره إلى أهل الكوفة: »أما بعد، فإني خرجت من حيي هذا إما ظالماً وإما مظلوماً، وإما باغياً وإما مبغياً عليه، وإني أذكر الله من بلغه كتابي هذا لما نفر إلي فإن كنت محسناً أعانني وإن كنت مسيئاً استعتبني«(91).
وهو (عليه السلام) يعلم أنه على الحق في مسيره لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال فيه: »علي مع الحق والحق مع علي«(92) ولكنه أراد أن يدفع الشبهة عن الناس في قتال أهل الجمل، ولا يمكن أن يتأخر عن هذا النداء أحد، فإن كان محسناً وجب عليه إعانته، وإن كان مسيئاً فهناك استعتاب وحوار ومناظرة، وقد حدثت بعض المناظرات في واقعة الجمل كان الحق فيها واضحاً في جانب علي (عليه السلام).
وإذا حصل الحوار كان القتال عن وعي ومعرفة وإيمان بهذه القضية التي يقاتل من أجلها، لأنه يصعب أن تجبر أحداً في سبيل قضية لا يعتقد بها فيحق لكل إنسان أن يسأل عن أي شيء يتعلق بهذا الأمر من أجل أن يقتنع بمشروعية الهدف والإيمان به والاعتقاد بسلامته كي يكون على بينة من أمره.
ثم هناك أمر هو من جملة المسائل التي تذكر في التربية الجهادية، بأن يعلم المقاتل أن قتاله الدفاعي لابد وأن يكون في سبيل الله عزوجل ومن أجل إعلاء كلمته ولتثبيت دعائم دينه وأركانه، وفي هذا يكمن سائر الأسباب المشروعة.
لأن هناك قتالاً يأباه الإسلام وهو القتال الذي يكون سببه المشاعر القومية والعرقية وما أشبه، أي يقاتل من أجل قوميته أو عشيرته أو أمته كما قال قائلهم:
غويت وأن ترشد غزية أرشد
وهل أنا إلا من غزية إن غوت
فهذا القتال يتنافى مع مبادئ السماء المتمثلة في هذه الآية القرآنية:
(وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ((93).
وخلاصة تعاليم الإسلام في القتال هو لزوم أن يكون دفاعاً عن عقيدة يعتدى عليها، أو عن حقوق مسلوبة، أو ما أشبه مما يجعله مشروعاً، فهو للدفاع عن قضية إنسانية معرضة للظلم والانتهاك أو غيرها من القضايا الإنسانية النبيلة، وليس للحقد والتشفي والغدر والمكر والظلم والعدوان وحب السيطرة وما أشبه من أسباب الكثير من المعارك والحروب في العالم.

أسس السلم في ميادين الحرب

ثم بعد هذا تأتي مرحلة السلم في كل مسائل الحرب وتفصيلاتها، فمنها:

1: في المسير للمواجهة العسكرية

قال الإمام علي (عليه السلام) في كتاب له إلى العمال الذين يطأ الجيش عملهم: «أما بعد فإني قد سيرت جنودا هي مارة بكم إن شاء الله وقد أوصيتهم بما يجب لله عليهم من كف الأذى وصرف الشذا وأنا أبرأ إليكم وإلى ذمتكم من معرة الجيش إلا من جوعة المضطر لا يجد عنها مذهبا إلى شبعه، فنكلوا من تناول منهم شيئا ظلما عن ظلمهم وكفوا أيدي سفهائكم عن مضارتهم والتعرض لهم فيما استثنيناه منهم، وأنا بين أظهر الجيش فارفعوا إلي مظالمكم وما عراكم مما يغلبكم من أمرهم، وما لا تطيقون دفعه إلا بالله وبي فأنا أغيره بمعونة الله إن شاء الله»(94)
وفي هذا الكتاب وردت عدة نقاط منها: إن الإمام (عليه السلام) أخبر عماله وولاته في تلك المناطق وأهلها بأن الجيش الذي سيّره سيكون مسيره في طريقهم حتى يكونوا على بينة من هذا الأمر ويستعدوا له.
ومنها: وصيته للجيش في كف الأذى، أي أن لا يعتدوا على أهل تلك المناطق ويجب أن تسلم ممتلكاتهم ولا يتعرض لها.
ومنها: أن هذا الجيش من المحتمل أن يحصل من بعض أفراده أذى أو ظلم، فقال (عليه السلام): «أنا أبرأ إليكم وإلى ذمتكم من معرة الجيش»(95).
ومنها: هناك استثناء وهو (جوعة المضطر) فيحق له أخذ ما يسد به جوعته بشروط مذكورة في الفقه.
ومنها: أمره لعماله وولاته بالتنكيل لمن خالف هذا الوصية وألحق الأذى ظلماً وعدواناً بممتلكات الناس.
ومنها: إن لم يسع الولاة معالجة ذلك الأمر فعليهم أن يرفعوا مظالمهم وشكواهم وما أصابهم من ذلك الجيش له (عليه السلام) فهو يتولى معالجة ما حل بهم.
وفي هذه الوصية يرى بوضوح وجوب أن يتبع الجيش السلام في مسيره للمواجهة.

2: موقع الوقوف في ساحة ميدان المعركة

وعند الوصول إلى ساحة المعركة والوقوف أمام الخصم لابد وأن يقف الجيش في موقف يدل على الأمن والسلام، فلا يقوم بأي حركة استفزازية تحرك الخصم في إشعال نار الحرب، فقال (عليه السلام) لأحد قادة جيشه: «فسر على بركة الله فإذا لقيت العدو فقف من أصحابك وسطا ولا تدنُ من القوم دنو من يريد أن ينشب الحرب ولا تباعد عنهم تباعد من يهاب البأس»(96).

3: النهي عن مقاتلة غير الخصم

وهناك أمر حينما يبدأ القتال أو قبله في أثناء المسير وهو وجوب معرفة الخصم الذي ساروا من أجل قتاله، فربما يمر الجيش في بلد تابع للخصم ولكنه لم يشهر السيف في وجه الجيش، فهذا يجب أن لا يقاتل، قال (عليه السلام) لأحد قادته: »اتق الله الذي لابد لك من لقائه ولا منتهى لك دونه ولا تقاتلن إلا من قاتلك«(97).
ومن وصية لـه (عليه السلام) للحسن والحسين ( لما ضربه ابن ملجم قال (عليه السلام): «يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون قُتل أمير المؤمنين ألا لا تقتلن إلا قاتلي»(98).
وقال (عليه السلام) في كتاب له إلى أهل البصرة: «وقد كان من انتشار حبلكم وشقاقكم ما لم تغبوا عنه فعفوت عن مجرمكم، ورفعت السيف عن مدبركم، وقبلت من مقبلكم، فإن خطت بكم الأمور المردية وسفه الآراء الجائرة، إلا منابذتي وخلافي، فها أنا ذا قد قربت جيادي ورحلت ركابي، ولئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلا كلعقة لاعق، مع أني عارف لذي الطاعة منك فضله ولذي النصيحة حقه غير متجاوز متهما إلى برئ، ولا ناكثاً إلى وفي«(99).

4: تقديم الحجج والأدلة ومناظرة الخصم من أجل إرجاعه

وهناك مقومات السلم حين الوصول إلى ميدان الحرب لمواجهة الخصم، ويتمثل في إلقاء الحجة عليه ومناظرته من أجل إرجاعه، ويجب أن يدعى إلى الحق والإعذار إليه، ففي ذلك معذرة الجيش وقيادته ويبرئ الذمة في عملهم. كتب (عليه السلام) إلى بعض أمراء جيشه: «ولا يحملنكم شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم»(100).
وقال (عليه السلام) في موضوع آخر: »فإن عادوا إلى ظل الطاعة فذاك الذي نحب«(101).
وقد أشار عليه أصحابه بالاستعداد لحرب أهل الشام بعد إرساله جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية، ولم ينزل معاوية على بيعته، فقال(عليه السلام): »إن استعدادي لحرب أهل الشام وجرير عندهم إغلاق للشام وصرفٌ لأهله عن خير إن أرادوه«(102).
وقال (عليه السلام) وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال: ».. والله ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي، وتعشو إلى ضوئي، وذلك أحب إلي من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها«(103).

5: إنذار الخصم بعد إقامة الحجة عليه وتخويفه

وهنا تأتي مرحلة التخويف إذا لم يستجب الخصم إلى الحجة ولم يذعن إلى الدليل والبرهان، وهي خطوة أخرى من أجل أن يعود الخصم إلى خط الطاعة ويرجع عن رأيه في القتال، وقد ورد في نهج البلاغة تخويف الإمام علي (عليه السلام) لأهل النهروان فقال: »فأنا نذير لكم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر وبإهضام هذا الغائط على غير بينة من ربكم، ولا سلطان مبين معكم، قد طوحت بكم الدار، واحتلبكم المقدار وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فأبيتم علي إباء المنابذين، حتى صرفت رأيي إلى هواكم... «(104).

6: النهي عن بدأ قتال الخصم

ومن وصية لـه (عليه السلام) لعسكره قبل لقاء العدو بصفين قال (عليه السلام): »لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم فإنكم بحمد الله على حجة وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى لكم عليهم«(105).
وهناك صور كثيرة ذكرت في سيرة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الجهادية التي سعى فيها لتجنيب الجيش ويلات الحرب، كي يسلم من القتال ولا تسفك منه الدماء.
ومنها قولـه (عليه السلام) لمعاوية في صفين: »وقد دعوت إلى الحرب، فدع الناس جانباً واخرج إلي وأعف الفريقين من القتال«(106).
وفي بحار الأنوار: (لما واقفهم علي (عليه السلام) بالنهروان قال: لا تبدءوهم بقتال حتى يبدءوكم، فحمل منهم رجل على صف علي (عليه السلام) فقتل منهم ثلاثة، فخرج إليه (عليه السلام) فضربه فقتله، فلما خالطه سيفه قال: يا حبذا الروحة إلى الجنة)(107).

7: القتال بدافع الإيمان ولأجل الحق

ودافع القتال يجب أن يكون الإيمان والحق، وأن لا يكون سبب قتالهم الشنآن والبغض والحقد، قال (عليه السلام) لبعض قادته: »ولا يحملنكم شنآنهم على قتالهم«(108).

8: استجابة دعوة السلم من قبل الأعداء

إن الله تعالى يقول: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ( وَإِن يُرِيدُوَاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الّذِيَ أَيّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ((109). ففي هذه الآية أمرٌ بالجنوح إلى السلم إذا جنح العدو إليها، حتى ولو كان جنوحه خداعاً ومكراً.
ويقول الله سبحانه: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً((110).
فحينما اعتزل اليهود القتال عفا عنهم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في صلح الحديبية فأصبحوا بحماية الإسلام، فالقوم الذين لم يقاتلوا قومهم ولم يقاتلوا المسلمين واعتزلوا محاربة الفريقين يريدون به السلام، فهؤلاء لا سبيل للمؤمنين عليهم ويجوز عقد معاهدة الصلح معهم.

8: في نهاية الحرب والقتال

وفي وصية للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لعسكره قبل لقاء العدو بصفين يقول:
«فإذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبرا، ولا تصيبوا معورا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تهيجوا النساء بأذى، وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم، فإنهن ضعيفات القوى والأنفس والعقول، إن كنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالفهر أو الهراوة فيعير بها وعقبه من بعده»(111).
وفي هذه الوصية عدة نقاط تدل دلالة واضحة على اتباع السلم والأمان في نهاية المعركة في حالة النصر وهزيمة العدو، منها: حرمة قتل المدبر أو متابعة المعور(112)، والإجهاز على جريح، ومنع من التعرض للمرأة حتى وإن صدر منها السب والشتم.
وقد جسد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) وأصحابهم هذه المعاني في الحروب التي اشتركوا فيها، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لما هزم الناس يوم الجمل: »لا تتبعوا موليا ولا تجهزوا على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن«(113).

9: عدم الشماتة بالقتلى وأخذ العظة والعبرة من أخطائهم

ومثاله أنه لما مر أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) بطلحة وعبد الرحمن بن عتاب وهما قتيلان يوم الجمل فقال: »لقد أصبح أبو محمد بهذا المكان غريباً أما والله لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب«(114).
وهذا الموقف يذكر بموقف الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء حينما بكى ذلك الجيش الذي قدم لقتاله لأنهم سيدخلون النار بسبب الإقدام على قتله.
هذه نظرة موجزة عن موقع السلم في الحركة الجهادية الإسلامية، ويمكن أن تستخرج نظرية متكاملة عن السلم في هذا المجال من كتاب (نهج البلاغة) فقد ذكر فيه الإمام (عليه السلام) الكثير من تجربته الجهادية التي استمرت من بداية عصر الرسالة وحتى استشهاده.

أسباب النزاعات والمعارك بين المذاهب الإسلامية

قد يرد سؤال يقول: لقد حدثت معارك دامية في الدولة الإسلامية وقتلت أعداد كبيرة فيها من المسلمين والمؤمنين، وإذا كان كذلك فكيف يقال عن الإسلام إنه دين المحبة والرحمة والإخاء والعدل وأنه قد أولى السلام عناية مهمة فسعى لإرساء قواعده وتثبيت أركانه بين الأمم والشعوب؟.
والجواب على هذا السؤال يكون في ثلاثة أمور:
الأول: وقعت حروب ومعارك في التاريخ الإسلامي وحدث فيها بين المسلمين قهر وسلب ونهب واعتداءات وسفكت بها الدماء وخاصة في العهدين الأموي والعباسي، ولكن هذه الحروب لا يمكن أن تحسب على الإسلام لأنها حدثت من أجل مصالح أنانية معينة لبعض الحكام ليس لها ولهم علاقة بالإسلام، لأنها لم تكن جهاداُ من أجل الله عزوجل، ولم تكن من أجل قضايا إنسانية نبيلة يسوغ القتال فيها، وإنما كانت من أجل الملك والزعامة والرئاسة، وإذا كانت كذلك فلا يمكن أن تكون مقياساً للإسلام.
الثاني: لا فرق في ترتب بعض الأحكام الوضعية بين من يرتكب الموضوع خطأ أو ظلماً، سواء في البلاد الإسلامية أم في غيرها، فالأثر الوضعي يطبق على الجميع، فإذا ارتكب رجل ظلماً لزم عقابه حتى وإن لم تكن عاقبة هذا الظلم أو الخطأ قتالاً أو حرباً.
قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أخذ أرضاً بغير حق كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر»(115).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أعظم الخطايا اقتطاع مال امرئ مسلم بغير حق»(116).
وكذلك لو انقطعت العلاقات بين مجموعة من المذاهب الإسلامية، وانفصلت عرى الإخاء منهم، وبغى بعضهم على بعض، وجب السعي لإرجاع الباغي إلى العدل، وإلى التسليم لأمر الله، والانتظام في سلك القانون الإسلامي، وإذا لم يفد معهم الحكمة والموعظة الحسنة، بل شهروا السيف بوجه الناس، فيقول الله عزوجل: (فَقَاتِلُواْ الّتِي تَبْغِي حَتّىَ تَفِيَءَ إِلَىَ أَمْرِ اللّهِ((117).
ومع ذلك تؤكد الآية على أن المؤمنين إذا تقاتلوا وجب على جماعة من ذوي الرأي والحكم والحل والعقد أن تتدخل فوراً، وتصلح بين المتقاتلين، فقالت: (وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىَ الاُخْرَىَ فَقَاتِلُواْ الّتِي تَبْغِي حَتّىَ تَفِيَءَ إِلَىَ أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ((118). وفي هذه الآية وما ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إشارات مهمة تدل على أهمية السلام والأمان في الإسلام ومنها:
1: تقديم الصلح على القتال، أي أن الأولوية في حل هذا النزاع هو السعي للصلح بينهما، وإذا لم تنجح هذه المهمة تأتي لاحقاً مرحلة القتال كي تفيء الفئة الباغية لأمر الله سبحانه وتعالى.
2: لقد كرّم الإسلام هذه الطائفة المصلحة للعمل المقدس الذي تقوم به، فهي تريد إنهاء هذه الحرب ومنع وقوع القتال وإحلال السلم بين الناس، ومن جملة تكريمه أنه من قتل من الطائفة المصلحة، فإنه يكون شهيداً، ولـه ثواب الشهيد في معركة الكفّار.
3: كان للأئمة المعصومين (عليهم السلام) دور كبير في حل كثير من المسائل التي تحدث بين شيعتهم عن طريق الصلح، حتى أنهم بذلوا الأموال وأجازوا صرفها من أجل ذلك، فعن ابن سنان عن مفضل قال: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): «إذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي»(119).
الثالث: إن أسباب هذه المعارك لم تختلف عن أسباب الحروب المختلفة عبر التاريخ التي تقرها أنظمة الأمم والشعوب في العالم، ومن جملة أسباب المعارك التي حدثت بين المسلمين عبر التاريخ:

1: مخالفة المواثيق والاتفاقيات ونكث العهود.

وهذه الأمور أحد أسباب حرب الجمل وصفين والنهروان، وقد أشار لها الإمام علي (عليه السلام) في الخطبة الشقشقية في قوله:
«فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون»(120).
والفئة التي نكثت بيعة الإمام (عليه السلام) هم طلحة والزبير وعائشة، والأخرى هي طائفة الخوارج التي مرقت عن الدين، والآخرون هم أصحاب معاوية وهي الفئة الظالمة والجائرة الباغية.
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يا معشر المسلمين قاتلوا أئمة الكفر، إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون، ثم قال (عليه السلام): هؤلاء القوم هم ورب الكعبة، يعني أهل صفين والبصرة والخوارج»(121).

2: ارتكاب الجرائم كالقتل والنهب وشن الغارات والعمليات الإجرامية.

وهذا أيضاً أحد أسباب قيام تلك المعارك، قال الإمام علي (عليه السلام) عن طلحة والزبير: «فخرجوا... في جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة، طائعاً غير مكره، فقدموا على عاملي بها وخزان بيت مال المسلمين وغيرهم من أهلها فقتلوا طائفة صبراً وطائفة غدراً»(122).
وقال (عليه السلام) في نهج البلاغة: »فقدموا على عمالي وخزان بيت المسلمين الذي في يدي، وعلى أهل مصر، كلهم في طاعتي وعلى بيعتي، فشتتوا كلمتهم، وأفسدوا علي جماعتهم، ووثبوا على شيعتي، فقتلوا طائفة منهم غدراً»(123).
وهذا أحد أسباب قيام حرب صفين أيضاً.
فهذه الحروب والمعارك التي حدثت في البلاد الإسلامية دفاعاً عن الحق وفي وجه الذين لا يرون للناس حقوقاً، لها أسبابها القانونية والشرعية فتارة قامت لأجل قتال الباغي حتى يرجع إلى العدل، وإلى التسليم لأمر الله والانتظام في سلك القانون الإسلامي، وأخرى: من أجل الدفاع عن المستضعفين المظلومين، وتارة ثالثة: من أجل الحفاظ على صورة الإسلام الأصيل الذي يمثله القرآن الكريم والعترة الطاهرة (عليهم السلام) عندما تهاجم هذه الصورة بالسيف، ورابعة: من أجل الحفاظ على البلد الإسلامي وحدوده، فليس فيها ما يسيء لفكرة السلام في الإسلام، بل هي صورة ناصعة للشريعة الإسلامية وعدم شنها للحروب بل السعي لإخماد نائرة الحرب بما يمكن، وذلك لأصالة الحكم الإسلامي وواقعيته.
ويختلف حكم هؤلاء الخارجين على الحاكم العادل المعين من الله عزوجل أو المنتخب من قبل الشعب في انتخابات حرة نزيهة، ولابد من صفات خاصة يتميز بها الخارجون حتى ينطبق عليهم وصف (البغاة) وسنذكر جملة منه والتفصيل في الفقه:
1: إذا كان الخروج بالسيف والقتال لطلب الرئاسة ومنازعة أولي الأمر المعصوم (عليه السلام) أو المنتخب من قبل الأمة وبكامل اختيارها، فهذا الخروج يعتبر محاربة ويكون للمحاربين حكم آخر يخالف حكم الباغين على ما هو مذكور في الفقه.
فمن قتل منهم فهو في النار، ومن قتل من جيش الحق ممن طبق حكم الله فهو شهيد، والقتال يجب أن يكون آخر المطاف بحيث تسبقه محاولة الصلح والهداية وبعد إتمام الحجة لأن حرمة النفس كبيرة عند الله كما في الآية: (مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً((124).
وسئل أبو عبد الله (عليه السلام) عمن قتل نفساً متعمداً؟ قال (عليه السلام): «جزاؤه جهنم»(125).
2: إذا بغت فئة على الأخرى بالسيف والقتال، ولم ترضخ للصلح، ولم تستجب له، وجب على المسلمين أن يجتمعوا لقتال هذه الفئة الباغية، وقد قاتل الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الفئة الباغية، وقد اتفق الفقهاء أن الفئة الباغية لا تخرج عن الإسلام ببغيها.
3: إذا كان للخارجين على الحاكم العادل رئيس مطاع يكون مصدراً لقوتهم، لأنه لا قوة لجماعة بدون قيادة، فإذا ما تم القضاء على رأس الفتنة فستندحر الفئة الضالة وتترك فئته وشأنهم.
4: إذا كان الخروج على إمام المسلمين الذي عينه الله تعالى أو اجتمعت عليه الناس بصورة شرعية، وكان الخروج مصحوباً بامتناع أداء الحقوق المقررة، بأن يكون القصد منه عزل الإمام المعصوم (عليه السلام) أو المنتخب بانتخاب شرعي، ومن ثم قام الخارجون بمحاربة المسلمين، فتتم حينئذ محاربة تلك الفئة الخارجة كما حصل في معركة النهروان.
عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لما فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام) من أهل النهروان فقال: لا يقاتلهم بعدي إلا من هم أولى بالحق منه»(126).
5: إذا كان الخروج على الحاكم العادل التي أوجب الله طاعته على المسلمين، فقتالهم مشروع بشرائطه، وإما إذا كان الخروج على إمام جائر فلهم حكم آخر، وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: «ذكرت الحرورية عند علي (عليه السلام) فقال: إن خرجوا على إمام عادل أو جماعة فقاتلوهم وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم فإن لهم في ذلك مقالاً»(127).
والحديث عن قصة الخوارج وكيفية تعامل أمير المؤمنين (عليه السلام) معهم، هو حديث السلم والسلام بأجلى صوره، فرغم خلافهم مع علي (عليه السلام) في صفين لم يقاتلهم في الكوفة، بل قال لهم: لكم ما للمسلمين من الفيء، فأخذ يعطيهم حقوقهم ويقسم لهم من بيت المال كسائر المسلمين، وفسح لهم المجال في ممارسة شعائرهم الدينية والعقائدية والسياسية بكل حرية، ولكنهم لما ارتكبوا جرائم القتل وشهروا السيف بوجه الناس، قاتلهم في النهروان.
6: أن يكون الخارجون جماعة قوية لها شوكة وقوة، بحيث يحتاج الحاكم لرّدهم إلى الطاعة، إلى إعداد رجال ومال وسلاح، فإن لم تكن لهم قوة وكانوا أفراداً، أو لم يكن لهم من العتاد ما يدفعون به عن أنفسهم، فليسوا ببغاة، لأنه يسهل ضبطهم وإعادتهم إلى الطاعة.
وفي ختام هذا الفصل(السلم والسلام في باب الجهاد) تبين أن القاعدة الأولية في الإسلام هي السلم والسلام، والأصل هو اللاعنف، أما القتال والحرب فهي الاستثناء، ولا مسوغ للحرب في نظر الإسلام مهما كانت الظروف، وهو لم يأذن بالحرب إلا دفعاً للعدوان، وحماية للدعوة والمستضعفين، ومنعاً لاضطهادهم، وكفالة لحرية الدين وهي من الحريات المشروعة لكل إنسان، فإنها حينئذ تكون فريضة من فرائض الدين، وواجباً من واجباته المقدسة ويطلق عليها اسم (الجهاد) مشروطة بشروط كثيرة والتي منها فتوى شورى المراجع بذلك على ما مر تفصيلا. قال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصّابِرينَ((128).

مسائل في السلم والسلام الجهادي

هناك مسائل عديدة وواجبات ومستحبات وشواهد وأمور أخرى حول السلم والسلام بالمعنى الأعم في باب الجهاد الإسلامي، نشير إلى بعضها.
مسألة: يلزم على الحكومة تطبيق قانون السلم والسلام مع الشعب، فلا يجوز أن تدخل معهم في القتال والحرب، ولا يجوز لها استخدام العنف مع الناس، إلاّ فيما قرره الشارع وبالمقدار المقرر فقط.
مسألة: يلزم على الحكومة مراعاة قانون السلم والسلام مع المعارضة السياسية وما أشبه ولا يجوز اعتقال المعارضة ولا سجنهم ولا محاربتهم. كما لا يجوز مصادرة حرياتهم من الإعلام والصحف والتجمعات وما أشبه.
مسألة: يلزم على الحكومة أن تجعل سياستها الخارجية مبنيّة على السلم والسلام مع جميع الدول، فلا يجوز أن تبدأ الحرب مع أي دولة، كافرة كانت أو مسلمة.
مسألة: يلزم على الحكومة أن تسعى لشمول السلم والسلام عموم المجتمع وأفراد الشعب وأن تقضي ـ بالطرق المشروعة ـ على العصابات التي تقاتل الناس.
مسألة: يلزم مراعاة قانون السلم والسلام في باب العقوبات والسجون وقد ذكرنا في بعض الكتب قسماً من حقوق السجين(129).
مسألة: يلزم مراعاة قانون السلم في الحرب، قدر الإمكان، ويجب الحيلولة دون ارتكاب العنف، فلا يجوز الحرب والقتال إلاّ مع الضرورة القصوى، كما يشاهد ذلك في حروب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
مسألة: يلزم على الحكومة الإسلامية مراعاة قانون السلم والسلام مع الأقليات الدينية الموجودة في البلد الإسلامي فلا يجوز لها محاربتهم.
مسألة: يلزم على الحكومة الإسلامية مراعاة قانون السلم والسلام مع الدول المجاورة فلا يجوز لها أن تحاربها.
مسألة: يلزم على الحكومة الإسلامية مراعاة قانون السلم مع سائر الدول الإسلامية.
مسألة: يلزم على الدولة الإسلامية مراعاة قانون السلم مع سائر الدول الأجنبية وعدم خوض المعارك معها.
مسألة: يحرم على الدولة الإسلامية تشجيع جماعات العنف والإرهاب.
مسألة: على الحكومة الإسلامية أن تجعل شعارها القولي والعملي السلم واللاعنف حتى تعرف بذلك، قال سبحانه: (يَـا أيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَآفّةً((130).
مسألة: يلزم نشر وبيان الأُسلوب السلمي في غزوات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
مسألة: يلزم دفع الشبه التي ترد على الإسلام وتتهمه بأنه دين العنف.
مسألة: لا يجوز تعذيب أحد من الأسرى حتى يقر بشيء أو يدلي بمعلومات، لأنّ ذلك من أظهر مصاديق العنف وقد حرّمه الإسلام أشد تحريم.
مسألة: ينبغي مراعاة قانون السلم حتى مع المجرمين الذين شاركوا في الحرب، وذلك بأخذ الأخف عليهم وما أشبه.
مسألة: يلزم فضح الظالمين الذين يرتكبون أعمال العنف وينسبون ذلك إلى الإسلام سواء كانوا على شكل دول أو جماعات، ولكن الفضح يلزم أن يكون بطريق سلمي، فإنّه من النهي عن المنكر بشرائطه.
مسألة: ينبغي مراعاة السلم مع الأعداء كما هو ظاهر من تاريخ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام)، وربما كان واجباً على تفصيل مذكور في الفقه.
مسألة: لا يجوز ارتكاب العنف بوجه المتظاهرين ضد الدولة.
مسألة: لا يجوز ارتكاب العنف ضدّ الأحزاب المعارضة للدولة.
مسألة: يلزم على الحكومة ترك مظاهر العنف حتى في الشعار،كالموت للدولة الكذائية، وما أشبه.
مسألة: ينبغي مراعاة السلم في الفتوى فلا يُكفَّر هذا ولا يفسّق ذاك، ولا يحرض الناس على قتال الآخرين حتى الكفار إلا في موارده الشرعية المقررة.
مسألة: ينبغي مراعاة السلم مع الكفار من أهل الكتاب.
مسألة: ينبغي مراعاة السلم مع الكفار من غير أهل الكتاب.
مسألة: يستحب العفو حتى عن الكفار، وهو من مصاديق السلم واللاعنف.
مسألة: يستحب الإحسان حتى إلى الكفار، وذلك من مصاديق السلم.
مسألة: يحرم قتل الناس حتى الكفار منهم، فإنه من أعظم مصاديق العنف.
مسألة: يجب تشكيل لجان للقضاء على الإرهاب العالمي بالطريقة السلمية لا بالإرهاب المماثل.
مسألة: لا يجوز العنف إلاّ في أقصى حالات الضرورة وبقدرها وحسب تشخيص شورى الفقهاء والمراجع.
مسألة: لا يجوز اعتقال وسجن الأبرياء فكيف بتعذيبهم لمجرد مخالفتهم للحكومة، فإنّها من أعمال العنف المحرمة أشد التحريم.
مسألة: يلزم على المنظمات العالمية لحقوق الإنسان الاهتمام الأكثر لوقف الحرب والنزاعات عن العالم أجمع.
مسألة: يلزم على الأمم المتحدة جعل برامج للصد عن وقوع الحرب بين الناس، وبين دولة وأخرى، وأمة وأختها.
مسألة: في حالة وقوع قتال أو حرب يلزم على الجميع السعي الجاد لإنهاء الحرب عبر المفاوضات والوساطات وما أشبه، لإرجاع الحق إلى أهله.
(1) لقد قُتل في حروب القرن العشرين طبقاً لتقرير بريجنسكي(33) مليون شاب، تتراوح أعمارهم بين
(18 – 30) عاماً، وهؤلاء قضوا نحبهم باسم القومية والآيدلوجية، واستهلكت الحربان العالميتان الأولى والثانية من العسكريين حوالي (8.5) و(19) مليوناً على الترتيب، ويقدر عدد المدنيين من ضحايا الأعمال العدائية الذين سقطوا أثناء الحرب العالمية الأولى بـ(13) مليوناً من النساء والأطفال وكبار السن، بينما سقط(20) مليوناً منهم أثناء الحرب العالمية الثانية.
(2) سورة المائدة: 32.
(3) راجع مستدرك الوسائل: ج18 ص209 ح22520، وفيه: عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لزوال الدنيا أيسر على الله من قتل المؤمن». وفي الغدير للأميني: ج11 ص59، من قتل مؤمن بغير حق.
(4) مستدرك الوسائل: ج18 ص207 ح22509.
(5) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج1 ص85.
(6) نهج البلاغة: الرسائل 53.
(7) سورة الأنفال: 60.
(8) غرر الحكم ودرر الكلم: ص458 ح10473.
(9) سورة الأنبياء: 18.
(10) غوالي اللآلي: ص226 ح118 الفصل التاسع.
(11) سورة البقرة: 193.
(12) سورة البقرة: 191.
(13) سورة الحديد: 25.
(14) سورة الأنفال: 60
(15) سورة الحج: 39-40.
(16) سورة البقرة: 194.
(17) سورة البقرة: 190.
(18) سورة الفتح: 29.
(19) راجع موسوعة الفقه: ج47 و48 كتاب الجهاد.
(20) وسائل الشيعة: ج15 ص15 ح19915.
(21) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص567 ح4940.
(22) الكافي: ج5 ص3 ح5.
(23) سورة القصص: 83.
(24) بحار الأنوار: ج32 ص447 ح394.
(25) سورة النحل: 125.
(26) راجع بحار الأنوار: ج18 ص241 و242 ح89، وفيه: روي أنه لما أنزل الله تعالى: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين( ـ سورة الحجر: 94 ـ قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الصفا ونادى في أيام الموسم:
»يا أيها الناس إني رسول الله ربّ العالمين، فرمقه الناس بأبصارهم، قالها ثلاثاً، ثم انطلق حتى أتى المروة ثم وضع يده في أذنه ثم نادى ثلاثاً بأعلى صوته: يا أيها الناس إني رسول الله ثلاثاً، فرمقه الناس بأبصارهم ورماه أبو جهل قبحه الله بحجر فشج بين عينيه وتبعه المشركون بالحجارة فهرب حتى أتى الجبل فاستند إلى موضع يقال له المتكا«، الخبر.
(27) راجع بحار الأنوار: ج33 ص229ح516،وفيه: روى أهل الحديث: (أن النضر بن الحارث وعقبة? ?بن أبي معيط وعمرو بن العاص عمدوا إلى سلي جمل فرفعوه بينهم ووضعوه على رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ساجد بفناء الكعبة فسال عليه فصبر ولم يرفع رأسه وبكى في سجوده ودعا عليهم، فجاءت ابنته فاطمة ( وهي باكية فرفعته عنه فألقته وقامت على رأسه وهي باكية فرفع رأسه وقال: اللهم عليك بقريش، قالها ثلاثاً، ثم قال: رافعاً صوته إني مظلوم فأنتصر، قالها ثلاثاً، ثم قام فدخل منزله وذلك بعد وفاة عمه أبي طالب بشهرين(.
(28) سورة الطور: 48.
(29) سورة الزخرف: 89.
(30) سورة الحجر: 85.
(31) سورة الجاثية: 14.
(32) سورة الأعراف: 95.
(33) سورة المؤمنون: 96.
(34) سورة الفرقان: 52.
(35) انظر كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) ج1 للإمام الشيرازي (.
(36) سورة الأنفال: 30.
(37) سورة الحج: 40.
(38) سورة النصر: 1-3.
(39) الكافي: ج5 ص52 ح1.
(40) سورة البقرة: 190 - 193.
(41) سورة البقرة: 190
(42) سورة المائدة: 107.
(43) سورة آل عمران: 57 و170.
(44) الكافي: ج2 ص332 ح10.
(45) الكافي: ج2 ص331 ح6.
(46) الكافي: ج2 ص333 ح16.
(47) وسائل الشيعة: ج16 ص56 ح20966.
(48) سورة الأنعام: 129.
(49) مستدرك الوسائل: ج12 ص98 ح13626.
(50) سورة البقرة: 256.
(51) سورة الأعراف: 185.
(52) سورة يونس: 99 - 101.
(53) سورة الحج: 39 -41.
(54) راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج1-2، للإمام المؤلف (أعلى الله درجاته).
(55) سورة النساء: 75.
(56) لمزيد من الاطلاع راجع بحار الانوار: ج21 ص50، والأمالي للطوسي: ص140
(57) تهذيب الأحكام: ج6 ص157 ح5.
(58) وسائل الشيعة: ج15 ص49 ح19963.
(59) وسائل الشيعة: ج15 ص49 ح19962.
(60) نهج البلاغة: الخطب 3.
(61) نهج البلاغة: الخطب 15.
(62) نهج البلاغة: الرسائل 41.
(63) سورة البقرة: 246.
(64) سورة التوبة: 13- 15.
(65) سورة التوبة: 36.
(66) سورة التوبة: 29.
(67) سورة التوبة: 123.
(68) وسائل الشيعة: ج15 ص59 ح19985.
(69) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج14 ص173.
(70) مستدرك الوسائل: ج2 ص14 ح2598.
(71) بحار الأنوار: ج2 ص283.
(72) راجع أعلام الورى: ص96.
(73) سورة يوسف: 92.
(74) الكافي: ج4 ص225ح3.
(75) راجع مستدرك الوسائل: ج11 ص168، وفيه: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »من ظلم معاهداً كنت خصمه...«.
(76) غوالي اللآلي: ج2 ص241 ح8.
(77) راجع تفسير القمي: ج1 ص104.
(78) راجع بحار الأنوار: ج20 ص 3-4 ب11 ح1 عن المناقب لابن شهر آشوب.
(79) شرح نهج البلاغة: ج14 ص121 الفصل الثالث قصة غزوة بدر.
(80) شرح نهج البلاغة: ج14 ص169.
(81) بحار الأنوار: ج21 ص5 ب22.
(82) بحار الأنوار: ج21 ص5-6 ب22.
(83) بحار الأنوار: ج21 ص6-7 ب22.
(84) انظر الخرائج والجرائح: ج1 ص164-165.
(85) لمزيد من الاطلاع راجع الإرشاد: ج1 ص267، وكتاب سليم بن قيس: ص697.
(86) سورة فصلت: 46.
(87) سورة البقرة: 249
(88) الغارات: ج1 ص46.
(89) نهج البلاغة: الخطب 146.
(90) الغارات: ج1 ص182.
(91) نهج البلاغة: الرسائل 57.
(92) إعلام الورى: 159
(93) سورة الحجرات: 13
(94) نهج البلاغة: الرسائل 60.
(95) نهج البلاغة: الرسائل 60، وبحار الأنوار:ج33 ص486.
(96) بحار الأنوار:ج32 ص395.
(97) شرح نهج البلاغة: ج15 ص92.
(98) نهج البلاغة: الرسائل 47.
(99) بحار الانوار: ج33 ص495.
(100) بحار الأنوار:ج32 ص395.
(101) نهج البلاغة: الرسائل 4.
(102) نهج البلاغة: الخطب 43.
(103) بحار الأنوار: ج32 ص556.
(104) نهج البلاغة: الخطب 36.
(105) نهج البلاغة: الرسائل: 14.
(106) نهج البلاغة: الرسائل: 10.
(107) بحار الأنوار: ج33 ص348 ب23.
(108) بحار الأنوار: ج32 ص395.
(109) سورة الأنفال: 61و62.
(110) سورة النساء: 90.
(111) نهج البلاغة: الرسائل: 14.
(112) المعور: الذي لا حافظ له، راجع لسان العرب: المجلد الرابع ص616 باب (عور).
(113) الكافي: ج5 ص10.
(114) بحار الأنوار: ج32 ص212.
(115) وسائل الشيعة: ج25 ص388 ح32195.
(116) وسائل الشيعة: ج16 ص50 ح20953.
(117) سورة الحجرات: 9.
(118) سورة الحجرات: 9.
(119) الكافي: ج2 ص209 ح3.
(120) الاحتجاج: ج1 ص192.
(121) مستدرك الوسائل: ج11 ص63 ح12429.
(122) نهج البلاغة: الخطب 172.
(123) نهج البلاغة: الخطب 218.
(124) سورة المائدة: 32.
(125) ثواب الأعمال: ص278.
(126) وسائل الشيعة: ج15 ص81 ح20026.
(127) تهذيب الأحكام: ج6 ص145 ح7.
(128) سورة النحل: 126.
(129) راجع كتاب (كيف ينظر الإسلام إلى السجين) للإمام المؤلف (أعلى الله مقامه).
(130) سورة البقرة: 208.