الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

السلم والسلام الإداري

مقومات السلم الإداري

السلم والسلام الإداري في كل مصاديقه بدء من إدارة العباد والبلاد (أي الحكومة) وانتهاء بإدارة مؤسسة صغيرة أو أسرة لا تتجاوز الزوجين، بحاجة إلى مقومات وشروط نشير إلى بعضها، أما التفصيل ففي علم الإدارة.

الحب أساس السلم

مسألة: إن الحب والاحترام المتبادل بين المدير والمدار، والمسؤول والمسؤول عليه، وبين الحاكم وشعبه هو من أسس السلم والسلام الإداري، فينبغي لكل مدير أن يقوم بما يوجب تثبيت هذه المحبة بينه وبين من يرتبط به في إدارته.
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن أعرابياً من بني تميم أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لـه: أوصني فكان مما أوصاه تحبب إلى الناس يحبوك»(1).
وقال (عليه السلام): «التودد إلى الناس نصف العقل»(2).
وقال (عليه السلام): «رأس العقل بعد الإيمان التودد إلى الناس واصطناع الخير إلى كل بر وفاجر»(3).
وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «أشرف الشيم رعاية الود وأحسن الهمم إنجاز الوعد»(4).
وإذا أراد الإنسان أن يحبه الناس فعليه أن يواظب على الأمور التالية، فإنها من مصاديق السلم وموجبات السلام بالمعنى الأعم، وقد تكون النسبة بين بعض هذه الأمور عموما وخصوصا مطلقا أو من وجه.

المعاملة الحسنة والحسنى

إن معاملة الفرد بأحسن مما يستحق، من أفضل الوسائل لكسب ثقته ودفعه نحو العمل والتضحية في سبيله، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «قواعد الإسلام سبعة فأولها: العقل وعليه بني الصبر، والثاني: صون العرض وصدق اللهجة، والثالث: تلاوة القرآن على جهته، والرابع: الحب في الله والبغض في الله، والخامس: حق آل محمّد ومعرفة ولايتهم، والسادس: حق الأخوان والمحاماة عليهم، والسابع: مجاورة الناس بالحسنى»(5).
وقال تعالى: ( وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا((6).

الاهتمام بالآخرين

الاهتمام الصادق بمن تديره من مصاديق السلام قولاً وعملاً، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم»(7).

التواضع الإداري

التواضع من المدير من موجبات السلم والسلام الإداري.
كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «التواضع يكسبك السلامة»(8).
وقال (عليه السلام): «وجيه الناس من تواضع مع رفعة وذل مع منعة»(9).
وفي تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قال (عليه السلام): «أعرف الناس بحقوق إخوانه وأشدهم قضاء لها أعظمهم عند الله شأنا، ومن تواضع في الدنيا لإخوانه فهو عند الله من الصديقين من شيعة علي بن أبي طالب (عليه السلام) » الخبر(10).

إعانة الغير

إعانة غيرك في أمر دينه ودنياه من موجبات السلم الإداري.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «من خالص الإيمان البر بالإخوان»(11).
وعنه (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من أعان مؤمنا نفس الله عزوجل عنه ثلاثاً وسبعين كربة واحدة في الدنيا وثنتين وسبعين كربة عند كربه العظمى،قال (عليه السلام): حيث يتشاغل الناس بأنفسهم»(12).

القول اللين

لين الكلام من مقومات السلم الإداري، عن إبراهيم بن العبّاس قال: (ما رأيت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) جفا أحداً بكلامه)(13).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن من الكرم لين الكلام»(14).
وقال الإمام الحسن (عليه السلام): «من المروة لين الكلام»(15).
وقال تعالى في وصف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ( (16).

التبسم للناس

الرجل الباسم رجل ناجح في إدارته عادة.. أما الرجل العابس فلا يوفق غالبا حتى في فتح دكان صغير.
قال الإمام الرضا (عليه السلام): «واجتهد أن لا تلقى أخا من إخوانك إلا تبسمت في وجهه، وضحكت معه في مرضاة الله، فإنه نروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: من ضحك في وجه أخيه المؤمن تواضعا لله جل وعز أدخله الجنة»(17).
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «تبسم المؤمن في وجه المؤمن حسنة»(18).

اسم الفرد

إن اسم الإنسان من أحلى الأشياء لصاحبه ومن أعزها على قلبه، فعلى المدير أن يتعرف على الرجل ويسجل اسمه الكامل وطبيعة عمله وأهله وأولاده ومسكنه، فإذا ما التقاه مرة ثانية يكون قادرا على سؤاله عن عمله وأولاده وبيته، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا أحب أحدكم أخاه المسلم فليسأله عن اسمه واسم أبيه واسم قبيلته وعشيرته فإن من حقه الواجب وصدق الإخاء أن يسأله عن ذلك وإلا فإنها معرفة حمق»(19). وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ثلاثة من الجفاء: أن يصحب الرجل الرجل فلا يسأله عن اسمه وكنيته...»(20).

المشتركات

إذا أراد المدير قبول الناس لأسلوبه في التفكير والعمل فعليه أن يبدأ مع غيره بالمشتركات فيما بينهم وهذه من أساليب المحبة والصداقة، ولا يبدأ الحديث بالأمور المختلف عليها، بل بالأمور المتفق عليها.
قال تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ((21).

الثقة بالنفس

ينبغي للمدير أن ينمي حالة الثبات والثقة بالنفس لدى الفرد بغية دفعه إلى العمل وبذل الجهد الأقصى، حيث إن فقدان الثبات يحطّم انطلاق النفوس، ويقتل روح المبادرة، ويخلق رجالاً سلبيين غير منتجين.

الحرية الإدارية

ينبغي للمدير الناجح اتباع سياسة الحرية الإدارية الصحيحة، فلا يكون مستبدا يفرض رأيه على الأفراد، فيوجد الرغبة في اختيار الطريق الأحسن اللازم سلوكه للوصول إلى الهدف، ولذا فإن على المسؤول أن يترك لمرؤوسيه بعض الحرية في اختيار الوسيلة التي توصلهم إلى الهدف.

الحكمة والموعظة الحسنة

على المدير أن يطبق ما جاء به الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) مقتدين بسيرتهم العطرة في إنقاذ الناس من براثن الشيطان وحزبه، حيث كانت السيرة على الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، كما قال سبحانه وتعالى:(ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ((22).

المعنويات

على المدير أن يستعين بالله دائما ويدعو الله عزوجل لكي يوفقه في إدارته.
كما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أكثر الاستعانة بالله يكفك ما أهمك ويعنك على ما ينزل بك إن شاء الله»(23).
وكذلك التوسل بأولياء الله الطاهرين (عليهم السلام) وقراء المأثور من الأدعية، كما عن سماعة قال: قال لي الإمام أبو الحسن (عليه السلام): «إذا كان لك يا سماعة عند الله حاجة فقل: اللهم إني أسألك بحق محمد وعلي فإن لهما عندك شأنا من الشأن وقدرا من القدر، فبحق ذلك الشأن، وبحق ذلك القدر أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا»(24).
وعن الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) في تفسيره، عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إن الله سبحانه وتعالى يقول: عبادي من كانت لـه إليكم حاجة فسألكم بمن تحبون أجبتم دعاءه، ألا فاعلموا أن أحب عبادي إلي وأكرمهم لدي محمد وعلي حبيبـي ووليي، فمن كانت له حاجة إلي فليتوسل إلي بهما، فإني لا أرد سؤال سائل يسألني بهما وبالطيبين من عترتهما، فمن سألني بهم فإني لا أرد دعاءه، وكيف أرد دعاء من سألني بحبيبـي وصفوتي ووليي وحجتي وروحي ونوري وآيتي وبابي ورحمتي ووجهي ونعمتي، ألا وإني خلقتهم من نور عظمتي وجعلتهم أهل كرامتي وولايتي، فمن سألني بهم عارفا بحقهم ومقامهم أوجبت لـه مني الإجابة وكان ذلك حقاً علي»(25).

العفو عن الخطيئة

على المدير أن لا يعادي الفرد لخطيئته، بل يحبه ويعفو عنه، بل ويحسن إليه،لأن «صنائع المعروف وحُسن البشر يكسبان المحبة ويدخلان الجنة»(26) كما قال الإمام أبو جعفر (عليه السلام).

حسن الخلق

حسن الخلق من أفضل السبل للقضاء على الأخطاء الإدارية، سواء من المدير أم من الأفراد، وهي توجب المحبة.
عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): «إن الخلق الحسن يميث الخطيئة كما تميث الشمس الجليد»(27). ويقول الإمام الحسن بن علي (عليه السلام): «إن أحسن الحسن الخلق الحسن»(28).
فليس هنالك أوامر منتجة بدون محبة، والإكراه قادر على تأمين التنفيذ المباشر لمهمة معينة، ولكنه عاجز عن تأمين رضا النفوس والقلوب اللازم لكل مسؤول يريد أن ينجز مهمته بكاملها، ولا يشعر الموظفون بهذا الرضا إلا إذا تأكدوا بأن مسؤولهم يكنّ لهم حباً عميقاً مخلصاً، ورغبة أكيدة في سبيل الهدف الجماعي فإذا ما تحقق ذلك بذلوا كل إمكاناتهم، وقاموا بأعمال جبّارة، وهنا يستطيع المسؤول أن يطلب منهم كل شيء، وهنا فقط يستطيع أن يعتبر نفسه مسؤولاً حقيقياً، فإنه لا يمكن الهيمنة على الرجال إن لم يستطع الإنسان من الهيمنة على قلوبهم، قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
«قلوب الرجال وحشية فمن تألفها أقبلت عليه»(29).

الكلام الطيب

إن كلاماً طيباً خارجاً عن قلبٍ طيب أفضل من عقل راجح مشرّبٍ بالقسوة،كما قال سبحانه وتعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطّيّبُ((30).
وقال: (وَهُدُوَاْ إِلَى الطّيّبِ مِنَ الْقَوْلِ((31).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الكلمة الطيبة صدقة»(32).
وقال علي (عليه السلام): «من حسن كلامه كان النجح أمامه»(33).

طيب القلب

يرى المدير طيب القلب الأمور من زواياها الحسنة، فإن ناقش نظرية بحث عن لب الحقيقة، وإن حكم على تصرفات شخص حمَّلها من الأشياء الحسنة ما قد لا يكون فيها، مفترضاً إن هذا الشخص قد أراد القيام بالشيء الكثير فمنعته ظروفه الخاصة، عاملاً بوصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لمحمد بن الحنفية التي جاء فيها قوله (عليه السلام): «لا تصرم أخاك على ارتياب ولا تقطعه دون استعتاب لعل له عذراً وأنت تلوم، اقبل من متنصل عذراً صادقاً كان أو كاذباً فتنالك الشفاعة»(34).
إننا نرى الأشياء حسب طبيعة نفوسنا، فمن كان طيب القلب رأى كل ما يحيط به طيباً كما ورد عن علي (عليه السلام): «لا يصدر عن القلب السليم إلا المعنى المستقيم»(35)، ويقول الشاعر:
ولكن عين السخط تبدي المساويا
وعين الرضا عن كل عيب كليلة

فن المناقشة

حاولوا عند مناقشة شخص متوتر الأعصاب أن تطرحوا عليه سؤالاً يجيب عنه بكلمة (نعم) أو (لا)، فهذا اللفظ كاف لتخفيف حدته، وخففوا الضغط عن أعصابه بتذكيره بالأعمال الحسنة التي قام بها، وحافظوا على هدوئكم، وخذوا الأمور بالحكمة، يقول الإمام علي (عليه السلام): «أحسن تسترق»(36)، وحاولوا كشف سر الاختلاف، وادخلوا مع المخالفين في محادثة هادئة تضع النقاط على الحروف، وتزرع الثقة من جديد، فيعود التفاهم وتزول الخلافات، فالمسؤول الواعي قادر على حل المخالفات بكل سهولة وحكمة وتعقل، كما قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما قسم الله سبحانه بين عباده شيئاً أفضل من العقل»(37). فالحكمة ضرورية لتبيان إمكاناتهم الحقيقية، وتسليمهم صلاحيات تلائم مواهبهم.

الحزم بعيدا عن العنف

هناك أشخاص لديهم حالات شكوى اعتباطية تنجم غالباً عن صدمة نفسية منذ الطفولة، فهم يرغبون في الحصول على كل شيء، ويهدفون إلى إرضاء نزواتهم التي كُبتت بقسوة في طفولتهم، والتي تتمثل بطلب الجوائز والعطل الإضافية والرتب والعلاوات، فإنهم عادة أشخاص قلقون، وهذا ما يشدهم إلى مصالحهم الخاصة، حتى يصبحوا غير قادرين على فهم وجهة نظر الآخرين، وتبلغ الشكوى والتذمر عند بعضهم درجة الاستمرارية، فلا يشعرون بأنفسهم ووجودهم إلاّ إذا تذمروا، فخذوا طريق الحزم معهم واعتمدوا عند الضرورة على القانون والأنظمة الشرعية، واقرؤوا لهم بصوت عال نصاً قانونياً يؤيد رفضكم لطلباتهم الاعتباطية، فللوثائق المكتوبة تأثير أكبر على النفوس من الكلام الشفهي، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «قيدوا العلم بالكتابة»(38)، وأن «القلب يتَّكل على الكتابة»(39) كما قال أبو عبد الله (عليه السلام).

النظر إلى الجميل

لكل حادثة وجهان: جميل وقبيح، فلماذا ننظر إلى القبح دون أن نلتفت إلى الجمال، كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «الجمال الظاهر حسن الصورة، الجمال الباطن حسن السريرة»(40). وورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من أحصى على أخيه المؤمن عيباً ليعيبه به يوماً ما كان من أهل هذه الآية، قال الله عزوجل:(إِنّ الّذِينَ يُحِبّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ((41) الآية»(42).

حسن التفاؤل

لنكن متفائلين فالمتشائم يخاف من كل شيء ويتردد فلا يصل إلى هدف، وهو ينتظر القرار واقفاً بلا حراك، وفي الحديث: «إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحب الفأل الحسن ويكره الطيرة»(43). أما ادّعاء البعض أنّ المتفائل رجل سخيف يعرض نفسه للمتاعب دون تفكير فهو خطأ، فالحقيقة أن من الحكمة أن نكون متفائلين، عندما يكون هناك مجال للتشاؤم.

النقد البناء

يكون النقد مفيداً، إذا صدر عن وجدان حي، كما عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: (وَقُولُواْ لِلنّاسِ حُسْناً((44) قال (عليه السلام): «قولوا للناس أحسن مما تحبون أن يقال فيكم»(45)، ويكون النقد مفيداً أيضا إذا سعى إلى البناء والإصلاح، والنقد الممتاز هو ما كان لبقاً في لفظه، بنّاءً في غايته، والعكس إذا صدر عن نفس مملوءة بالحقد فإنه سيؤدي إلى التخريب والهدم، حتى لو كان لبقاً وبألفاظ مختارة، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لينصح الرجل منكم أخاه كنصيحته لنفسه»(46).

السؤال عن الفرد ومتاعبه

الرئيس الجيد هو الذي إذا استدعى أحد مرؤوسيه أو صادفه بدأه بالسؤال عن قضاياه الشخصية ومتاعبه، عملاً بما ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «جمال الأخوة إحسان العشرة والمواساة مع العسرة»(47)، ثم حادثه في قضايا العمل.

المعاملة الإنسانية

تخلق معاملة الرئيس الإنسانية لمرؤوسيه جواً من الثقة والألفة، وتخفف كثيراً من متاعب المهنة، وتسمح بحل القضايا الشائكة بهدوء، وبتفهم القرارات والتوجيهات بشكل أفضل، وتساعد على نشر فكرة التعاون والمحبة.
إضافة إلى أن الدماثة والهدوء خير ملطف لجو المناقشات، فتجنبوا الجفاء مع الزملاء، كما يقول أبو عبد الله (عليه السلام): «الجفاء في النار»(48)، وابتعدوا عن الجدال إذا كان يفرق بينكم، فإنه وكما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما ضل قوم إلا أوثقوا الجدل»(49)، ولذا فأنتم في أمسّ الحاجة إلى الاتحاد والتعاون، كما جاء عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) قال:«تبتنى الأخوة في الله على التناصح في الله،والتباذل في الله،والتعاون على طاعة الله، والتناهي عن معاصي الله، والتناصر في الله، وإخلاص المحبة»(50).
وعن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل، والتعاون على التعاطف، والمواساة لأهل الحاجة، وتعاطف بعضهم على بعض، حتى تكونوا كما أمركم الله عزوجل رحماء بينكم متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم، على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) »(51).

تفهم المسيء

إن محاولة تفهّم المسيء ومداراته رغم خطأه يجعله يتبدل بسرعة بعد ذلك، وإن التصرف على هذا النحو ليس جبناً أو ضعفاً، إنه قوة تقهر الشيء السيئ إلى الحسن، قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يكون أخوك على الإساءة إليك أقوى منك على الإحسان إليه»(52).
وإن نفوس الناس كنفوسنا بحاجة إلى المحبة والعطف والتفهم، و«نظر المؤمن في وجه أخيه المؤمن للمودة والمحبة لـه عبادة»(53) كما يوصينا الإمام زين العابدين (عليه السلام).

 مع النفوس القلقة

ينبغي على المسؤول أن يظهر لمرؤوسيه ما يدل على رغبته في مساعدتهم لحل متاعبهم، فإن النفوس القلقة الغاضبة تحتاج لمن يستمع إليها والابتسامة تملأ محياه.
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كرب الآخرة وخرج من قبره وهو ثلج الفؤاد»(54).
وقال أبو جعفر (عليه السلام): «من مشى في حاجة أخيه المسلم أظله الله بخمسة وسبعين ألف ملك، ولم يرفع قدما إلا كتب الله له بها حسنة وحط عنه بها سيئة ويرفع له بها درجة فإذا فرغ من حاجته كتب الله عزوجل له بها أجر حاج ومعتمر »(55).

الحوادث الشخصية للفرد

يعتبر الإنسان الحوادث الشخصية التي تمر به، كالترفيع والتعيين والنقل والولادة والوفاة، أُموراً هامة، والرئيس الذكي هو من يُعلِّق على هذه الحوادث ولو بكلمة تشجيع أو تهنئة أو تعزية، فيشد بذلك أواصر المحبة، ويثير في النفوس شعوراً بتبادل العواطف، وإن التكلم مع المرؤوس وتفهمه يخلق شعوراً ضمنياً بأن قضاياه الخاصة معروفة ومدروسة لتنفيذها ضمن حدود الإمكانات، ودون الخروج عن خط المصلحة العامة. قال أبو عبد الله (عليه السلام): «للمسلم على أخيه المسلم من الحق أن يسلم عليه إذا لقيه، ويعوده إذا مرض، وينصح لـه إذا غاب، ويسمته إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه، ويتبعه إذا مات»(56).

لا للقنوط

لا يستطيع الرئيس، مهما استخدم من وسائل ومهما كان عبقرياً، أن يكسب قلوب مرؤوسيه كافة، إذ يبقى بعضهم منكمشاً جامداً فيقنط ويفقد حماسته، فعلى المدير معالجة هذا القنوط بمستوى الإنسانية، لاستعادة جو ملائم للعمل مشبع بالدماثة والعطف، فإنه السبيل الأمثل لتماسك المجموعة والاندفاع بحماس نحو عمل أكفأ وأوسع إنتاجية.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «قتل القنوط صاحبه»(57).
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «الكبائر القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله»(58) الحديث.

مع الحسنات والسيئات

السيئات أكثر ظهوراً من الحسنات، وهذه ظاهرة بشرية طبيعية ومعروفة، لأن الأعمال الحسنة تبدو مع التكرار طبيعية، بينما تكرار الأعمال السيئة تسبب فقدان الصبر، ولتلافي ذلك يجب أن يعمل المسؤول بين آونة وأخرى مقارنةً بحسنات المرؤوسين وسيئاتهم، فإن رجحت كفة الحسنات نظر إلى السيئات بعين الرحمة، وإن رجحت كفة السيئات حاول جاهداً تحسين الوضع، وليضع قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «من كثر إحسانه كثر خدمه وأعوانه»(59) نُصبَ عَينَيهِ في خدمة الهدف المقدس لتوثيق العلاقات الحسنة بين المرؤوسين، ولقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام): «عجبت لمن يشتري العبيد بماله فيعتقهم كيف لا يشتري الأحرار بإحسانه فيسترقهم»(60).

احترام المسؤولين

لا تؤنبوا رئيس مصلحة أمام مرؤوسيه، حتى لا تضعفوا شخصيته، فتقاد الجماعة إلى فوضى وخيمة، يقول الشاعر:
لا تهن من عظيم قدر وإن كنـ ***ت مشاراً إليه في التعظيم
فاللبيب الكريم ينقص قدرا*** التعدي على اللبيب الكريم

مواهب المساعدين

ينسى كثير من الرؤساء أهمية احترام مواهب المساعدين وإمكاناتهم وحدود عملهم. فعلى المسؤول أن يظهر بدعم مساعديه، والدفاع عنهم، والتحدث بلسانهم، وشرح آرائهم، وعدم التضحية بهم لإرضاء الآخرين.

عدم التدخل في صلاحيات الآخرين

من موجبات السلم الإداري عدم التدخل في صلاحيات الآخرين، فهنالك أمور سلبية تثبط همم المساعدين يجب تجنبها، كالتدخل في حدود عملهم بدون مناسبة، أو مكافأة ومعاقبة العناصر التابعين لهم دون استشارتهم، أو تجريدهم من بداهتهم، أو اعتبار أفكارهم وآرائهم عقيمة دون دراسة، أو إلقاء أخطاء المسؤول على عاتقهم.

السلطة لا تعني القسوة

إن من الخطأ الاعتقاد بأن الرحمة والأدب والاحترام تتنافى مع السلطة، إذ أن السلطة الحقة لا تبنى إلاّ على المحبة الناجمة عن العدل والرحمة والإنسانية.
يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»(61).

كن قاسيا على نفسك

المسؤول الطيب القلب هو مَن كان قاسياً على نفسه، فيعتبر المتاعب ناجمة عن أخطائه، رحيماً مع مرؤوسيه يعتبر أخطاءهم متاعب فيسعى إلى تخفيفها، يتخلق بأخلاق القرآن الكريم الذي يقول:
(فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتَوَكّلِينَ((62).

الشعبية

النفس العظيمة نفس حرة لينة أليفة شعبية متواضعة، يحترمها الناظر إليها عن قرب أو بعد، ويزداد احترامه بازدياد الاحتكاك معها، ثم تعود إلى طبيعتها بدون عناء.. نفس يقترب منها الآخرون ببساطة واحترام، يدفعهم إلى ذلك محبة محاطة بالإعجاب، فعلى المدير أن يتحلى بهذه النفس فإنها من مقومات السلام الإداري.

دور الرؤساء

ترتفع قيمة المجموعات البشرية أضعافاً إذا تهيأ لها رؤساء يحترمونها ويقدرونها، كما أنها تفقد قسماً من قدرتها إذا عملت مع رؤساء لا يكنون لها مثل هذه المشاعر التقديرية. فعلى المدير أن يعرف دوره ويقدر المرؤوسين ويحترمهم.

 لا تبخسوا الناس أشياءهم

لا يقبل العامل أن تكون مزاياه مجهولة أو مهملة، فإذا ما شَعَرَ بذلك، وأحسّ بأن إمكاناته موضع شك، ثار على رؤسائه، واعتبر نفسه ضحية سوء إدارتهم، لذا فإن من الضروري ترك المجال أمام كل فرد ليظهر إبداعه وبداهته وأحكامه، وإعطاؤه مهمة تحمله بعض المسؤولية، فيشعر عند ذلك بأن قيمته وكرامته محفوظتان.

لا للسخرية

يلزم على المدير أن يتجنب الهزء والسخرية أثناء المحاسبة، لأنهما هدّامان، في حين أن هدف المحاسبة هو البناء والتدريب والإصلاح كما ورد في القرآن الكريم: (يَـا أيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عَسَىَ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مّن نّسَآءٍ عَسَىَ أَن يَكُنّ خَيْراً مّنْهُنّ وَلاَ تَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ((63).
وقال تعالى: (زُيّنَ لِلّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ اتّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ((64).
وقال سبحانه: (قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ((65).

لست على الحق دائما

لا تحاولوا أن تظهروا أنفسكم على حق دائماً، لأن ذلك يثير الحقد في نفوس محدثيكم، فيحاولون الانتقاد بكل مناسبة.. إن إظهار الزملاء بمظهر الجاهلين لايضمهم إلى جانبكم، حتى لو وافقوكم على آرائكم أو سكتوا على مضض، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إذا أردت أن تعظم محاسنك عند الناس فلا تعظم في عينك»(66).

لا للألفاظ القاسية

احذروا المناقشات الحادة والألفاظ القاسية التي تدل على فقدانكم لسيطرتكم على أنفسكم، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «دع الحدة وتفكر في الحجة وتحفَّظ من الخطل تأمن الزلل»(67).
وليكن حديثكم عاماً لا يتعرض إلى انتقاد آراء ومعتقدات شخصية بحتة، فإن
«من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر فيها ظلم، ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم»(68) كما يعلِّمنا أمير المؤمنين (عليه السلام).
فإنها تحط من قيمتكم، وتقلّل من شأنكم ومن احترام الآخرين إليكم، وتفتح في النفوس جرحاً عميقاً لا يندمل بسبب تعابير قاسية أو كلمات مهينة.
وطالما تسببت كلمة طائشة أو تعبير قاس محقّر حقداً عميقاً ينقلب مع الأيام إلى تمرّد، قال تعالى: (وَجَزَآءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّهِ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ((69).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من عاب عيب، ومن شتم أجيب، ومن غرس أشجار التقى اجتنى ثمار المنى»(70).
كما يلزم على المدير عدم الرد على الكراهية بالكراهية، وعلى الأعمال السيئة بأسوأ منها لأنها تعقد الأمور وتزيد نار البغضاء استعاراً، قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «الحكيم من جازى الإساءة بالإحسان»(71)، كما أن «أشد الناس عقوبة رجل كافأ الإحسان بالإساءة»(72) على حد قول أمير المؤمنين (عليه السلام).

المرؤوس إنسان مثلك

الاحترام المتبادل سر القضاء على كثير من المشاكل الاجتماعية، فعلى المسؤول أن يعرف قيمة المرؤوسين، ثم يعاملهم كلاً حسب فهمه وإدراكه للأمور، فالمرؤوس إنسان مثلك، والإنسان حر لا يخضع لغيره، وهو يأبى أن يعامل معاملة العبيد، فتذكَّر أنك «إذا أردت أن تطاع فاسأل ما يستطاع»(73) كما يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

الاحترام مطلقا

يحترم المسؤول العاقل مرؤوسيه،حتى لو لم يكن راضياً عنهم، لأنه من المستحيل كون المرؤوس مثالياً، لذا يقتضي التعامل مع الجميع كما هم، مستفيدا من محاسنهم مقللا من مساوئهم قدر الإمكان، لأن الإنسان غير معصوم من الخطأ ولكن الإصرار على الخطأ معصية، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار»(74).
مثلاً عندما أضرب العمال عن العمل في إحدى الدول، لاحظ الجميع أن بعض المعامل لم تُضرب عن العمل لأنّ رؤساءها كانوا يهتمون شخصياً بشؤون العمال كأفراد، ويهتمون بعائلاتهم ومنازلهم، ويقدمون لهم المساعدة، على عكس العمال المضربين عن العمل في المعامل الأخرى والتي فقدت فيها العلاقة الإنسانية بين مسؤول العمل والعمال، حيث كان يعاملهم بجفاء ونظرة استعلائية مجردة وكأنهم مثل الأدوات الإنتاجية من دون مراعاة شؤونهم الإنسانية أو العائلية.
فعلى المدير أن يجعل نصب عينيه هذا الحديث الشريف المروي عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من حق المؤمن على أخيه المؤمن أن يشبع جوعته، ويواري عورته، ويفرج عنه كربته، ويقضي دينه، فإذا مات خلفه في أهله وولده»(75).

لا تذل المرؤوس

لا يحق للمدير أن يذل المرؤوسين، فإن لكل رجل أهميته الخاصة، ليس كعضو في مجموعة بشرية أو كمواطن فقط، وإنما أيضاً كأخ وإنسان، ولذلك فإنه يرفض العبودية والذل، يقول الإمام أبو عبد الله (عليه السلام): «إن الله فوَّض إلى المؤمن أموره كلها ولم يفوض إليه أن يكون ذليلاً، أما تسمع قول الله عزوجل يقول: (وَلِلّهِ الْعِزّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ((76) فالمؤمن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً، إن المؤمن أعز من الجبل، إن الجبل يُستقل منه بالمعاول والمؤمن لا يستقل من دينه شيء»(77).
ومع ذلك فإن الفرد لا يكره الخدمة والعمل، بل يجد فيها إرضاء لغريزة الإخلاص فيه، شريطة أن يكون متأكداً من احترام رئيسه وتقديره وثقته به ومعاملته له كرجل، ويشعر المرؤوس في حديث رئيسه الذي يعترف بشخصيته، بأن في كلامه نداء الأخوة الإنسانية، وقد قالها الإمام علي (عليه السلام): «لا يسود من لا يحتمل إخوانه»(78)، رغم فوارق الرتبة والمعلومات، فتخفف اللهجة المهذّبة من قسوة الملاحظة وتجعلها مقبولة للاندفاع في تنفيذ الواجب.

العمال والتقدم الصناعي

العمال ضحايا التقدم الصناعي، ومن هنا قد تخلق لديهم حالات نفسية تدفعهم إلى الثورات الجامحة لشعورهم بأن الآلات الحديثة سلبت منهم فرص العمل، فيجب إفهامهم بأنها تكون من أجل مساعدتهم وسرعة إنتاجهم، فمن احترم كرامة العمال وشخصياتهم، وعاملهم كرجال لا كآلات، شارك في حل أكبر مشكلة اجتماعية تهدد العالم المتمدن ببشاشة وسعة صدر، فالرجل الكئيب أو الغضوب رجل مريض، وقد صدق أمير المؤمنين (عليه السلام) حين قال: «عقوبة الغضوب والحقود والحسود تبدأ بأنفسهم»(79). فالقيمة العملية أقل من القيمة الإنسانية، فإن «قدر الرجل على قدر همته، وصدقه على قدر مروءته، وشجاعته على قدر أنفته، وعفته على قدر غيرته»(80) كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام).

التفاهم

كونوا المصغين الجيدين والسامعين الصالحين لمن تديرونه، وقد قيل في الحكمة:
«إنما منزلة من يسمع بأذنيه ما لا يعي قلبه بمنزلة من يقدح النار في الماء فلا ينال منه حاجته»(81)، وشجعوا الطرف الآخر على التكلم عن نفسه وشؤونه بثقة عالية.
على المسؤول أنْ لا يتكلم سريعاً في الاجتماعات، فقد لا يستطيع من لا يتقن فنّ الإنصات معرفة ما يدور في الاجتماع.
كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «التروي في القول يؤمن الزلل»(82).
وقال (عليه السلام) أيضاً: «التثبت في القول يؤمن العثار والزلل»(83).

الإقناع بالأسلوب الجماعي

إيجاد التفاهم المطلق ضمن المجموعات الكبيرة أمر قد يكون محالا، إذ يكتسب كل فرد فيها روحاً من العصبية تجعله في تنافس دائم مع الأفراد الآخرين، وهنا يأتي دور الرئيس الذي يقنع الجميع بأن كل جماعة، ليست سوى جسد واحد كثير الأعضاء، إذا اشتركت في العمل استقام الجسد، وإن تخاصمت أدت إلى فنائه، ويدل على ذلك قصة الرماة الذين أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة أحد أن لا يبرحوا أماكنهم قائلاً لهم: «لا تبرحوا مكانكم فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم بمكانكم»(84)، ولكنهم حين لم ينفذوا أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتركوا أماكنهم فكانوا سبب انهزام المسلمين بأجمعهم، رغم أن عدد المسلمين كان خمسة آلاف ـ وفي رواية ثمانية آلاف ـ مقاتل وهؤلاء الرماة كانوا خمسين رامياً لا غير، فانظر كيف أدى تكاسل هؤلاء القلة إلى انكسار هذا الجيش الكبير.
عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «المؤمنون في تبارهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائره بالسهر والحمّى»(85).

مناقشة الأفكار

ناقشوا أفكار مساعديكم واستمعوا إليها، ولا ترفضوها قبل الدراسة والتمحيص كما قال الله عزوجل في كتابه الكريم: (الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُوْلَـَئِكَ هُمْ أُوْلُو الألْبَابِ((86)، فالجماعة قد يصيبها الفشل نتيجة عناد المسؤول، ورفضه الاستماع إلى آراء الآخرين، وهي معرضة للوقوع في سلسلة الروتين والانكماش في العمل.

احترام الرأي الآخر

وافقوا خصومكم على آرائهم بقناعة، واحترموا الرأي الآخر، وإياكم وتسفيهه، فإنه باحترامكم لآرائهم سيبادلونكم الاحترام والاهتمام، قال الإمام السجاد (عليه السلام) في تعداد الحقوق: «وأما حق خصمك الذي تدَّعي عليه فإن كنت محقاً في دعواك أجملت مقاولته ولم تجحد حقه، وإن كنت مبطلاً في دعواك اتقيت الله عزَّوجلَّ وتبت إليه وتركت الدعوى»(87).

بيان الهدف

أظهروا هدف أعمالكم باجتماعات وتعليمات واتصال شخصي، وحددوا مسؤولية كل فرد فيه، حتى لا يشعر مساعدوكم بأنهم مجرد آلات، فيفقدوا اهتمامهم وحماسهم.

المسؤول الناجح

يحاول المسؤول الناجح أن يفهم فكرة رؤسائه، فيراعي آراءهم الشخصية أثناء تنفيذ أوامرهم الخاصة بالنفع العام، والخروج عن هذه القاعدة مخالفة تسبب فوضى تزداد بازدياد أهمية المخالف.

ضع نفسك مكانهم

ضعوا أنفسكم في موضع زملائكم كما ورد في وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لابنه محمد بن الحنفية: «أحسن إلى جميع الناس كما تحب أن يحسن إليك، وارض لهم ما ترضاه لنفسك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وحسّن مع جميع الناس خلقك، حتى إذا غبت عنهم حنّوا إليك، وإذا مت بكوا عليك وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا تكن من الذين يقال عند موته الحمد لله رب العالمين»(88). وحتى تقدروا على فهمهم بشكل أفضل، وتكتشفوا أحسن الحجج للدفاع عن فكرتهم، ويتطلب التفاهم المتبادل محاولة فهم الآخرين، وإجهاد النفس في إفهامهم.

لا لسوء التفاهم

على المدير الناجح أن لا يجعل سوء التفاهم الناتج عن الدقائق البسيطة يتفاقم، وخاصة إذا كانت الفكرة العامة مشتركة، فغالباً ما يكون الاختلاف على التفاصيل والجزئيات بالرغم من وحدة المبدأ والأساس، فلا ينبغي لأحد أن ينتقد أخطاء زملائه الذين حاولوا ففشلوا وجربوا فأخطأوا، وليعلم هؤلاء المنتقدون بأن من لا يعمل لايخطئ، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «العاقل من وعظته التجارب»(89)، ونقد الأفعال بالأفعال أفضل من نقد الأفعال بالأقوال فقط، والإمام علي (عليه السلام) يقول: «من طابق سره علانيته ووافق فعله مقالته فهو الذي أدى الأمانة وتحققت عدالته»(90)، وإذا سادت في الجماعة عادة الانتقاد المتكرر، وأهمل كل شخص عمله، والتفت لمراقبة أخطاء الآخرين، فإن ذلك يسبب توتر أعصاب العاملين ويقلل إنتاجية العمل.

تحري طريق العقل

إنَّ على المدير تحري طريق العقل دائماً، وهو يتلخَّص بـ:
1ـ التعقل: كما عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «أفضل حظ الرجل عقله، إن ذل أعزه، وإن سقط رفعه، وإن ضل أرشده، وإن تكلم سدده»(91).
2ـ التوكل: كما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في خبر المعراج أنه قال: «يا رب أي الأعمال أفضل؟ فقال الله عزوجل: يا أحمد ليس شيء أفضل عندي من التوكل عليّ والرضا بما قسمت»(92).
3ـ التوسل: كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «توسل بطاعة الله تنجح»(93). وكما عن أبي جعفر الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أراد التوسل إليَّ وأن تكون له عندي يد أشفع له بها يوم القيامة فليُصلِّ على أهل بيتي ويدخل السرور عليهم»(94).

للتفوق ضريبة

للتفوق ضريبة يدفعها المتفوق من وقته ونفسه وراحته وأعصابه وكل ما يملك، وليس النجاح الآني غاية يقف بعدها كل عمل، بل يلزم أن يزداد الجهد للنجاح المطلق أو ما يتلوه.

لا تجادل

تجنبوا الجدل، فإنّ الطريقة الوحيدة للفوز بثقة الناس هي أن تلتزموا بالمنطق السليم، كما ورد عن الإمام علي (عليه السلام): «من وثق بإحسانك أشفق على
سلطانك»(95).
ومعظم الناس متحيزون، تسيرهم عواطف غارقة في الغيرة والحسد والشك والخوف والغرور ولا يحب أن يتبدل أو أن يتغير، فإن الإنسان يكره الصدق الذي ينعكس سلبياً على ما حصل لـه، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أقْصَدُ العلماء للمحجة الممسكُ عند الشبهة، والجدل يورث الرياء، ومن أخطأ وجوه المطالب خذلته
الحيل»(96).

الهدوء

يتمثل ردّ فعل المدير البسيط عند المتاعب بالشكوى والتألم والغضب، تلك الأمور التي تبدد القدرة دون جدوى، أما ردّ فعل المدير العملي الناجح فهو الهدوء، والنظرة الموضوعية، واعتبار الصدمة نقطة بدء جديدة لعمل أفضل.

التطبيق العملي

الفكرة الحسنة والأهداف العالية أمور جيدة، ولكنها لا تكفي إذا بقيت في حيّز الأفكار والأحلام، بل يلزم علينا نقلها إلى الواقع، حتى لا يكون بين الأفكار المثالية وبين الحياة العملية هوّة كبيرة. وقد كان الإمام الصادق (عليه السلام) يقول:«ما ضعف بدن عما قويت عليه النية»(97).

القول وحده لا يكفي

لا تلائم مهنة القيادة من يتكلم جيداً فحسب، الذي يعتقد بأن حل الأمور بالأقوال دون الأفعال، قال الإمام الباقر (عليه السلام): «ثلاث قاصمات الظهر: رجل استكثر عمله، ونسي ذنوبه، وأعجب برأيه...»(98)، فهؤلاء يتناسون بأن من يزرع الأقوال فقط لا يحصد إلاّ الأوهام، وقد ذم الله سبحانه وتعالى هذه الصفة فقال: (كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ((99) كما وذمَّ من يتصفون بهذه الصفة فقال عز من قائل: (أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ ( وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ((100) لذا تتطلب مهنة القيادة الانسجام مع الواقعية، لأن عدم الانسجام مع الواقع يؤدي إلى فقدان زمام الأُمور وإلى عقبات جسيمة لا يستطيع المسؤول تحملها إن كان من الحالمين الذين يبنون قصوراً من رمال.

لا للتشاؤم

كذلك لا تلائم مهنة القيادة المتشائمين، الذين لا يرون إلاّ الجانب السلبي للرجال والحوادث، وتعمى أبصارهم عن رؤية الجوانب الإيجابية.

لا للتفاؤل الأعمى

لا تلائم مهنة القيادة المتفائلين المتهورين، الذين يقودهم فرط ثقتهم بالناس بدون تمييز إلى الوقوع بالمشاكل.

القديم والتغيير

على المسؤول أن لا يتمسك بالقديم تمسكاً جامداً، كما إن عليه أن لا يقلب كل شيء عند استلامه زمام الأمور لمجرد التغيير والتطور، فقد يكون في أعمال السلف أشياء كثيرة معقولة يمكن الاستفادة منها والبناء عليها، كما إن عليه أن يحتفظ لنفسه دائماً بحق التبديل والتطور الذي يقبله المنطق، وتظهر الدراسة والتجربة فائدته، وأن يبقى على احتكاك دائم مع الواقع، حتى يعدّل مشاريعه حسب تطورات الحياة وحسب الشروط التي تفرضها الحوادث عليه، لأن من اعتبر تنظيمه غير قابل للتعديل استسلم للروتين، وغدا تائهاً بين الحقيقة والخيال، ويفقد قيمته في اللحظة التي يعجز فيها عن تجديد أفكاره أو مشاريعه، فالعمل بحاجة دائمة للتجديد لأنه يبدأ غالباً باندفاع كبير يخف مع الزمن، حتى يغدو روتينياً إذا لم يسعفه التجديد.

الواقعية

تعني الواقعية الابتعاد عن النظريات الروتينية، إذ إن لكل حالة ملابساتها ولكل مشكلة حالتها، فيلزم دراسة كل حالة وفق معطياتها، وما تطبيق الحلول الجاهزة من دون دراسة سوى تخريب يقوم به من لا يجرؤ على التفكير والإبداع، ويقلد تقليداً أعمى، ويطبق الروتين، مضيعا بذلك جهوداً هائلة للحصول على نتائج هزيلة أو مشاريع فاشلة.

رؤية الحقيقة

على المسؤول أن يرى الحقيقة بوضوح ودقة، لأن رؤية الأمور كما يريدها أن تكون وليس كما هي في الحقيقة يسيء إلى أحكامه وتصرفاته وقراراته، فالحكمة أن لانكتفي بما يقال لنا، بل النظر بأنفسنا، وقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «ليس بين الحق والباطل إلاّ أربعة أصابع»(101).

الواقعية الصحيحة

هنالك كثير من العبقريات الإدارية والاقتصادية وغيرها، عاشت في جو من النظريات والأفكار، ولم تحتك مع حقائق الناس العملية، فأضاعت بذلك قدرتها على الحكم السديد، لذا يتطلب حل المعضلات إلهاماً وليونة وتلاؤماً مع الواقع، ونظرة شمولية، وثقافة عامة كافية لتفهم كل شيء، وتركيزاً ذهنياً لجميع العلاقات والروابط القريبة والبعيدة. فالواقعية الصحيحة هي تفهم الأمر ومقارنته مع غيره، بغية معرفة قيمته النسبية حتى لا نهمل أهميته أو نضعفها، وتعيين العلاقات البعيدة والقريبة التي تجمعه مع غيره.

قواعد ثابتة

هنالك قواعد نفسية واجتماعية يعتبرها ذوو الفكر المحدود غير قابلة للتعديل، متناسين أن تعديلها ممكن إذا ما تغيرت ظروف المشكلة المعروضة، ومتجاهلين أن القواعد الثابتة لا تكفي لحل المعضلات المتغيرة.

المقتضيات الزمنية

إن المدير الناجح هو الذي يراعي المقتضيات الزمنية، فليس من المعلوم أن الأسلوب الماضي هو الناجح في هذا اليوم، فالمسؤول الناجح لا يقول: هذا ما وجدنا عليه من كان قبلنا، فينطبق عليه قولـه تعالى: (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ((102)، فالماضي مفيد في تفسير الحاضر وتوضيح خطوطه، ولكنه لا يستطيع إيقاف من يود بناء مستقبل أفضل.

الرؤية العادلة

هنالك من لا يرى إلاّ المتاعب، وهنالك من يتجاهلها، والأفضل رؤية المحاسن والمساوئ على حقيقتها، واستنباط القوة من الأولى لقهر الثانية، فإن «صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله»(103) كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، والرجل الواقعي هو من رأى الطريق القويم عند الأحداث الطارئة منذ أول نظرة، واتخذ القرارات الجديدة الملائمة للمواقف الجديدة، والواقعية صنع أشياء جديدة قابلة للاستعمال من أشياء غير قابلة للاستعمال، وكما قال الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «امخضوا الرأي مخض السقاء ينتج سديد الآراء»(104).

النظرة الثاقبة

نجاح الرئيس وفشله يتعلق بصدق حدسه، وحسن تنبؤاته، وعمق النظرة الثاقبة التي يلقيها نحو المستقبل، وعليه أن لا يعمل ليومه بل ليومه ولغده، وقد روي عن الإمام الحسن السبط (عليه السلام) أنه قال: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداًُ»(105)، فيتنبأ بما ينجم عن قراراته في المستقبل البعيد، ويتوقع ما سيصادفه من متاعب وعقبات في مختلف الظروف المحتملة، دون أن يؤثر ذلك على اندفاعه أو يقلل من حماسه،فالعبقرية ليست سبباً استكشافياً لما يجب عمله في الظروف الحرجة غير المتوقعة بالنسبة للآخرين، ولكنها التحضير والتفكير المسبقان، وردود الفعل الناجمة عنهما.
إن الرئيس الذي لا يتنبأ بالمتاعب، ولا يضع الحلول للمشاكل، عبارة عن رجل أعمال بسيط، يحد من نشاطه التخوف والتردد والروتين ولا يتمكن من تنظيم مخطط أو منهج أو رسم خط رجعة يسهّل مهمته عند الطوارئ. ولكن كلما كانت صورة المستقبل التي يرسمها أكثر وضوحاً كلما ازدادت فرصة تحولها إلى حقيقة، والحكمة العربية المشهورة تقول: (وإن غداً لناظره قريب).

العلم الكثير

العلم أساس من أسس الإدارة الناجحة ودعامة من دعائمها، فإن «رأس الفضائل العلم»(106) كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويقول أبو عبد الله (عليه السلام): «اغدُ عالماً أو متعلِّماً أو أحب أهل العلم ولا تكن رابعاً فتهلك ببغضهم»(107).
وتزداد القيمة المعنوية للرئيس بازدياد معلوماته، فعليه أن ينميّها ليكون أهلاً لخدمة الهدف بشكل أفضل، فمعرفة القائد بالإدارة والتوجيه والتنظيم والمراقبة لتأمين سير المهمة والوصول إلى الهدف هي معلومات تسمح له بتقدير أهمية الحوادث وانتهاز الفرص، ودراسة نفسية المرؤوسين وطريقة قيادتهم، والدراسة الميدانية ضرورة كما هو واضح.
ومن كان صناعياً فقط كان صناعياً ضعيفاً ومن كان أمياً كان إنساناً فاشلاً، والرجل المتكامل هو من ملأ عمله بالعلم، وعلّم نفسه كل شيء شريف، ليكون أهلاً للقيادة. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وهو أنيس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسلاح على الأعداء، وزين الأخلاء، يرفع الله به أقواماً، يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم، وتقتبس آثارهم، ترغب الملائكة في خلتهم، يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم، لأن العلم حياة القلوب، ونور الأبصار من العمى، وقوة الأبدان من الضعف، وينزل الله حامله منازل الأبرار، ويمنحه مجالسة الأخيار، في الدنيا والآخرة، بالعلم يطاع الله ويعبد، وبالعلم يعرف الله ويوحد، وبالعلم توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، والعلم إمام العقل والعقل تابعه، يلهمه الله السعداء، ويحرمه الأشقياء»(108).

قدرة اتخاذ القرار

ليست الثقافة العامة معرفة كل شيء، أو معرفة القليل من كل شيء، ولكنها استيعاب الأشياء وتفهمها بصورة عامة للتمكن من إعطاء القرار الصحيح، فالمعرفة هي مجموعة مفاهيم عامة ومعلومات كافية لإدارة مختلف الأعمال وتنظيمها، كما يقول أبو عبد الله (عليه السلام): «من عرف دلَّتْهُ المعرفة على العمل»(109)، ولكنها بعيدة عن التخصص الفني الدقيق الذي تمتاز به معارف المنفذين المختصين، فلا يمكن أن نتوقع من الرئيس العلم كله، إنما الفكرة العامة عن الأمور، فإذا ما كان لديه مواهب تقنية خاصة، واستخدمها بإتقان، قدم للعمل كثيراً من الفائدة، أما إذا انكمش على هذه المواهب واهتم بالجزئيات، فقد قيمته كرئيس وأصبح مجرد روتيني فقط.

العمل برغبة

مهما كان نوع الهدف الذي يعمل الرئيس لأجله، فهنالك ساعات يشعر فيها بأن الأعمال اليومية مضنية وثقيلة، ويحس فيها ببعض المرارة الناجمة عن الفشل، ولكن عليه أن يعرف دائماً بأن جهده غير ضائع، وأن تعثره غير نهائي، فالنجاح مقرون بالعمل المدفوع برغبة، والموجه بشكل حسن، فإن «من ساء تدبيره تعجل تدميره»(110) كما يقول الإمام علي (عليه السلام)، وما يسميه البعض (حظاً) هو ثمرة عمل طويل مسبق، وإرادة حازمة للوصول إلى هدف.

ضبط النفس

فعالية الرئيس وجهده في ضبط نفسه يهيئان له جواً حسناً لفرض سيطرته، قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):«مجاهدة النفس شيمة النبلاء»(111).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «من ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا اشتهى وإذا رضي حرَّم الله جسده على النار»(112).

الجهد المتواصل

الجهد مفتاح الحلول، ونبع الإمكانات، وخير وسيلة لمنع الرغبات الأنانية من السيطرة على الشخصية، قال الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «من طلب شيئاً ناله أو بعضه»(113).

الاعتراف بالخطأ

الاعتراف بالخطأ هو انتصار المرء على نفسه، قال الإمام أبو جعفر (عليه السلام): «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ»(114)، وقد قيل قديماً: (الاعتراف بالخطأ فضيلة)، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن الندم على الشر يدعو إلى تركه»(115)، وحصول الإنسان على الاستقلال الفكري الداخلي غير المرتبط بأقوال محفوظة عن ظهر قلب، هو الحرية الحقة، وإذا كانت عبودية الفرد للفرد قسوة، فإن عبودية الفرد لنفسه إجرام. وهل كانت جريمة إبليس (لعنة الله عليه) إلا أنه عبد نفسه حين قاسها بنفس آدم (عليه السلام) وقال: (خَلَقْتَنِي مِن نّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ((116)، فاستحق بذلك لعنة الله ولعنة اللاعنين إلى يوم الدين. وإذا أخطأتم فاعتذروا بسرعة، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما أذنب من اعتذر»(117) فهذا هو الأسلوب الذي لا يسفر عن نتائج غير مرضية فحسب، بل فيه متعة وشعور بالبهجة، أكثر بألف مرة مما في مبادرات الدفاع عن النفس والإصرار على الخطأ.

لا للخداع

لا يمكن للمسؤول أن يخدع مرؤوسيه طويلاً، ولابد أن تكشفه الأيام والنوائب، فإن كان متواضعاً أمام نفسه بقي قوياً أمام الآخرين، وإن كان صادقاً استطاع أن يطلب الصدق من الآخرين، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «السفلة إذا تعلموا تكبروا، وإذا تمولوا استطالوا، والعلية إذا تعلموا تواضعوا، وإذا افتقروا صالوا»(118).
إذا خدع المسؤول مرؤوسه بصفات ومزايا لا يملكها، أو أعطاه وعوداً لا يستطيع تنفيذها، فاكتشف المرؤوس هذا الخداع، انقلب احترامه إلى كراهية وحقد، وتذكر قول الإمام علي (عليه السلام): «غدر الرجل مسبة عليه»(119).

مدير متواضع

لا يكذب الموظفون ـ عادة ـ على مسؤولهم المتواضع، بل يفتحون لـه قلوبهم، ويعترفون لـه بضعفهم ليكون لهم طبيباً، فإن «ثمرة التواضع المحبة»(120) كما يرشدنا أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام).

لا تلق بأخطائك على الآخرين

على المسؤول أن لا يلقي مسؤولية أخطائه على أكتاف مرؤوسيه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كل ابن آدم خطأ وخير الخطائين التوابون» بل يعتبر نفسه مسؤولاً عن أخطائهم وتصرفاتهم، غير ناسٍ بأن الأخطاء قد تنجم عن إهمال المرؤوس، كما قد تنجم عن المبالغة في الطلبات، وعدم كفاية توجيهه ومراقبته.

لا تعجل بالعقوبة

على المدير أن لا يستعجل بعقوبة المرؤوس، فإن الخطأ إذا كان ناتجاً عن خطيئة الفرد وإهماله، وكان المرؤوس ذا وجدان حي يمنعه من مغالطة نفسه وعدم اعترافه بالحقيقة، فلا حاجة إلى التأنيب أو التقريع، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا تعاجل الذنب بالعقوبة واترك بينهما للعفو موضعا تحرز به الأجر والمثوبة»(121)، وتكفي الإشارة له أن الخطأ لن يمر دون ملاحظة، مع الثقة بضميره الحي وحسن نيته باعترافه بخطئه ومحاولة إصلاحه، بدلاً من الإصرار على التأنيب، حتى لا يندفع إلى البحث عن مخارج وأعذار يدافع بها عن نفسه، فيقتنع في النهاية بأعذاره وينقم من الواقع.

الصراحة والتهذيب

الصراحة بين المسؤولين أساس كل عمل، شريطة أن لا تكون قاسية وجارحة، ولقد أثبتت التجارب أن العمل والتعاون مع الآخرين يتطلب تهذيباً رفيعاً، بعكس ما يعتقد البعض بأن العمل المشترك يجعلنا في حل من التقاليد.. فالتعاون أساس النجاح للجماعات، التي تعمل لهدف سام، فإذا ما حاول أفرادها إظهار أخطاء بعضهم، والارتقاء على أكتافهم، تحطمت وحدتهم وفشلوا في أداء مهمتهم.

التعاون

على المدير الناجح أن يخطط للتعاون والعمل المشترك مع المرؤوسين، فإن ساعة من التعاون والعمل المشترك أفضل في تدريب الجماعة من سيل منهمر من التعليمات والأوامر، للقيام بدراسة مشتركة معهم في حل قضايا ومعضلات عملية تلاقيهم أثناء العمل، قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «ألزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب...»(122).
وإن الأخطاء تتضاءل حتى تكاد تنعدم عندما ينمو الشعور الجماعي والإحساس بالمسؤولية الجماعية، وعندما يؤمن كل فرد بأن الضرر الناجم عن الأخطاء تتكفله المجموعة بأكملها، فتتماسك المجموعة عندئذ ويدعم بعضها البعض الآخر، وكأنهم رجال يتسلقون الجبل وقد ربطوا أنفسهم بحبل واحد، فهم يرتقون متساندين نحو الذروة، يدعم قويهم الضعيف حتى لا يسقط إلى الهاوية، قال عزوجل:
(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً((123).
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «الله في عون المؤمن ما كان المؤمن في عون أخيه»(124).
ويقول الشاعر:
كم يسر الحزم أمراً بعدما امتنعا
تعاونوا وخذوا للأمر عدته

تقسيم الأعمال

المدير الناجح هو الذي يقوم بتقسيم الأعمال، فكل يتحمل مسؤوليته، ولكن المفروض أن لا يؤدي تقسيم الأعمال إلى نسيان فكرة العمل الجماعي، وعلى فروع المؤسسة الواحدة أن تتناسى أنانيّاتها، وأن تتعاون بصدق ليكون هنالك جهد واحد قوي موجّه يصبّ في مجرى واحد، وليس مجموعة جهود مبعثرة وعقيمة، وعلينا أن لاننسى بأن الإنسان العادي أناني بطبعه، يرى الأمور بمنظار منافعه الشخصية، أما الإنسان العقائدي، فهو من يستطيع كبح غرائزه حتى يتوصل إلى نكران الذات في سبيل المصلحة العامة أو الهدف الجماعي، والمسؤول العاقل هو مَن جعل رجاله العاديين أشخاصاً عقائديين، يؤمنون بالأفكار النبيلة ويضحّون بأنفسهم من أجلها، وفي هذا وذاك يقول الله جل جلاله: (قَالَ مَا مَكّنّي فِيهِ رَبّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً((125).

الاجتماعات الناجحة

تؤدي الاجتماعات الناجحة إلى أحسن النتائج، إنها تقلل المفاجآت والتردد والأخطاء وتصادم الاتجاهات وتبذير الجهود، وهي تبني الثقة المتبادلة، وتؤمن تفهّم التوجيهات والأوامر بسرعة، وتعطي القائد فرصة للتخطيط ومعرفة نتائج الخطط الماضية، كما تسمح له بتوجيه أفراده وتعليمهم بأحدث التعليمات.
إن اجتماع رؤساء المصالح خير مناسبة لمعرفة النتائج الحسنة، وكشف الأخطاء وإصلاحها في جو مشبع بفكرة البناء، شريطة تجنب الانتقادات الشخصية، وعدم الاستغراق في أمور شكلية لا تقدم ولا تؤخر، وتبدأ الإصلاحات غالباً بالأخطاء الأكثر شيوعاً وتردداً من أجل الوصول إلى عمل مثالي متقن.

روح التفاهم والعمل الجمعي

لا يكفي العمل بصورة جماعية لإيجاد التفاهم التام وروح الجماعة، إن هذه الروح بحاجة إلى حرث وبذار وسقاية ورعاية بصورة مستمرة، ويجب التخلي عن الصدامات والأعمال المتضاربة، والاستعانة بالتفاهم.

الروابط العميقة

إن أفراد أي مجموعة إنما هم رجال تجمعهم رابطة عميقة، ويعملون في خدمة هدف واحد يشعرون نحوه برغبة في التضحية، ويتقاسمون الواجبات كلاً حسب إمكاناته وقدرته وكفاءته، إنهم لا يعملون في خدمة أشخاص بل يخدمون مُثُلاً عليا في المجتمع.

تعاون المدراء

إذا لم يتعاون رؤساء المصالح تعرقل العمل، وتعطلت المصلحة العامة، وينعكس ذلك على المرؤوسين ويفقدون الثقة فيهم، لأنهم عاجزون عن التفاهم فيما بينهم، يقول الإمام علي (عليه السلام): «من خان وزيره فسد تدبيره»(126)، إذ يتطلب عمل الجماعة ثقة مطلقة بين كافة أعضائها، ثقة بكفاءتهم وعدالتهم وإخلاصهم.

ضرورة التنسيق

تقدم الجماعة المردود الجيد إذا ساد فيها تعاون تام، ولا يعني ذلك أن يفعل الجميع الأعمال ذاتها، وإنما يعني ضرورة التنسيق فيما بينهم، وعلى كل عضو في الجماعة أن يكمل عمل رفاقه، مراقباً بانتباه سير أعمالهم حتى يتلاءم معهم، متناسياً منفعته الشخصية، ومندفعاً في عمله بشكل لا يلحق الضرر بغيره.

التشجيع والنصح

لا يتتبع المسؤول أخطاء مرؤوسيه فحسب، بل يكشف مزاياهم الخفيّة، ويدفعهم إلى تحسينها واستخدامها لمصلحة الهدف الأسمى للحياة. فالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا تذموا المسلمين ولا تتبعوا عثراتهم فإنه من تتبع عثراتهم تتبع الله عثرته ومن تتبع الله عثرته فضحه ولو في بيته»(127).

مع العاملين

بإمكان مسؤول العمل أن يشرح للعامل كيفية تجنّب الحوادث الخطرة، والعواقب السيّئة التي قد تحصل نتيجة مخالفة الأوامر، وهنا يمكن للمسؤول أن يتصرف بشكلين:
الأول: أن يلجأ إلى تحذير وتخويف معتدل إذا خالف العامل التعليمات.
والثاني: إظهار الثقة بأن يقول: (إنني قد اخترتك لهذه المهمة نظراً لأنها حساسة وخطرة، ولأنني أعتمد عليك في تنفيذها) على أن يكون ذلك العامل مؤهلاً لذلك العمل، كما قيل: (الرجل المناسب في المكان المناسب).

ضرورة المراقبة

الثقة بالعامل لا تلغي مطلقاً ضرورة المراقبة، التي يمكن أن تظهر بشكل مساعدة أو بشكل تحقق من إجادة تنفيذ العمل أولاً، فيزداد اهتمام العامل بأهمية العمل إذا شعر بإمكانية تنفيذه، وتأكد أن إتقانه للعمل سيظهر ذكاءه وبداهته وكفاءته.

المدير المنطقي

ينتظر المرؤوسون أن يكون الرئيس منطقياً، فلا يطلب منهم إلاّ ما يستطيعون عمله، وما هو بحاجة إليه فعلاً، دون تحميلهم فوق طاقتهم، أو عملاً تتجاوز صعوبته حدود إرادتهم.
كما في القرآن الكريم: (رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ((128)، و(لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ مَآ آتَاهَا((129)، و (لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا((130).
فعلى المدير الناجح أن يعمل لتنمية طاقات المرؤوسين وإراداتهم بأساليب فنية ومعنوية، تؤهلهم للتغلب على الصعاب، وتحبّبهم للنجاح، وتدفعهم لمتابعة التقدم في بذل المجهود الأحسن.

 تنشيط الرغبات الحسنة

الكائن البشري له مجموعة من الرغبات المتصارعة، فمن واجب المسؤول المدرّب أن ينشّط في كل فرد من مرؤوسيه الرغبات الحسنة، وأن يعطّل رغبات الكسل والخوف التي تعتبر شكلاً من أشكال التأخر، ولنستمع إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يوصي حبيبه ووصيه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقولـه: «يا علي لا تمزح فيذهب بهاؤك، ولاتكذب فيذهب نورك، وإياك وخصلتين: الضجر والكسل، فإنك إن ضجرت لم تصبر على حق، وإن كسلت لم تؤد حقاً، يا علي من استولى عليه الضجر رحلت عنه الراحة...»(131).

ثمن العظمة

على المدير أن يعرف ثمن العظمة، فليس شيء في الحياة بدون ثمن، ولا ثمار بدون عناء، وتقدّر قيمة الأشياء بمقدار الجهد المبذول للحصول عليه، ولا شيء يجعل الفرد من العظماء مثل ألم عظيم يتبعه تثمين عظيم، مثل الصائم يتحمل المشقة والألم ليحصل على رضا الله سبحانه وتعالى.

لا للتقاعس

التقاعس عن العمل تقاعس عن الحياة، لأن من لا يعمل لا يتقدم، ومن لايتقدم يقف، والواقف زائل من الوجود، قال أبو عبد الله (عليه السلام): «العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه»(132)، وكما قال بعض الحكماء: «أربع خصال يُمتن القلب: ترادف الذنب على الذنب، وملاحاة الأحمق، وكثرة منافثة النساء، والجلوس مع الموتى، قيل له: ومن الموتى؟ فقال: كل عبد مترف فهو ميت وكل من لا يعمل فهو ميت»(133) فكل شيء في الكون متحرك بقدرة الله نحو غاية الوجود والكمال.

حب العمل

إذا أحبّ الإنسان عملاً قام به بهمّة وذكاء، وعلى المسؤول أن يفكر بهذا المبدأ دائماً، ويثير لدى مرؤوسيه قبل التدريب وأثناءه ثلاث صفات: حبّ العمل، والشعور بالمسؤولية، وروح الجماعة. فإن عدم توفر هذه الصفات يؤدي إلى الروتين، ويقلل الاندفاع، ويجعل الجهود المبذولة عقيمة بلا جدوى. فإن مَثَل المعلم الذي يريد تعليم طلابه بلا أن يثير لديهم الرغبة بالدروس، كمثل الحدّاد الذي يطرق الحديد بارداً، فلا يبدو أي تأثير له عليه.

المدير الموجه

على المسؤولين أن يكونوا مدرّبين وموجهين، وأن يبيّنوا لكل مرؤوس الإمكانات الكامنة فيه ليصقلها ويشذّبها تحت إشرافهم وتوجيههم، فيؤججوا فيه شعلة من الحماسة والثقة بالنفس تساعده على القيام بمهمته بشكل أفضل، ويوقظوا إمكاناتهم ويشحذوا هممهم، حتى يرى أبسط المنفذين ومن هو أدنى مرتبة قد غدا مبدعاً ببداهة، ومفكراً وفخوراً بنفسه، ومقدراً للمسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتقه، وقادراً على حل المعضلات عند اللزوم ووقت الحاجة. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في شعر منسوب إليه:
وداؤك منك وما تنظر
دواؤك فيك وما تشعر
وفيك انطوى العالم الأكبر
وتحسب أنك جرم صغير
ويلزم أن يؤدي التدريب إلى تنمية حالة تذوّق العمل المتقن، وبالتالي محبّة العمل الذي قد يعتبر العمل بدونه تبذيراً وإضاعة للجهود.

مساعدة المخطئ

العامل المخطئ بحاجة إلى المساعدة، فعلى المدير الناجح أن يساعد مرؤوسيه المخطئين، ويبين لهم موقع الخطأ وطرق تلافيه، وأن يحذر تأنيبهم، إن ثبت لـه أن عملهم وجداني وبنيّة حسنة، حتى لا يفقدوا الثقة بأنفسهم، وليس طيب المسؤول وصبره من دلائل الضعف، بل يساعد جو اللطف والدماثة على التفاهم والتعاون وتقبل الأوامر والتضحيات، ويجعل بالإمكان تخطي المتاعب والصعوبات بنفس طيبّة ورغبة حسنة.

الانشراح

الانشراح خير دواء لإزالة توتر الأعصاب في المآزق، فالكلمة المرحة في مكانها المناسب وأمام مرؤوسين مهذبين، والاستراحة المفيدة، تجدد النشاط وتخلق الأفكار الجديدة، لذا على المدير أن يكرس خارج أوقات العمل بضع ساعات يقضيها مع مساعديه، يتحدث فيها بحرية وفي جو من الثقة والصراحة، فيكشف بعض الأخطاء، ويضع النقاط على الحروف، ويمكن تطبيق ذلك من خلال سفرة ترفيهية أو مائدة إفطار للعاملين وما أشبه.

مكافأة الأفراد

هنالك رؤساء لا يجشمون أنفسهم مشقة المكافأة أو المديح، مهما كان عمل المرؤوس جيداً ورأيه مصيباً، تدفعهم إلى ذلك الفكرة الخاطئة التي تعتبر قيام الإنسان بعمله على أحسن وجه واجباً لا يستحق أي ثناء.
لكن على المدير الناجح أن يعرف أن القيام بالمهمة بالشكل الأمثل أمر صعب، والكائن البشري بحاجة إلى تشجيع رؤسائه وتقديرهم، ليتأكد من أنه يسير على الطريق المستقيم، وليأخذ من تشجيعهم زاداً يعينه على تخطي الصعوبات. فكم من عبقريات رائعة تحطمت، لأنها لم تجد في اللحظة الملائمة مسؤولاً صالحاً يثني عليها بعدل، ويشجع صاحبها بتعقل. ويخلق تقدير جهد الرجال العزة والكرامة في نفوسهم، ويدفعهم إلى استخدام كافة مزاياهم في سبيل المصلحة العامة، ويلطف جو الخدمة القاسي فيصبغه بلون محبب من التفاهم والانسجام.
فإن الموظف كائن بشري، بحاجة إلى التقدير والثقة والتشجيع لإعطاء مردوده الأقصى. يقول الشاعر:
فأرسل حكيما ولا توصه
إذا كنت في حاجة مرسلا
فإن القطيعة في نقصه
وذو الحق لا تنتقص حقه

مع صعوبات العمل

تؤثر الصعوبات في نفوس الأفراد وأدائهم، وتؤدي بهم إلى التقاعس، ويتلافى الرئيس ذلك مشجعاً رجاله، ومؤكداً لهم أن إتقان عملهم ينتهي إلى النجاح.

اللسان الشاكر

إن من طرق الاستمرارية في العمل الصالح هو ربط الفكرة المهمة المنفذة جيداً مع ذكريات حسنة وجميلة، صحيح إن إرضاء الضمير غاية من غايات العمل الجيد، ودافع من دوافعه، ولكن البعض لا يكتفي بذلك، بل يود أن يكون مفهوماً ومشجعاً ومكافأً. و«إذا قصرت يدك عن المكافأة فأطل لسانك بالشكر»(134) كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام). ويقول العالم (عليه السلام): «عجبت لمن يشتري العبيد بماله فيعتقهم، كيف لا يشتري الأحرار بحسن خلقه»(135).

الملاحظة على العامل

لتكن ملاحظتكم على المرؤوسين سريعة ومركزة، لأن الملاحظة السريعة أقل إيلاماً من التذمر المستمر، ويجب أن يفهم المرؤوس أن عليه أن ينفذ الأمر الذي يحمل المسؤول مسؤوليته، وإن عدم التنفيذ يسبب العقاب.
كما يلزم أن تكون الملاحظة تعليمية، وأن تنتهي بنداء مشجع لما في المرؤوس من مزايا حسنة، حتى لا تخلق عنده مركبات نقص تدفعه إلى الحذر أو التقاعس أو الكراهية.

الشعور بالمسؤولية

إن ما يفرّق الإنسان عن الآلة هو تمتعه بالحرية وبالتالي تحمله للمسؤولية، وتنمية إحساس المرؤوسين بالمسؤولية سبيل ناجح لتنمية قابلياتهم نحو الجهد الأحسن.

أوكل الأمر إليهم

يتحمس الرجال للمهمات إذا أوكلت إليهم وكأنّها خدمة اجتماعية تعتمد عليهم وهم مسؤولون عنها، كما أنهم يقدّمون كل إمكاناتهم إذا شعروا بأن مسؤولهم يعتمد عليهم، ويحمّلهم أعباء مسؤوليات هامة لخدمة المجتمع وليس لمصالح شخصية آنية وأنانية زائلة، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»(136).

أمانة الفرد

إذا تمكّن المسؤول من إيجاد الأمانة في أفراده تمكّن من أهم شيء وتجاوز أهم عقبة في طريقه، قال أبو عبد الله (عليه السلام): «عليك بتقوى الله والورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق وحسن الجوار»(137)، و«المؤمن من أمن جاره
بوائقه»(138) كما يقول الإمام الصادق (عليه السلام).

إتقان العمل

على المدير أن يشجع على إتقان العمل، فعندما يؤمن كل فرد بأن نتيجة عمله عائدة عليه وعلى زملائه بالخير والفلاح فسيبذل جهوداً أكبر لإتقان العمل، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا عمل أحدكم عملاً فليتقن»(139). وقال علي (عليه السلام): «الصبر أول لوازم الإتقان»(140).

روح التنافس

على المدير أن يوجد في الأفراد روح التنافس الإيجابي، فهو كما يوقظ روح الجماعة عند مرؤوسيه، مغذياً فيهم حب العمل المشترك، عليه أن يؤكد على التنافس البريء الذي يختلف كلياً عن الأنانية الهدامة، قال الله سبحانه وتعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ((141)، وقال أبوعبدالله (عليه السلام): «تنافسوا في المعروف لإخوانكم وكونوا من أهله»(142).

الترفيع العادل

إذا كان اختيار المساعدين قضية حساسة، فإن ترفيعهم مسألة تحتاج إلى تمعن ودراية، إذ يضع الترفيع العاجل رجالاً في مهمات أكبر من إمكاناتهم، فينهارون تحت أعبائها، أو يضيعون في متاعبها، أو يأخذهم الغرور فيظنون أنفسهم أهلاً حقاً للمركز الذي يحتلونه، وهو بالنتيجة وضع الشيء في غير محله، وما أخطر غرور الجاهل، ومن جانب آخر يؤدي الترفيع المتأخر إلى فقدان الحماسة والاندفاع اللازمين للصعود نحو قمة المهمة الجديدة.

حساسية روح الفرد

يتمتع الرجل المندفع الوجداني بروح مرهفة حساسة، تتألم بمرارة من كلمة طائشة، ويأخذ بعض الرؤساء هذه الحساسية بعين الاعتبار فلا يثيرونها دون مبرر، بينما يهملها الآخرون فيجلبون التعاسة إلى نفوس مرؤوسيهم، إذن على المدير أن يختار من كان قادراً على احترام إحساس الآخرين كمساعدين ممتازين مندفعين.

الوازع الداخلي

كلما عَلَت مرتبة المرء خفت مراقبة الرؤساء له، لذا يجب أن يزداد وجدانه بازدياد ارتقائه في سلم المسؤوليات، ليصبح لـه وازعاً داخليا ودافعاً نفسيا، وبتناقص مراقبة الرؤساء تزداد مراقبة المرؤوسين، الذين يبحثون في سلوك المسؤول عن مثل عليا.
فإذا ما رأى المرؤوس رئيسه يعمل بدون كلل، متجاهلاً نفسه، متناسياً راحته الطبيعية، محتقراً الثروة والشهرة والجاه، يدفعه الشرف، وتثيره رغبة واحدة هي سير المجموعة سيراً حسناً مع تأمين السعادة القصوى للجميع، تأثر بهذه التضحية، وأصبح مقتدياً به، فكم من رئيس دولة نادى بمبادئ ومثل عليا فأعجب به الناس وساروا خلفه، فما إن رأوا أعماله المنافية لأقواله، حتى ثاروا عليه وأطاحوا به وبحكمه وصار مورداً للاستهزاء والاشمئزاز.

لا للمكاسب الشخصية

ليس للمسؤول أي حق بالمكاسب الشخصية، وعليه أن يذهب إلى الهدف الجماعي وليس إلى النجاح الفردي، متذكراً دائماً بأنه قد عين مسؤولاً ليمثل الصالح العام ويخدمه، لا ليخدم نفسه، إنه مسؤول في خدمة مرؤوسيه، وهذا لا يعني أن على المسؤول أن ينحني بذلة أمام مرؤوسيه، فإن واجبه الاجتماعي والإنساني يتطلب منه المحافظة على احترامه ووقاره.

عند تعقد الأمور

عندما تتعقّد الأمور وتسير من سيّئ إلى أسوء، يحاول أغلب الناس التخلص من المسؤولية، فيبحثون عن سبب الفشل حولهم، ويحاولون إقناع الآخرين بان الخطأ آت من غيرهم. فإذا ما أردتم السمو في الحياة، ورغبتم بأن تكونوا على مستوى المهمة المقدسة، فعليكم أن تكونوا ممن يعترفون بصراحة وأمانة وشجاعة أدبية بأخطائهم، باحثين عن الطريقة المثلى للتنفيذ بشكل أفضل.

المدير إنسان

المسؤول إنسان، وعليه أن يسعى دائماً للتخلص من عيوبه وإصلاحها، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من حاسب نفسه وقف على عيوبه وأحاط بذنوبه واستقال الذنوب وأصلح العيوب»(143)، وبذلك يكون في مستوى المهمة الملقاة على عاتقه، وليصبح أهلاً للقيادة المناطة إليه، فإذا ما اكتشف المساعدون هذه العيوب ونقاط الضعف، كان عليهم أن يضبطوا أهواءهم من دون تعريض معنويات الوحدة إلى الانهيار، فالمعنويات تعتمد على القناعة بسلامة الهرم القيادي، فعليهم السعي لهداية المسؤول بالطرق المشروعة.

المخالفات العابرة

عند ما يتطلب المسؤول من أفراده جهوداً وتضحيات للقيام بمهمة معينة، فلا غرو أن تصادفه بعض المخالفات، الفردية أو الجماعية، المكشوفة أو المستورة، العابرة أو المعتادة، وعليه أن يتداركها قبل حصولها، حتى لا يصعب إخمادها بعد ظهورها، وإنه من المتوقع وجود أُناس غير راضين ومشاغبين ومعارضين للمهمة المطلوب تنفيذها.

انتظار الوقت المناسب

هنالك مهمات ينبغي انتظار الوقت والجو المناسب قبل تنفيذها حتى لا تصطدم مع الواقع كما جاء في وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لابنه محمّد بن الحنفية إذ قال (عليه السلام): «يا بني لا تقل ما لا تعلم بل لا تقل كل ما تعلم»(144). وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «ما كل ما يعلم يقال، ولا كل ما يقال حان وقته، ولا كل ما حان وقته حضر أهله»(145).

السلطة أمانة

السلطة أمانة في عنق الرئيس، وليس له الحق في استغلالها، والسلطة قوة مستمدة من السلطة العليا المسيطرة على الإنسان منذ بدء الخليقة، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: (إِنّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً((146).
ويقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته..»(147).
فيلزم على المدير السعي لعدم ارتكاب الأخطاء، فالخطأ ولو كان شخصياً سيعتبر إهانة للمثل العليا التي يمثلها ويخدمها، فعليه أن يشعر بقدسية مهمته وكونها رمزاً للسلطة، فهو مسؤول عن احترام الآخرين لها.

عدم التردد في اتخاذ القرار

إذا ما تردد الرئيس في اتخاذ القرار، لفرط في الدماثة أو لخوف من المسؤولية، هيأ الجو الملائم لفوضى عاجلة، فإنه «لا خير في السكوت عن الحق، كما أنه لا خير في القول بالجهل» كما أرشدنا أمير المؤمنين (عليه السلام)(148)، ويكون مرؤوسوه أول ضحايا تردده، وإن أسوأ علة يصاب بها شخص مسؤول، هي الخشية من التحدث أو التصرف في قمة المسؤولية.

 ضبط العمل

هنالك رؤساء تدفعهم الرغبة بالشعبية، أو الفهم الخاطئ لفكرة المساواة، إلى الفوضوية وعدم ضبط العمل، إنهم يدعون بهذا إلى التهاون والفوضى والدمار.

 تقبل النصح

إن تقبل النصح ليس ضعفاً أو فقداناً للسلطة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«أحب أخواني إليَّ من أهدى إليّ عيوبي»(149)، والرئيس الناجح من كان مرناً لدرجة يتقبل فيها المشورة، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «طوبى لمن أطاع ناصحاً يهديه وتجنب غاوياً يرديه»(150)، ومع ضرورة كون المسؤول واثقاً من نفسه لدرجة يمكنه أن يتخذ فيها القرار، فعليه أن يدرس الأمر مع المستشارين الذين هم أكثر احتكاكاً بمتاعب المهنة، وهو يستمع إلى آرائهم، غير ناس وصايا أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام):
«من قنع برأيه فقد هلك»(151)، و«من استغنى بعقله ضل»(152)، و«من استبد برأيه زل»(153). وقيل: تفكر قبل أن تعزم، وشاور قبل أن تقدم، وتدبر قبل أن تهجم.

حب المرؤوسين

إن أراد أن يكون المدير محبوباً ومحترماً، فعليه أن يحب مرؤوسيه ويحترمهم فإن
«التودد إلى الناس نصف العقل»(154) كما يرشدنا مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعليه أيضاً أن يتقن مهمته أكثر من أي فرد منهم، فإن الرجال يتقبلون القيادة الحازمة الشديدة ـ من غير عنف ـ شريطة أن تكون حكيمة.

التنسيق والتنظيم

لا يمكن لقائد المنظمة إدارة عشرة آلاف موظف مثلاً، ولا لمدير أحد الأقسام في المنظمة إدارة ألف موظف، لو لم تكن تلك المنظمة مقسّمةً إلى أقسام، والأقسام مقسّمة إلى شعب. إنّ التنظيم أساس القيادة، علّموا معاونيكم ومباشريكم ودرّبوهم، حتى يستطيعوا قيادة وحداتهم بأنفسهم بعد وضع الخطة الشاملة لهم وبدون التدخل بالأمور الجزئية في وحداتهم.

تنظيم العمل الشخصي

على القائد الذي يريد السمو إلى مستوى مهمته، أن ينظّم عمله الشخصي، فإنه إن لم ينظم حياته الشخصية أثر ذلك سلبيا على حياته الإدارية. كما عليه أن يعطي الوقت اللازم للاهتمام بمشاكل القيادة ذاتها، وليس عليه أن يقوم بكافة الأعمال، إنّ من واجبه تنظيم المهام وتوزيعها على مرؤوسيه حسب إمكاناتهم، والعمل بعد ذلك على توجيه جهودهم كافة للوصول إلى الهدف الواجب تحقيقه.

معاون المدير

يجب على القائد أن يحل محله معاونه عند غيابه أو في كثير من الأحيان، وقد فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ذلك في غزوة تبوك حين قال لعلي (عليه السلام): «اخلفني في أهلي، فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله إني أكره أن تقول العرب خذل ابن عمه وتخلف عنه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم):أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ قال (عليه السلام): بلى، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فاخلفني»(155). وفي رواية أخرى قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت خليفتي في أمتي وأنت وزيري وأخي في الدنيا والآخرة»(156).

المراتب الإدارية

لابد من إتباع التسلسل والمراتب الإدارية في كل أمر وعمل، ويمكن الخروج عن هذه الطريقة بصورة قاهرة ولضرورة السرعة، فليس هنالك عمل فعال دون تنظيم، ولا نظام بدون مرجعية، إن هدف الجميع خدمة المصلحة العامة، شريطة أن يبقى كل امرئ ضمن حدوده.

معنى التنظيم

التنظيم: هو وضع كل امرئ في المكان الذي يستحقه، وعلى المسؤول قبل التعيين أن يتساءل هل سيكون هذا الفرد منتجاً في هذا العمل وهل سيكون إنتاجه جيداً، أو أن يضعه تحت التجربة لفترة زمنية محددة. كما إن للإمكانات والقدرات الفكرية درجات، كذلك لسلم المهمات، وغاية التنظيم تأمين التوافق بين المتطلبات المهمة وإمكانات الفرد، فليس من المعقول تعيين شخص في مهمة القيادة لمجرد أنه رجل طيب.

من الأخطاء الإدارية

تجنبوا وضع شخص واحد تحت تصرف سلطتين، فليس هنالك ما يسبب التوتر والخصام مثل ازدواجية السلطة.

برامج الاجتماعات

توضع برامج الاجتماعات بمساعدة مختلف الفروع والمصالح، ويسأل كل فرد عما فعل في الماضي وما يعمله الآن وما يخطط لـه في المستقبل، ثم يلقي الخبراء بآرائهم وانتقاداتهم، عندها يعرف المسؤول كل شيء، ويحكم على الأُمور بشكل أفضل، وتصبح لديه قدرة حسنة للقيام بواجبه وترتيب أعماله.

الخلل في وحدة المشروع

قد يؤدي تقسيم الأعمال وتوزيع الاختصاصات أحيانا إلى الخلل في وحدة المشروع، فعلى المسؤول أن يجمع الرغبات المختلفة على صعيد التعاون المنتج، ومن أحسن وسائل تأمين التعاون، إجراء اجتماعات دورية لرؤساء الفروع بحضور المسؤول، وتؤدي هذه الاجتماعات إلى تفهم كل امرئ لحاجات الآخرين ومتاعبهم وإمكاناتهم، وحل المعضلات ذات النفع العام، وتنسيق أعمال مختلف الفروع، ولتكون الفائدة كاملة، يعلن المسؤول عن جدول أعمال المواضيع التي ستُبحث، ليتمكن المجتمعون من دراستها مسبقاً، ومناقشتها أثناء الاجتماع بشكل لائق.

زيادة فروع العمل

تزداد فروع العمل بازدياد تحسنه ورقيه، وتتطلب زيادة الفروع جهوداً احتياطية في التنظيم، حتى لا ينقلب العمل إلى فوضى وقضايا متشابكة.

الإشراف فقط

لا يمكن للمسؤول أن يقوم بنفسه بكل شيء، فهو يرى ويشرف على الأمور من مكان بعيد، إنّ عليه أن يفكر ويضع خطة العمل، فإذا ما بذل جهده في الأمور الصغيرة الثانويّة، أضاع الأمور الكبرى الأساسية، وإذا قام بجزء من الأعمال الموكولة لمساعديه، فسيؤدي ذلك إلى الإرباك في توزيع الأعمال لأن عدم الثقة بالآخرين والقيام بكل شيء معناه سوء تنفيذ المهمات والفشل في تعليم الآخرين على العمل بشكل متقن.

هرم المسؤوليات

تأتي المسؤولية من الأعلى إلى الأسفل بالنسبة إلى كل التنسيقات، وكل منفّذ مسؤول بالنسبة إلى من يليه، والأمر في حد ذاته وسيلة المسؤول لتنفيذ مهمته، ومن هنا فإن العلاقة بين المسؤول والمرؤوسين التابعين له تكون بشكل هرمي، وهذا لا ينافي تواضع المسؤول وارتباطه بمختلف المرؤوسين على ما مر سابقا.

مع الأخصائيين

يحيط المسؤولون الناجحون أنفسهم عادة بجماعة من الفنيين الماهرين المخلصين، تاركين لهم حرية العمل بعد أن يثقوا باندفاعهم، ولكن على هؤلاء المسؤولين أن يتذكروا أنه لا يمكن للمعلومات الفنية وحدها أن تعزز المسؤولية وهنالك علماء وفنّيّون مبدعون يلمعون في الصف الثاني، دون أن يتقدموا إلى الصف الأول في المسؤولية.

مع ذوي الكفاءات

قد يريد المدير المصلحة الخاصة لنفسه وإثبات شخصيته، فإنه يختار مساعدين لايتمتعون بمزايا عالية أو إمكانات كبيرة، حتى تسهل عليه قيادتهم، وتلين له رقابهم، فالبسيط المغمور سلس القيادة، أما المدير الذي يريد المصلحة العامة، ويبتغى إرضاء ضميره، فهو يختار مساعدين ممتازين ذوي إمكانات وإبداع، وبعبارة أخرى فإن هنالك نوعان من الناس:

الأول: مشع، يعطي النور لمن حوله.

والثاني: مستغِل، يستغل كل شيء من حوله.

كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الناس اثنان برٌّ تقي والآخر شقي»(157).
فليكن المساعدون من النوع الأول، فهو النافع الذي يضيف إلى قوة المدير قوى جديدة فعالة، وعلى هذا فإن المسؤول الناجح هو من يحسن اختيار مرؤوسيه وتدريبهم واستخدامهم حسب إمكاناتهم، وكلما ازدادت مهارته في الاختيار والتعيين حسب المواهب ازداد حظه في النجاح، وهنا يمكن التمييز بين رئيسين: أولهما ناجح يحسن الاستعانة بمساعديه، لأنه يعمل تحت شعار (إِنّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيّ الأمِينُ((158)، والآخر فاشل في اختيار المساعدين الكفوئين على مدار الوقت. وقد وصف القرآن الكريم هذين القسمين بقولـه تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَيَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلّ عَلَىَ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجّههّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ((159).

عند غياب المدير

تتأثر المصلحة العامة ويتضعضع العمل ويفقد اتجاهه عند غياب المسؤول، إذا كان ممن يحتكر المسؤولية لنفسه، ولا يحسن اختيار المساعدين الكفوئين وتدريبهم للحلول محله في حالة غيابه عن العمل.

تحديد الصلاحيات

ينبغي للمدير تحديد المسؤوليات والصلاحيات والسلطات بتقنينها وتجديدها باستمرار وحسب الظروف، مع ملاحظة الجديّة والإخلاص في العمل، وقد قال علي (عليه السلام): «آفة العمل ترك الإخلاص»(160)، فذلك خير من منحهم الصلاحيات بلا حساب، ثم الاضطرار إلى الإنقاص نتيجة لعدم الكفاءة أو لكثرة الأخطاء، فإن من اعتاد سلطة صعب عليه التخلي عنها، ومن نال صلاحيات هاله أن يتركها. بيد أن
«من أشفق على سلطانه قصر عن عدوانه»(161) كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام).

الانضباط

الانضباط توجيه لأعمال الأفراد وجهودهم، وهو يحد من حريتهم المفرطة ونزواتهم الشخصية، في سبيل هدف أسمى ومصلحة جماعية عليا.
وعلى الرؤساء أن يُنَمُّوا في أنفسهم ومرؤوسيهم روح الانضباط، وذلك لأن
«الأعمال تستقيم بالعمال»(162) و«آفة الأعمال عجز العمال»(163) كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، والمثل يقول: (الانضباط هو قوة الجيش الرئيسية)، بل هو قوة الأمة التي تريد الحياة، إذ يتطلب إنهاض الشعوب من كبوتها اشتراك الجميع وتعاضدهم في الحركة التي تؤدي إلى حياة الأمة.

من علائم الانضباط

إذا قيل لك إن الانضباط سائد في مجموعة ما، فلا تراقب مظهرها، وإنما انظر إلى أدائها، ومعنويات أفرادها، وطاعتهم لرؤسائهم، والجهد الذي يحاولون بذلـه عند الشدائد. ثم إن الانضباط ليس صمتاً، أو تخلياً عن الحقوق، أو تحاشياً للمسؤولية، بل إنه العمل ضمن فكرة أمر الرئيس بعد الدراسة والبحث، وتفهم المتاعب والمشاكل الواجب حلها.

القيادة فن

تعد القيادة فناً صعباً لارتباطها بالطبيعة البشرية على اختلافها، وبالمزايا غير المتشابهة لدى المرؤوسين، ولغموض الحالات النفسية التي تستند إليها، فالقيادة الصحيحة تعدّ من أصعب الأمور، ويتطلب عمل الرئيس تفهم المرؤوسين، وهذا لايتسنى إلاّ بالاحتكاك المباشر، الذي يرافقه انسجام متبادل بين الرئيس ومرؤوسيه.

مكانة الأفراد

على المسؤول الناجح أن يضع كل امرئ في مكانه، جاء في وصية الإمام علي (عليه السلام) لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: «وأنزل الناس منازلهم خيرهم وشرهم»(164)، فمن شغل مهمة تعادل إمكاناته بدا ذكياً ومنتجاً، ومن عمل عملاً لا يلائمه بدا شخصاً قليل الخبرة، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لكل شيء قيمة وقيمة المرء ما يحسنه»(165)، لذا على المسؤول إن رام تقدير رجاله حق قدرهم، أن يقوم بجولات عملية لتفقدهم. فالتفوق المهني أمر ضروري للعاملين بالمصنع، أما بالنسبة إلى المسؤول فإن أهمية معرفة خبرة عماله تعادل أهمية إتقانه لمهمته، والمسؤول الناجح هو من ينظر إلى عماله بمنظار العدل، يقول الإمام علي (عليه السلام): «اعرفوا الله بالله، والرسول بالرسالة، وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان»(166).

ضرورة المشورة

تفرض الوظائف الهامة والمناصب على الرجال القادة مهمات جسام، وأعباء تفوق أحياناً إمكاناتهم، لذا يحيط كل مسؤول نفسه بمستشارين وخبراء وباحثين، يقدمون لـه الأفكار والمعلومات والخبرات، فتزداد مقدرته على الرؤية المستقبلية،
وفي الحديث: قيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما الحزم؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«مشاورة ذوي الرأي واتباعهم»(167).

إصدار الأوامر

ليس الأمر قهرا لإرادات الآخرين أو تحطيماً لطموحاتهم، ولكنّه للتأثير عليهم وتوجيههم لتتوافق مع الأفعال اللازمة التنفيذ للمهمة الجماعية، وعلى هذا الأساس فإن المسؤول الجيد لا يبحث عن إصدار الأوامر اعتباطاً، ولكنه يسعى ليثير في أفراده حبّ التعاون الطوعي، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر والتقوى فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء»(168).
أما إذا تم تطبيق السلطة بشكل أوامر مطلقة لا رأي للمنفذين فيها فسوف يؤدي ذلك حتماً إلى فقدان هؤلاء المنفذين لشخصياتهم.

الإثبات لا النفي

على المدير الناجح أن يستخدم الإثبات في أوامره، فهو أقوى من النفي، فإذا ما قارنا بين أمرين (قوموا بواجبكم)، و(لا تكونوا متقاعسين)، لوجدنا في الأول قوة دافعة للتنفيذ، وإشارة إلى صفة إيجابية هي حب الواجب، في حين يتضمن الثاني إشارة إلى صفة سلبية كالخوف من مساوئ التقاعس.

لا لحب السيطرة

هنالك رؤساء يسعون إلى السيطرة على مرؤوسيهم عن طريق إفقادهم ثقتهم بأنفسهم وإمكاناتهم، ثم يتذمرون بعد ذلك من نقصان حماسة مرؤوسيهم وتضاؤل اندفاعهم، كما أن هنالك رؤساء يرفضون الاعتراف بحق المرؤوس في فهم الأمر.. فما عليه إلاّ الطاعة السلبية، ولو كانت بدون تجاوب، إن هذه الطريقة تضعف شخصية المرؤوس وتقتل فيه حب الإطلاع والثقة بالنفس، وتجعله آلة صماء بلا إحساس.

شرح الأمر

على المسؤول أن لا يستجدي الطاعة، بل إن من واجبه شرح الأمر، فهذا يخلق القناعة في المرؤوسين. ولا يصح اعتبار المرؤوس آلة لتنفيذ الأوامر، فليست المسؤولية في فرض الإرادة على عبيد سلبيين، بل في توجيه وإصلاح رجال ذوي إرادة وفكر، والتعاون معهم في عمل جماعي، ضمن حدود خطة المسؤول.

الأوامر الجائرة

على المدير الناجح أن يتجنب الأوامر الجافة الجائرة الضيقة في معناها أو أسلوبها فإنها تسبب عدم الثقة بالنفس، مما يتطلب إعادة صياغتها بشكل ملطف للحصول على نتائج جيدة.

فهم الفكرة

التجربة أثبتت بأن التنفيذ يكون جيداً، إذا تفهم المرؤوسون فكرة الرئيس وعرفوا غايتها. يقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): «من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح»(169).
ويزداد الاندفاع والحماس إذا تعلق المنفذون بالقضية العامة، واعتبروها قضيتهم الشخصية، واعتبروا تنفيذها رغبة من رغباتهم.

تعيين المسؤول المباشر

على المدير الناجح أن يعين عند إصدار الأوامر الشخص المسؤول مباشرة عن تنفيذها، فإن ذلك يجعله أكثر متابعة وتحملاً للمسؤولية. وإذا كانت الأوامر صفة من صفات السلطة، فالقدرة على جعلها منفذة صفة من صفات الرؤساء الناجحين.

الاستشارة أولا

المدير الناجح لا يستبد برأيه، بل يبدأ بالاستشارة قبل إصدار الأوامر الهامة، محيطاً نفسه بأفكار وآراء الآخرين، ومحاولاً جهده كشف الحقيقة، وما أن تنتهي فترة الاستشارة حتى يخلو إلى نفسه ليصدر الأمر الذي قرره، هذا في المدير الواحد، أما إذا كانت الإدارة بالاستشارة فعليها الأخذ بالأكثرية.

بين الآمر والمأمور

(للأمر) معنيان: أحدهما ضيق، وهو: مجموعة التعليمات الدقيقة المعطاة إلى الفرد بخصوص عمله. وثانيهما أكثر اتساعاً وهو: تأمين تلاؤم وانسجام أفكار وانفعالات متعددة في سبيل هدف مشترك، جانب منه في الآمر وجانب في المأمور.

تعديلات في مرحلة التنفيذ

مهما كانت خطة المسؤول متقنة، فإنه يجد نفسه أحياناً مضطراً لإجراء بعض التعديلات أثناء التنفيذ، وعليه قبل كل تعديل أن يضع محاسن التعديل في كفة ومساوئ الأمر وكيفية تلافيها في الكفة الأُخرى، ثم إن التعديل أو العدول بحاجة إلى شجاعة من المدير، فإن الاعتراف بالخطأ أولى من ارتكابه.

زوايا الأمر

لكل أمر زاويتان: الفكرة والأسلوب، وعلى المدير أن يستوحي الفكرة من المصلحة العامة، شريطة أن ينتبه إلى الأسلوب، فلا يجرح به الآخرين أو يسيء إليهم، وليتساءل عند وضع الأمر عن التأثير الذي يشعر به لو تلقى أمراً مماثلاً بأسلوب مماثل، فهذه من أحسن الطرق لكبح جماح النفس.

الوقاية خير من العلاج

عندما توكلون مهمة إلى أحد مرؤوسيكم، اطلبوا منه أن يعرض عليكم منهاج عمله ومخططاته قبل البدء بالتنفيذ، ثم ادرسوها، وتحققوا فيما إذا كانت متلائمة مع المخطط العام، ووافقوا عليها أو عدلوها تعديلات ضرورية قبل البدء بالعمل فـ (الوقاية خير من العلاج)، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا وقاية أمنع من السلامة»(170)، وقال (عليه السلام): «وقّوا دينكم بالاستقامة بالله»(171).

مغزى الأمر

أفهموا مرؤوسيكم مغزى أوامركم، وحركوا عقولهم مع أجسامهم، حتى يقدموا أحسن النتائج، فإذا قلتم لعمال بناء يحفرون أساس بناء ما تحت المطر: (احفروا الأساس حتى المساء)، فلن تجدوا أمامكم إلاّ رجالاً يضمرون لكم أفكاراً سيئة، أما إذا شرحتم لهم باختصار سبب أمركم، والأهمية التكتيكية لهذا الخندق، وأعطيتم هذا العمل المتواضع اهتمامهً البالغً وأنه سيؤثر على مستقبل البناية، لحصلتم على نتائج أفضل.

 تدريب المساعدين

يتقن المسؤول الناجح فن تدريب مساعديه على اتخاذ قرارات مشابهة لقراراته، والتصرف بشكل يشابه تصرفاته، ولذا تكون أوامره خالية من الدقائق الصغيرة، ومحتوية على فكرته الرئيسية، فيقوم الجميع رغم ذلك بتنفيذ ما كان يريد، حتى لو كان غائباً.

 قدرة اتخاذ القرار

يشكل اتخاذ القرار الصائب من قبل الرئيس حلاً لمشاكل نفسية وبشرية وإدارية معقدة، يختلف بعضها عن البعض الآخر، اختلافاً كلياً، بشكل يتعذر فيه تطبيق الحلول المسبقة الروتينية، فيجب متابعة عناصر المشكلة ودراستها بتفاصيل دقائقها وحيثياتها قبل اتخاذ القرار النهائي، والسعي إلى تطبيقه بحزم وإرادة، فإن من ينفذ أفكاره القليلة بهمة ورغبة لأفضل ممن يمتلأ رأسه بالأفكار ويعجز عن تنفيذها، كما ورد عن الإمام علي (عليه السلام): «كمال الرجل بست خصال: بأصغريه وأكبريه وهيبتيه، فأما أصغراه فقلبه ولسانه، إن قال قال بجنان وإن تكلم تكلم ببيان، وأما أكبراه فعقله وهمته، وأما هيبتاه فماله وجماله»(172)، فإن القدرة على اتخاذ القرار صفة لازمة للقيادة، فإن لم يكن الرئيس متحلياً بها تعطل العمل وسادت الفوضى. واعلم أن «آفة الشجـاع إضاعة الحزم»(173) كما يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام).

القرار والتنفيذ

لا يكتفي الرئيس الناجح باتخاذ القرارات فقط، بل يعمل على نقلها إلى حيّز التنفيذ، ولا تستفيد المصلحة العامة من الأوامر الصادرة، بل من الأوامر المنفّذة، فإن لكل شيء ثمناً، ولا نجاح بدون تعب، و«من لم يحتمل مرارة الدواء دام ألمه»(174) كما يقول الإمام علي (عليه السلام)، والمتاعب أمر طبيعي أمام كل رئيس، فمنها ما تكون بسببه، ومنها ما يسببه مرؤوسوه أو مساعدوه الذين يعتمد عليهم وينتظر منهم العون والدعم، ومنها ما تكون بسبب الظروف والطبيعة، فإن كان رئيساً ناجحاً تقبّلها وذلّلها، واعتبرها حافزاً على المضي إلى الأمام لتحقيق النجاح.
وعليه أن يكون فعالاً وقادراً على إيجاد الحلول للمشاكل دون أن توقفه العقبات، وأن يضع نصب عينيه بأنه ليس هناك شيء مستحيل،فيستطيع تغيير الأمور المستحيلة ـ في بادئ الأمر ـ إلى أمور ممكنة كما يقول الله عزوجل: (إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىَ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ((175).

على أهبة الاستعداد

الرئيس الناجح هو من كان دائماً على أهبة الاستعداد للعمل، وكانت ردود فعله حسنة وسريعة، فالحياة عبارة عن مجموعة قرارات، فمن أحسن اتخاذها في حياته اليومية استطاع في اللحظة الحرجة اتخاذ قرار حاسم. إن الجبل يبدأ بحصاة والبحر يبدأ بقطرة، ورحلة الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى، يقول الإمام علي (عليه السلام) في قصيدة منسوبة له:
قطر وبدء خراب السد بالعرم
والغيث فهو كما قد قيل: أولـه

مقدمات لاتخاذ القرار

يحتاج القرار إلى فحص دقيق لكافة الحلول الممكنة، ولكن محاولة البحث بسرعة عن الحل المثالي قد يكون أمرا خياليا، إن حسم الأمور خير من التردد، يقول الإمام علي (عليه السلام): «من الخرق العجلة قبل الإمكان، والأناة بعد إصابة الفرصة»(176).
ويقول (عليه السلام): «من وجد مورداً عذباً يرتوي منه فلم يغتمنه يوشك أن يظمأ ويطلبه فلا يجده»(177) إذ يسبب تقلقل الرئيس كرقاص الساعة توتر أعصاب المساعدين، وقلق المنفذين، وإضاعة الوقت والجهد.

معيار معرفة الرئيس

يُعرف الرئيس من قراراته، فالحياة مواقف، وفي المواقف تضحية، ويستطيع من يقرر في الوقت المناسب أن يكون عالماً كبيراً أو فنياً معتبراً، أو حكيما يشار إليه بالبنان، ولا يُطلق لقب الرئيس على من لا يستطيع اتخاذ القرار، ويؤجل كل شيء، ويؤخر إلى آخر لحظة أمر اختيار الحل، ولا يتدخل عندما تستدعي الظروف، ولو كان يحمل أعلى الرتب، وتصلح كلمتا (نعم ولا) للرئيس الحازم، ولكن كلمة (ربما) لا تصلح إلا للحكيم.

تحمل الصعاب

يقتضي على الرئيس الناجح أن يؤهل نفسه لحياة قاسية جسمياً ونفسياً، فالحياة مزيج من النجاح والفشل، والحزن والفرح، والدعم والمتاعب،ولا توقف الحواجز مَن وهب نفسه لهدف نبيل، بل يدفعه شعوره بعظم مهمته وفائدة عمله إلى الأمام، وهذا أكبر دافع للإنسان الرفيع للمثابرة على العمل بدون كلل أو ملل، وعليه يلزم أن يشعر الجميع بأن الرئيس لا يتخذ قراراً إلاّ ورائده الواجب والمصلحة العامة، وأنه يضغط على نفسه، ويضبط أهواءه ونزواته، فلا يفاجأ بشيء ولا يضطرب من شيء، ويشعرهم أيضاً بأن قراره نهائي تدعمه عزيمة لا تنثني، وبأن سماحة نفسه، التي تجعله يعترف بأخطائه ويصلحها، لا تجبره على الخضوع أو التردد.

المتابعة والإشراف

يعتقد كثير من الرؤساء أنّ مهمتهم إصدار الأوامر لا غير للتخلص من المسؤولية سواء كانت الأوامر خاطئة أو فاشلة. إن الأمر شيء والتنفيذ شيء، فيجب المتابعة بينهما من قبل المسؤول حتى انتهاء التنفيذ. كما أنّ المراقبة ضرورية للمرؤوسين، وواجبة بالنسبة إلى المسؤول.
إن إعطاء الأوامر سهل قياساً مع الإشراف على تنفيذها، ولا تظهر صفات المسؤول ومقدرته إلاّ أثناء مراقبة التنفيذ، فيجب مراقبة المرؤوسين ودفعهم للحصول على النتيجة المثلى، ولو اقتصرت المهمة على إعطاء الأوامر لكانت أسهل مهمة.

التخطيط والتنفيذ

في التخطيط متعة كمتعة المخترع الذي يُركّب آلة أو يضع نظرية، ولا تبدأ المتاعب إلاّ عند التنفيذ وفي حقل التجارب العملية، حيث تصطدم الأفكار مع الواقع، فيضطر المنفذ إلى بذل الجهد وإجهاد الفكر ليوفّق بينهما، دون أن يشذ عن الفكرة العامة، وهذا عمل متعب تتركز فيه المسؤولية.

التفتيش

التفتيش غير القاسي يرفع من معنويات الأفراد الذين يعملون بصمت وإخلاص، وخاصة إذا تلاه مباشرة إشعار لبق بأن المسؤول قد لاحظ التفوق والعمل المتقن، وقدّر الكفاءات حق قدرها.

المراقبة

المراقبة مسؤولية مقدسة للتأكد من تنفيذ الأوامر بدقة، لأن «من راقب العواقب سلم من النوائب»(178) كما يرشدنا سيدنا أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا تكون المراقبة فعالة إلاّ إذا كانت شخصية يقوم بها الرئيس بنفسه دون الاعتماد على الوسائط والتقارير، وشاملة تصل إلى أدنى درجات التسلسل وأبسط المنفذين. ولكي يستطيع المسؤول تكوين فكرة واضحة عن الإنتاج، عليه أن يزور الموظفين في استراحتهم خلال عملهم في الليل أو النهار، متنقلاً بشكل مفاجئ من وحدة عمل إلى وحدة أخرى، ليرى الأمور على حقيقتها لأن الاحتكاك مع واقع العمل يعطي فكرة صحيحة أفضل من مئات التقارير.

بين الضمير والمراقبة

الشخص يدفع إلى العمل بضمير يقظ ومسؤول مراقب، فإذا أهملنا المراقبة واعتمدنا على الضمير وحده تعرضت الوحدة إلى تيارين متعاكسين: تيار الضمير وتيار الإهمال، ويؤثر الثاني على الأول عادة إن لم يتفوّق عليه، فيضعف مردود المرؤوس، ويجب أن لا تكون مراقبة المسؤول متكررة بشكل مزعج، ولا نادرة قليلة النفع، ويمكن أن تكون دورية تارة ومفاجئة تارة أخرى لتجنب الروتين.

الهدف من المراقبة

ينبغي تطبيق المراقبة بكل دماثة وتعقل، ليتقبلها المرؤوسون بكل رحابة صدر، إذا ما شعروا بأن غايتها إيجاد أحسن الطرق لإصلاح العمل وليس البحث عن الأخطاء وإظهارها بشكل مضخم.

المراقبة ضمان للعمل

يلزم أن تخرج الأمور من حيز الكلام إلى حيز الواقع، يقول الإمام علي (عليه السلام):
«إن فضل الفعل على القول لجمال وزينة»(179)، وقال (عليه السلام): «أحسن المقال ما صدقه الفعال»(180)، وقال (عليه السلام): «لا تقولن ما لا تفعله فإنك لن تخلو في ذلك من عجز يلزمك وذم تكسبه»(181).
ويحتاج العمل إلى مراقبة فعالة تؤمن تلاؤم الأفعال مع الأفكار، مراقبة بناءة غايتها الإصلاح، لا هدامة مزعجة تسعى إلى إظهار الأخطاء فحسب.

واجبات أثناء المراقبة

للمسؤول أثناء المراقبة واجبات منها:
1: واجب خدمة تجاه المصلحة العامة التي يخدمها، يجبره على مراقبة مرؤوسيه وتوجيههم.
2: واجب إصلاح تجاه المخطئين الذين هم بحاجة إلى توعية وتعليم.
3: واجب عدالة تجاه المرؤوسين العاملين بصدق وأمانة.

أسباب وقوع الأخطاء

تنجم الأخطاء عادة عن عدة أسباب، فعلى المدير أن يعرف هذه الأسباب ويميزها ليتخذ الموقف المناسب:
1: عدم وضوح الأوامر من قبل المسؤول، فعليه حينئذ إيضاح الأوامر، وليس معاقبة المنفذ.
2: الأمر واضح ولكن المرؤوس لم يفهمه، فالخطأ هنا مزدوج: خطأ المسؤول لأنه لم يتأكد من تفهم الأوامر، وخطأ المرؤوس الذي تقبل تنفيذ مهمة دون أن يفهم المطلوب بدقة، قال أبو عبد الله (عليه السلام) لحمران بن أعين في شيء سأله: «إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون»(182).
3: الأمر واضح، والفهم جيد، ولكن المرؤوس لا يتمتع بالإمكانات الفكرية أو الجسمية اللازمة للتنفيذ، فالخطأ هنا مزدوج أيضاً: خطأ المسؤول الذي أعطى مهمة لمرؤوس لا يتمتع بكفاءة تناسبها، وخطأ المرؤوس الذي لم يُعلم رئيسه بصعوبة التنفيذ وبأنه غير مؤهل للقيام بهذه المهمة.
4: الأمر واضح، والفهم حسن، ولكن المرؤوس لم يبذل قصارى جهده لكسله أو لقلة اندفاعه، وهنا يقع الخطأ على عاتق المرؤوس وحده، إلاّ إذا اعتبرنا أن المسؤول مخطئ أيضاً لأنه لم يثر في نفس المنفذ الحماسة الكافية للاندفاع في العمل وتشجيعه بالمكافآت المناسبة للعمل المتقن.

العقوبة للإصلاح

العقوبة واجب من واجبات المسؤول، يفرضها لتأمين النظام والعدالة وهو متألّم في قرارة نفسه، كالأب الذي يعاقب أولاده لمصلحتهم وهو آسف لاضطراره إلى سلوك هذا السبيل، فيلزم أن لا تكون العقوبة للتشفي والحقد.
وبقدر كون المعاقبة أمراً مؤلماً فإنها ضرورية لا يحق للمسؤول التخلي عنها، وعلى المذنبين أن يعلموا أن عقوبتهم غير صادرة عن المسؤول شخصياً، بل عن القوانين والأنظمة التي يخدمها ويمثّلها، والتي ينهار بدونها نظام المجموعة ووحدتها.

لا للعقوبة المشددة

اجتنبوا العقوبة المشددة، ولتكن عقوباتكم متناسبة مع الذنب والمذنب والظروف المحيطة به، فلكل حالة ملابساتها، كما قال الله سبحانه وتعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصّابِرينَ((183).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «دع الحدة وتفكّر في الحجة وتحفَّظ من الخطل»(184).
وقال الإمام أبو جعفر (عليه السلام): «الندامة على العفو أفضل وأيسر من الندامة على العقوبة»(185).

لا تكثر من العقوبة

لا تكثروا من العقوبات، فالإفراط فيها مثبط للهمم ومزعزع للثقة بالنفس، افرضوا عقوبة واحدة عادلة تكون مثلاً رادعاً للآخرين، ثم أظهروا استياءكم من الذنوب المرتكبة بنظرة حادّة أو كلمة عابرة تذكّر المذنب بما ينتظره إذا أخطأ ثانية.

إمكانية الإصلاح

لا تتركوا المذنب يعتقد بأنه مُستهدف، حتى لو كان هدفاً لمراقبة شديدة، وبينوا له إمكانية إصلاح الأخطاء كبداية للتحسن والتقدم على طريق الصلاح.
فالعقوبة وسيلة من وسائل إصلاح الفرد للتخلص من أخطائه، وليست طريقة إلى سجنه فيها إلى الأبد، ومن الضروري أن يشعر المسيء بأن حياته ستبدأ من جديد بمجرد انتهاء العقوبة، وكأنه لم يرتكب ذنباً أو أن ينتقل لعملٍ آخر يناسبه.

لا تتسرع في العقوبة

لا تتسرعوا في فرض العقوبة، بمجرد سماع أقوال أحد أطراف النزاع حتى لو كان من مساعديكم، فكم من عقوبة مجحفة فُرضت من قبل مسؤولين يجهلون شكل المذنب واسمه وأسباب حادثته، قال تعالى في الذكر الحكيم: (إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوَاْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىَ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ((186).
وعند الشك بأقوال المرؤوس المذنب أثناء الاستماع إليه يجب التريث بإصدار القرار إلى حين التمحيص والتدقيق في نسبة الأخطاء، فإذا ما ثبت كذبه، علينا أن نعاقبه بقدر يعادل الخطأ الذي ارتكبه.

لا تعاقب وأنت غاضب

لا تعاقبوا وأنتم في حالة الغضب، فإن «الغضب مفتاح كل شر»(187) كما قال أبو عبد الله (عليه السلام)، وانتظروا يوماً قبل تحديد العقوبة، واستمعوا إلى من ارتكب الخطأ، وابحثوا معه عن الأسباب المخففة، فإذا تأكدتم من سوء نية المذنب عاقبوه لأن «من أضمر الشر لغيره فقد بدأ بنفسه»(188) كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا تتركوا المسيئين في عمل واحد، لأنه خطر هدام للعمل والمجتمع.

لا تشك بالثقاة

تؤثر في نفس الإنسان الأساليب التي توحي بالثقة أو عكسها، فالشك بمرؤوس جيد إبطال لأفكاره وأعماله، أما الشك بإمكانية إصلاحه فتحطيم لكيانه كإنسان.

انظر المحاسن أيضاً

لا تكونوا من الرؤساء الذين لا يرون إلاّ الأخطاء، ولا تنحل عقدة لسانهم إلاّ للتأنيب، واعملوا بقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «تجاوز عن الزلل وأقل العثرات ترفع لك الدرجات»(189). وليكن لديكم مقياس صحيح متزن، فلا تؤنبوا تأنيباً شديداً من أجل هفوة صغيرة، والعكس صحيح أيضاً.

المحاسبة

المحاسبة واجب من واجبات المسؤول، يقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم):«حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا»(190)، ومن لم تكن لديه الشجاعة الكافية ليحاسب نفسه ومرؤوسيه، يفقد مهمته، ويكون حولـه جواً ملائماً للمخالفة والإهمال وما يتبعها من فوضى خطيرة، فإن الإهمال لا يجلب المحبة بل يؤدي إلى الاحتقار العميق. واسمع نصيحة أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يقول: «لا عاجز أعجز ممن أهمل نفسه فأهلكها»(191). هذا ويعتقد من لا يحاسب إلاّ بعد مرور مدة طويلة على خطأه، بأنّ رئيسه قد تقبل تصرفه في بادئ الأمر، ثم غيّر رأيه تحت تأثير خارجي.

مساعدة المخطئ على التصحيح

قد يبدو الذنب للناظر أكبر من حقيقته، إن لم يبحث عن دوافعه وملابساته، فإن كان الخطأ ناجماً عن ضعف الإمكانات، عندها يجب البحث عن أسبابه ونتائجه، وتجنبوا الملاحظات الشخصية، واعملوا على مساعدة المخطئ في تصحيح اتجاهاته.

بين الحزم والقسوة

لا تخلطوا بين الحزم والقسوة الجارحة، فإنّ المحاسبة لا تتعارض مع التهذيب، واحذروا التأنيب الذي يأخذ شكل شتائم، إذ ينسى المذنب في هذه الحالة هدف ملاحظاتكم، ولا يتذكر إلاّ الشتيمة.

طريقتان في الحياة الإدارية

هنالك طريقتان في الحياة الإدارية:
1: طريقة سلبية، مبدؤها رؤية مساوئ العمل والعمال، ليس لإصلاحها، بل لاستغلالها بشكل هدام، والعودة إليها بمناسبة وبدون مناسبة.
2: طريقة إيجابية، تنظر إلى الأمور بعين الرضى، وتبحث عن محاسن الرجال لتنميتها وتحسينها، وتعطف على ضعفهم وأخطائهم، وتعمل على إصلاحها بكل دماثة. ومن الواضح أن الطريقة الثانية هي الأسلم.

لا تجسم الأخطاء

يلزم عدم إظهار خطأ المرؤوس بشكل مجسم، وعدم تكرار التأنيب حتى لا يفقد الثقة بنفسه فيضيع أمله بالنهوض من كبوته، كما يلزم تجنب التطرق للأخطاء السابقة، فليس هنالك ما يثبط همة المرؤوس مثل شعوره بأن خطأه الماضي سيؤثر على مستقبله مهما حاول إصلاح نفسه. ومن المعلوم أن الأخطاء الناجمة عن الخبث المطلق والسوء الكلي نادرة جداً، أما أخطاء الإهمال وعدم الانتباه فناجمة عن أسباب يتوجب إيجاد حلول لها. ويلزم أن لا تلحق السمعة السيئة والفكرة السابقة بالمرؤوس طوال حياته، يقول أحد الشعراء:
كأن به من كل فاحشة وقرا
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه
ولا مانعاً خيراً ولا قائلاً هجرا
سليم دواعي الصدر لا باسطاً أذى
فكن أنت محتالاً لزلته عذرا(192)
إذا ما أتت من صاحب لك زلة

الأسوة والقدوة الحسنة

لا تكونوا من الرؤساء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وينسون أنفسهم، فهؤلاء هم أسوأ الرؤساء، وكما جاء في القرآن الحكيم في معاتبة بني إسرائيل: (أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ((193)، فإن المسؤول قبلة الأنظار، ويصوّب أفراده أبصارهم باتجاهه لتقليده والسير على هديه، فيكون المسؤول قدوة للمرؤوسين فيزداد اندفاعهم في إتقان العمل بصورة كبيرة، قال الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر: «إياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما تعنى به مما قد وضح للعيون فإنه مأخوذ منك لغيرك، وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم، املك حمية أنفك وسَورَة حدّتك وسطوة يدك وغرب لسانك، واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار، ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك، والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة أو سنة فاضلة أو أثر عن نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) »(194).

سيرة المسؤول

يلزم أن تكون سيرة المسؤول موافقة لحديثه إن لم تكن أقوى منه، يقول الإمام علي (عليه السلام): «من طابق سره علانيته ووافق فعله مقالته فهو الذي أدى الأمانة وتحققت عدالته»(195)، فإذا ما تناقضت حياته وتصرفاته وسيرته مع المُثل التي ينادي بها اشمأزَّ مرؤوسوه من كلامه وثاروا عليه في قلوبهم، كما قال الله تعالى: (كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ((196).

بين الحياة العامة والخاصة

ربما يقال: إن حياة فلان الخاصة ملكه، وأن على المسؤول أن يعكس المثُل العليا أثناء العمل، وهو حر في تصرفاته خارج العمل يفعل ما يشاء، إن هذا الكلام ليس صحيحاً. فهل هنالك انفصال بين الحياة العامة والخاصة؟ طبعاً لا (فَإِنّهُ يَعْلَمُ السّرّ وَأَخْفَى((197)، فالوجدان هو الأصل، ولقد قدم الوجدان على العمل لأنه أصل كل عمل، والوجدان الديني هو الرقيب الأكبر، قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «من أفضل الدين المروءة ولا خير في دين ليس لـه مروءة»(198).
وقال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لهشام بن الحكم: «لا دين لمن لا مروّة له ولا مروّة لمن لا عقل له»(199).

التواضع أولاً

القيادة مهمّة اجتماعية، يحتاج صاحبها للتخلي عن الأنانية والمصالح الفردية والزهو الباطل، فـ(إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ((200).
ويقول الإمام أبو جعفر (عليه السلام): «الكبر رداء الله والمتكبر ينازع الله رداءه»(201).

لا تتبجح

على المدير أن يجتنب التبجح والتحدث عن نفسه ومدحها، كما ورد عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «شر الناس من يرى أنه خيرهم»(202) ، صحيح أن على الرئيس أن يكون القدوة بالقيم والمثل للمواطنين، ولكن ليس لـه أن يتفاخر عليهم، والقيم والمثل العليا هي ما يراه الآخرون بصورة لا شعورية وليس ما دُفع إلى شعورهم دفعاً، وعلى المدير أن لاَّ يعتقد بأن تبجّحه وتفاخره يزيد من حماس الأفراد، بل يثير في نفوس مساعديه روح السخرية والنقد، فيتُحطم بيديه ما أراد بناءه.

التواضع البناء

لابد للمسؤول أن يفكر بالتواضع البنّاء، فإن «من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر خفضه الله»(203) كما يقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكل إنسان معرض للخطأ، ولايكون مثالياً أو غير قابل للنقد، فاللازم أن يحاول إصلاحه إذا ما كان فيه خلل، حتى يصل إلى مستوى قريب من المثالية، دون تبرير موقفه أمام الناس.

المسؤول المغرور

قد يكون لدى المرؤوسين استعداد كبير لتبجيل وتعظيم مسؤولهم بصفات ومزايا لا يملكها، ويعمل المسؤول المغرور على تنمية هذا الاستعداد بدافع الأنانية وحب الظهور، فيجد نفسه في النهاية محاطاً ببطانة لا ترى إلاّ بعينيه، ولا تسمع إلاّ بأذنيه، فيفقد الفائدة التي كان يحملها إليه نقد معاونيه الصالحين الذين يرون الأشياء من زاوية مختلفة، كما يفقد الاحتكاك مع الوسط الذي يعيش فيه، فيصبح غير مؤهل للقيادة.

من مساوئ الغرور

الفرد المغرور من أكبر الأخطار على المجتمع، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «المغرور يتمادى في المعصية ويتمنى المغفرة»(204) لأنه يحاول جذب كل شيء نحوه، ويرى كل أمر بمنظاره، فيغدو غير قادر على تفهم حاجات الآخرين أو التفاهم معهم.

كلمات الغرور

يردد بعض المدراء كلمات الغرور دائما، فيقول: لقد كنت أتوقع هذا.. لقد قلت لكم هذا.. لقد أعلمتكم بما سيقع أفلا ترون؟..، وهذا يوجب الفشل، فإن «من اغتر بنفسه أسلمته إلى المعاطب»(205) على حد قول الإمام علي (عليه السلام)، وهو تبجح غير مجد، فإنه إن كان قد توقع حصول الأمر حقاً فهو أمام حالتين: أولاهما أنه أخذ التدابير اللازمة لتلافي الخطأ، وهذا عمل حسن ولكن علام التبجح؟ وثانيهما أنه لم يأخذ التدابير الكفيلة لحل الموضوع، وفي هذه الحالة الأفضل أن يلزم الصمت أمام مرؤوسيه لأنه لم يقم بواجبه.

القوة بلا تواضع

القوة بلا تواضع عنف، وليكن قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «قوة الحلم عند الغضب أفضل من القوة على الانتقام»(206) مصباحاً ينير طريقنا، لأن التواضع يخفف من المساوئ، يقول أبو عبد الله (عليه السلام): «اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم»(207).

نحن بدل أنا

القادة لا يتحدثون عن أنفسهم، ويلغون (الأنا) ويستبدلونها قولاً وسلوكاً، قلباً وقالباً بـ (نحن)، قاصدين بذلك الجماعة، لأن من تَشْغَلُ (الأنا) باله يجعل من نفسه هدفاً لكل عمل، ويستغل جهد الآخرين لمصلحته الشخصية، ويصبح عبئاً على جماعته وطفيلياً على جهودها وتضحياتها.

لا للاستبداد

إذا لم يتحل المسؤول بالتواضع، ولم يتقبل الدروس العملية من الرجال والحوادث، وتمسك بأفكاره لدرجة الاستبداد، ولم يستمع إلى رأي غيره، أصبح بعد برهة متعباً منهوكاً ومنفصلاً عن الواقع، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها»(208).

العمل بصمت

يعمل المسؤول المتواضع بصمت في سبيل الواجب، واضعاً المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية، فلا يضع نفسه فوق موضعها، لئلا ينزلق إلى هاوية الغرور البغيض، فتصبح جهوده غير مثمرة، ولا يكون ذهنه متحجراً بحيث لا يتقبل المعلومات الجديدة، ويفقد بذلك ميزة الاستماع إلى آراء الآخرين، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
«إن من تعلم العلم ليماري به السفهاء أو يباهي به العلماء أو يصرف وجوه الناس إليه ليعظموه فليتبوأ مقعده من النار، فإن الرئاسة لا تصلح إلا لله ولأهلها، ومن وضع نفسه في غير الموضع الذي وضعه الله فيه مقته الله، ومن دعا إلى نفسه فقال أنا رئيسكم وليس هو كذلك لم ينظر الله إليه حتى يرجع عما قال ويتوب إلى الله مما ادّعى»(209).

من مصاديق التواضع

التواضع لا يعني أن تقول: ليس لدي إمكانات، أو لا يمكنني أن أعمل شيئاً، بل تقول: إن لديّ بعض الإمكانات التي لا يحق لي أن أفاخر بها أو أن أستغلّها لنفسي، وعليّ أن أنمّيها لخدمة الآخرين. قال أبو عبد الله (عليه السلام): «سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من أحب الناس إلى الله؟ فقال: أنفع الناس للناس»(210).

موجبات احترام المدير

يكسب الرئيس احترام مرؤوسيه وتقديرهم بما يحمله من معارف، وبما يقدمه من أمثلة في التفاني والحزم والانضباط، ثم يكسب ثقتهم ومحبتهم باهتمامه بمشاكل حياتهم، وباستماعه إليهم بكل تبسط، شريطة أن لا يتعارض ذلك مع الانضباط والمصلحة العامة.

الطيب الخجول

لا يستطيع الرئيس الطيب الخجول في أوامره، امتلاك القلوب، ولا يمكنه العمل للوصول إلى الطاعة المثلى، ولا تنحني الأعناق وتتفتح القلوب إلاّ أمام الرئيس الجريء القوي. والقوة من أحسن أساليب القيادة عندما تكون بلا تكلُّف فإن «التكلف من أخلاق المنافقين»(211) كما يرشدنا الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ولكنها تفقد الكثير من فعاليتها، عندما تأتي بصورة مفاجئة وعنيفة.

ما يريده المدير

على المسؤول أن يعرف ما يريد، ويصر على أهدافه الصحيحة حتى النهاية، دون أن يمنعه ذلك من سماع رأي مساعديه وتصليح أخطائه وقراراته، أما المسؤول غير الحازم في عمله فمصيره إلى الفشل الذريع، لأنهم يبحثون عن مسؤول قوي يقودهم ويستلم زمام أُمورهم، ويشعرون بغريزتهم بأن المسؤول الساذج خطر على مصالحهم.

لا للتملق

هنالك مرؤوسون أشد خطورة وأصعب كشفاً، أولئك الذين لم يستمعوا لقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «ليس من أخلاق المؤمن التملق»(212)، فهم مندفعون إلى التملق أمام المسؤول، يطيعون الأوامر باندفاع مفرط، وتذوب شخصياتهم كلياً أمام من هو أعلى منهم، فإذا ما كانوا مع مرؤوسيهم عاملوهم بقسوة واحتقار، وبدون تفهم أو رغبة في مساعدتهم أو مكافأتهم وهذا نفاق بائن وهنا يلزم اللجوء إلى الحزم الواعي، المستند على معرفة الرئيس لكل فرد معرفة دقيقة مستمدة من التجارب العملية، لا مبنية على مظاهر الاحترام الخارجية، وهنالك مرؤوسون يودون الظهور بأي ثمن، والغاية لديهم تبرر الوسيلة، ممن يقول عنهم أمير المؤمنين (عليه السلام): «همُّ الكافر لدنياه وسعيه لعاجلته وغايته لشهوته»(213) إنهم يريدون الوصول إلى الصف الأول ولو أدى ذلك إلى تحطيم الآخرين والسير على أشلائهم إنهم يستغلون كل مناسبة ليتحدثوا بالسوء عن رفاقهم بغية إظهار تفوقهم وتشويه سمعة غيرهم... هنا يجب أن يكون المسؤول حازماً، فـ «الحزم حفظ ما كلفت وترك ما كفيت»(214) كما بينه أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، لأن التهاون ومسايرة المنافقين يضعف همم العاملين، وينطوي عندئذ كل امرئ على نفسه، فيعمل بدون تعاون وينقلب التفاهم إلى حذر من الرفاق.

الإيمان بالهدف

القائد الذي لا يؤمن بهدفه ليس أهلاً للقيادة، وإيمانه وحده بالهدف لا يكفي، إذ عليه أن ينقله إلى الآخرين، وأن يُفهّم كل مرؤوس مسؤوليته في المهمة، ويبعث فيه الشجاعة، ويقنعه بالمثل العليا التي تدفع إلى الإخلاص بالعمل وإتقان المهمة المطلوبة ليكون مؤهلاً للاستمرار بالمهمة، فهنالك كثير من الأشياء الممكنة.
( الإيمان والتفاني
لا يمكن للإنسان متابعة الجهد إلاّ إذا اعتقد بصحته وفائدته، ولا يتسنى للشجاع مواجهة المتاعب إلاّ إذا تحلى بروح التفاني. فالإيمان والتفاني بحب العمل هي الصفات المميزة لكل رجل منتج، ولكل مجموعة فعالة، ولكل أمة تتفاعل مع الحياة لأجل سعادة الدارين. إن مَثَلَ القائد الذي لا يستطع بث روح الإيمان بالهدف إلى مرؤوسيه ثم يريد منهم أن يعملوا بأحسن ما يمكن، كَمَثَل سائق المركبة الذي يريد تشغيل المركبة دون وقود، فكذلك إذا كان العمل بدون هدف وإيمان فإنه يكون عبثاً وتفاهة.

الفكر السليم

العمل الناجح هو ما إذا كان مبنياً على الفكر السليم، وقد جاء عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «تفكر قبل أن تعزم وشاور قبل أن تقدم وتدبر قبل أن تهجم»(215).
وعنه (عليه السلام): «من أعمل فكره أصاب جوابه» و«الفكر في الأمر قبل ملابسته يؤمن الزلل»، و«الفكر يوجب الاعتبار ويؤمن العثار ويثمر الاستظهار»، و«أصل السلامة من الزلل الفكر قبل الفعل والروية قبل الكلام»، و«دع الحدة وتفكر في الحجة وتحفظ من الخطل تأمن الزلل»، و«دوام الفكر والحذر يؤمن الزلل وينجي من الغير»(216).
وعن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): «تفكر ساعة خير من عبادة سنة»(217).

المساواة والعدالة

يرغب الأفراد فطرياً أن يسود العدل بينهم، يقول الإمام علي (عليه السلام): «جعل الله سبحانه العدل قواماً للأنام، وتنـزيهاً من المظالم والآثام، وتسنية للإسلام»(218)، فإذا ما شعروا بظلم رئيسهم تأثّروا وثاروا، حتى لو كان هذا الرئيس محبوباً، فقد يتقبل الفرد القسوة والإرهاق، ولكنه يفقد صوابه نتيجة الظلم والتعسف، فإن لم يظهر استياءه حفظه في قلبه كجرح صامت، لابد أن ينفجر يوماً على شكل حقد جارف أو كُرهٍ عميق، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «راكب الظلم تكبو به مركبته»(219).

الثناء والتأنيب العادل

من العدل توزيع الثناء والتأنيب بكل تبصّر، والاعتراف بأعمال المرؤوسين الطيبة وأفكارهم المبدعة، ومراعاة أسباب الفشل لمن بذلوا قصارى جهدهم وإمكاناتهم ولم ينجحوا رغم ذلك. وبكلام آخر من مصاديقه قول أمير المؤمنين (عليه السلام):«تبادروا إلى محامد الأفعال وفضائل الخلال وتنافسوا في صدق الأقوال وبذل الأموال»(220).

وعند النجاح

من العدل أن لا يرى المدير كل النجاح لنفسه، بل يعترف الرئيس عند النجاح بمجهود كل من اشتركوا معه، عملاً بقوله تعالى:(وَلاَ تَبْخَسُواْ النّاسَ أَشْيَاءَهُمْ((221) وأن يعتقد صادقا بأن الفوز ناجم عن مجموعة الجهود الصغيرة والكبيرة، فلا يجر المغانم كلها نحو نفسه، أو يجعل البطولة وقفاً عليه من دون مرؤوسيه.

لا تحكم على الغائب

على المدير أن يكون حذراً في الحكم على أشخاص لم يرهم منذ زمن طويل، ولايعتمد بذلك على ذكرياته، فقد يتطور السيئ خلال سنوات ويصبح ممتازاً، كما قد ينقلب الحسن إلى رديء، ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «قد يستقيم المعوج»(222).

قابلية الإصلاح

كل إنسان قابل للإصلاح، فالأحكام على الناس مؤقتة وقابلة للتعديل، ولايجوز تجاهل أي رجل نهائياً بحجة عدم صلاحه، فهذا إجحاف بحقه وظلم ما بعده ظلم، وهروب من الإصلاح والمسؤولية في تربية المجموعة.

الحياد وعدم الانحياز

من العدل الوقوف على الحياد في بعض الموارد، وعدم الانحياز الناجم عن الاستلطاف أو النفور، وتأمين توزيع المناصب على المرؤوسين وترفيعهم حسب الإمكانات والمواهب الثابتة الأكيدة، وليس حسب المعرفة المسبقة أو المديح الذي يكيله المرؤوس نفاقاً ورياء، يقول جل وعلا: (وَلاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مّنْ أَمْوَالِ النّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ((223).

 وفاء بالوعود

من العدل أن لا يقطع الرئيس لمرؤوسيه وعداً لا يقدر على تنفيذه، فإنه لا شيء يكسب ثقة المرؤوس كالصراحة، والعدل حق للمرؤوسين على الرئيس، فعليه أن يقدمه لهم ليشعرهم بالطمأنينة والثقة، حتى لا يقلقوا على ضياع جهودهم، كما وينبغي أن لا يخاف المرؤوس رئيسه، وأن يتمنى وجوده في الوقت نفسه، لأنه يدعمه في عمله ويتحمل مسؤولية الأوامر الصادرة عنه.

الاعتراف بالخطأ

من العدل أيضاً: اعتراف الرئيس بخطئه ـ إذا أخطأ ـ وتحمل نتائجه، وعدم إلصاقه بشخص آخر فإنه «والله ما ينجو من الذنب إلا من أقرَّ به»(224) كما جاء عن أبي جعفر (عليه السلام)، وخاصة إذا كان مرؤوساً ليس له ذنب سوى أنه نفذ الأوامر الناقصة أو المبهمة بوجدان وضمن حدود الإمكانات الموضوعة تحت تصرفه.
وهذا كله من مصاديق السلم والسلام الإداري، أو من موجباته ومقوماته وشرائطه، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض»(225). وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «جاء جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد ربك يقرؤك السلام ويقول لك: دار خلقي»(226). وفي الحديث: «من حسنت مداراته طابت حياته»(227). وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «من دارى الناس سلم»(228). وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «سلامة الدين والدنيا في مداراة الناس»(229).
(1) الكافي: ج2 ص642 ح1.
(2) الكافي: ج2 ص643 ح4.
(3) وسائل الشيعة: ج16 ص295 ح21586.
(4) غرر الحكم ودرر الكلم: ص413 ح9424.
(5) بحار الأنوار: ج65 ص381.
(6) سورة النساء: 86.
(7) وسائل الشيعة: ج16 ص336 ب18 ح21700.
(8) مستدرك الوسائل: ج11 ص298 ح13086.
(9) غرر الحكم ودرر الكلم: ص249 ح5155.
(10) مستدرك الوسائل: ج11 ص295 ح13076.
(11) مستدرك الوسائل: ج12 ص421 ح14497.
(12) الكافي: ج2 ص199 ح2.
(13) مستدرك الوسائل: ج8 ص414 ح9839.
(14) الكافي: ج8 ص24 خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) وهي خطبة الوسيلة ح4.
(15) راجع بحار الأنوار: ج73 ص312 ب59 ح4.
(16) سورة آل عمران: 159.
(17) فقه الرضا (عليه السلام): ص398 ب115.
(18) مستدرك الوسائل: ج8 ص419 ب70 ح9854.
(19) الكافي: ج2 ص671.
(20) وسائل الشيعة: ج12 ص145 ح15894.
(21) سورة الأنفال: 46.
(22) سورة النحل: 125.
(23) نهج البلاغة: الرسائل: 34.
(24) وسائل الشيعة: ج7 ص102ح8849.
(25) وسائل الشيعة: ج7 ص102ح8850.
(26) الكافي: ج2 ص103 ح5.
(27) الكافي: ج2 ص100 ح7.
(28) وسائل الشيعة: ج12 ص150 ح15929.
(29) وسائل الشيعة: ج12 ص158 ح15942.
(30) سورة فاطر: 10
(31) سورة الحج: 24.
(32) وسائل الشيعة: ج5 ص233 ح6421.
(33) غرر الحكم ودرر الكلم: ص210 ح4058.
(34) وسائل الشيعة: ج12 ص217 ح16125.
(35) غرر الحكم ودرر الكلم: ص67 ح894.
(36) غرر الحكم ودرر الكلم: ص385 ح8786.
(37) غرر الحكم ودرر الكلم: ص50 ح332.
(38) بحار الأنوار: ج74 ص141ح9.
(39) الكافي: ج1 ص52 ح8.
(40) غرر الحكم ودرر الكلم: ص254 ح5335.
(41) سورة النور: 19. (إِنّ الّذِينَ يُحِبّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(.
(42) مستدرك الوسائل: ج9 ص110 ح10379.
(43) بحار الأنوار: ج92 ص2 ح2.
(44) سورة البقرة: 83.
(45) الكافي: ج2 ص165 ح10.
(46) الكافي: ج2 ص208 ح4.
(47) غرر الحكم ودرر الكلم: ص415 ح9482.
(48) وسائل الشيعة: ج16 ص35 ح20905.
(49) بحار الأنوار: ج2 ص138 ح52.
(50) غرر الحكم ودرر الكلم: ص422ح9691.
(51) الكافي: ج2ص175ح4.
(52) غرر الحكم ودرر الكلم: ص384ح7833.
(53) بحار الأنوار: ج75 ص140.
(54) الكافي: ج2 ص199-200 باب تفريج كرب المؤمن ح3.
(55) وسائل الشيعة: ج16 ص366 ب27 ح21777.
(56) بحار الأنوار: ج71 ص247 ب15 ح44.
(57) غرر الحكم ودرر الكلم: ص83 ح1331.
(58) الكافي: ج2 ص280 باب الكبائر ح10.
(59) غرر الحكم ودرر الكلم: ص386 ح8833.
(60) غرر الحكم ودرر الكلم: ص385ح8786.
(61) مستدرك الوسائل: ج9 ص55 ح10187.
(62) سورة آل عمران: 159.
(63) سورة الحجرات: 11.
(64) سورة البقرة: 212.
(65) سورة هود: 38.
(66) غرر الحكم ودرر الكلم: ص249 ح5143.
(67) غرر الحكم ودرر الكلم: ص58 ح591.
(68) مستدرك الوسائل: ج9 ص76 ح10248.
(69) سورة الشورى: 40.
(70) بحار الأنوار: ج75 ص79 ح56.
(71) غرر الحكم ودرر الكلم: ص59 ح629.
(72) غرر الحكم ودرر الكلم: ص390 ح8956.
(73) غرر الحكم ودرر الكلم: ص341 ح7800.
(74) الكافي: ج3 ص288 ح1.
(75) الكافي: ج2 ص169 ح1.
(76) سورة (المنافقون): 8.
(77) الكافي: ج2 ص63 ح1.
(78) غرر الحكم ودرر الكلم: ص420 ح9629.
(79) غرر الحكم ودرر الكلم: ص303 ح6872.
(80) مستدرك الوسائل: ج8 ص222 ح9307.
(81) الاختصاص: ص335.
(82) غرر الحكم ودرر الكلم: ص211 ح4072.
(83) غرر الحكم ودرر الكلم: ص211 ح4073.
(84) بحار الأنوار: ج20 ص23.
(85) مستدرك الوسائل: ج12ص424ح14506.
(86) سورة الزمر: 18.
(87) من لا يحضره الفقيه: ج2 ص623 ح3214.
(88) من لا يحضره الفقيه: ج4 ص384 ح5834.
(89) غرر الحكم ودرر الكلم: ص444 ح10151.
(90) غرر الحكم ودرر الكلم: ص211 ح4069.
(91) غرر الحكم ودرر الكلم: ص50 ح306.
(92) مستدرك الوسائل: ج11 ص220 ح12796.
(93) غرر الحكم ودرر الكلم: ص183ح3456.
(94) وسائل الشيعة: ج7 ص203 ح9115.
(95) غرر الحكم ودرر الكلم: ص343 ح7879.
(96) بحار الأنوار: ج75 ص81.
(97) وسائل الشيعة: ج1 ص53 ح106.
(98) مشكاة الأنوار: ص226.
(99) سورة الصف: 3.
(100) سورة الشعراء: 225-226.
(101) نهج البلاغة: الخطب 141.
(102) سورة الأعراف: 28.
(103) غرر الحكم ودرر الكلم: ص50 ح312.
(104) غرر الحكم ودرر الكلم: ص421ح10062.
(105) مستدرك الوسائل: ج1 ص146 ح220.
(106) غرر الحكم ودرر الكلم: ص41 ح16.
(107) الكافي: ج1 ص32 ح3.
(108) بحار الأنوار: ج1 ص166 ح74.
(109) الكافي: ج1 ص44 ح3.
(110) غرر الحكم ودرر الكلم: ص354 ح8091.
(111) غرر الحكم ودرر الكلم: ص280 ج2 ح44.
(112) وسائل الشيعة: ج15 ص162.
(113) غرر الحكم ودرر الكلم: ص444ح10133.
(114) الكافي: ج2 ص435 ح10.
(115) الكافي: ج2 ص427 ح7.
(116) سورة ص: 76.
(117) مستدرك الوسائل: ج12 ص127.
(118) شرح نهج البلاغة: ج20 ص290 قصار الحكم 321.
(119) غرر الحكم ودرر الكلم: ص253 ح5317.
(120) غرر الحكم ودرر الكلم: ص249 ح5197.
(121) غرر الحكم ودرر الكلم: ص246 ح5058.
(122) نهج البلاغة: الخطب 127.
(123) سورة آل عمران: 103.
(124) الكافي: ج2 ص200 ح5.
(125) سورة الكهف: 95.
(126) غرر الحكم ودرر الكلم: ص345 ح7929.
(127) الكافي: ج2 ص355.
(128) سورة البقرة: 286.
(129) سورة الطلاق: 7.
(130) سورة البقرة: 286.
(131) وسائل الشيعة: ج16 ص22.
(132) الكافي: ج1 ص44 ح2.
(133) أعلام الدين: ص154.
(134) مستدرك الوسائل: ج12 ص356 ح14281.
(135) مستدرك الوسائل: ج8 ص444 ح9943.
(136) بحار الأنوار: ج72 ص38 ب35 ضمن ح36.
(137) الكافي: ج2 ص77 باب الورع ح9.
(138) وسائل الشيعة: ج12 ص126 ح15840.
(139) وسائل الشيعة: ج3 ص230 ح3483.
(140) غرر الحكم ودرر الكلم: ص281 ح6228.
(141) سورة المطففين: 26.
(142) الكافي: ج2 ص195 ح10.
(143) مستدرك الوسائل: ج12 ص154.
(144) من لا يحضره الفقيه: ج2 ص626 ح3215.
(145) بحار الأنوار: ج 53 ص 115ح 138.
(146) سورة الأحزاب: 72.
(147) إرشاد القلوب: ج1 ص184.
(148) غرر الحكم ودرر الكلم: ص68 ح939.
(149) وسائل الشيعة: ج12 ص25 ح15547.
(150) غرر الحكم ودرر الكلم: ص255 ح4575.
(151) غرر الحكم ودرر الكلم: ص347 ح7988.
(152) غرر الحكم ودرر الكلم: ص347 ح7989.
(153) غرر الحكم ودرر الكلم: ص347 ح7990.
(154) الكافي: ج2 ص643 ح4.
(155) بحار الأنوار: ج21 ص213.
(156) الأمالي للطوسي: ص261 ح475.
(157) بحار الأنوار: ج75 ص23 ح86.
(158) سورة القصص: 26.
(159) سورة النحل: 76.
(160) غرر الحكم ودرر الكلم: ص155 ح2902.
(161) غرر الحكم ودرر الكلم: ص344 ح7886.
(162) غرر الحكم ودرر الكلم: ص345 ح7920.
(163) غرر الحكم ودرر الكلم: ص345 ح7924.
(164) بحار الأنوار: ج74 ص128 ح33.
(165) بحار الأنوار: ج2 ص63 ح49.
(166) الكافي: ج1 ص85 ح1.
(167) وسائل الشيعة: ج12 ص39 ح15582.
(168) تهذيب الأحكام: ج6 ص181 ح22.
(169) الكافي: ج1 ص44 ح44.
(170) غرر الحكم ودرر الكلم: ص483 ح11168.
(171) غرر الحكم ودرر الكلم: ص87 ح1439.
(172) روضة الواعظين: ص291.
(173) غرر الحكم ودرر الكلم: ص259 ح5526.
(174) غرر الحكم ودرر الكلم: ج1 ص484 ح11192.
(175) سورة الرعد: 11.
(176) غرر الحكم ودرر الكلم: ص474 ح10842.
(177) غرر الحكم ودرر الكلم: ص473 ح10830.
(178) غرر الحكم ودرر الكلم: ص476 ح10918.
(179) غرر الحكم ودرر الكلم: ص210 ح4067.
(180) غرر الحكم ودرر الكلم: ص210 ح4066.
(181) غرر الحكم ودرر الكلم: ص211 ح4070.
(182) الكافي: ج1 ص40 ح2.
(183) سورة النحل: 126.
(184) غرر الحكم ودرر الكلم: ص58 ح591.
(185) الكافي: ج2 ص108 ح6.
(186) سورة الحجرات: 6.
(187) الكافي: ج2 ص303 ح3.
(188) غرر الحكم ودرر الكلم: ص100 ح1727.
(189) غرر الحكم ودرر الكلم: ص246 ح5055.
(190) وسائل الشيعة: ج16 ص99 ح21082.
(191) مستدرك الوسائل: ج11 ص140 ح12649.
(192) أعلام الدين: ص180.
(193) سورة البقرة: 44.
(194) نهج البلاغة: الرسائل 53.
(195) غرر الحكم ودرر الكلم: ص211 ح4069.
(196) سورة الصف: 3.
(197) سورة طه: 7.
(198) غرر الحكم ودرر الكلم: ص258ح5479.
(199) الكافي: ج1ص17ح12.
(200) سورة لقمان: 18.
(201) الكافي: ج2 ص309 ح4.
(202) غرر الحكم ودرر الكلم: ص308 ح7082.
(203) الكافي: ج2 ص122 ح3.
(204) مستدرك الوسائل: ج11 ص251.
(205) غرر الحكم ودرر الكلم: ص308 ح7074.
(206) غرر الحكم ودرر الكلم: ص285 ح6397.
(207) الكافي: ج1 ص36 ح1.
(208) وسائل الشيعة: ج12 ص40 ح15587.
(209) بحار الأنوار: ج74 ص149 ح59.
(210) الكافي: ج2 ص164 ح7.
(211) غرر الحكم ودرر الكلم: ص478 ح10971.
(212) مستدرك الوسائل: ج8 ص467 ح10032.
(213) غرر الحكم ودرر الكلم: ص93 ح1589.
(214) غرر الحكم ودرر الكلم: ص475 ح10877.
(215) غرر الحكم ودرر الكلم: ص56 ح546.
(216) مستدرك الوسائل: ج1ص183ح12689.
(217) انظر غرر الحكم ودرر الكلم: ص56-58 الفصل الخامس في الفكر.
(218) غرر الحكم ودرر الكلم: ص99 ح1697.
(219) غرر الحكم ودرر الكلم: ص348 ح8042.
(220) غرر الحكم ودرر الكلم: ص324 ح7526.
(221) سورة الشعراء: 183.
(222) غرر الحكم ودرر الكلم: ص325 ح7582.
(223) سورة البقرة: 188.
(224) الكافي: ج2 ص426 ح1.
(225) وسائل الشيعة: ج12 ص200 ب121 ح16081.
(226) وسائل الشيعة: ج12 ص200 ب121 ح16083.
(227) انظر مستدرك الوسائل: ج9 ص39-40 ب104 ح10142.
(228) غرر الحكم ودرر الكلم: ص445 ح10186.
(229) غرر الحكم ودرر الكلم: ص445 ح10178.