الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الخامس

السلم والسلام في العلاقات الإنسانية والروحية (السلام الاجتماعي)

البعد الإنساني لمفهوم المساواة في السلام
۞ المساواة بين الجنس البشري
۞ المساواة بين الرجل والمرأة في الشرع الإسلامي
۞ نماذج من قانون المساواة في المجتمع الإسلامي
۞ موارد الاستثناء في قانون المساواة
۞ شبهات وردود
جملة من مصاديق السلام الاجتماعي
۞ التحية في الإسلام
۞ الأخوة الإسلامية
۞ صلة الأرحام
۞ حسن الصحبة والمعاشرة
خصائص العلاقات الإنسانية في المجتمع الإسلامي
۞ صفات العلاقات الإنسانية في الإسلام
۞ أثر الأخلاق الإسلامية في دعم الروابط الاجتماعية
۞ مبادئ حقوق الإنسان في الإسلام
السلام والعلاقات الروحية
۞ علاقة الإنسان مع الله تعالى
۞ الإيمان بالله والفطرة التي فطر الناس عليها
۞ الإيمان بالآخرة وأثره في إيجاد السلم والسلام
۞ الأنبياء(عليهم السلام) والعلاقات الروحية بين الإنسان وخالقه
۞ الأمن والسلام في الآخرة

البعد الإنساني لمفهوم المساواة في السلام

مسألة: من أهم مقومات السلم والسلام في المجتمع هو قانون المساواة.
وقد مرت الإشارة إلى بعض جوانب مفهوم المساواة كما في العطاء وغيره، وأما الجانب الآخر لهذا المفهوم فالمراد منه ما يتعلق بالمجتمع من الجانب الإنساني، وسيتم بحثه في هذا الفصل ضمن أربعة مواضيع تتضمن نقاطاً فرعية.
والمواضيع الأربعة هي:
1: المساواة بين الجنس البشري
2: المساواة بين الرجل والمرأة في نظر الشارع الإسلامي
3: نماذج من قانون المساواة في المجتمع الإسلامي
4: موارد الاستثناء في قانون المساواة

الأول: المساواة بين الجنس البشري

حقيقة التفضيل بين الناس

من المعلوم أن مفهوم التمايز والتفاضل لم ينطلق من عصر معين، وإنما ابتدأ المفهوم الخاطئ منه منذ أن أمر الله سبحانه وتعالى الملائكة بالسجود لآدم (عليه السلام) فخالف إبليس، فالإنسان كان هو الموجود المفضل والمكرم، ولكن إبليس رأى نفسه أفضل من الإنسان فلم يسجد له.
قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمّ صَوّرْنَاكُمْ ثُمّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لاَدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مّنَ السّاجِدِينَ( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ((1).
وفي الآية إشارة إلى مفهوم التفاضل والخيرية وإن كان جنسهما يختلف، فإبليس من الجن وآدم من الجنس البشري، وكان الفضل لآدم، ولكن إبليس رآه لنفسه، وقد ذكر هذا المعنى في العديد من الروايات التي وردت عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، ومنها:
عن ابن أبي ليلى قال: دخلت أنا والنعمان على جعفر بن محمد (عليه السلام) ـ إلى أن قال: ـ ثم قال (عليه السلام): «يا نعمان! إياك والقياس فإن أبي حدثني عن آبائه (عليهم السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من قاس شيئاً من الدين برأيه قرنه الله مع إبليس في النار، فإن أول من قاس إبليس حين قال: (خَلَقْتَنِي مِن نّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ( فدع الرأي والقياس، وما قال قوم ليس لـه في دين الله برهان فإن دين الله لم يوضع بالآراء والمقاييس«(2).

التميز العنصري للأمم المتمدنة

الإسلام ميز الإنسان على سائر الخلق، ولكن بالنسبة إلى بني آدم فقد جعلهم سواسية وأنه لا تمييز عند الله إلا بالتقوى، أما التمييز العنصري فهو مرفوض في الإسلام على عكس ما نراه اليوم وما كان في الجاهلية الأولى.
فقد كان الرومان واليونان والفرس والصين وعرب الجاهلية يعتقدون بأفضلية الإنسان الأبيض على الإنسان الأسود، ويستدلون على ذلك بأمور منها: أن أصلهما مختلف، فهما من أصلين متباينين وأن أصل الإنسان الأبيض أفضل من أصل الأسود، ولذا فهم يعتبرون الأسود كسائر الحيوانات والنباتات وأنه ما خلق إلا لأجل أن يكون خادماً وعبداً للإنسان الأبيض، ومن هنا صدرت عدة تشريعات وقوانين لصالح الإنسان الأبيض ومنها: يحق للإنسان الأبيض أن يتملك الإنسان الأسود ويستعبده ويستغله أينما وجده ويحق لـه بيعه وشراؤه. ومنها: إباحة قتل العبيد السود وتعذيبهم لزعمهم أنهم من الحيوانات أو لأنهم مصدر للشر.
وكان إرث هذه النظرة السيئة للإنسان الأسود باقياً إلى القرن الماضي على الرغم من محاربة الإسلام لهذه النظرية الخاطئة واللا إنسانية.
وبسبب هذه النظرة الظالمة بدأ تجار العبيد يغزون البلدان التي يعيش فيها السود كبلاد الهند والقارة السوداء (إفريقيا) فيسرقون الشباب وكل من وجدت فيه الصفات المطلوبة، ومن كان لديه القدرة على القيام بالعمل، ثم يأتون بهم عبر البحار والمحيطات إلى أوروبا وإفريقيا لاستعبادهم وبيعهم إلى الإنسان الأبيض.
ولم تقتصر هذه النظرة التاريخية السيئة على الإنسان الأبيض العادي تجاه الإنسان الأسود، بل كان الفلاسفة أيضا يبحثون حول المرأة هل لها روح إنسانية أم لا؟ وكان الغالبية منهم يقولون بأنه لا روح إنسانية للمرأة!.
فكما أن القوانين الوضعية الحالية تفرّق بين الإيراني والعراقي والمصري والسوري والإندونيسي والباكستاني وما أشبه، رغم أنهم جميعا مسلمون، فمثلا في بعض البلاد المعاصرة التي تدعي الإسلام لا يجوز دخول المدارس لغير المتجنّسين بجنسية ذلك البلد أو المولودين فيها، وهكذا بالنسبة إلى العمل، فترى أنه يمنع عمل المسلم الذي من بلد آخر في هذا البلد لأنهم يعتبرونه أجنبياً!.
وهكذا كانت الأمم الجاهلية حيث كانت تحكمهم العنصرية والطبقية والطائفية والعرقية واللونية وما أشبه.

أسباب التمايز العنصري بين الأمم والشعوب

لقد كانت هناك جملة من الأسباب التي أدت إلى نشوء هذه النظرة العنصرية ومنها:

1: إدعاء أفضلية العنصر والأصل

وهذا الرأي تابع لما يزعمه البعض من الاختلاف في عنصر الخلق، كما تقدم من مفهوم الآية التي ادعى فيها إبليس تفضيل عنصر النار على العنصر الطيني، ولازال بعض الناس يعتقدون أنهم من نسل الآلهة أو أن بعضهم خلقوا من رأس الإله، والبعض الآخر خلقوا من صدر الإله، والبعض من يده والبعض من رجله وهكذا اختلف الناس فحصلت العنصرية على ما هو المشاهد عند بعض الأقوام والملل، ومنهم اليهود والنصارى، كما تحدث الله سبحانه وتعالى عنهم في محكم كتابه المجيد فقالت الآية: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللّهِ((3).
أما الإسلام فيرى كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن الله أذهب نخوة العرب وتكبرها بآبائها، وكلكم من آدم، وآدم من تراب (إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ((4)»(5).

2: الحقد والكره والبغض

وهو الذي يحدث بين الشعوب أحيانا فيؤدي إلى احتقار الآخرين وتصغير شانهم كما ادعى هتلر(6) تفوّق الشعب الألماني على سائر الشعوب لأنه من (العنصر الآري) مما سبّب حربا عالمية يعاني الناس من ويلاتها إلى هذا اليوم.
روى الشيخ المفيد (رحمه الله) قال: بلغني أن سلمان الفارسي دخل مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم، فعظموه وقدموه وصدّروه إجلالا لحقه وإعظاما لشيبته واختصاصه بالمصطفى وآله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فدخل عمر فنظر إليه فقال: من هذا العجمي المتصدر فيما بين العرب، فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المنبر فخطب فقال: إن الناس من عهد آدم (عليه السلام) إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط لا فضل للعربي على العجمي، ولا للأحمر على الأسود إلا بالتقوى»(7).
ومن هنا ورد في الروايات الشريفة النهي عن الحقد والكره والبغض للناس.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):«إياكم ومشاجرة الناس، فإنها تظهر الغرة وتدفن العزة»(8).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا أنبؤكم بشر الناس، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من أبغض الناس وأبغضه الناس»(9).
وفي مواعظ الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): «ولا تحقد عليه وإن أساء»(10).

3: حالة الفقر والغنى

ومن أسباب التفضيل بين الأمم والشعوب الفقر والغنى، حيث يرى البعض أن الغني أفضل من الفقير، ومن هنا يصبح الفقراء مظلومين مقهورين، ففي الهند أكثر من ثلاثمائة مليون إنسان منبوذون ويعدّون من طبقة الأنجاس، وذلك لأنهم من الطبقة الفقيرة المسحوقة.
ولكن الإسلام نفى هذه العنصرية بين الفقير والغني، قال (عليه السلام): «من أكرم فقيرا مسلما لقي الله عزوجل يوم القيامة وهو عنه راض، ألا ومن أكرم أخاه المسلم فإنما يكرم الله عزوجل»(11).
وقال: «من أكرم مؤمنا فبكرامة الله بدأ، ومن استخف بمؤمن ذي شيبة أرسل الله إليه من يستخف به قبل موته»(12).
وقد نزلت الآية في ذم عثمان: (عَبَسَ وَتَوَلّىَ ( أَن جَآءَهُ الأعْمَىَ((13).
وفي الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من حقر مؤمنا لقلة ماله حقره الله، فلم يزل عند الله محقورا حتى يتوب مما صنع»(14).
وقال (عليه السلام): «لا فخر في المال إلا مع الجود»(15). وهذا يدل على أن المال لا يكون معياراً للفخر بل الجود وهو صفة إنسانية يكرم الآخرين كما هو واضح.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «قال الله تعالى: ليأذن بحرب مني من آذاني في عبدي المؤمن، وليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن»(16).
وفي الكافي الشريف عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «جاء رجل موسر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نقي الثوب فجلس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء رجل معسر درن الثوب فجلس إلى جنب الموسر، فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أخفت أن يمسك من فقره شيء؟
قال: لا.
قال: فخفت أن يصيبه من غناك شيء؟
قال: لا.
قال: فخفت أن يوسخ ثيابك؟
قال: لا.
قال: فما حملك على ما صنعت؟
فقال: يا رسول الله إن لي قرينا يزين لي كل قبيح، ويقبح لي كل حسن وقد جعلت له نصف مالي.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للمعسر: أتقبل؟
قال: لا.
فقال له الرجل: ولم؟
قال: أخاف أن يدخلني ما دخلك»(17).

4: المرأة والرجل

وهذا أحد الأسباب التي أدت إلى تفضيل الإنسان الجاهلي والنظرة العنصرية تجاه المرأة، فادعى جهلا أنها مصدر الشر وهي التي كانت سببا في عدم رزقه فاشتهر في مجتمعاتهم وأد البنات لذلك ولغيره من الأسباب. والإسلام يرفض كل ذلك:
قال تعالى: (وَلَهُنّ مِثْلُ الّذِي عَلَيْهِنّ بِالْمَعْرُوفِ( (18).
وقال سبحانه: (إِنّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقَاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدّقِينَ وَالْمُتَصَدّقَاتِ والصّائِمِينَ والصّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِـظَاتِ وَالذّاكِـرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَالذّاكِرَاتِ أَعَدّ اللّهُ لَهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً((19).
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من اتخذ زوجة فليكرمها» (20).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «فأي رجل لطم امرأته لطمة أمر الله عزوجل مالكاً خازن النيران فيلطمه على حر وجهه سبعين لطمة في نار جهنم» (21).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما زال جبرئيل يوصيني في أمر النساء حتى ظننت أنه سيحرم طلاقهن»(22).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أخبرني أخي جبرئيل ولم يزل يوصيني بالنساء حتى ظننت أن لا يحل لزوجها أن يقول لها أف، يا محمد اتقوا الله عزوجل في النساء فإنهن عوان بين أيديكم»(23).

5: الغلو في الإنسان الآخر

وهذا ينظر للآخرين بأنهم الأفضل لمعايير غير شرعية، فيرى الأغنياء أو الأقوياء أو الملوك أو من أشبه أفضل من الناس العاديين، وهذا خلاف ما بينه الشرع المبين، وربما رأى نفسه حقيراً أمام هؤلاء، ولكنه ورد النهي عن الغلو، فعلى الإنسان أن لايفضل بني نوعه على الآخرين إلا بالتقوى.
قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): »لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثم قولوا ما شئتم ولن تبلغوا، وإياكم والغلو كغلو النصارى، فإني بريء من الغالين«(24).
المساواة في الفكر الإسلامي
وفي ذلك الجوّ الموبوء الممزّق الممتدّ إلى هذا اليوم نزلت الآية الكريمة: (يَـا أيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً((25)، فالأب واحد، والأم واحدة، قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مّن طِينٍ ( ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ( ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ((26). والمراد بالخلق الآخر كما يقول المفسرون أنه: نفخ الروح فيه(27).
واستطرادا نقول: هذه الآيات الكريمة تشير إلى إبطال وتفنيد نظرية دارون اليهودية التي يزعم فيها إن أصل الإنسان قرد، هذه النظرية تنافي نظرية أصل الإنسان في القرآن الكريم، وهناك أدلة شرعية تثبت العكس، هو أن أصل القرد إنسان بعد ما مسخهم الله تعالى بذنوبهم كما قال اللّه عزوجل في كتابه الكريم: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الّذِينَ اعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي السّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ((28).
وكما عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن جدّه (عليه السلام) قال: »المسوخ من بني آدم ثلاثة عشر صنفاً منهم: القردة والخنازير والخفّاش والضّبّ والفيل والدّبّ والدّعموص والجرّيث والعقرب وسهيل والقنفذ والزّهرة والعنكبوت«(29).
وفي آية أخرى: (فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ( خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ( يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ( إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ((30).
وقال سبحانه: (يَـا أيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ((31).
وقال عزوجل: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ((32).
ومن خلال هذه الآيات الكريمة يتضح أن الأصل في الإسلام هو المساواة بين أفراد البشر في الإنسانية والبشرية، والإسلام يرى أن الناس جميعا خلقوا من نفس واحدة وهو آدم (عليه السلام)، وزوجته وهي حواء (، ويرى عدم التفاضل في الفطرة وإنما الكل على الفطرة، كما قال سبحانه: (فِطْرَتَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا((33)، ويرى أن الناس متساوون في الواجبات والحقوق في غير ما استثني لحكمة عقلية، ومقتضى كلّ ذلك هو السلم والسلام العام، فالجميع أمام شريعة الله تعالى سواء، فشريعته سبحانه تسري على الغني والفقير، والكبير والصغير، والحاكم والمحكوم، والفاضل والمفضول.
أما المفاضلة الطبقية وما أشبه فهي توجب النزاعات والحروب وتكون سبباً لكثير من مصاديق العنف، كما في الحروب النازية والصليبية وغيرها.
وقد ذكر القرآن الحكيم والأحاديث الشريفة طبيعة الإسلام التي تنظر بالتساوي للإنسان حيث قال سبحانه: (هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا((34)، فالجميع من رب واحد ومن أب واحد وأم واحدة وكلهم إلى معاد واحد ولهم نبي واحد في آخر الزمان، كما أن هناك مصلحاً لجميعهم يأتي ليصلح البشرية جمعاء(35). ولاشك أن إشادة الإسلام بهذا المبدأ وترسيخه في أذهان الأمم والشعوب فيه دلالة على تكريم الإسلام للإنسانية، يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَىَ كَثِيرٍ مّمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً((36).
ثم إن الله سبحانه وتعالى كرم هذا الإنسان الذي ينتمي إلى هذه الأسرة البشرية التي تعيش على الأرض بغضّ النظر عن جنسه، ولونه، ودينه، ولغته، ووطنه، وقوميته، ومركزه الاجتماعي، ومن مظاهر هذا التكريم أيضا خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان بقدرته، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود لـه، وسخر لـه ما في السماوات وما في الأرض جميعاً، وجعله سيداً على هذا الكوكب الأرضي واستخلفه فيه ليقوم بعمارته وإصلاحه، ومن أجل أن يكون هذا التكريم حقيقة واقعة، وأسلوبا في الحياة، كفل الإسلام جميع حقوق الإنسان، وأوجب حمايتها وصيانتها، سواء أكانت حقوقا دينية، أو مدنية، أو سياسية، وسيأتي ذكر بعضها في موضوع الحقوق.
ومن الأدلة على تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان قولـه سبحانه: (وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لاَدَمَ((37).
ومن مظاهر تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان ما ذكره عزوجل بقوله: (الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشاً وَالسّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَرَاتِ رِزْقاً لّكُمْ((38).
وفي آية أخرى: (وَهُوَ الّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ إِنّ رَبّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنّهُ لَغَفُورٌ رّحِيمٌ((39).
وقال سبحانه: (يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزّرْعَ وَالزّيْتُونَ وَالنّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِن كُلّ الثّمَرَاتِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ( وَسَخّرَ لَكُمُ اللّيْلَ وَالْنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنّجُومُ مُسَخّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ( وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّقَوْمٍ يَذّكّرُونَ( وَهُوَ الّذِي سَخّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ( وَأَلْقَىَ فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لّعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ((40).
إلى غيرها من الآيات التي هي مظهر تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان.
وكما أن الله تعالى كرّم الإنسان فقد أراد من عبيده أن يكرم بعضهم بعضا، بل ويكرموا أنفسهم كما في الحديث: »إن لبدنك عليك حقا«(41).
وفي حديث آخر عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: »إن الله تبارك وتعالى فوّض إلى المؤمن كل شيء إلاّ إذلال نفسه«(42).
فالله كرم الإنسان على كثير من خلقه، وهنا يرد سؤال بأن التكريم إذا كان على كثير، فهل هنالك غير هذا الكثير بحيث يتساوى مع بني آدم في الفضل أو أنَّهُ أفضل من بني آدم؟.
والجواب: لا، وإنما الأكرم هو الإنسان فقط، وهذا تعبير قرآنيّ بليغ حيث تقضي البلاغة في بعض الأحيان عدم ذكر الكلية وعدم الجزم بالأمر، ولذا نشاهد كثيراً ما استعملت كلمة (لعل) في القرآن الحكيم مع أنه سبحانه وتعالى يعلم الواقع، قال سبحانه: (وَإِنّآ أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَىَ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ((43)، إن عقلاء العالم وبلغاءهم كثيرا ما يستخدمون (ليت) و(لعل) في محاوراتهم، لا بالقطع واليقين وإن كانوا قاطعين متيقنين.
فالنتيجة أن الله عزوجل جعل الإنسان مكرماً وأراد منه أن يكرم نفسه ويكرم بني نوعه، وهذا من أسس السلم والسلام الاجتماعي، فإن العنف مذلة للإنسان ولبني نوعه كما لا يخفى.

سيرة الأنبياء(عليهم السلام) في تعاملهم الإنساني

وقد قامت سيرة الأنبياء (عليهم السلام)على ترسيخ هذا المبدأ السماوي الذي يدعو للمساواة بين الإنسانية، فهم كغيرهم من بني البشر عبيد لله سبحانه، ونجد هذا المعنى واضحا في سيرة النبي عيسى بن مريم (عليه السلام) وقد أعلن الله سبحانه وتعالى ذلك في القرآن الحكيم ردا على قول النصارى الذين كانوا يقولون إنه إله أو ابن إله، فقال سبحانه: (لّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرّبُونَ((44).
وقد ترجم هذه السيرة خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في أقواله وسيرته وتصرفاته فمن أقواله (صلى الله عليه وآله وسلم): »أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود فضل إلا بالتقوى«(45).
وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) على عظمته كان يقول: (أنا بشر)، حيث قال سبحانه: (قُلْ إِنّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَيّ((46)، ولكن الفارق الوحيد هو أنه (يوحى إليه) دون غيره، وذلك مثل ما يقال: أن الشخص الذي في القرية الفلانية مثل سائر أفرادها إلاّ أنه تعلّم العلم فصار عالما.
وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: «الناس من آدم وآدم من تراب» الخبر(47).
وفي الشعر المنسوب إلى علي أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المعنى:
أبوهم آدم والأم حواء(48)
الناس من جهة التمثال أكفاء
وأما في سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد ورد في رواية أن بعض الصحابة كانوا يميلون إلى ترفيع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كترفيع النصارى لعيسى (عليه السلام)، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله«(49)، وربما من هنا صار التأكيد في كل صلاة على عبوديته حيث في التشهّد نقول: »أشهد أن محمداً عبده ورسوله«(50).
وهذه جملة من الشواهد على سيرته العطرية التي دلل فيها على إنسانيته ومساواته مع بني البشر في هذا الجانب:
عن ابن مسعود قال: أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل يكلمه فأرعد، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »هون عليك فلست بملك إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القد«(51).
وعن الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال علي (عليه السلام): »أنا عبد الله وأخو رسوله لا يقولها بعدي إلا كذاب«(52).
وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: »إنما أنا عبد آكل أكل العبيد وأجلس جلسة العبيد«(53).
وعمن سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: »أنا عبد الله اسمي أحمد«(54).
وعن أبي عبد الله وأبي جعفر (: »إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما فرغ من أهل البصرة أتاه سبعون رجلاً من الزط فسلموا عليه وكلّموهُ بلسانهم، فرد عليهم بلسانهم ثم قال (عليه السلام) لهم: إني لست كما قلتم! أنا عبد الله مخلوق، فأبوا عليه وقالوا:
أنت هو.
فقال (عليه السلام) لهم: لئن لم تنتهوا وترجعوا عما قلتم فيّ وتتوبوا إلى الله عزوجل لأقتلنّكم.
فأبوا أن يرجعوا ويتوبوا، فأمر أن تحفر لهم آبار فحفرت ثم خرق بعضها إلى بعض ثم قذفهم فيها ثم خمّر رؤوسها ثم ألهبت النار في بئر منها ليس فيها أحد منهم فدخل الدخان عليهم فيها فماتوا«(55).
وعن أبي ذر (رحمه الله) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجعل مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه فبنينا له دكانا من طين فكان يجلس عليها ونجلس بجانبيه«(56).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: »مرت برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) امرأة بذيئة وهو جالس على الحضيض يأكل، فقالت: يا محمد إنك لتأكل أكل العبد وتجلس جلوسه؟
فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ويحك وأي عبد أعبد مني؟
قالت: فناولني لقمة من طعامك، فناولها.
فقالت: لا والله إلا التي في فيك.
قال (عليه السلام): فأخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لقمة من فيه فناولها.
قال (عليه السلام): فأكلتها.
قال أبو عبد الله (عليه السلام): فما أصيبت بداء حتى فارقت الدنيا«(57).
وعن أنس بن مالك قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أدركه أعرابي فأخذ بردائه فجبذه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ثم قال له: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فضحك وأمر له بعطاء(58).
وهذه تدل على نظرة الإسلام في المساواة بين الناس وهي من أسس السلم والسلام في المجتمع.
الثاني: المساواة بين الرجل والمرأة في الشرع الإسلامي

تشريعات الإسلام وفق العدالة الواقعية

سنّ الإسلام بالنسبة إلى المرأة ما سنه للرجل والأصل بالنسبة إليهما المساواة، نعم قد تقتضي العدالة بعض الفروق فعندئذ شرع بعض القوانين الخاصة وهي في مصلحة المرأة نفسها.
فإن الإسلام في كل تشريعاته يلاحظ العدالة الواقعية، والله سبحانه هو العالم بالمصالح والمفاسد الواقعية حتى قال سبحانه في القرآن الحكيم:(يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَىَ بِهِمَا فَلاَ تَتّبِعُواْ الْهَوَىَ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً((59).
وقد أشار الإسلام بكل وضوح عبر الآيات الكريمة والأحاديث النبوية إلى التساوي بين الرجل والمرأة كأصل أساسي إلا فيما خرج بالدليل مما لا يكون من قاعدة التساوي بل العدالة وقد سبق أن دليل العدالة حاكم على دليل التساوي.
فالتساوي حاكم كأصل أولي بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ومختلف مصاديق الإنسانية، عبادة ومعاملة وقضاء وغيرها، قال تعالى:(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ((60). وقال سبحانه: (وَالّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مّبِيناً((61).
وقال أيضا: (لّيُعَذّبَ اللّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً((62).
وقال عزوجل: (لّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفّرَ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللّهِ فَوْزاً عَظِيماً((63).
وقال أيضا: (رّبّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَبَاراً((64).
وقال جل وعلا: (إِنّ الّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ((65).
وهناك بعض التفاوت النادر بينهما بحسب الاستعدادات المختلفة والقابليات المتفاوتة، حيث إن المرأة في خلقها تميل إلى العاطفة أكثر، والرجل في خلقه يميل إلى العقل أكثر، وذلك حسب الحكمة في خلقه تعالى والمذكورة في محلّها، بلا صلة في ذلك بالوضع الإنساني بين الجنسين فلا ميزة لأحدهما على الآخر حسب الخلق، قال سبحانه: (يَـا أيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً((66).
وقال تعالى في آية أخرى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ((67).
وفي التفاسير: أن أمّ سلمة سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن وجه عدم تعرّض بعض الآيات للمرأة في مختلف مراحلها العبادية والمعاملية، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية المباركة نفيا لما توهّمته أم سلمة: (إِنّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقَاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدّقِينَ وَالْمُتَصَدّقَاتِ والصّائِمِينَ والصّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِـظَاتِ وَالذّاكِـرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَالذّاكِرَاتِ أَعَدّ اللّهُ لَهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً((68)، وفي هذه الآية الكريمة التساوي الكامل بينهما.
وفي بعض الآيات التساوي إلا بدرجة، كما قال سبحانه: (وَلَهُنّ مِثْلُ الّذِي عَلَيْهِنّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنّ دَرَجَةٌ((69)..
ومعنى الدرجة مذكورة في التفاسير(70) وهو لا يرتبط بالإنسانية وعدم التمييز فيها، حيث إن المرأة تغلب عليها العاطفة لمحلها التكويني في إدارة الأسرة وتربية الأجيال القادمة، والرجل يغلب عليه الجانب العقلي بالنسبة، على الجانب العاطفي، وهذه الخلقة المتفاوتة التي جعلت لحكمة رفيعة هي التي سببت أن يكون للرجال عليهن درجة.
وقال سبحانه: (قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَىَ لَهُمْ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ( وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا((71).
وفي آية أخرى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ((72).
وقد ذكرنا في بعض الكتب المعنية بهذه الشؤون أن المرأة كانت تستشار حتى من شخص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ورد في القرآن الحكيم سورة حول قصة خولة التي كانت تحاور الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في زوجها فتشتكي إلى الله، حيث قال سبحانه: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيَ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ((73).
ولم يسبق الإسلام قانون من قوانين البشر ولم يأت بعده ولن يأتي دستور من دساتيرهم يساويه أو يفوقه في إكرام المرأة وإعطائها حقوقها الإنسانية والإسلامية بشكل يحافظ على مكانتها وشرفها، لوضوح كون الحق الإسلامي هو من خالق الإنسان العالم بجميع خصوصياته، فقد نادى القرآن الكريم بحقوقها كاملة وطبّقه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الطاهرون (عليهم السلام) تطبيقا كاملا.

المرأة في الغرب

أما ما نراه اليوم في الغرب مما يزعمون أنهم أعطوا للمرأة حقها وكرامتها فأغلبه لايكون إلا إهانة للمرأة وسحقا لكرامتها، كما تشهد بذلك لغة الأرقام والإحصاءات المنشورة و الحقائق المشهودة.
وإن فرضنا أنهم أعطوها بعض حقوقها ـ ظاهرا لا واقعا ـ ولكن ظلموها وأهانوها وأباحوا عرضها وجعلوها سلعة معروضة في الأسواق، يأخذ منها التاجر حصّته ويقضي منها المستهتر نهمه، ثم يتركونها بلا عائل ولا عاطف.
إن الغرب أعطى للمرأة بعض الحرية وفي المقابل أخذ منها الشيء الكثير.
بينما الإسلام أعطى المرأة الحرية والكرامة ولم يأخذ منها شيئا.

دية المرأة

قد يقال: إن هناك عدم تساو في باب الدية بين الرجل والمرأة!.
والجواب: إن ما ورد من الاختلاف في الدية فهو من القيم الاقتصادية لا القيم الإنسانية فإن الديّات قيمة اقتصادية لا قيمة بشرية، كاختلاف أجرة عامل عن عامل مع أنهما متساويان في الإنسانية. وقد ذكرنا تفصيلها في كتاب الديات.

حصص الإرث

وأما ما أعطي للرجل من ضعف نصيب الأنثى في بعض موارد الإرث فهو نصيب للرجل المكبّل بالتكاليف والأعباء الواجبة من لزوم النفقة على الأهل والعيال، بينما المرأة لا تحمل مثل ذلك التكليف والعبء.
وقد ذكرنا في بعض كتبنا أن النصف الذي تأخذه المرأة ميراثا ربما يكون أكثر بالنسبة إلى الواحد الصحيح الذي يأخذه الرجل.
لا يقال: إنّ ذلك يوجب الإجحاف بحق الرجل.
لأنه يقال: إن الرجل بسبب إمكانيّاته الجسمية وأعماله الخارجية يتمكن من القيام بهذا النقص.
شهادة المرأة
وكون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في بعض الموارد فليس ذلك مسّا بحقها وخدشا لكرامتها، فإن المرأة بطبيعتها العاطفية ووظائفها الأمومية والعملية ينمو فيها جانب العطف والانفعال ـ وهو كمال لها ـ بقدر ما ينمو في الرجل جانب التأمل والتفكير، فإن العمل ينمي في الشخص موازين الأعمال التي يمارسها، فإذا نسيت المرأة أو وقعت تحت تأثير الانفعال كانت الثانية مذكرة لها.
فالمسألة هنا مسألة ملابسة عملية في الحياة ودقة في باب القضاء، لا مسألة تمييز جنس بذاته على جنس آخر وعدم المساواة بينهما.
ولهذا يقول الله سبحانه في هذا الصدد:
(فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَىَ((74).

ظلم الغرب للمرأة

وقد ذكر أحد الكتاب بأنه يحسن أن لا ننسى التاريخ، وأن لا نميل إلى القشور الخادعة التي تكتنفنا اليوم، فإن المرأة أخرجها الغرب من البيت وأخذت تعمل في أشياء ليس من شأنها العمل فيها، حتى فقدت جزء من صفاتها وأنوثتها(75)، لأن الرجل هناك تخلّى عن كفالتها وإعالتها إلا أن يقتطع الثمن من معيشتها وكرامتها وراحتها ورفاهها، ولذا فقد اضطرت المرأة أن تعمل.
ويحسن أن نذكر أنها حين خرجت للعمل انتهز الغرب الماديّ حاجتها، واستغل فرصة زيادة العرض ليرخص من أجرها واستغنى أصحاب الأعمال بالمرأة الرخيصة الأجر عن العامل الذي بدأ يرفع رأسه ويطالب بأجر كريم، وحين طالبت المرأة هناك بالمساواة كانت تعني أولاً وبالذات المساواة في الأجور لتأكل وتعيش، فلمّا لم تنلها طالبت بحق الانتخاب ليكون لها صوت يحسب حسابه، ثم طالبت دخول البرلمانات ليكون لها صوت إيجابي في تعزيز المساواة، لأن القوانين التي تحكم المجتمع يسنّها الرجل وحده.
علماً بأن حق الانتخاب حق مشروع للمرأة ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، بل ذكرنا في بعض الكتب بأنه حق مشروع حتى للأطفال، فلهم حق الانتخاب عبر أوليائهم.
وبما أن هذه الأمور التي سحقت كرامة المرأة ليست من شرع الله سبحانه وتعالى الذي يعدل بين عباده رجالا ونساء فقد جاء الإسلام بأعدل القوانين للرجل والمرأة، وساوى بينهما في الأمور كلها إلا ما خرج بالدليل، ومن هنا ذكرنا في بعض الكتب أن مقتضى القاعدة أن يكون لها حق أن تنتخب وتنتخب ـ في الإطار الإسلامي ـ إذ ليس في الإسلام شيء يمنع من أمثال هذه الأمور.
والحاصل أن المرأة وقعت بين الإفراط والتفريط قديما وحديثا، ولم تنل حقها من شرع الله سبحانه وتعالى حسب ما جاء به الإسلام وما أقرّه علماء المسلمين، مثلما فعل جملة من الحكام المنحرفين الذين سموا أنفسهم بالخلفاء كبني أمية وبني العباس وبني عثمان، فقد أهانوا المرأة بملء بيوتهم بالراقصات والغانيات، ومئات الإماء وربما آلافها من دون رعايتهن، وذلك لمجرّد البذخ والترف والمفاخرة وقضاء الأمور الجنسية، لهم ولخدمهم وعبيدهم حتى يطيعوهم أكثر، ويمتثلوا لما يريدون من إظهار الأبهة والشخصية والقساوة والدكتاتورية.

الثالث: نماذج من قانون المساواة في المجتمع الإسلامي

الفرق بين نظرة الإسلام والغرب لمفهوم المساواة

وعندما يتأمل الإنسان طغيان الطبقات بعضها على بعض، أو طغيان الحاكمين على المحكومين، وعندما يولّي وجهه شطر الأمم التي تجعل لنفسها أجناسا في المرتبة الأولى وسائر الناس في المراتب المتأخرة، يعرف فضل الإسلام الذي يدعو للسلام كي تسود العدالة والمساواة والأخوة في الأرض، حتى أن القرآن الحكيم جعل الأخوة بين أشد الكفار عتوا وأفضل الأنبياء (عليهم السلام) في أزمنتهم سمواً ورقياً، حيث قال سبحانه: (وَإِلَىَ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً((76).
وقال تعالى: (وَإِخْوَانُ لُوطٍ((77).
وقال عزوجل: (وَإِلَىَ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً((78).
فالإسلام يدعو إلى السلم والسلام حتى يكون هناك إخاء حقيقي بين الأبيض والأسود، والقوي والضعيف، والغني والفقير، والشريف والوضيع، وحتى لا يكون هناك عدوان على الأرض، سواء من طائفة على طائفة، أو جنس على جنس، أو قطر على قطر، أو لون على لون، أو لغة على لغة، أو منطقة على منطقة.
فلا تفرقة بين الناس والقبائل والأمم سواء تغايرت بالأوصاف العرقية كالأبيض والأسود، أو بالأوصاف العرضية كالغنى والفقر، والقوة والضعف، واللغة وغيرها.

المسلمون بمنزلة الجسد الواحد

كان الكلام المتقدم في النظرة الشمولية بين الإنسان وبني نوعه بصورة عامة وأما ما يتعلق بأسس السلام بين المسلمين أنفسهم في الإسلام، فقد جعلهم بمنزلة الجسد الواحد يحس بإحساس واحد، فإن الجسم الواحد إذا أصيب في يده أو رجله أو عينه أو قلبه أو أي مكان آخر منه، أو مرض أو تعب أو ما أشبه ذلك.. كان كل الجسد يتعاطف معه ويتحنن إليه، فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): »المؤمنون في تبارهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى تداعى له سائره بالسهر والحمّى«(79).
فإذا أصيبت اليد بالألم لا ينام الإنسان وتأخذه الحمى، ولو كانت العين أو الأذن أو سائر الأعضاء سالمة، وهكذا المسلمون إذا أصاب أحدهم شيء مكروه كأنه أصاب كل الجسد، فالكل يجتمعون حتى يدفعوا ذلك الشيء.
وقد مدح القرآن الحكيم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) خصوصاً وعموماً من هذه الجهة، أما مدحه الخاص، فقد قال سبحانه: (لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ((80).
وأما مدحه العام فقوله سبحانه: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ ((81).
وكلمة: (لهم( تشمل المسلمين وغير المسلمين، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ليّنا حتى مع الكفار كما كان ليّنا مع المسلمين.
وأما قوله تعالى: (أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ( فإنه استثناء، وفي موارد تقتضي الشدة كميدان الحرب ـ مضافا إلى ما ورد في تفسير الآية من المقصود بالشدة ـ
فإنّ الشدة في الحرب تكون كالعملية الجراحية وفي حالات الضرورة القصوى وبقدر خاص لا يتجاوز عنه حتى بقدر شعرة، تقول الآية الكريمة: (مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً((82) وسيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) العطرة خير دليل على ذلك، فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى الماء لأهل بدر(83)، وأرسل بالذهب إلى أهل مكة بعد حرب خيبر، وأطلق كثيرا من أسرى الكفار مباشرة أو تسبيباً، وعفا عن أهل مكة(84) إلى غيرها من القصص الكثيرة التي تدل على عدم معاملة الكفار معاملة عنيفة.
كما أنه يدل على ذلك عموماً قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق»(85)، ولم يخصص ذلك بالمسلمين فحسب بل سيرته الطاهرة وفي قصص كثيرة تدل على الشمولية وعدم الاختصاص.

المساواة في القضاء

يهدف الدين الإسلامي الحنيف إلى إقامة مجتمع العدل والمساواة، كما دلت على ذلك الآيات الكريمة والروايات الشريفة وهي كثيرة في هذا الباب:
قال تعالى: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدّواْ الأمَانَاتِ إِلَىَ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنّ اللّهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً((86).
وقال سبحانه: (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَىَ بِهِمَا فَلاَ تَتّبِعُواْ الْهَوَىَ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً((87).
وقال تعالى: (يَا أَيّهَآ الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ للّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ((88).
وقال سبحانه: (وَتَمّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاّ مُبَدّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ((89).
وقال تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّىَ يَبْلُغَ أَشُدّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىَ وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ((90).
وقال سبحانه: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَىَ وَيَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ((91).
وقال تعالى: (فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لأَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ((92).
وقال سبحانه: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الأُْخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ((93).
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »أنه نهى أن يحابي القاضي أحد الخصمين بكثرة النظر وحضور الذهن ونهى عن تلقين الشهود«(94).
وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: »العدل ميزان الله في الأرض فمن أخذه قاده إلى الجنة ومن تركه ساقه إلى النار«(95).
وقال علي (عليه السلام): »العدل حياة«(96).
وقال (عليه السلام) أيضاً: »إن العدل ميزان الله سبحانه الذي وضعه في الخلق ونصبه لإقامة الحق، فلا تخالفه في ميزانه، ولا تعارضه في سلطانه«(97).
وعنه (عليه السلام) أنه قال: »في العدل إصلاح البرية، في العدل الاقتداء بسنة الله، في العدل الإحسان«(98). وعنه (عليه السلام) أنه قال: »غاية العدل أن يعدل المرء في نفسه«(99).
وعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: »اعلم أنه يجب عليك أن تساوي بين الخصمين حتى النظر إليهما حتى لا يكون نظرك إلى أحدهم أكثر من نظرك إلى الثاني«(100).
وكذلك لكل إنسان الحق في القضاء المتساوي مع الآخرين، فلا حق للقاضي أن يقول إن هذا عالم فهو مقدّم على الجاهل في القضاء، فيعطي للعالم الحق دون الجاهل، أو يقول: هذا شريف، أو ثري، أو سلطان، أو ذو عشيرة، وذاك غيره، أو هذا من وطني وذاك أجنبي، إلى غير ذلك، وقد حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أعرابي عند قاض في قصة الناقة المشهورة، كما عن ابن عباس قال:
خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من منـزل عائشة فاستقبله أعرابي ومعه ناقة فقال: يا محمد تشتري هذه الناقة؟
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): »نعم بكم تبيعها يا أعرابي«؟
فقال: بمائتي درهم.
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): »بل ناقتك خير من هذا«.
قال: فما زال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يزيد حتى اشترى الناقة بأربعمائة درهم.
قال: فلما دفع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الأعرابي الدراهم ضرب الأعرابي يده إلى زمام الناقة فقال: الناقة ناقتي والدراهم دراهمي فإن كان لمحمد شيء فليقم البينة؟
قال: فأقبل رجل فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): »أترضى بالشيخ المقبل«؟
قال: نعم يا محمد.
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): »تقضي فيما بيني وبين هذا الأعرابي«؟
فقال: تكلم يا رسول الله.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي«.
فقال الأعرابي: بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي، إن كان لمحمد شيء فليقم البينة؟ فحكم الرجل للأعرابي، الحديث(101).
وحضر أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ـ وكان خليفة المسلمين ويحكم على خمسين دولة في خريطة اليوم ـ مع ذلك اليهودي عند شريح القاضي في قصة الدرع.
ففي الحديث أنه (عليه السلام) مضى في حكومة إلى شريح مع يهودي فقال: «يا يهودي الدرع درعي ولم أبع ولم أهب».
فقال اليهودي: الدرع لي وفي يدي.
فسأله شريح البينة، فقال (عليه السلام): »هذا قنبر والحسين يشهدان لي بذلك«.
فقال شريح: شهادة الابن لا تجوز لأبيه، وشهادة العبد لا تجوز لسيده وإنهما يجران إليك.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): »ويلك يا شريح أخطأت من وجوه» ثم ذكره له وجوه خطئه...
فلما سمع اليهودي ذلك قال: هذا أمير المؤمنين جاء إلى الحاكم والحاكم حكم عليه! فأسلم، ثم قال: الدرع درعك سقطت يوم صفين من جمل أورق فأخذتها(102).
هذا في باب القضاء حيث لا فرق بين إنسان وإنسان أمام القاضي.
وهكذا بالنسبة إلى الطب حيث لا يحق للطبيب أن يترك مريضا لأنه دون المرضى الآخرين مالا أو جاها وما أشبه ذلك، إذا كان المريض بحاجة إلى العلاج، نعم للطبيب أن يأخذ مالا في إزاء طبابته، وإذا كان المريض فقيرا لا يمكنه دفع المال فعلى الطبيب أن يسعفه ويعالجه إذا كان المرض من الأمراض الواجب إزالتها عينا أو كفاية، على الموازين المذكورة في الفقه في العينية والكفائية.
وهكذا بالنسبة إلى خيرات الأرض حيث جعلها الله سبحانه وتعالى للبشر على حد التساوي كما قال سبحانه وتعالى: (وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ((103).
وقال: ( هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ فَسَوّاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ((104).
وقال: ( أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ سَخّرَ لَكُم مّا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رّحِيمٌ((105).
وقال: (أَلَمْ تَرَوْاْ أَنّ اللّهَ سَخّرَ لَكُمْ مّا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مّنِيرٍ((106).
وقال: (وَسَخّرَ لَكُمْ مّا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ((107).
إلى غيرها من الآيات والروايات.
حيث إن خيرات الأرض لم تخصص لشعب دون آخر بل هي لعموم البشر، ولكن الإنسان هو الذي وضع الحدود المصطنعة، بحيث أصبح الشعب الذي يمتلك الثروات الطبيعية (التي منحها الله لعموم البشر) شعباً غنياً مترفاً، ونرى شعباً مجاوراً لـه يئن من ألم الجوع، وهذا ناتج من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
ويكون هذا الأمر وهو اشتراك الجميع في الأمور التي ذكرناها، من أسس السلم والسلام، وأما لو رأى الناس التفاوت من غير مبرّر، قوضوا معالم السلام، وينتهي الأمر أحيانا إلى الثورات والاضطرابات والمظاهرات وإفساد النظام والفوضى.

أمثلة رائعة من قانون المساواة الإسلامي

ومن أمثلة قانون المساواة الإسلامي قصة الغساني جبلة بن الأيهم، فقد كانت الدولة الرومانية الشرقية تحرّض من كان تحت سيطرتها من أمراء الغساسنة العرب على غزو الجزيرة العربية بغية القضاء على الدولة الإسلامية الفتية، وكان ينتاب الجزيرة ارتباك وقلق مستمر لتوقع هذه الغزوة، فقد كان يزعم بعض النصارى أن رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) ملك لا أكثر، ولم يعرفوا أن الإسلام قوة معنوية في نفوس المسلمين لاتماثلها قوة.
وقد بدا للأمير الغساني جبلة بن الأيهم أن يدخل في صفوف أبناء قومه العرب ويترك التبعية للدولة الرومانية جانبا بسبب الضغوط التي كان الرومان يمارسونها على أتباعهم مما أتاح للإسلام الفرصة للنفوذ فيهم بسرعة، وكان ذلك ببركة قانون المساواة العادلة في الإسلام..
وهكذا كان حال الدولة الفارسية في قصص مشهورة.
فالأمم أخذت تدخل في الإسلام لما رأت من المساواة والعدالة في ظله.
نعم دخل جبلة بن الأيهم إلى الإسلام، وقد كتب الخليفة إلى جبلة أن أقدم ولك ما لنا وعليك ما علينا، فقدم جبلة إلى الحجاز في خمسمائة فارس عليهم ثياب الوشج المنسوج بالذهب والفضة، وكان هو لابساً تاجه الذي كان يلمع من بعيد، فلم يبق في المدينة رجل ولا امرأة ولا صبي إلا خرج ينظر إلى هذا الموكب الفخم الذي لا عهد لهم بنظيره، وحضر جبلة بجماعته موسم الحج، وخرج جبلة يطوف بالكعبة فوطأ على طرف إزاره رجل مسلم من بني فزارة فحلّه، فعظم الأمر على الأمير الغساني جبلة بن الأيهم فما كان منه إلا أن لطم الفزاري لطمة شديدة هشمت بعض أنفه.
فأسرع الفزاري إلى الخليفة يشكو جبلة حيث كان الخليفة أيضا من ضمن الحجاج في ذلك العام، فبعث الخليفة إلى جبلة فقال لـه: ما دعاك يا جبلة أن لطمت أخاك هذا فصنعت به ما ترى وأرى؟
فتعجب الأمير من السؤال ودهش وقال: إنه قد وطأ إزاري أثناء طوافي فحلّه، وإنني قد ترفّقت به ولولا حرمة هذا البيت لأخذت الذي فيه عيناه (أي قتلته).
لكن الخليفة لم يقبل منه ذلك حيث إن الإسلام لم يعترف إلا بقانون العدالة ولا يعترف بمكانة جبلة ولا لغضبه ولا لما يستفيده الإسلام من انخراطه وقومه تحت لوائه، فقال له الخليفة: إنك قد اعتديت عليه فإما أن ترضيه وإلا أقتدته منك.
فقال جبلة مندهشا: تقيده مني وأنا ملك وهو سوقة.
فقال الخليفة: إن الإسلام قد سوّى بينكما.
فقال جبلة: إنني رجوت أن أكون في الإسلام أعزّ مني في الجاهلية، لكن إصرار الخليفة أوجب قيادة الرجل الفزاري من جبلة(108)، وبذلك أفاد أن الإسلام يساوي بين الكبير والصغير ولا يعتني بالمكانة الاجتماعية ولا بالمال ولا بالجيش ولا شبه ذلك أمام القانون.
فإن جبلة وإن ارتدّ بعد ذلك لكن الملايين من الناس دخلوا الإسلام لأنهم رأوه دين الحقيقة والمساواة.

الرابع: موارد الاستثناء في المساواة

مسألة: الأصل في الإسلام هو المساواة بين الجميع، إلا في ما اقتضت العدالة عدم المساواة فيه، وهذا يعني أن هناك عدالة ومساواة وليس معنى ذلك إن أحدهما يخالف الآخر، بل بينهما عموم وخصوص من وجه، فقد يجتمعان وقد يفترقان.
قال سبحانه: (يَا أَيّهَآ الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ للّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ((109).
ومن أمثلة موارد العدالة في عدم المساواة، التفضيل في باب الكفاءات، فهناك تفضيل بين الأنبياء بعضهم البعض (عليهم السلام) كما قال سبحانه وتعالى: (تِلْكَ الرّسُلُ فَضّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ مّنْهُمْ مّن كَلّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيّنَاتِ وَأَيّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الّذِينَ مِن بَعْدِهِم مّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ وَلَـَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ((110).
وقال: (وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاّ فَضّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ((111).
وقال: (وَرَبّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَقَدْ فَضّلْنَا بَعْضَ النّبِيّينَ عَلَىَ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً((112).
وقال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي فَضّلَنَا عَلَىَ كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَـا أيّهَا النّاسُ عُلّمْنَا مَنطِقَ الطّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَيْءٍ إِنّ هَـَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ((113).
وقال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنّا فَضْلاً يَجِبَالُ أَوّبِي مَعَهُ وَالطّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ((114).
إن الله سبحانه وتعالى فضل بعضهم على بعض درجات للكفاءات المختلفة عندهم، وهذا عين العدالة كما هو واضح، وربما كان بعض التفضيل امتحاناً واختباراً أو من جوانب أخرى.
ومن هنا يعرف بعض السر في خلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طينة أفضل(115) وذلك مقتضى العدالة أيضاً، كالذهب المخلوق من جنس أعلى من التراب، كما ذكرنا تفصيل ذلك في كتاب العقائد(116) وأشرنا إليه في كتاب البيع مبحث الولاية(117).
وهناك موارد أخرى للعدالة تقتضي عدم المساواة كتفضيل من لـه السابقة في الإسلام على غيره عند الله عزوجل، وكذلك التفضيل في الجانب الفكري والعلمي كالعالم والجاهل ولا شك أن العالم أفضل من الجاهل، ولكن مع ذلك تبقى مساواة الإنسانية بين بني آدم من غير فرق بين الفاضل وغيره وللكل حقوقهم الكاملة.
وكذلك في القضايا الاجتماعية كالزواج وهو شأن حساس ومهم، لكن الإسلام جعل الكفو هو الإيمان، لا الثروة والجاه وما أشبه، فكان الرفيع لا يرغب في مصاهرة الوضيع وهو كذلك حتى وقتنا هذا، ومع ذلك فالإسلام وضّع المناكح حتى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) زوّج ابنة عمّته زينب بنت جحش القرشية الهاشمية الرفيعة الشأن جدّا قبل الإسلام وبعده من مولاه زيد بن حارثة وهو عبد فقير(118).
وهكذا تزوّج بلال بن رباح مؤذن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي كان مملوكا فقيرا أسود لايحسن العربية بشكل جيد، بأخت عبد الرحمان بن عوف بعد عتقه(119).
وكذلك تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعض النساء اللّواتي لم يمتلكن منزلة اجتماعية ولم تكن في درجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اجتماعيا.
وهكذا تزوج الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) بمولاة حتى عوتب في ذلك(120).
فالمسلم كفؤ المسلمة مهما كان أحدهما أكثر مالا أو جاها أو أعزّ سلطانا أو ما أشبه ذلك.
وقد جاءت امرأة عربية وامرأة أعجمية إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في الكوفة وطلبتا منه مالا، فأعطاهما عطاء متساويا، فقالت العربية: كيف تعطي الأعجمية مثل نصيبي؟!، فقال علي (عليه السلام): »والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلاً على بني إسحاق«(121)، من المعروف أن العرب من بني إسماعيل وإن بعض غير العرب من بني إسحاق كناية عن التساوي.
كما أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بتزويج جويبر في قصة مفصلة، حيث ورد عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت عند أبي جعفر الباقر (عليه السلام) إذ استأذن عليه رجل فأذن لـه فدخل عليه فسلّم، فرحب به أبو جعفر (عليه السلام) وأدناه وساءله.
فقال الرجل: جعلت فداك إني خطبت إلى مولاك فلان بن أبي رافع ابنته فلانة فردني ورغب عني وازدرأني لدمامتي وحاجتي وغربتي، وقد دخلني من ذلك غضاضة هجمة عض لها قلبي تمنيت عندها الموت.
فقال أبو جعفر (عليه السلام): اذهب فأنت رسولي إليه، وقل لـه: يقول لك محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام): زوّج منحج ابن رياح مولاي ابنتك فلانة ولا ترده.
قال أبو حمزة: فوثب الرجل فرحاً مسرعاً برسالة أبي جعفر (عليه السلام)، فلما أن توارى الرجل قال أبو جعفر (عليه السلام): ‎إن رجلا كان من أهل اليمامة يقال له: جويبر أتى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) منتجعا للإسلام فأسلم وحسن إسلامه، وكان رجلا قصيراً دميماً محتاجاً عارياً، وكان من قباح السودان، فضمه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لحال غربته وعراه، وكان يجري عليه طعامه صاعا من تمر بالصاع الأول، وكساه شملتين، وأمره أن يلزم المسجد ويرقد فيه بالليل، فمكث بذلك ما شاء الله حتى كثر الغرباء ممن يدخل في الإسلام من أهل الحاجة بالمدينة وضاق بهم المسجد، فأوحى الله عزوجل إلى نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم): أن طهر مسجدك، وأخرج من المسجد من يرقد فيه بالليل، ومر بسد أبواب كل من كان لـه في مسجدك باب إلا باب علي (عليه السلام) ومسكن فاطمة (، ولايمرن فيه جنب، ولا يرقد فيه غريب.
قال: فأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بسد أبوابهم إلا باب علي (عليه السلام) وأقر مسكن فاطمة (صلى الله عليها) على حاله. قال: ثم إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أن يتخذ للمسلمين سقيفة، فعملت لهم وهي الصُفة، ثم أمر الغرباء والمساكين أن يظلوا فيها نهارهم وليلهم، فنـزلوها واجتمعوا فيها، فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يتعاهدهم بالبر والتمر والشعير والزبيب إذا كان عنده، وكان المسلمون يتعاهدونهم ويرقونهم لرقة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ويصرفون صدقاتهم إليهم.
فإن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نظر إلى جويبر ذات يوم برحمة منه له و رقّة عليه، فقال: يا جويبر لو تزوجت امرأة فعففت بها فرجك وأعانتك على دنياك وآخرتك.
فقال له جويبر: يا رسول الله بأبي أنت وأمي من يرغب في؟ فو الله ما من حسب ولا نسب ولا مال ولا جمال، فأية امرأة ترغب في؟
فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا جويبر إن الله قد وضع بالإسلام من كان في الجاهلية شريفاً، وشرّف بالإسلام من كان في الجاهلية وضيعا، وأعز بالإسلام من كان في الجاهلية ذليلا، وأذهب بالإسلام ما كان من نخوة الجاهلية وتفاخرها بعشائرها وباسق أنسابها، فالناس اليوم كلهم أبيضهم وأسودهم وقرشيهم وعربيهم وعجميهم من آدم، وإن آدم (عليه السلام) خلقه الله من طين، وإن أحب الناس إلى الله عزوجل يوم القيامة أطوعهم له وأتقاهم، وما أعلم يا جويبر لأحد من المسلمين عليك اليوم فضلا إلا لمن كان أتقى لله منك وأطوع، ثم قال لـه: انطلق يا جويبر إلى زياد بن لبيد، فإنه من أشرف بني بياضة حسباً فيهم، فقل لـه: إني رسولُ رسولِ الله إليك وهو يقول لك: زوّج جويبر ابنتك الدلفاء.
قال: فانطلق جويبر برسالة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى زياد بن لبيد وهو في منـزلـه وجماعة من قومه عنده، فاستأذن، فأعلم، فأذن له وسلّم عليه، ثم قال: يا زياد بن لبيد: إني رسولُ رسولِ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إليك في حاجة فأبوح بها أم أسرها إليك؟
فقال له زياد: بل بح بها فإن ذلك شرف لي وفخر.
فقال له جويبر: إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لك: زوج جويبرا ابنتك الدلفاء.
فقال له زياد: أرسول الله أرسلك إليّ بهذا يا جويبر؟
فقال له: نعم ما كنت لأكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فقال له زياد: إنا لا نزوج فتياتنا إلا أكفاءنا من الأنصار،فانصرف يا جويبر حتى ألقى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فاخبره بعذري.
فانصرف جويبر وهو يقول: والله ما بهذا أنزل القرآن ولا بهذا ظهرت نبوة محمد‎(صلى الله عليه وآله وسلم). فسمعت مقالته الدلفاء بنت زياد وهي في خدرها، فأرسلت إلى أبيها: أدخل إلي، فدخل إليها، فقالت له: ما هذا الكلام الذي سمعته منك تحاور به جويبراً؟
فقال لها: ذكر لي أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسله، وقال: يقول لك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): زوج جويبراً ابنتك الدلفاء.
فقالت لـه: والله ما كان جويبر ليكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بحضرته فابعث الآن رسولا يرد عليك جويبراً.
فبعث زياد رسولا فلحق جويبراً، فقال لـه زياد: يا جويبر مرحبا بك، اطمئن حتى أعود إليك، ثم انطلق زياد إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لـه: بأبي أنت وأمي إن جويبراً أتاني برسالتك وقال: إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: زوج جويبراً ابنتك الدلفاء، فلم ألن له في القول، ورأيت لقاءك، ونحن لا نزوج إلا أكفاءنا من الأنصار.
فقال لـه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا زياد جويبر مؤمن، والمؤمن كفو للمؤمنة، والمسلم كفو للمسلمة، فزوجه يا زياد ولا ترغب عنه. قال: فرجع زياد إلى منـزله ودخل على ابنته، فقال لها ما سمعه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
فقالت له: إنك إن عصيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كفرت، فزوج جويبرا.
فخرج زياد فأخذ بيد جويبر، ثم أخرجه إلى قومه، فزوجه على سنة الله وسنة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وضمن صداقها. قال: فجهزها زياد وهيأها ثم أرسلوا إلى جويبر فقالوا له: ألك منـزل فنسوقها إليك؟
فقال: والله مالي من منـزل. قال: فهيؤوها وهيؤوا لها منـزلاً وهيؤوا فيه فراشاً ومتاعاً وكسوا جويبراً ثوبين، وأدخلت الدلفاء في بيتها وأدخل جويبر عليها معتماً، فلما رآها نظر إلى بيت ومتاع وريح طيبة قام إلى زاوية البيت فلم يزل تاليا للقرآن راكعاً وساجداً حتى طلع الفجر، فلما سمع النداء خرج وخرجت زوجته إلى الصلاة فتوضأت وصلت الصبح، فسُئلت: هل مسّكِ؟
فقالت: مازال تالياً للقرآن وراكعاً وساجداً حتى سمع النداء فخرج.
فلما كانت الليلة الثانية فعل مثل ذلك، وأخفوا ذلك من زياد، فلما كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك، فاُخبر بذلك أبوها، فانطلق إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمرتني بتزويج جويبر، ولا والله ما كان من مناكحنا، ولكن طاعتك أوجبت عليّ تزويجه.
فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): فما الذي أنكرتم منه؟
قال: إنا هيأنا لـه بيتا ومتاعا، وأدخلت ابنتي البيت وأدخل معها معتماً، فما كلمها ولا نظر إليها ولا دنا منها، بل قام إلى زاوية البيت فلم يزل تالياً للقرآن راكعاً وساجداً حتى سمع النداء فخرج، ثم فعل مثل ذلك في الليلة الثانية ومثل ذلك في الليلة الثالثة ولم يدن منها ولم يكلمها إلى أن جئتك، وما نراه يريد النساء، فانظر في أمرنا؟ فانصرف زياد وبعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جويبر فقال له: أما تقرب النساء؟
فقال له جويبر: أو ما أنا بفحل؟ بلى يا رسول الله إني لشبق نهم إلى النساء.
فقال لـه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): قد خُبرت بخلاف ما وصفت به نفسك، قد ذكروا لي أنهم هيؤوا لك بيتا وفراشا ومتاعا وأدخلت عليك فتاة حسناء عطرة، وأتيت معتما فلم تنظر إليها ولم تكلمها ولم تدن منها، فما دهاك إذن؟
فقال لـه جويبر: يا رسول الله دخلت بيتا واسعا، ورأيت فراشا ومتاعا وفتاة حسناء عطرة، وذكرت حالي التي كنت عليها، وغربتي وحاجتي وضيعتي وكينونتي مع الغرباء والمساكين، فأحببت إذ أولاني الله ذلك أن أشكره على ما أعطاني، وأتقرب إليه بحقيقة الشكر، فنهضت إلى جانب البيت فلم أزل في صلاتي تالياً للقرآن راكعاً وساجداً أشكر الله حتى سمعت النداء فخرجت، فلما أصبحت رأيت أن أصوم ذلك اليوم، ففعلت ذلك ثلاثة أيام وليالها، ورأيت ذلك في جنب ما أعطاني الله يسيراً، ولكني سأرضيها وأرضيهم الليلة إن شاء الله.
فأرسل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى زياد فأتاه وأعلمه ما قال جويبر فطابت أنفسهم. قال: وفى لهم جويبر بما قال، ثم إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج في غزوة له ومعه جويبر فاستشهد رحمه الله، فما كان في الأنصار أيم أنفق منها بعد جويبر(122).

شبهات وردود

وقد ترد بعض الشبهات في بعض الموارد ويظن خطأ أنها تمييز وعدم مساواة بين الناس وهي:
1: في الجانب المالي، حيث اختصت فئة من الناس بجانب من الحقوق المالية وهو الخمس.
2: في الجانب العقائدي، حيث امتاز بعض الناس بالشفاعة فاعلاً وقابلا. ثم ما هو وجه الجمع بين أدلة الشفاعة الصريحة والمتواترة وبين قولـه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما روي عنه:
«يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس ابن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفيّة عمّة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا»(123).
3: في مسألة الرقية، فكيف تنسجم مع عدالة الدين الإسلامي، فإن العبودية استعباد للإنسان الآخر، وهذا ينافي المساواة.
4: في الجانب الاجتماعي حيث اتصاف البعض بالشعوبية.
والجواب على هذه الشبهات هو كما يلي:

الخمس

أما الجواب على الأمر الأول: فالخمس في قبال الزكاة فالاثنان من الحقوق المالية التي شرعتها الشريعة الإسلامية، فالزكاة تعطى لغير بني هاشم والخمس لذوي القربى، وهذا نوع احترام لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) فإنهم عدل القرآن بنص حديث الثقلين: »إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض«(124).
وهذا لا يعني عدم المساواة في الإنسانية، بل هو من باب وضع كل شيء في محله.

الشفاعة

وأما الجواب عن الشبهة الثانية:
إن حق الشفاعة لم يختص بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) في يوم القيامة، بل كما يمنح الله سبحانه وتعالى هذا الحق للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وللأئمة (عليهم السلام) كذلك يمنح الله تعالى لسائر الأنبياء وللصالحين والشهداء والمؤمنين لكن كل حسب مقامه وتقواه، فالشفاعة لكل مؤمن لكن مع مراعاة قانون العدالة التي يراها الله عزوجل.
وهنا لابد من ذكر عدة أمور تتعلق بالشافع والمشفع وهي تدخل في ضمن الأجوبة على الشبهات التي وردت في السؤال:
أولا: لا شك أن لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولسائر الأنبياء (عليهم السلام) والأئمة المعصومين(عليهم السلام) وللصديقة فاطمة الزهراء ( والشهداء والصالحين والمؤمنين والمؤمنات حق الشفاعة في الآخرة، وهي بإرادة الله سبحانه وتعالى، كما قال عزوجل: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَىَ((125).
عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في جانب أرض بمكة هي اليوم مقبرة ولم تكن يومئذ مقبرة فقال يبعث من هذه البقعة ومن هذا الحرم يوم القيامة سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر»(126).
وقال الإمام الرضا (عليه السلام): »من حج أربعين حجة قيل لـه اشفع فيمن أحببت، ويفتح له باب من أبواب الجنة يدخل منه هو ومن يشفع له«(127).
بل ولم يقتصر أمر الشفاعة على الإنسان، بل كذلك أعطي هذا الحق لغيره وعلى سبيل المثال الحجر الأسود في الكعبة المشرفة فهو شافع في يوم القيامة، وكذلك المسجد فهو يشفع للمصلين فيه، وهكذا المصحف الشريف فإنه شافع مشفع.
عن الأصبغ بن نباتة أنه قال: بينا نحن ذات يوم حول أمير المؤمنين (عليه السلام) في مسجد الكوفة إذ قال: »يا أهل الكوفة لقد حباكم الله عزوجل بما لم يحب به أحداً من فضل، مصلاكم بيت آدم وبيت نوح وبيت إدريس ومصلى إبراهيم الخليل ومصلى أخي الخضر (عليه السلام) ومصلاي، وإن مسجدكم هذا لأحد الأربعة المساجد التي اختارها الله عزوجل لأهلها، وكأني به قد أتي به يوم القيامة في ثوبين أبيضين يتشبه بالمحرم ويشفع لأهله ولمن يصلي فيه فلا ترد شفاعته، ولا تذهب الأيام والليالي حتى ينصب الحجر الأسود فيه وليأتينّ عليه زمان يكون مصلى المهدي (عليه السلام) من ولدي، ومصلى كل مؤمن، ولا يبقى على الأرض مؤمن إلا كان به أو حن قلبه إليه فلا تهجروه وتقربوا إلى الله عزوجل بالصلاة فيه وارغبوا إليه في قضاء حوائجكم، فلو يعلم الناس ما فيه من البركة لأتوه من أقطار الأرض ولو حبواً على الثلج»(128).
فإذنً الشفاعة لم تقتصر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) وإنما الصالحون الآخرون يحق لهم أن يشفعوا ولكن بالشروط التي يلزم أن يتصفوا بها(129).
وهذا لا يعني أن شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) كشفاعة الآخرين في الدرجة، بل لهم ميزات وخصائص تختلف عمن سواهم كاختلافهم عن البشر في هذه الدنيا من ناحية عصمتهم وكمالهم وعلمهم وورعهم.
الثاني: إن الذين يشفعون متساوون مع غيرهم أمام القانون الإسلامي من العبادات والمعاملات والقضاء والمواريث وما أشبه ذلك من مختلف مسائل الفقه غير اختصاصاته (صلى الله عليه وآله وسلم) القلائل جدّاً كما قال سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَيّ((130).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنما أنا بشر مثلكم أتزوج فيكم وأزوجكم إلا فاطمة ( فإن تزويجها نزل من السماء»(131).
والتي ذكر الفقهاء هذه الاختصاصات في كتاب النكاح وغيره فإنها خارجة بالدليل القطعي، وإلا فالأصل الاشتراك والناس كلهم متساوون أمام القانون. ولكن التمييز في الآخرة بهذا الوسام العظيم ـ الشفاعة ـ لأنهم عباد مكرمون وقد قال تعالى: (إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ((132).
الثالث: إن الذي يشفع لـه يجب أن يكون قابلا للشفاعة، فلو كان عليه حقوق للآخرين يجب أن تسلم إلى أصحابها وإلا فليس له شفاعة.
الرابع: الشفاعة في الآخرة لا تكون إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَىَ((133)، فإن الأنبياء والصالحين والأئمة وفاطمة الزهراء ( ومن أشبههم لهم الشفاعة، لكنها تكون بإذن الله سبحانه وتعالى والأمر إليه قال عزوجل: (مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ((134)، كما أن بدأها منه على تفصيل مذكور في علم الكلام.

الرقية

وأما الجواب عن الشبهة الثالثة: حيث استشكل بأن الرقية ظاهرة تتنافى مع التشريع الإسلامي في عدالته ومساواته، فاستعباد الإنسان الأسود من شأنه أن ينفي المساواة التي تدّعى في التشريع الإسلامي.
والجواب عن هذه الشبهة يكون في أمور:
أولا: لا فرق في الإسلام ـ كما سبق ـ بين اللون الأسود والأبيض، وهذا واضح لكل من له بعض المعرفة بمبادئ الإسلام وقوانينه وأحكامه وتاريخه.
ثانيا: إن الرقية التي كانت في الجاهلية الأولى قبل الإسلام، وفي الغرب قبل إلغائه حيث كان يستعبدون السود وبتلك الطريقة اللا إنسانية، مرفوضة في الإسلام. والرق في الإسلام يختلف تماماً عما كان في الغرب على تفصيل ذكرناه في كتاب (العتق).
إن (قانون الرقية) الذي كان يعترف به العالم سابقا بل وإلى الآن ولكن يتخذ إشكالا وصورا غير ما كانت عليه من استعباد علني، قد خالفه الإسلام، فلما جاء الإسلام بشريعته السمحاء وقواعده الملائمة للفطرة الإنسانية ألغى تلك العبودية الظالمة. قال تعالى: ( يَـا أيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ ((135).
وقال عزوجل: (وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ((136).
ولقد جسد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا المفهوم الإنساني فهناك العشرات من الأحاديث التي تؤيد هذا المفهوم القرآني وتدعو إلى الالتزام به وتطبيقه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد،كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود فضل إلا بالتقوى«(137).
عبر هذه الآيات الكريمة وتلك الأحاديث الشريفة ومن خلال سيرة النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) حارب الإسلام الظلم الذي كان يمارس ضد العبيد، حيث أعلن بصراحة أن «الناس كلهم من ولد آدم أخوة سواء»(138)، و«البشر كلهم سواسية»(139).
كما أن هناك روايات كثيرة تحث على عتق العبيد وفضله، كما قرر العتق كفارة لبعض الذنوب على تفصيل مذكور في الفقه.
ومن الناحية العملية والتطبيقية فالفتوحات الإسلامية لم تكن تسترق الناس، بل كان الناس يدخلون في دين الله أفواجاً أفواجا من غير إكراه، (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ((140). وذلك بسبب إخلاص المسلمين ونظرتهم العادلة والرحيمة للشعوب الأخرى فكان هم المسلمين نشر الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والدعوة إلى الحرية والعدالة والعلم والسلام والمحبة فكانت الأمم والشعوب ترحب بالمسلمين، وتقبل على اعتناق الإسلام عن طواعية لأنه ينبذ العنصرية ويحاربها، والكثير منهم كان يبقى على دينه ضمن معاهدة عادلة مع المسلمين لحفظ حقوقهم.
لقد ذكرنا في فصل السلام في القتال والجهاد وصايا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) الأخلاقية للجيش قبل بدء المعركة، ومنها قول علي (عليه السلام) في وصية له لعسكره، قبل لقاء العدو بصفين: »فإذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبراً ولاتصيبوا معوراً ولا تجهزوا على جريح...«(141).
وفي هذه الوصية يصدر الإمام (عليه السلام) تعليماته الجهادية الأخلاقية لعسكره وجيشه بأن لا يجهزوا على الجريح، أي منعهم من قتل الجريح الذي يقع أسيرا بيدهم.
وهذه وصية عامة تنطبق على كل جريح يقع أسيرا، سواء كان من المسلمين الخارجين الباغين أو من جيوش الكفار، كما لابد من علاج الجريح حتى يبرأ من الجراحات التي أصابته أثناء المعركة.
ثم إن التعامل مع الأسير الكافر يمكن أن يكون بعدة وجوه.
منها: القتل، وهذا ما يمنع الإسلام منه، لأن القتل لا يكون في الإسلام إلا في أقصى حالات الضرورة.
ومنها: العمل حسب الاتفاقيات والمعاهدات التي تعقد أو عقدت من قبل بين الدولة الإسلامية والكافرة، كاتفاقية تبادله مع أحد أسرى المسلمين.
ومنها: أن يطلق سراحه ويرجع لبلاده آمنا. وفي هذه الحالة ـ فيما لم تكن هناك مصلحة في إطلاق سراحه ـ لا يأمن من عودته لمحاربة الإسلام من جديد.
فتأتي هنا حالة أخرى وهو أن يبقى أسيراً عند المسلمين. فإما أن يبقى سجيناً لايعاشر المجتمع ويُحرم الكثير من الحريات، وهذا خلاف القانون الإسلامي الذي يضمن حرية الإنسان وحقوقه ولا يجيز السجن إلا في الموارد الضرورية، وما نحن فيه ليس منها.
فيبقى الحل الأفضل حفاظاً على أمن البلاد ورعاية لحقوق الأسير، أن يعطى لأحد المسلمين ويعيش بكامل حقوقه تحت رعايته، فليس هو مسجوناً بين جدران أربعة، ولا مطلق العنان يعيث في المجتمع الفساد، بل يرعاه أحد المؤمنين ويتكفل جميع حقوقه من الأكل والشرب والزواج وسائر احتياجاته المادية والمعنوية، ضمن ضوابط وآداب معينة أكد عليها الإسلام، بحيث لا يشعر العبد بكونه عبداً بل يرى نفسه جزء من العائلة.
وهذا المورد هو الذي استثناه الإسلام في موارد الاستعباد التي كانت سائدة آنذاك وهذا الأمر هو من مصلحة الأسير بلا شك، فإنه حينما رأى الاهتمام به وهو في حالة الأسر فلا شك أنه يعامل معاملة عادلة يحددها الإسلام وفق مبادئه السامية وقيمه العليا لعله يهتدي إلى معالم الإنسانية وينقلب فرداً صالحاً بعد ما كان محارباً للإسلام. ولا شك أنه حينما يرى حقيقة الإسلام وعدالته وإنسانيته فكثيراً ما يعتنق الإسلام طوع رغبته.
وهكذا كان يعامل الإسلام الأسرى، بخلاف ما كانت تفعله الأمم مع أسراها بالإبادة الجماعية كما حصل ذلك في الحرب العالمية الثانية، وكما كان متعارفاً عند الجاهليين.

مساحة العتق والحرية في الشرع الإسلامي

ثم هؤلاء الأسرى لا يكونون طوال حياتهم على ما هم عليه من العبودية، بل شرع الإسلام طرقا كثيرة لتحريرهم ومنها: قانون (عتق الصدقة) و(عتق الكفارة) بمختلف أنواعها و(عتق الخدمة) فإذا خدم العبد المؤمن مولاه سبع سنين ينبغي عتقه(142). وقد ذكرنا ذلك مفصلاً في موسوعة الفقه.

الشعوبية

وأما جواب الشبهة الرابعة وهو اتصاف البعض بالشعوبية وهو مصطلح سياسي يظهر كلما دعت الحاجة إليه، قال في (كتاب العين) عن الشعوبي: هو الذي يصغر شأن العرب، ولا يرى لهم فضلا(143).
وفي مجمع البحرين: الشعوبية: فرقة لا تفضل العرب على العجم(144).
ومن المصاديق التي اصطلح عليها بالشعوبية:
1ـ كل من وقف إلى جانب المعارضة للحكومات التي سيطرت على البلاد الإسلامية منذ الصدر الأول. ومن ذلك ما ذكره المستشرق بروكلمان في كتابه(145) فقال: والحق أن ميتة الشهداء التي ماتها الحسين (عليه السلام)... قد عجلت للتطور الديني الشيعي حزب علي (عليه السلام)، الذي أصبح في ما بعد ملتقى جميع النزعات المناوئه للعرب (الشعوبية).
2ـ الموالي والعبيد لأنهم رأوا المفاهيم القرآنية لا سيما الآية: (يَـا أيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ((146)، وأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنها: »كلكم لآدم وآدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى«(147)، لا يعمل بها حكام البلاد الإسلامية وكثير من المسلمين.
والحقيقة أن مظاهر الشعوبية وهي التفرقة ابتدأت منذ الصدر الأول وذلك حينما فرق عمر في العطاء ولم يساو في نظرته بين العرب والعجم خصوصاً.
وكذلك توسعت الشعوبية وانتشرت في العهد الأموي فقال أبو الفرج الأصفهاني: أصل المثالب (مثالب العرب) زياد بن أبيه فإنه لما ادعى انتسابه إلى أبي سفيان وعلم أن العرب لا تقر له بذلك مع علمها بنسبه، ومع سوء آثاره فيهم، عمل كتاب المثالب، ألصق فيه بالعرب كلها كل عيب وعار وحق وباطل.
وقال ابن قتيبة الدينوري: كان زياد حين كثر طعن الناس عليه في استلحاق معاوية له بأبي سفيان عمل كتابا في المثالب لولده، وقال: من عيركم فاقرعوه بمنقصته ومن ندد عليكم بادهوه بمثلبته، فإن الشر بالشر ينفي والحديد بالحديد يفلج.
ويقول أبو عبيد البكري أيضا: وأما كتاب المثالب والمناقب الذي بأيدي الناس اليوم فإنما هو للنضر بن شميل الحميري وخالد بن سلمة المخزومي، أمرهما هشام بن عبد الملك أن يبينا مثالب العرب ومناقبها وقال لهما ولمن ضم إليهما: دعوا قريشا بما لها وما عليها، فليس لقريش ذكر في ذلك الكتاب.
والخلاصة إن الشعوبية تتناقض مع روح الإسلام وعدالته وأحكامه. وهي كما ذكرنا مصطلح سياسي ألصق بكل من عارض سياسية الأمويين وغيرهم بعد أن صرف من معناه الأصلي ولما وضع له.

الأصل التساوي

وهكذا يكون التساوي بين المسلمين في الحدود والديات والقصاص والقضاء والمواريث والمعاملات بأنواعها الكثيرة من بيع وشراء ورهن وإجارة وشركة ومضاربة وهبة وغير ذلك.
وأما التساوي بين الرجل والمرأة، فالإسلام يعلنها كأصل أولي بالصراحة ويقول بالتساوي بينهما إلا فيما خرج بالدليل، قال الله عزوجل: (وَلَهُنّ مِثْلُ الّذِي عَلَيْهِنّ بِالْمَعْرُوفِ((148).
وقال: (يَـا أيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً((149).
وبصورة عامة يكون تطبيق قانون التساوي مع مراعاة قانون العدالة هو من أسس السلم والسلام في المجتمع.

جملة من مصاديق السلم والسلام الاجتماعيين

1: التحية في الإسـلام
2: الأخوة الإسلامية
3: صلة الأرحام
4: حسن الصحبة والمعاشرة

1 التحية في الإسـلام

معنى التحية
التحية في الإسلام هي (السلام)، يقال: حيا يحيي تحية إذا سلم، وهي كل قول يسرّ به الإنسان، ومن التحية يقال: حياك الله، أي جعل لك حياة، وذلك إخبار بقصد الإنشاء أي الدعاء. ويقال: حيا فلان فلاناً تحية إذا قال له ذلك، وأصل التحية من الحياة ثم جعل ذلك دعاء تحية لكون جميعه غير خارج عن حصول الحياة، أو سبب حياة إما في الدنيا وإما في الآخرة (150).
وفي (لسان العرب): التحية في كلام العرب ما يحيي بعضهم بعضاً إذا تلاقوا، وتحية الله التي جعلها في الدنيا والآخرة لمؤمني عباده إذا تلاقوا ودعا بعضهم لبعض بأجمع الدعاء أن يقولوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته(151).
ويقابل التحية التسليم، والأولى عادة تتعلق بالقادم ومستقبله، والثانية تتعلق بالمسافر ومودعه، فلكل منهما مصداق، فالمار حينما يسلّم على المقيم في بلده يصطلح على هذا السلام بالتحية وهي تتم عادة بالمصافحة، وأما السلام على الذي يريد سفرا يصطلح عليه بالتسليم ويتم عادة بالمعانقة والتوديع.
مفهوم التحية ودلالاتها في الإسلام
لما خلق الله سبحانه وتعالى الخلق جعلهم أمما وشعوبا وقبائل، فقال تعالى: (يَـا أيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ((152).
فالخلق مأمورون بالتعارف فيما بينهم، ومن حكمة تصنيف البشرية إلى هذا التقسيم هو حصول التعارف فيما بينهم وهو أمر غير عسير، فيبتدأ من الخلية الصغيرة وهي الأسرة، ثم ينتقل إلى دائرة أوسع وهي القبيلة، ثم إلى محيط جامع وهو المجتمع وهكذا، وبهذا تسهل عملية التعارف فيما بين الأسر والقبائل والشعوب فيما بينها، ويستدل بالآية على لزوم تعارف الأمم والشعوب والقبائل كي يحصل التعاون والتواصل فيما بينها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن من فائدة التعارف سيادة السلم والأمان بعد اختفاء مظاهر العدوان والاعتداء. وقد ابتدأت عملية التعارف بين الإنسان وأخيه الإنسان بالتحية وهي أول كلام يحصل في اللقاء وقد أراد الإسلام أن تكون نقطة الابتداء عنواناً للسلم والسلام، فكانت التحية: (السلام عليكم).
فتحية السلام تعتبر أحد الدلائل الظاهرية والواقعية على السلم والسلام الاجتماعي الذي يدعو إليه الإسلام، وقد ورد الحث عليها في أحاديث كثيرة وقد ذكرنا تفصيل الموضوع في (الفقه: أحكام السلام)، وسنشير إلى بعضها لاقتضاء المقام.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في دلالة التحية على السلام: »السلام تحية لملتنا وأمان لذمتنا«(153). وهذا يعني أن الإنسان المسلم حينما يحي الذميين كأنه يقول: أنتم في أمان وسلام على حياتكم.
التحية في الديانات السابقة
عن وهب اليماني قال: لما أسجد الله عزوجل الملائكة لآدم (عليه السلام) وأبى إبليس أن يسجد قال لـه ربه عزوجل: ( فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنّكَ رَجِيمٌ ( وَإِنّ عَلَيْكَ اللّعْنَةَ إِلَىَ يَوْمِ الدّينِ((154)، ثم قال عزوجل لآدم (عليه السلام): يا آدم انطلق إلى هؤلاء الملأ من الملائكة فقل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فلما رجع إلى ربه عزوجل قال له ربه تبارك وتعالى: هذه تحيتك وتحية ذريتك من بعدك فيما بينهم إلى يوم القيامة(155).
ومما يؤكد قدم هذه التحية الواردة اتخاذها من قبل الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) تحية لهم، ففي القرآن الحكيم تحية بعض الأنبياء السابقين هي السلام، مثل:
قوله سبحانه: (قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ((156).
وقوله تعالى: (سَلاَمٌ عَلَىَ إِلْ يَاسِينَ((157).
ومنها قول عيسى (عليه السلام) في الآية المباركة: (وَالسّلاَمُ عَلَيّ يَوْمَ وُلِدْتّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً((158).
التحية في القرآن
ورد لفظ التحية والتي يراد منه معنى السلام في بعض الآيات القرآنية، ومنها الآية المباركة: (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ((159).
والآية: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلّمُواْ عَلَىَ أَنفُسِكُمْ تَحِيّةً مّنْ عِندِ اللّهِ مُبَارَكَةً طَيّبَةً((160).
وقال سبحانه في قضية مشهورة: (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً((161)، أي حياكم بتحية السلام.
ومن أدل هذه الآيات المتقدمة على التحية: (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ((162)، ومعناها أن الله تعالى أمر المسلمين برد التحية ـ والتي هي السلام ـ بمثلها أو أحسن منها.
ذكر علي بن إبراهيم (رحمه الله) في تفسيره عن الصادقين ( أن المراد بالتحية في الآية السلام وغيره من البر.
روي أن رجلاً دخل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: السلام عليك!
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): »وعليك السلام ورحمة الله«.
فجاءه آخر وسلم عليه فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
«وعليك السلام ورحمة الله وبركاته».
فجاءه آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته».
فقيل: يا رسول الله زدت للأول والثاني في التحية ولم تزد للثالث؟
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »إنه لم يبق لي من التحية شيئاً فرددت عليه مثله«(163).
ومن الآيات القرآنية التي تحدثت عن موضوع التحية والسلام قوله تعالى: (يَـا أيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّىَ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىَ
أَهْلِهَا((164)، فالدخول في بيوت الناس بلا استئذان غير جائز وهذا تكريم كبير للإنسان واحترام لحقوقه الفردية.
وقال سبحانه: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ( إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ((165).
آداب التحية
ذكرت الآية المباركة: (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ((166) صورتين للرد:
الأولى: هي الرد بأحسن منها وذلك إن كان المحيي مسلماً، سواء كان مؤمناً أو غيره. ومثالها ما ورد عن ابن عباس قال: إذا قال المسلم: (السلام عليكم)، فقلت: (وعليكم السلام ورحمة الله)، وإذا قال: (السلام عليكم ورحمة الله)، فقلت: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته) فقد حييته بأحسن منها وهذا منتهى السلام.
وفي هذه الحالة يعرف أن الإنسان المسلم يمكن أن يعبر عما في مشاعره وأحاسيسه بمختلف كلمات التحية (السلام) وألفاظها كي يسرّ به الإنسان فهي قابلة لزيادة الإنشاء في كلماتها.
والصورة الثانية: (أَوْ رُدّوهَآ( وهي التحية التي يحي بها المسلم أو غيره بمثل ما حياه به. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم»(167).
وعن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: «دخل يهودي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعائشة عنده فقال: السام عليكم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): عليك، ثم دخل آخر فقال مثل ذلك، فرد عليه كما رد على صاحبه، ثم دخل آخر فقال مثل ذلك فرد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما رد على صاحبه، فغضبت عائشة فقالت: عليكم السام والغضب واللعنة يا معشر اليهود، يا إخوة القردة والخنازير!
فقال لها رسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا عائشة إن الفحش لو كان ممثلاً لكان مثال سوء، إن الرفق لم يوضع على شيء قط إلا زانه ولم يرفع عنه قط إلا شانه».
قال: قالت: يا رسول الله أما سمعت إلى قولهم السام عليكم؟
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): بلى أما سمعت ما رددت عليهم، قلت: عليكم، فإذا سلم عليكم مسلم فقولوا السلام عليكم وإذا سلم عليكم كافر فقولوا عليك»(168).
دلالات التحية وغاياتها
كان العرب في الجاهلية إذا أقبلوا سلموا، فإذا لم يسلم الوارد كان معناه أنه يريد بالحاضرين سوء، وكذلك إذا سلّم ولم يجب كان معنى ذلك إنهم يريدون غدرا بالآتي.
والتحية في الإسلام تعني السلم والسلام، وهي عنوان الأمان وهي التي تؤمن الإنسان من روعته في مواطن الخوف، وهناك مواطن ثلاثة شديدة يمر بها الإنسان في حياته يطلب السلام والأمان كي يتجاوزها بسلم وسلام.
الأول: عند مجيئه إلى عالم الدنيا ومفارقة ذلك العالم الصغير، فعندها يكون بكاؤه لمفارقة ذلك المكان ولدخوله في هذا العالم الغريب.
والثاني: عند الممات وما يجده من سكرات الموت، وفراقه المسكن والوطن، والأهل والأحبة، ومجاورة الأموات.
والثالث: عند الحشر وما يكون من أهوال يوم القيامة.
فيطلب السلام الذي هو عنوان الأمان من الآلام والأهوال في هذه الأحوال الثلاثة. وقد سلم الله تعالى على النبي يحيى (عليه السلام) في هذه المواطن الثلاثة وكذلك أخبر النبي عيسى (عليه السلام) أن الله تعالى قد سلمه وآمنه فيها، فعن ياسر الخادم قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: «إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيخرج من بطن أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها، ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا، وقد سلم الله على يحيى في هذه المواطن الثلاثة وآمن روعته فقال: (وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً((169) وقد سلم عيسى بن مريم (عليه السلام) على نفسه في هذه المواطن الثلاثة فقال: ( وَالسّلاَمُ عَلَيّ يَوْمَ وُلِدْتّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً((170)»(171).
ولما في التحية من الدلالات العظيمة على الأمن والسلام جاء التأكيد عليها في القرآن والسنة النبوية وفي روايات أهل البيت (عليهم السلام)، فبها يؤمّن الداخل في سلامه الحاضرين عندما يقبل عليهم، وهي من علامة الأخيار ومن محاسن الأبرار ودالة على الخلق الكريم والصفات الحميدة، وهذه هي جملة من عناوين لأحاديث وردت في التحية والسلام:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »إن أبخل الناس من بخل بالسلام«(172).
وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): »لكل داخل دهشة فابدءوا بالسلام«(173).
وقال (عليه السلام): »سنة الأخيار لين الكلام وإفشاء السلام«(174).
وقال (عليه السلام): »أفشوا السلام في العالم وردوا التحية على أهلها بأحسن منها«(175).
وقال (عليه السلام): «عود لسانك لين الكلام وبذل السلام يكثر محبوك ويقل مبغضوك»(176).
وقال (عليه السلام): »إن بذل التحية من محاسن الأخلاق، التحية من حسن الأخلاق والسجية«(177).
وقال (عليه السلام): »طلاقة الوجه بالبشر والعطية وفعل البر وبذل التحية داع إلى محبة البرية«(178).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال:»إن الله يحب إطعام الطعام وإفشاء السلام«(179).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): »من التواضع أن تسلم على من لقيت«(180).
أصول التحية وآدابها وقواعدها
وهناك أصول وقواعد وآداب للتحية والسلام ينبغي مراعاتها، ومنها:

1: البدء بالسلام

ينبغي للإنسان حينما يلتقي بأحد ـ وقبل أن يكلّم ـ أن يبدأه بتحية السلام، فعن الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) أنّه قال له رجل ابتداء: كيف أنت عافاك الله؟
فقال (عليه السلام) له: »السلام قبل الكلام عافاك الله«.
ثم قال (عليه السلام): »لا تأذنوا لأحد حتى يسلم«(181).
وسبب ذلك: أن السلام أمـان، ولا كلام إلا بعد الأمان، وقد ورد في الأحاديث الحث على لزوم السلام قبل الكلام بل وقبل الطعام أيضاً، فقال (عليه السلام): «لا تدع إلى طعامك أحداً حتى يسلّم»(182).

2: المصافحة

ومن تمام التحية في آدابها أن يتبع السلام بالمصافحة، فإن المصافحة من السنة وفيها ثواب كثير وتوجب غفران الذنوب، فعن أبي عمامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
«تحياتكم بينكم بالمصافحة»(183).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »إذا تلاقى الرجلان فتصافحا تحاتت ذنوبهما وكان أقربهما إلى الله سبحانه أكثرهما بشرا لصاحبه«(184).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: »إن المؤمنين إذا التقيا وتصافحا أدخل الله يده بين أيديهما فصافح أشدهما حباً لصاحبه«(185).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: »إن المؤمن ليلقى أخاه فيصافحه فيقبل الله عليهما بوجهه ويتحات الذنوب عنهما حتى يفترقا«(186).

3: المعانقة والتقبيل

ثم تأتي بعد المصافحة المعانقة والتقبيل وهما من موجبات المحبة ومصاديقها، فعن عبد الله بن محمد الجعفي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (: »أيما مؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفا بحقه كتب الله له بكل خطوة حسنة، ومحيت عنه سيئة، ورفعت له درجة، فإذا طرق الباب فتحت له أبواب السماء، فإذا التقيا وتصافحا وتعانقا أقبل الله عليهما بوجهه ثم باهى بهما الملائكة..«(187).
وقد ذكرنا فيما تقدم أن الذي يريد سفرا لم يتم التسليم عليه عادة إلا بالمعانقة والتوديع.
وقد عاب بعض هذه المعانقة باعتبارها من فعل الأعاجم فرد ذلك الأئمة (عليهم السلام) بما صنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) لما قدم من الحبشة، فعن ابن بسطام قال كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأتى رجل فقال: جعلت فداك إني رجل من أهل الجبل وربما لقيت رجلاً من إخواني فالتزمته فيعيب علي بعض الناس ويقولون هذه من فعل الأعاجم وأهل الشرك، فقال (عليه السلام): »ولم ذاك فقد التزم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعفراً وقبل بين عينيه«(188).
وأما التقبيل فموضعه نور الجبهة أي في أثر السجود على الجبهة، فعن يونس بن ظبيان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: »إن لكم لنورا تعرفون به في الدنيا حتى أن أحدكم إذا لقي أخاه قبله في موضع النور من جبهته«(189).
وأما مواضع تقبيل ذات المحرم فورد عن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »إذا قبل أحدكم ذات محرم قد حاضت، أخته أو عمته أو خالته فليقبل بين عينيها ورأسها وليكف عن خدها وعن فيها«(190).

4: تقبيل اليد والقيام للقادم

من الأمور المتعلقة بالتحية تقبيل اليد والقيام للقادم، وقد اختلف في تفسير الروايات الواردة فيها، فأما عن تقبيل اليد فقد ورد عن رفاعة بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يقبل رأس أحد ولا يده إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو من أريد به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) »(191).
ولا شك أن قولـه (عليه السلام): «أو من أريد به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) »: يشمل الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) إذ لا فرق بين الإمام علي (عليه السلام) ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا من جهة الوحي قال تعالى في آية المباهلة: (فَمَنْ حَآجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ((192)، وقال عزوجل في آية التطهير: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً((193).
وكذلك يشمل ذريتهم، وقد نقل العلامة المجلسي (رحمه الله) عن بعض المحققين قوله: (لعل المراد بمن أريد به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الأئمة المعصومون (عليهم السلام) كما يستفاد من الحديث الآتي ويحتمل شمول الحكم العلماء بالله وبأمر الله مع العاملين بعلمهم والهادين للناس ممن وافق قولـه فعله لأن العلماء الحق ورثة الأنبياء (عليهم السلام) فلا يبعد دخولهم فيمن يراد به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)).
وهذا الرأي هو الصحيح وينطبق في عصرنا الحاضر على الفقهاء ومراجع التقليد لأنهم نواب الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) ولا شك أنهم العلماء بالله وبأمر الله والهادين للناس. فإذا جرت العادة في زمان معين على هذا الأمر وهو تقبيل يد العالم وأريد به احترامه وتقديره وتعظيمه فهي جائزة بل مستحبة وذلك لشمولها بعموم الآية (ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ((194)، و( ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَاتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لّهُ عِندَ رَبّهِ ((195).
وأما عن القيام فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من أحب أن يتمثل له الناس أو الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار»(196)، وهذا الحديث ليس فيه شاهد لما نحن فيه وذلك لأمور:
1: المقصود من هذا الحديث هو ما تصنعه الجبابرة من إلزامهم الناس بالقيام في حال قعودهم إلى أن ينقضي مجلسهم، ولا ينطبق على هذا القيام المتعلق بالتحية المخصوص والقصير زمانه.
وإن قيل: إن الحديث يشمل هؤلاء الذين اضطروا للوقوف من قبل الجبابرة وهو نهي لهم عن هذا العمل.
قلنا: إن دفع الضرر عن النفس واجب، فالمتجبر الذي يؤاخذ من لا يقوم لـه بالعقوبة يمكن للشخص القيام ولا حرج عليه في ذلك لأجل دفع الإهانة والأذى عنه.
2: لقد صح أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقوم إجلالاً لفاطمة (، وقام أيضاً إلى جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) لما قدم من الحبشة وقال للأنصار: قوموا إلى سيدكم، ونقل أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قام لعكرمة بن أبي جهل لما قدم من اليمن فرحاً بقدومه(197).
فعلى هذا يجوز القيام والتعظيم بانحناء قليل وشبهه، وربما لزم ذلك إذا أدى تركه إلى التباغض والتقاطع أو إهانة المؤمن.
وقد نقل أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يكره أن يقام لـه.
قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج ذات يوم من بعض حجراته إذا قوم من أصحابه مجتمعون فلما بصروا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قاموا، قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اقعدوا ولا تفعلوا كما يفعل الأعاجم تعظيما ولكن اجلسوا وتفسحوا في مجلسكم وتوقروا أجلس إليكم إن شاء الله»(198).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تقوموا كما يقوم الأعاجم بعضهم لبعض ولا بأس أن يتحلحلَ عن مكانه»(199). وهذا محمول على تواضعه (صلى الله عليه وآله وسلم) لله وتخفيفه على أصحابه.

5: المساواة في التحية

ومن آداب التحية، عدم التمييز في التحية في بعض الموارد كباب القضاء، قال علي (عليه السلام) في كتابه لمالك الأشتر: «ألن لهم جانبك وآس بينهم في اللحظة والنظرة والإشارة والتحية حتى لايطمع العظماء من حيفك ولا ييأس الضعفاء من عدلك»(200).
وهذا لا يعني أن تكون المساواة في التحية مطلقا هي الأصل، بل هناك موارد ربما يحبذ أن يميز بها لمقام أو لمناسبة أو غيرها من هذه الأمور.

6: عدم خص الظالمين بالتحية

ومن آداب التحية وقواعدها، أن لا يحيي بها الظالمين، لأن التحية دالة على الأمان والسلام، والظالم يلزم أن لا يؤمن، ولذا حينما أدخل مسلم بن عقيل (عليه السلام) وهو أسير على عبيد الله لم يسلّم عليه، فقال لـه الحرسي: سلم على الأمير، فقال لـه: اسكت، ويحك والله ما هو لي بأمير(201).

أنواع التحية واختلاف صيغها

تختلف التحية من مورد لآخر حسب المحيا بها، وعلى سبيل المثال تحية الصحابة للإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لم تقتصر على السلام وإنما كانت تلحق بإمرة المؤمنين، فعن عمران بن حصين الخزاعي:
إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر فلاناً وفلاناً أن يسلما على علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين، فقالا: من الله ومن رسوله؟ فقال: من الله ومن رسوله، ثم أمر حذيفة وسلمان فسلما ثم أمر المقداد فسلم، وأمر بريدة أخي ـ وكان أخاه لأمه ـ فقال: إنكم سألتموني من وليكم بعدي وقد أخبرتكم به وأخذت عليكم الميثاق، كما أخذ الله تعالى على بني آدم (أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىَ((202) وأيم الله لئن نقضتموها لتكفرون»(203).
ومن ذلك ما ورد في قصة يهودي أتى أبا بكر ثم عمر وسألهما عن أموال أبيه وقد مات ولم يعلمه بها، فأوجع ضرباً، فأتى علياً (عليه السلام) فسلم عليه بإمرة المؤمنين، فقيل لِمَ لم تسلم عليهما مثله؟ فقال: والله ما سميته حتى وجدته في كتب آبائي في التوراة، ثم سأله عن كنوز أبيه فقال: خذ ألواحاً وصر بها إلى وادي برهوت بحضرموت فإذا وصلت وكان عند الغروب وجدت عند القبور غرابين فاهتف باسم أبيك وقل أنا رسول وصي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فاسأله واكتب ما يخبرك، ففعل فوجد كما قال فأخبره بموضع المال فرجع فنبشه وأوقر منه عيراً وأتى به علياً (عليه السلام) وأسلم وأقر لـه بالوصية والإمرة والأخوة(204).
وهناك آداب وسنن لتحية المعصومين (عليهم السلام) والمساجد وهي مذكورة في كتب الأدعية والزيارات ومنها: ما ورد عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف التسليم على أهل القبور؟ فقال (عليه السلام): نعم تقول: «السلام على أهل الديار من المسلمين والمؤمنين أنتم لنا فرط ونحن إن شاء الله بكم لاحقون»(205).
ومنها: استحباب صلاة التحية وهي ركعتان عند الضرائح المقدسة والمساجد قبل الجلوس. والمسلم مكلف ـ وهو يناجي ربه في صلاته ـ أن لا ينسى التسليم على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى نفسه وعلى عباد الله الصـالحين.

أحكام التحية

وهناك بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالتحية، يستدل عليها بهذه الآية: (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ حَسِيباً((206) كوجوب رد المصلي عليها. وهناك تفصيل مذكور في الفقه.
ويكره أيضا استخدام المصطلحات المتعارفة في اللقاء إن لم تتضمن تحية السلام، فقد ورد عن جعفر بن محمد (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن جده علي بن الحسين (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن علي بن أبي طالب (عليه السلام): «أنه كان يكره أن يقول الرجل للرجل حياك الله ثم يسكت حتى يتبعها بالسلام»(207).

التحية في واقعنا المعاصر

كلما تقدم الزمان يزداد تعلق الإنسان بحياته المادية بسبب هذا التطور الهائل الإيجابي والسلبي في آن واحد، ولاشك أن استخدام المسلمين لكل ما أنتجته الدول الغربية من هذه التكنولوجيا والصناعات المتطورة يجعل حياتهم مادية في بعض الجوانب، بحيث لا تختلف عن مجتمعات الدول الغربية، ومن هنا يتطلب من الإنسان المسلم التفكير في سلبيات ما يستخدمه في حياته كي لا تطغى المادية على الجانب الروحي والمعنوي، ومن أمثلة ذلك ما يسمى بـ (الأنترفون) وهو الجهاز الحاكي الذي يوضع على الباب، ولا شك أن لـه محسنات وإيجابيات ولكن إلى جانب هذا فيه مساوئ على المعنويات، فكان في السابق حينما يأتي الضيف ويطرق الباب يخرج إليه صاحب المنزل فيراه ويحيه ويرحب به ويحدثه مشافهة، أما اليوم فتتم محادثته عبر الجهاز الحاكي فيخسر فيها اللقاء. وإذا لم يحصل بينهما لقاء فلم ينظر الأول في وجه صاحبه ثم لم تحصل بينهما مصافحة، وبهذا قد حرما الأجر والثواب المترتب على اللقاء والنظر والمصافحة والتقبيل والمعانقة، فقد جاء في الرواية عن عبد الله بن محمد الجعفي عن أبي جعفر وأبي عبد الله ( قالا: «أيما مؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفاً بحقه كتب الله لـه بكل خطوة حسنة ومحيت عنه سيئة ورفعت لـه درجة فإذا طرق الباب فتحت لـه أبواب السماء فإذا التقيا وتصافحا وتعانقا أقبل الله عليهما بوجهه ثم باهى بهما الملائكة فيقول: انظروا إلى عبدي تزاورا وتحابا فيّ، حق عليّ ألا أعذبهما بالنار بعد هذا الموقف فإذا انصرف شيعه ملائكة عدد نفسه وخطاه كلامه يحفظونه عن بلاء الدنيا وبوائق الآخرة إلى مثل تلك الليلة من قابل فإن مات فيما بينهما أعفي من الحساب، وإن كان المزور يعرف من حق الزائر ما عرفه الزائر من حق المزور كان لـه مثل أجره»(208).
والمقصود من (عارفاً بحقه) هو أن يعلم فضله ولزوم إعطاء حقه في الزيارة والرعاية والاحترام والإكرام، ومعنى (فتح أبواب السماء) إما كناية عن نزول الرحمة عليه أو استجابة دعائه، والمقصود من (إقباله تعالى عليهما بوجهه) كناية عن غاية رضاه عنهما أو توجيه رحمته البالغة إليهما.
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن المؤمن إذا لقي أخاه وتصافحا لم تزل الذنوب تتحات عنهما ما داما متصافحين كتحات الورق عن الشجر، فإذا افترقا، قال ملكاهما: جزاكما الله خيرا عن أنفسكما، فإن التزم كل واحد منهما صاحبه ناداهما مناد: طوبى لكما وحسن مآب، وطوبى شجرة في الجنة أصلها في دار أمير المؤمنين (عليه السلام) وفرعها في منازل أهل الجنة، فإذا افترقا ناداهما ملكان كريمان: أبشراً يا ولي الله بكرامة الله والجنة من ورائكما»(209).
وعن رفاعة قال: سمعته (عليه السلام) يقول: «مصافحة المؤمن أفضل من مصافحة الملائكة»(210).
ومعنى ذلك أن مصافحة المؤمنين أفضل من مصافحة الملكين، أو مصافحة المؤمن مع المؤمن أفضل من مصافحته مع الملائكة لو تيسرت لـه، وفي الحديث دلالة على أن المؤمن الكامل أفضل من الملك.
ولهذا تجد الظواهر المادية التي يمر بها الإنسان المسلم في حياته قد طغت على سلوكه وتفكيره ومن هنا أصبحت أغلب مجتمعاتنا الإسلامية في سلوكها بهذا المجال لا تختلف عن المجتمعات الغربية، إذ لا ترى للتحية أثرا في أوساطهم إلا للذي يعرفه، بل أصبح في بعض الدول الإسلامية أن الذي يسلّم ينظر لـه نظرة سيئة فيعتبر من الذين يطلبون العطاء والصدقة. والحال أنها تعتبر من أهم الروابط الاجتماعية والإيمانية.
بل كثيراً ما تسمع الكلام فقط فلا يسبق السلام ولا تتبعه تحية، والحق أن الذي يبدأ بالكلام ينبغي أن لا يجاب وهذا ما نصت عليه أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) فعن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه»(211).
وكانت هذه سيرة الأوائل فلا إجابة لمن يبتدأ بالكلام ولم يسلم، وهذا ما نراه في رواية جابر بن عبد الله الأنصاري (رضوان الله عليه) حيث قال: كنت أنا ومعاوية بن أبي سفيان بالشام، فبينا نحن ذات يوم إذ نظرنا إلى شيخ وهو مقبل من صدر البرية من ناحية العراق، فقال معاوية: عرجوا بنا إلى هذا الشيخ لنسأله من أين أقبل وإلى أين يريد؟ وكان مع معاوية أبو الأعور السلمي وولدا معاوية خالد ويزيد، وعمرو بن العاص. قال: فعرجنا إليه فقال له معاوية: من أين أقبلت يا شيخ وإلى أين تريد؟ فلم يجبه الشيخ، فقال له عمرو بن العاص: لما لا تجيب أمير المؤمنين؟ فقال الشيخ: إن الله جعل التحية غير هذه، فقال معاوية: صدقت يا شيخ أصبت وأخطأنا وأحسنت وأسأنا، السلام عليك يا شيخ، فقال الشيخ: وعليك السلام...(212).

دعوة الإسلام إلى الالتزام بتحية السلام

والخلاصة يلزم على المسلمين الالتزام بتحية الإسلام (السلام عليكم) فإنه يشتمل على السلم والسلام، أما ما تعارف عليه بعض الناس من التحيات التي لا تتضمن السلام فينبغي تركه.
كما ينبغي أن يتبع السلام بالمصافحة.
ويلزم على المسلمين إفشاء السلام وجعله حالة طبيعة أينما وجدوا، سواء كانوا في الشارع أو المسجد أو السوق، ويلزم أن لا يقتصر على الكبار، بل لابد من تعليم الصغار عليها كي ينشئوا على هذه الحسنة الطيبة، وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: »أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»(213).

يتبع

(1) سورة الأعراف: 11 و12.
(2) وسائل الشيعة: ج27 ص47 ح33176.
(3) سورة المائدة: 18.
(4) سورة الحجرات: 13.
(5) بحار الأنوار: ج67 ص287 ب56 ح10.
(6) هو أدولف هتلر (1889 – 1945م) سياسي ألماني، ولد في النمسا، دخل الحزب العمالي الألماني في عام (1919م)، وأصبح زعيمه وسماه: (الحزب الوطني الاشتراكي) أي النازي عام (1921م)، حاول القيام بعصيان مسلّح في ميونخ في سنة (1923م) ففشل وسجن، وفي السجن وضع كتابه (كفاحي) عرض فيه مذهبه العرقي العنصري الذي أصبح شعار النازية، كثر مؤيدوه وقوي حزبه بفضل دعاية غوغائية مبنيّة على التعصب القومي، عين مستشارا في عام (1933م) ثم رئيس الدولة المطلق في عام (1934م) بعد وفاة هندبرغ، أقام نظاما دكتاتوريا بوليسيا، أدت به سياسته التوسّعية إلى احتلال رينانيا عام (1936م)، والنمسا وتشيكوسلوفاكيا عام (1938م)، وبولونيا عام (1939م)، هزم وانتحر في برلين 30 نيسان عام (1945م).
(7) مستدرك الوسائل: ج12 ص89 ب75 ح13598.
(8) بحار الأنوار: ج72 ص210 ب14 ح3.
(9) من لا يحضره الفقيه: ج4 ص400 ومن ألفاظ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الموجزة ح5858.
(10) الكافي: ج8 ص126 حديث أبي الحسن موسى (عليه السلام) ح95.
(11) وسائل الشيعة: ج12 ص266 ب146 ح16270.
(12) الكافي: ج2 ص658 باب وجوب إجلال ذي الشيب المسلم ح5.
(13) سورة عبس: 1-2.
(14) مشكاة الأنوار: ص59.
(15) مستدرك الوسائل: ج15 ص261 ب16 ضمن ح18183.
(16) غوالي اللآلي: ج1 ص361 ح43.
(17) الكافي: ج2 ص262-263 باب فضل فقراء المسلمين ح11.
(18) سورة البقرة: 228.
(19) سورة الأحزاب: 35.
(20) دعائم الإسلام: ج2 ص158 ف1 ح560.
(21) مستدرك الوسائل: ج14 ص250 ب66 ح16619.
(22) غوالي اللآلي: ج1 ص254 ف10 ح12.
(23) مستدرك الوسائل: ج14 ص252 ب68 ح16627.
(24) تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): ص50 ح24.
(25) سورة النساء: 1.
(26) سورة المؤمنون: 12 - 14.
(27) راجع موسوعة الفقه: كتاب العقائد ص 58، للإمام المؤلف (.
(28) سورة البقرة: 65.
(29) وسائل‏ الشيعة: ج24 ص109 ح30100.
(30) سورة الطارق: 5 - 8.
(31) سورة الحجرات: 13.
(32) سورة آل عمران: 195.
(33) سورة الروم: 30.
(34) سورة الأعراف: 189.
(35) عن العباس بن عبد المطلب قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (يا عم يملك من ولدي إثنا عشر خليفة ثم تكون أمور كريهة وشدائد عظيمة ثم يخرج المهدي (عليه السلام) من ولدي يصلح الله أمره في ليلة فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ويمكث في الأرض ما شاء الله ثم يخرج الدجال(. كشف الغمة: ج2 ص505.
(36) سورة الإسراء: 70.
(37) سورة البقرة: 34.
(38) سورة البقرة: 22.
(39) سورة الأنعام: 165.
(40) سورة النحل: 11 - 15.
(41) راجع شرح رسالة الحقوق: ص94، وفيه: (إن لنفسك عليك حقاً).
(42) الكافي: ج5 ص63 ح3.
(43) سورة سبأ: 24.
(44) سورة النساء: 172.
(45) راجع جامع الأخبار: ص183، ومعدن الجواهر : ص21.
(46) سورة الكهف: 110.
(47) مكارم الأخلاق: ص438.
(48) ديوان الإمام علي (عليه السلام): ص24.
(49) خلاصة عبقات الأنوار: ج3 ص311.
(50) راجع مستدرك الوسائل: ج5 ص10 ح5245.
(51) مكارم الأخلاق: ص16، وبحار الأنوار: ج16 ص229.
(52) بحار الأنوار: ج38 ص334 ح8.
(53) مستدرك الوسائل: ج16 ص228 ح19674.
(54) بحار الأنوار: ج24 ص397 ح119.
(55) الكافي: ج7 ص259 ح23.
(56) مكارم الأخلاق: 16.
(57) مستدرك الوسائل: ج16 ص227 ح19670.
(58) مكارم الأخلاق: ص17.
(59) سورة النساء: 135.
(60) سورة التوبة: 71.
(61) سورة الأحزاب: 58.
(62) سورة الأحزاب: 73.
(63) سورة الفتح: 5.
(64) سورة نوح: 28.
(65) سورة البروج: 10.
(66) سورة النساء: 1.
(67) سورة آل عمران: 195.
(68) سورة الأحزاب: 35-36.
(69) سورة البقرة: 228.
(70) راجع تفسير تقريب القرآن للمؤلف (: ج2 ص80، وفيه: (فإن بيده الطلاق وله عليها الطلاق).
(71) سورة النور: 30-31.
(72) سورة التوبة: 71.
(73) سورة المجادلة: 1، وراجع تفسير تقريب القرآن: ج28 ص14 وفيه: (قد سمع الله قول المرأة التي? ? تجادلك( أي تراجعك وتتكلم معك يا رسول الله (في( أمر (زوجها( واسم المرأة خولة واسم زوجها أوس (وتشتكي إلى الله( حالها وما نزل بها من المكروه (والله يسمع تحاوركما( أي تخاطبكما أنتما يا رسول الله ويا أيتها المرأة (إن الله سميع( يسمع الكلام (بصير( يبصر الأحوال، فأنتما باطلاعه سبحانه استماعا وإبصارا.
(74) سورة البقرة: 282.
(75) راجع مجلة (المجلة): العدد 1002 ص5، وفيها: إن خروج المرأة للعمل قد أضر بأفراد أسرتها، وبالاقتصاد، وقبل كل شيء أضرّ بنفسيّتها. ولهذا نحث على تعليم المرأة، وبقائها
في البيت لتربية أولادها... ولايخفى على أحد النتائج السلبية لوجود الخادمــــات على تربيــــة? ?الأولاد، ومدى الهدر الحاصل في المياه والكهرباء وحتى المواد الغذائية الذي يتم على أيدي الخادمات عن جهل وإهمال. هذا عدا الاعتماد الشديد على الخادمة من قبل الأولاد والزوج لدرجة التعلق بها، وقصص هذا التعلق موجودة حولنا ونراها في تصرفات الأبناء الذين يصابون بالاكتئاب لغياب الخادمة ولا يؤثر فيهم غياب أو سفر الأم، وبتصرفات قلة من الأزواج الذين تزوجوا بخادماتهم. أما على صعيد المرأة ذاتها التي خرجت للعمل فإن سلبيات خروجها تتمثل بتحملها لضغوط نفسية في العمل وفي البيت مما يجعلها عصبية المزاج ومقصرة في المكانين (عملها والمنـزل). وحتى حصولها على راتب يرفع من مستوى الأسرة اقتصاديا فإنه يؤدي إلى هدره أو هدر جزء كبير منه في رواتب وتذاكر سفر للخدم ومتطلبات العمل من سيّارة وملابس واضطرار الأسرة إلى الاستعانة بالمطاعم. وبسبب حالة المرأة العصبية في كثير من الأحيان ارتفعت نسبة الطلاق في دول مجلس التعاون الخليجي بشكل مخيف، وعلى صعيد المرأة العاملة غير المتزوجة ارتفعت نسبة العنوسة وتأخر سن الزواج لدى المرأة. وبسبب اعتماد الأم العاملة على الخدم أصبحت الأم العصرية لا تحسن أداء أهم أعمال المرأة الضرورية كالطبخ والكي وبعض أعمال الخياطة البسيطة التي تتقنها أمهاتنا. أما على الصعيد الاقتصادي المتعلق بالدولة فإن خروج المرأة للعمل حرم الشباب من الحصول على وظيفة، وانتشرت البطالة في العديد من الدول الإسلامية والأجنبية على حد سواء. ففي الكويت فقط وصل عدد العاملات من الإناث الكويتيات في القطاع الحكومي فقط إلى أكثر من (52) ألف موظفة مقابل(58) ألف موظف من الذكور. ومئات العاطلين عن العمل من الرجال، تبعا لإحصائية عام (1998م). ولا ننسى أن خروج المرأة للعمل واضطرارها إلى الاستعانة بالخدم أربك الدولة في جهودها لتعديل التركيبة السكانية، فحجم الخدم يكاد يصل إلى نصف حجم العمالة غير الكويتية في الكويت. وهذه العمالة تتطلب توسيع الخدمات التي تقدمها الدولة من مرافق صحية وغيرها لتتناسب مع زيادة تلك العمالة الهامشية..
(76) سورة الأعراف: 65، وسورة هود: 50.
(77) سورة ق: 13.
(78) سورة الأعراف: 73، وسورة هود: 61.
(79) مستدرك الوسائل: ج12 ص424 ح14506.
(80) سورة التوبة: 128.
(81) سورة آل عمران: 159.
(82) سورة الفتح: 29.
(83) شرح نهج البلاغة: ج14 ص122 ف3 قصة غزوة بدر.
(84) راجع قرب الإسناد: ص170، وفيه: وأهل مكة كانوا أسرى فأعتقهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: (أنتم الطلقاء(، للتفصيل راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) للإمام المؤلف (أعلى الله مقامه).
(85) بحار الأنوار: ج68 ص382 ح17.
(86) سورة النساء: 58.
(87) سورة النساء: 135.
(88) سورة المائدة: 8.
(89) سورة الأنعام: 115.
(90) سورة الأنعام: 152.
(91) سورة النحل: 90.
(92) سورة الشورى: 15.
(93) سورة الحجرات: 9.
(94) مستدرك الوسائل: ج17 ص350 ح21549.
(95) مستدرك‏ الوسائل: ج11 ص317 ح13145.
(96) غرر الحكم ودرر الكلم: ص99 ح1699.
(97) غرر الحكم ودرر الكلم: ص99 ح1696.
(98) مستدرك‏ الوسائل: ج11 ص318 ح13146.
(99) غرر الحكم ودرر الكلم: ص236 ح4757.
(100) بحار الأنوار: ج101 ص276.
(101) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص106 ح3426.
(102) بحار الأنوار: ج41 ص56 ح6.
(103) سورة الرحمن: 10.
(104) سورة البقرة: 29.
(105) سورة الحج: 65.
(106) سورة لقمان: 20.
(107) سورة الجاثية: 13.
(108) النص والاجتهاد: ص359.
(109) سورة المائدة: 8.
(110) سورة البقرة: 253.
(111) سورة الأنعام: 86.
(112) سورة الإسراء: 55.
(113) سورة النمل: 15-16.
(114) سورة سبأ: 10.
(115) راجع نهج البلاغة: الخطب 94. وراجع أيضا بحار الأنوار: ج46 ص206 ح83.
(116) انظر كتاب (الفقه: المقدمة / كتاب العقائد) للإمام المؤلف (.
(117) انظر كتاب (الفقه: البيع) المجلد الرابع والخامس.
(118) راجع تفسير القمي: ج2 ص194، وفيه: عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال في قوله: (وما كان لمؤمن? ? ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم( (وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خطب على زيد بن حارثة زينب بنت جحش الأسدية من بني أسد بن خزيمة وهي بنت عمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رسول الله حتى أؤامر نفسي فأنظر، فأنزل الله: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة( سورة الأحزاب: 36. فقالت: يا رسول الله أمري بيدك فزوجها إياه فمكثت عند زيد ما شاء الله(.
(119) راجع بحار الأنوار: ج42 ص160ح31.
(120) راجع كتاب الزهد: ص60، وفيه: عن زرارة عن أحدهما (الإمام الباقر أو الإمام الصادق () قال: إن علي بن الحسين (عليه السلام) تزوج أم ولد عمه الحسن وزوج أمّه مولاه فلما بلغ ذلك عبد الملك بن مروان كتب إليه يا علي بن الحسين كأنك لا تعرف موضعك من قومك وقدرك عند الناس تزوجت مولاة وزوجت مولاك بأمك فكتب إليه علي بن الحسين (عليه السلام): (فهمت كتابك ولنا أسوة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد زوج زينب بنت عمه زيدا مولاه وتزوج مولاته صفية بنت حي بن أخطب(.
(121) وسائل الشيعة: ج15 ص107 ح20079.
(122) راجع بحار الأنوار: ج22 ص117 ب37 ح89 وفيه: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية.
(123) راجع إرشاد القلوب: ج1 ص32.
(124) وسائل الشيعة: ج27 ص33 ح33144.
(125) سورة الأنبياء: 28.
(126) مستدرك الوسائل: ج2 ص309 ح2052.
(127) من لا يحضره الفقيه: ج2 ص217 ح2211.
(128) من لا يحضره الفقيه: ج1 ص231 ح696.
(129) راجع الكافي: ج8 ص101 ح72.
(130) سورة الكهف: 110، وسورة فصلت: 6.
(131) الكافي: ج5 ص568 ح54.
(132) سورة الحجرات: 13.
(133) سورة الأنبياء: 28.
(134) سورة البقرة: 255.
(135) سورة الحجرات: 13.
(136) سورة الإسراء: 70.
(137) راجع جامع الأخبار: ص183، ومعدن الجواهر: ص21.
(138) شرح اللمعة: ج64 ص221.
(139) شرح اللمعة: ج64 ص221.
(140) سورة البقرة: 256.
(141) نهج البلاغة: الرسائل 14.
(142) راجع وسائل الشيعة: ج23 ص59 ب33 باب تأكد استحباب عتق المملوك المؤمن بعد سبع سنين وكراهة استخدامه بعدها، وبعد العشرين آكد وأن من ضرب مملوكه استحب له عتقه.
(143) كتاب العين: ج1 ص262 مادة (شعب).
(144) مجمع البحرين: ج2 ص91 مادة (شعب).
(145) تاريخ الشعوب الإسلامية: ص138.
(146) سورة الحجرات: 13.
(147) جامع الأخبار: ص183.
(148) سورة البقرة: 228.
(149) سورة النساء: 1.
(150) راجع مفردات غريب القرآن، للراغب الأصفهاني: 140.
(151) لسان العرب: ج14 ص216 مادة (حيا).
(152) سورة الحجرات : 13.
(153) مستدرك الوسائل: ج8 ص60 ح9670.
(154) سورة الحجر: 34-35.
(155) علل الشرائع: ج1 ص102 ح1.
(156) سورة هود: 69.
(157) سورة الصافات: 130.
(158) سورة مريم: 33.
(159) سورة النساء: 86.
(160) سورة النور: 61.
(161) سورة النساء: 94، وراجع في سبب نزول الآية مستدرك الوسائل: ج16ص79 ح19207،وفيه:? ? عن علي بن إبراهيم في تفسيره، في قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا( الآية، إنها نزلت لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من غزاة خيبر وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام، كان رجل من اليهود يقال لـه مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى، فلما أحس بخيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع أهله وماله في ناحية الجبل فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمر به أسامة بن زيد فطعنه فقتله، فلما رجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبره بذلك، فقال لـه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (قتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله(، فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذاً من القتل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (فلا كشفت الغطاء عن قلبه، ولا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت(، فحلف أسامة بعد ذلك أن لا يقتل أحداً شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأنزل في ذلك: (ولا تقولوا..( الآية، وكان ذلك سبب تخلفه عن حروب أمير المؤمنين (عليه السلام).
(162) سورة النساء: 86.
(163) بحار الأنوار: ج81 ص274.
(164) سورة النور: 27.
(165) سورة الذاريات: 24-25.
(166) سورة النساء: 86.
(167) بحار الأنوار: ج81 ص274.
(168) بحار الأنوار: ج16 ص258.
(169) سورة مريم: 15.
(170) سورة مريم: 33.
(171) بحار الأنوار: 6 ص158 ح18.
(172) مستدرك الوسائل: ج8 ص358 ح9661.
(173) غرر الحكم ودرر الكلم: ص435 ح9947.
(174) غرر الحكم ودرر الكلم: ص435 ح9945.
(175) مستدرك الوسائل: ج8 ص371 ح9703.
(176) غرر الحكم ودرر الكلم: ص435 ح9946.
(177) غرر الحكم ودرر الكلم: ص435 ح9943.
(178) مستدرك الوسائل: ج8 ص454.
(179) وسائل الشيعة: ج24 ص287 ح30564.
(180) الكافي: ج2 ص646 ح12.
(181) مستدرك الوسائل: ج8 ص358 ح9659.
(182) وسائل الشيعة: ج12 ص57 ح15636.
(183) بحار الأنوار: ج3 ص42 ح44.
(184) مستدرك الوسائل: ج9 ص63 ح10210.
(185) الكافي: ج2 ص179.
(186) كشف الغمة: ج2 ص198.
(187) الكافي: ج2 ص183 باب المعانقة ح1.
(188) بحار الانوار: ج73 ص42.
(189) الكافي: ج2 ص185.
(190) بحار الأنوار: ج73 ص42 ح43.
(191) الكافي:ج2 ص185.
(192) سورة آل عمران: 61.
(193) سورة الأحزاب: 33.
(194) سورة الحج: 32.
(195) سورة الحج: 30.
(196) مستدرك الوسائل: ج9 ص65.
(197) راجع مستدرك الوسائل: ج9 ص159 ح10551.
(198) مستدرك الوسائل: ج9 ص65 ح10216.
(199) وسائل الشيعة: ج12 ص227 ح16158.
(200) تحف العقول: ص176.
(201) بحار الأنوار: ج44 ص357.
(202) سورة الأعراف: 172.
(203) اليقين، السيد ابن طاووس الحسني: ص388.
(204) الصراط المستقيم: ج1 ص106.
(205) الكافي: ج3 ص229.
(206) سورة النساء: 86.
(207) الجعفريات: ص174.
(208) الكافي: ج2 ص183 ح1.
(209) بحار الأنوار: ج73 ص41 ح41.
(210) الكافي: ج2 ص183 ح21.
(211) وسائل الشيعة: ج12 ص56 ح15636.
(212) بحار الأنوار: ج33 ص247 ح523.
(213) مستدرك الوسائل: ج6 ص328 ح6923.
يتبع