الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الأول

دعوة الإسلام للسلام والمقارنة بين الديانات والحضارات

 هل استطاعت الحضارات والأديان من تهذيب الإنسان؟
۞ العنف والإرهاب في المبادئ المنحرفة
 دور الإسلام في نشر السلام وتهذيب الإنسان
۞  صور من تسامح الإٍسلام للديانات الأخرى
۞ آراء علماء الغرب عن سلم الإسلام والمسلمين
۞ بين المادية والإسلام
 حرية العقيدة والأديان في ظل الإسلام
۞  مع ثمامة وقومه
۞  مع مشركي مكة
۞ مع نصارى نجران
۞  مع المنافقين
۞ مع الخوارج
 حقوق الأقليات الدينية في البلاد الإسلامية
۞ موارد لاختيار الإسلام
 الفتوحات الإسلامية ونشر الدعوة عبر السلم والسلام
۞ الأصل في الإسلام هو السلام
۞ انتشار الإسلام بقوته الذاتية
۞ ترحيب الكفار بالفاتحين المسلمين
۞ المعاملة الحسنة ومنح الحريات
۞ سيرة المسلمين وتواضعهم
۞ وفاؤهم ورأفتهم بالبلاد المفتوحة
 العلاقة بين المسلمين وغيرهم
۞  مبدأ التعارف فيما بينهم
۞ مبدأ الأمن والسلام
۞ مبدأ الحب والإحسان
 أسس تعامل المسلمين مع غيرهم
۞ أولاً: المساواة
۞ ثانياً: الحرية
۞ ثالثاً: الرعاية
۞ رابعاً: حسن المعاملة
۞  خامسا: الحماية والدفاع
۞ نهي الإسلام من موالاة الأعداء
۞ من مصاديق قانون الإلزام
 الخلاصة

هل استطاعت الحضارات والأديان من تهذيب الإنسان؟

مسألة: الهدف الذي يتوخاه الإسلام ويسعى إليه هو تهذيب الإنسان وتمكينه من العيش في هذه الحياة الأولى والحياة الآخرة بأمن وسلام، وقد تحقق ذلك فترة حكومة القوانين الإسلامية التي طبقها رسول اللـه(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
وهذا ما تدعيه أيضا سائر الحضارات والأديان وتسعى إليه، ولكن لم تصقل سلوك الإنسان وتروض حاجاته ولم تهذب طبيعته تهذيباً كاملاً حتى في عصرنا الحاضر، فكان التهذيب ـ على فرضه ـ بنحو المقتضي لا العلّة التامة، ولم تستطع تحقيق أسباب السلام لـه على هذه الأرض.
وذلك لأن الإنسان كلما تقدم في الحضارات المادية وزادت معارفه، تعددت أهدافه واستولى على الطبيعة وأفسدها أكثر فأكثر، وزاد حرصه وتشعبت مسالك هذا الطموح، ولذا يطلب الإنسان أكثر من القدر المحتاج إليه، حيث قال سبحانه: (الّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدّدَهُ)(1) فالإنسان بالإضافة إلى احتياجاته للشؤون الحيوية وجمالـه العادي، يريد أن يزداد في كل شيء، بما لا يحتاج إليه إطلاقاً، حتى يصل إلى مرحلة الطغيان، كما يشاهد ذلك في غالب الحكام، وقد عدّ لأحد الحكام العباسيين بعد موته أربعة ملايين من الثياب!.
وفي سنة (383هـ) عقد القادر على ابنة بهاء الدولة بصداق مائة ألف دينار(2).
وكانت حفلات زفاف العباسيين من أشهر أعياد قصور الخلافة إلى جانب حفلات الختان وغيرها، وأن نفقات زفاف هارون العباسي والتي دفعت من بيت مال المسلمين بلغت خمسين مليون درهم(3).
وأن نفقات زفاف المأمون بلغت(38) مليون درهم من غير ما أعطاه لوالدها الحسن، وقد أعطاه عشرة ملايين درهم من خراج فارس(4).
كما كان للمتوكل العباسي ـ وفي تاريخ آخر لهارون العباسي أيضاً ـ أكثر من أربعة آلاف جارية(5).
وكان لأحد ملوك القاجار ألف امرأة(6).
وذكر أن المتوكل أنفق على الأبنية التي بناها مائتي ألف ألف وأربعة وسبعين ألف ألف درهم، ومن العين مائة ألف ألف دينار(7).
كما أن أحد الذين كانوا يريدون النيابة في مجلس الأمة في العراق هيأ لضيافة نوري السعيد(8) رئيس الوزراء آنذاك طعاماً لما يقارب من نصف مليون إنسان بينما الذين حضروا الضيافة لم يكونوا أكثر من ألف إنسان والزائد من الطعام فسد وألقي في الصحراء وفي القمامة.

العنف والإرهاب في المبادئ المنحرفة

يتسم تاريخ الكثير من المبادئ وتعاليمها بالعنف والإرهاب.
ولم تستطع تلك المبادئ بل ولا الأديان السابقة من إنجاز هدف الإنسان وتهذيبه وتحقيق الأمن والسلام لـه، وذلك بسبب التحريف المقصود الذي طرأ على الكتب المقدسة كالتوراة والإنجيل، فنجد على سبيل المثال لا الحصر في (العهد القديم) للديانة اليهودية، يقول في الكتاب المقدس: (وإذا اقتربتم من مدينة لتحاربوها، فاعرضوا عليها السلم أولاً فإذا استسلمت وفتحت لكم أبوابها فجميع سكانها يكونون لكم تحت الجزية ويخدمونكم، وإن لم تسالمكم بل حاربتكم فحاصرتموها، فأسلمها الرب إلهكم إلى أيديكم فاضربوا كل ذكر فيها بحدّ السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وجميع ما في المدينة من غنيمة، فاغنموها لأنفسكم وتمتعوا بغنيمة أعدائكم التي أعطاكم الرب إلهكم، هكذا تفعلون بجميع المدن البعيدة منكم جداً، التي لا تخص هؤلاء الأمم هنا، وأما مدن هؤلاء الأمم التي يعطيها لكم الرب إلهكم ملكاً فلا تبقوا أحداً منها حيّاً بل تحللون إبادتهم...)(9).
وفيه: (كلّم الرب موسى فقال: انتقم لبني إسرائيل من المديانيين وبعد ذلك تموت وتنضم إلى آبائك، فقال موسى للشعب: جندوا منكم رجالاً يغزون مديان لينتقم للرب منهم من كل سبط من أسباط بني إسرائيل ترسلون ألفاً للحرب فاختير من بني إسرائيل ألف من كل سبط فبلغ عدد المحاربين اثني عشر ألفاً فأرسلهم موسى للحرب ومعهم فنحاس بن العازار الكاهن وفي يده أمتعة القدس وأبواق الهتاف، فقاتلوا مديان كما أمر الرب موسى وقتلوا كل ذكر ومنهم: ملوك مديان الخمسة، أوي وراقم وصور وحور ورابع وكذلك قتلوا بلعم بن باعور بالسيف وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم وجميع بهائمهم ومواشيهم وغنموا ممتلكاتهم وأحرقوا بالنار جميع مدنهم بمساكنها وقصورها وأخذوا جميع الأسلاب والغنائم من الناس والبهائم)(10).
وفيه: (كان داود يغزو البلاد فلا يبقي على رجل ولا امرأة، ويأخذ الغنم والبقر والحمير والجمال والثياب)(11).
وفيه: (هاجم يوآب مدينة ربة عاصمة بني عمون واستولى عليها وأرسل إلى داود من يقول: هاجمت ربة واستوليت على مياه المدينة فاجمع الآن بقية الجيش واهجم على المدينة وخذها أنت حتى لا آخذها أنا فتدعى باسمي، فجمع داود الجيش كلـه وسار إلى ربة فهاجمها واستولى عليها وأخذ التاج عن رأس الإلـه ملكام وكان وزنه ثلاثة عشر رطلاً من الذهب وفيه حجر كريم فوضعه على رأسه وغنم داود من المدينة غنائم وافرة جداً وأخرج سكانها منها وأجبرهم على العمل بالمناشير والنوارج وفؤوس الحديد وعلى الاشتغال بالصناعة اللبن، هكذا فعل بجميع مدن بني عمون)(12).
وكذلك بالنسبة للديانة النصرانية، فإنها لم تستطع تحقيق الأمن والسلام للإنسان ولم تتمكن من تهذيبه، وقد ورد في: (بشارة متى) المتداول بأيدي المسيحيين بعد أن طرأت عليه التحريفات المقصودة:
(لا تظنوا إني جئت لأحمل السلام إلى العالم، ما جئت لأحمل سلاماً، بل سيفاً، جئت لأفرق بين الابن وأبيه والبنت وأمها، والكنة وحماتها، ويكون أعداء الإنسان أهل بيته، من أحب أباه أو أمه أكثر مما يحبني فلا يستحقني، ومن أحب ابنه أو ابنته أكثر مما يحبني فلا يستحقني، ومن لا يحمل صليبه ويتبعني فلا يستحقني، ومن حفظ حياته يخسرها، ومن خسر حياته من أجلي يحفظها)(13).
ولا يخفى أن عقيدتنا في النبي موسى والنبي عيسى (، أنهما من أولي العزم من الرسل، وأنهما مبعوثان من عند إلـه حكيم رؤوف رحيم، وجاءا للعالم بما يقتضي السلم والسلام ويمهدا لدين الإسلام،قال عزوجل: (وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىَ وَعِيسَىَ وَمَا أُوتِيَ النّبِيّونَ مِن رّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ)(14) فلا نعتقد بمزاعم هذين الكتابين المحرفين، فلا شك أن تلك النصوص محرفة حتماً عن التعاليم السمحاء التي وردت في تلك الكتب المقدسة قبل تحريفها.
ومن خلال مقارنة بين ما ورد في العهد القديم و(بشارة متى) نجد الأول أشد خطراً على الإنسانية من كتب النصارى، فإنه يتحدث عن القتل والإبادة والإرهاب خلافاً لمفهوم الرحمة والشفقة والأمن والسلام.
ومن الواضح أن النصرانية تؤيد كل ما كان في الدين اليهودي، وما ورد في كتابهم، ولذا يتبع النصارى الكتابين معاً، ويسمونهما (الكتاب المقدّس)، وفي القرآن الحكيم تصديق لهذا الأمر، بالنسبة إلى عمل المسيح (عليه السلام) قبل تحريفهم للكتابين، حيث يقول عن لسان عيسى (عليه السلام): (وَرَسُولاً إِلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رّبّكُمْ أَنِيَ أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَىَ بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّكُمْ إِن كُنتُم مّؤْمِنِينَ ( وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيّ مِنَ التّوْرَاةِ وَلاُحِلّ لَكُم بَعْضَ الّذِي حُرّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رّبّكُمْ فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ)(15).

دور الإسلام في نشر السلام وتهذيب الإنسان

مسألة: عمل الإسلام على تهذيب الإنسانية بأكملها، وسموها ورفعتها، ولأجل وصول الإنسان إلى شاطئ الأمان والسلام، لأن الناس في نظر القرآن الكريم والسنة المطهرة أسرة واحدة متعاونة متكاملة، وكلهم أُخوة كما قال سبحانه في كتابه الكريم:(إنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)(16)، ومن هذا المنطلق قرر الإسلام مبادئ العدالة والمساواة والإخاء والحرية والأمن والرفاه للجميع. وأكد على ذلك كثيراً، لأنّ الإسلام يحب الحياة ويحرص على الأمن، ويؤكد على السلم والسلام.
وقد قال اللـه سبحانه: ( أُوْلَـَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ)(17).
وقال تعالى: (الّذِيَ أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مّنْ خَوْفٍ)(18).
وحسب ما جاء في النصوص الدينية سيأتي يوم يهذب الدين الإسلامي البشرية كلها بل والحيوانات أيضا، ولذا يعبر اللـه سبحانه وتعالى عنه بـ: (يَوْمَ تُبَدّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ)(19)، وهو زمان ظهور الإمام المهدي (عجل اللـه تعالى فرجه الشريف) حيث يضع يده على رؤوس الناس فتكمل عقولهم كما قال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام): »إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها أحلامهم»(20)، ويعيش الذئب مع الشاة في سلام(21)، على تفصيل ذكرناه في كتاب (الإمام المهدي (عليه السلام))(22) وكتاب (فقه المستقبل)(23).

صور من تسامح الإسلام للديانات الأخرى

ومن هنا أصبح الفرق الشاسع واضحاً بين تهذيب الأديان والحضارات للإنسان من جهة، وبين تهذيب الدين الإسلامي وحضارته لـه من جهة أخرى.
فكانت حضارة الإسلام وتهذيبه للإنسان مبتنية على السلم والسلام، على عكس غيره.
ويتضح ذلك بتصفح التاريخ وبملاحظة الكتب والقوانين المدونة، فالدين الإسلامي على ما في القرآن الكريم وسنة رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرة الخلفاء الواقعيين بعده من الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) تدل على شمولية السلم والسلام في الإسلام حتى لسائر الأديان، ويظهر جزء من ذلك في الاحتجاجات بين الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) وبين المشركين والملحدين ومن أشبه(24).
كما ترى في التاريخ الإسلامي كثيراً من حكام المسلمين ـ الذين لم يكونوا قساة على أنفسهم وعلى غيرهم ـ كانوا يعاملون اليهود والنصارى وأتباع سائر الأديان والمذاهب بالتسامح وإعطاء الحريات.
مثلاً: (كان اليهود قبل الفتح الإسلامي بالأندلس يرزحون تحت تعسف القوط، وظلّوا على ذلك زمناً طويلاً إلى أن دخل المسلمون الأندلس فخلّصوهم من هذا الاضطهاد وسمحوا لهم بحرية طقوسهم وحرية العلم وحرية التجارة التي كانت محظورة عليهم من قبل، وأباحوا لهم أن يمتلكوا بعد أن كانت الملكية محرّمة عليهم، ولهذا نهضوا واشتهر بعضهم في العلم والأدب، بعد أن استنشقوا نسيم الحرية)(25).
يقول أحد الغربيين: (وكان في الأندلس طبقة العبيد ورقيق الأرض فقد رحبوا بالمسلمين الفاتحين، ليخلصوهم من قيود سادتهم القوط، ثم اعتنق الكثير منهم الإسلام واستمتعوا في ظلال الحكم الإسلامي بحقوق مدنية كانت محظورة عليهم، فصاروا يزرعون الأرض وينتفعون بثمراتها ويؤدّون عنها خراجها للدولة، ولم يحدث أن أجبرت الدولة أحداً على أن يسلم، ولقد استطاع النصارى أن ينهضوا بدينهم وينشروا مذهبهم، وهم في رعاية المسلمين وفي حكمهم، وفي العصر نفسه رسخت أقدامهم في مصر، فإذا كانت الطوائف النصرانية الأخرى قد أخفقت في إظهار مثل هذا النشاط القوي، فإن المسلمين ليسوا هم المسؤولون عن هذا الإخفاق، إذ كانت الحكومة الإسلامية تعامل الطوائف المسيحية كلها على حد سواء، وكانت تحمي بعضهم من اضطهاد بعض).
ويقول أحدهم(26): (شهد البطريق عيشوايان الذي تولى منصبه سنة كذا بأن العرب الذين مكّنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون، إنهم ليسوا أعداء النصرانية بل يمتدحون ملتنا، ويوقّرون قدسيتنا وقسيسينا، ويمدّون يد المعونة إلى كنائسنا وديننا).
ويقول آخر منهم(27):(وإذا انتقلنا من الفتح الأول للإسلام إلى استقرار حكومته استقراراً منظماً رأيناه أكثر محاسنَ وأنعم ملمساً بين مسيحييّ الشرق على الإطلاق، فما عارض العرب قط شعائر الدين المسيحي، بل بقيت روما نفسها حرّة في المراسلات مع الأساقفة الذين كانوا يرعون الأمة الخالية).
وفي سنة ألف وثلاث وخمسين كتب عالمهم إلى مسيحييّ أفريقيا يوصيهم باعتبار أسقف قرطاجنة مطراناً عاماً بينهم، وكان الوئام مستحكماً بين المسلمين والنصارى حتى أن غريغور السابع كتب إلى النصارى يلومهم على المحاكمة مع أسقفهم أمام المسلمين إلى أن يقول: لقد أبقى المسلمون سكان الأندلس على دينهم وشرعهم وقضائهم وتولّيهم بعض الوظائف حتى كان منهم موظفون بخدمة الخلفاء وكثير منهم تولّى قيادة الجيوش وتولّد عن هذه السياسة الرحيمة انحياز عقلاء الأمة الأندلسية إلى المسلمين وحصل بينهم زواج كثير، وكانت حرية الأديان بالغة منتهاها، لذلك لما اضطهدت أوروبا اليهود لجؤوا إلى خلفاء الأندلس في قرطلّة، لكن لما دخل الملك (كارلوس) سر قسطة أمر جنوده بهدم جميع معابد اليهود ومساجد المسلمين.
وقالوا: (لما فتح العثمانيون القسطنطينية كان أكثر الشعب النصراني في عشية الكارثة ينفرون من أي اتفاق مع كنيسة روم الكاثوليكية، أشد من نفورهم من الإتفاق مع المسلمين).
إلى غير ذلك من العبارات الكثيرة الموجودة في كتبهم والمنقولة في كتبنا أيضاً، ولو أراد أحد أن يجمعها لبلغت مجلداً ضخماً.

آراء علماء الغرب عن سلم الإسلام والمسلمين

وإضافة لما ورد في البحث المتقدم من آراء لابد من تسجيل بعض الشهادات الصادرة من أبرز علماء الغرب التي تشيد بحقيقة الدين الإسلامي والمسلمين، فإنها شهادة من علماء غير مسلمين بمدى سلم الإسلام وسلامه.
ونبدأها برأي الكونت هندريك حيث قال: (إن المسلمين امتازوا بالمسالمة وحرية الأفكار في المعاملات ومحاسنتهم المخالفين، وهذا يحملنا على تصديق ما قالـه روبنسن: أن شيعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هم وحدهم الذين جمعوا بين المحاسنة ومحبة انتشار دينهم، وهذه المحبة هي التي دفعت العرب إلى طريق الفتح، فلم يتركوا أثراً للإفك في طريقهم إلا ما كان لابد منه في كل حرب وقتال ولم يقتلوا أمة رفضت الإسلام).
وقال غوستاف لوبون: (إن القوة لم تصمد أمام قوة القرآن، وأن العرب تركوا الماديين أحراراً في أديانهم، فإذا كان بعض النصارى قد أسلموا واتخذوا العربية لغة لهم، فذلك لما كان يتّصف به العرب الغالبون من ضروب العدل الذي لم يكن للناس عهد بمثله، ولما كان عليه الإسلام من السبل التي لم تعرفها الأديان الأخرى، فقد عاملوا أهل سوريا ومصر وإسبانيا وكل قطر استولوا عليه بلطف عظيم، تاركين لهم قوانينهم ونظمهم ومعتقداتهم، غير فارضين عليهم سوى جزية زهيدة في مقابل حمايتهم لهم وحفظ الأمن بينهم، والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين رحماء متسامحين مثل العرب)(28).
وهنا لابد من جواب حول ما ذكره غوستاف لوبون في رأيه المتقدم عما صدر من العرب تجاه الماديين أو النصارى وهو: أن تلك المعاملة الرفيعة لم تتوقف على العرب المسلمين فقط، بل كل الأمة الإسلامية من عربٍ أو عجمٍ أو غيرهم كانوا يحملون الإسلام إلى غير المسلمين بهذه الروحية الرفيعة والمعنوية المفعمة باللطف والحنان والسلام والواقعية، وكان ذلك بفضل الإسلام كما لا يخفى، وإلا فتاريخ عرب الجاهلية مليء بالعنف والإرهاب.
وعزو هذه الفتوحات للعرب فقط من قبل غوستاف لوبون ربما لم تصدر عن حسن نية وسلامة صدر، فأريد منها إبعاد دور الآخرين من القوميات المختلفة في هذه الفتوحات، وقد ذكر التاريخ لنا شاهداً مهماً على التلاعب بهذه النسبة، يقول أمير المؤمنين علي بن طالب (عليه السلام) في إحدى خطبه:
(ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها، وحسن تدبير الأمراء القائمين بها، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين، فكنا نحن ممن خمل ذكره، وخبت ناره، وانقطع صوته وصيته، وأكل الدهر علينا وشرب، ومضت السنون والأحقاب بما فيها، ومات كثير ممن يعرف،ونشأ كثير ممن لا يعرف...)(29).
وليس الحديث هو التعرض لتفصيل هذه النسبة وما ذكر عنها بل هذه إشارة لابد من ذكرها.
فهذه النسبة التي ذكرها غوستاف لوبون ليست صحيحة وهناك شواهد تاريخية تؤكد أن بعض العرب كان ضد الرحمة في الفتوحات ولـه موقف من الداخلين في الإسلام …
عن أبي جعفر محمد بن جرير بن رستم الشيعي قال: لما ورد سبي الفرس أراد عمر بن الخطاب بيع النساء وأن يجعل الرجال عبيد العرب، فقال لـه أمير المؤمنين (عليه السلام): إن رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »أكرموا كريم كل قوم».
قال عمر: قد سمعته يقول: »إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، فإن خالفكم فخالفوه».
فقال لـه أمير المؤمنين (عليه السلام): »هؤلاء قوم قد ألقوا إليكم السلم ورغبوا في الإسلام ولابد من أن يكون لي فيهم ذرية وأنا أشهد اللـه وأشهدكم أني أعتقت نصيبي منهم لوجه اللـه تعالى».
فقال جميع بني هاشم: قد وهبنا حقنا أيضا لك.
فقال (عليه السلام): »اللهم اشهد إني قد أعتقت ما وهبوني لوجه الله».
فقال المهاجرون والأنصار: قد وهبنا حقنا لك يا أخا رسول الله.
فقال (عليه السلام): »اللهم إني أشهد أنهم قد وهبوا لي حقهم وقبلته وأشهدك أني قد أعتقتهم لوجهك».
فقال عمر: لم نقضت علي عزمي في الأعاجم وما الذي رغبك عن رأيي فيهم.
فأعاد (عليه السلام) عليه ما قال رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) في إكرام الكرماء.
فقال عمر: قد وهبت للـه ولك يا أبا الحسن ما يخصني وسائر ما لم يوهب لك.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): »اللهم اشهد على ما قالوه وعلى عتقي إياهم»(30).

بين المادية والإسلام

ولتأكيد التباين والاختلاف أيضاُ بين تهذيب الحضارات المادية للإنسان وبين تهذيب الشريعة الإسلامية لـه نقول: إن تهذيب الإنسان وسلامته هو أحد المبادئ التي عمق الإسلام جذورها في نفوس المسلمين كما قال سبحانه: (وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَىَ دَارِ السّلاَمِ)(31) فأصبحت جزءً من كيانهم، وعقيدة من عقائدهم.
ولكن الإنسان يختلف عما هو عليه في الحضارة المادية حينما تزداد معارفه فتتعدد أهدافه فيسيطر على الحياة فيفسدها بعد أن يزداد حرصه وتتشعب طموحاته، بل هو في الإسلام يعمل من أجل التطور والاستقرار والازدهار والسلام والتقدم في كافة مجالات الحياة ونواحيها، وقد أُمر الإسلام المسلمين بذلك، في الآية الكريمة: (وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ)(32).
وفي الحديث الشريف قال الإمام الصادق (عليه السلام): »من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون»(33).
فالإسلام هو رسالة السلم والسلام الذي يريد للإنسانية الرقي والتقدم والحضارة والسكينة والاطمئنان فإن الإنسان غير الآمن في سربه ومسكنه وحياته لا يتمكن من أن يحقق الازدهار والنمو، بل كثيراً ما يسبب فقدان الأمن ـ الناشئ من الخوف ونحوه ـ تحطيم الإنسان في أبعاده المختلفة واستنفاد معنوياته السامية التي تحافظ على كرامته وإنسانيته.

حرية العقيدة والأديان في ظل الإسلام

مسألة: من مبادئ الإسلام المهمة الواجبة التطبيق هو مبدأ تنعم الإنسان بالسلم والسلام، والأمن والحرية، وأن لا يكره إنسان على رأي خاص ونظرية خاصة، سواء ترتبط بالكون أو الطبيعة أو الإنسان، وحتى في قضايا الدين فالمقرر عدم الإكراه في الدين.
ومن أدل الآيات القرآنية على مبدأ عدم الإكراه في الدين قولـه تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ)(34).
وقولـه عزوجل: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)(35).
وقولـه تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ)(36).
وفي آية أخرى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللّهِ كَثِيراً)(37)، إشارة إلى الأديان الأربعة التوحيدية، وحتى المجوس كان أصل دينهم الدعوة إلى التوحيد وإنما خالطته الأهواء فصاروا ثنوية(38)،كما أن الأهواء قد دخلت دين المسيح (عليه السلام) فصاروا مثلثين، حيث قال سبحانه: (وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ)(39).
وقولـه تعالى:(فَذَكّرْ إِنّمَآ أَنتَ مُذَكّرٌ( لّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ)(40).
وقولـه سبحانه:( إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـَكِنّ اللـه يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(41).
إلى غيرها من الآيات والروايات.
وعلى هذا فالإسلام لا يرغم أحداً على اعتناق عقيدة معيّنة، ولا يكره غير المسلمين على اعتناق عقيدته ليكونوا مسلمين، وإنما كان يدعو الناس إلى دين الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة(42)، ويدعو إلى استعمال العقل والنظر فيما خلق اللـه من أشياء، ويقول لكل إنسان: إن شئت السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة فعليك أن تعتنق الإسلام عن رغبة واختيار، كما قال سبحانه: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(43)، لكن الإكراه شيء والترغيب شيء آخر، ثمة فرق قصي بين الاثنين لا يمكن التغاضي عنه.
فقد ترك الإسلام للإنسان الحرية الكاملة لاختيار آرائه وأفكاره وعقائده التي يرتضيها لنفسه حيث خلقه مختارا وخلق لـه العقل، ولذا يقول سبحانه: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ)(44).
وقال تعالى: (وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ لاَمَنَ مَن فِي الأرْضِ كُلّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّىَ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)(45) فإن اللـه لا يكرِهُ بنفسه، فهل للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يُكرِه؟ وهل لمن يقتدي بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الحق بالقسر والإكراه؟.
ويقول: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرّجْسَ عَلَى الّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ)(46).
ويقول: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا تُغْنِي الاَيَاتُ وَالنّذُرُ عَن قَوْمٍ لاّ يُؤْمِنُونَ)(47).
ولذا لم يعهد عن رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنهما أجبرا الناس على الإسلام، وسنذكر جملة من الشواهد على ما ذكر، فمنها:
أن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكره أحداً من أسرائه على الإسلام. وكذلك كان أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يفعلون، مهتدين بنوره ومقتدين بمعلمهم الأول حذو القذة بالقذة.

مع ثمامة وقومه

جاء في الحديث أن رسول اللـه(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل قبل نجد سرية فأسروا واحداً اسمه ثمامة بن أثال الحنفي سيد يمامة، فأتوا به وشدوه إلى سارية من سواري المسجد فمر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: »ما عندك يا ثمامة؟» فقال: خير، إن قتلت قتلت وارماً، وإن مننت مننت شاكراً، وإن أردت مالاً تُعطَ ما شئت، فتركه ولم يقل شيئاً، فمر به اليوم الثاني فقال مثل ذلك، ثم مرَّ به اليوم الثالث فقال مثل ذلك، ولم يقل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً، ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): »أطلقوا ثمامة فأطلقوه»، فمرَّ واغتسل وجاء وأسلم وكتب إلى قومه فجاؤوا مسلمين(48) وبذلك كانت هداية شخص واحد مقدمة لعشيرته بدخول الإسلام، وقد وردت روايات كثيرة في فضل هداية الآخرين اختياراً ومن دون إكراه، منها قول نبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي (عليه السلام): »لئن يهدي اللـه بك أحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس»(49).

مع مشركي مكة

ولما دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة المكرمة ترك أهلها المشركين وشأنهم، ولم يكونوا أهل كتاب، ولم يدل دليل على أنه أجبرهم على الإسلام، ولم يقتلهم بل عفا عنهم جميعاً حتى عن المجرمين منهم.
قال أبو عبد اللـه (عليه السلام): »لما كان فتح مكة قال رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم): عند من المفتاح؟ قالوا: عند أم شيبة، فدعا شيبة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): اذهب إلى أمك فقل لها ترسل بالمفتاح، فقالت: قل لـه: قتلت مقاتلنا وتريد أن تأخذ منا مكرمتنا، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): لترسلن به أو لأقتلنك ـ وكان هذا مجرد تهديد ـ فوضعته في يد الغلام، فأخذه وقال لـه: هذا تأويل رؤياي من قبل. ثم قام (صلى الله عليه وآله وسلم) ففتحه وستره، فمن يومئذ يستر، ثم دعا الغلام فبسط رداءه فجعل فيه المفتاح وقال: رده إلى أمك، ودخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم فأتى رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) البيت وأخذ بعضادتي الباب ثم قال: (لا إلـه إلا اللـه أنجز وعده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده)، ثم قال: ما تظنون وما أنتم قائلون؟ فقال سهيل بن عمرو: نقول خيرا ونظن خيراً أخ كريم وابن عم، قال: فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف: (لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ)(50) »(51).

مع نصارى نجران

وأما بالنسبة لأهل الكتاب من النصارى فقصة نصارى نجران مشهورة في عصر رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما عن أبي عبد اللـه (عليه السلام) قال:
»إن نصارى نجران لما وفدوا على رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان سيدهم الأهتم والعاقب والسيد، وحضرت صلواتهم فأقبلوا يضربون بالناقوس وصلوا، فقال أصحاب رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول اللـه هذا في مسجدك؟
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): دعوهم.
فلما فرغوا دنوا من رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: إلى ما تدعو؟
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): إلى شهادة أن لا إلـه إلا اللـه وأني رسول اللـه وأن عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب ويحدث.
قالوا: فمن أبوه؟
فنـزل الوحي على رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: قل لهم: ما يقولون في آدم أكان عبداً مخلوقاً يأكل ويشرب ويحدث وينكح؟
فسألهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
فقالوا: نعم.
فقال: فمن أبوه؟
فبقوا ساكتين، فأنزل اللـه تعالى: (إِنّ مَثَلَ عِيسَىَ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ)(52) الآية إلى قولـه: (فَنَجْعَل لّعْنَت اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(53).
فقال رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم): فباهلوني إن كنت صادقاً أنزلت اللعنة عليكم وإن كنت كاذباً أنزلت علي.
فقالوا: أنصفت.
فتواعدوا للمباهلة، فلمَّا رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السيد والعاقب والأهتم: إن باهلنا بقومه باهلناه فإنه ليس بنبي وإن باهلنا بأهل بيته خاصة فلا نباهلـه فإنه لا يقدم على أهل بيته إلا وهو صادق.
فلما أصبحوا جاؤوا إلى رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، فقال النصارى: من هؤلاء؟
فقيل لهم: هذا ابن عمه ووصيه وختنه علي بن أبي طالب، وهذه ابنته فاطمة، وهذان ابناه الحسن والحسين.
ففرقوا وقالوا لرسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم): نعطيك الرضا فاعفنا عن المباهلة، فصالحهم رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) على الجزية وانصرفوا»(54).

مع المنافقين

وقد كان المنافقون وهم من أشد أعداء اللـه ورسولـه (صلى الله عليه وآله وسلم)، يعيشون في المدينة المنوّرة مع المؤمنين بدون أن يُزاحموا في شيء أو يجبروا على ما لا يريدونه.

مع الخوارج

وكما كان الخوارج وهم من ألد أعداء اللـه ورسولـه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعداء علي أمير المؤمنين (عليه السلام) يعيشون في الكوفة في حرية كاملة.
ولم يحاربهم الإمام (عليه السلام) حتى بدؤوا هم بالحرب ضد المسلمين، ومع ذلك وصى بهم الإمام (عليه السلام) حيث قال: »لا تقتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه»(55) يعني معاوية وأصحابه.
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه خطب بالكوفة فقام رجل من الخوارج فقال: لا حكم إلا لله، فسكت أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم قام آخر وآخر، فلما أكثروا قال (عليه السلام): »كلمة حق يراد بها باطل لكم عندنا ثلاث خصال: لا نمنعكم مساجد اللـه أن تصلوا فيها، ولا نمنعكم الفي‏ء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بحرب حتى تبدءونا به، وأشهد لقد أخبرني النبي الصادق (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الروح الأمين عن رب العالمين أنه لا يخرج علينا منكم من فئة قلت أو كثرت إلى يوم القيامة إلا جعل اللـه حتفها على أيدينا وإن أفضل الجهاد جهادكم وأفضل المجاهدين من قتلكم وأفضل الشهداء من قتلتموه فاعملوا ما أنتم عاملون فيوم القيامة يخسر المبطلون ولكل نبأ مستقر فسوف تعلمون»(56).
وقد أقام بعض أهل الكوفة المنحرفون مظاهرات وإضرابات في زمان الإمام علي (عليه السلام) حول بعض الأمور مثل عزلـه (عليه السلام) لشريح وصلاة التراويح(57)، فلم يجبرهم الإمام (عليه السلام) على تغيير موقفهم، بل أرجع (عليه السلام) شريح إلى منصبه، وتركهم يصلون صلاة التراويح.
ولم تتعرض الدول الإسلامية في مختلف العصور لغير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم، في عقائدهم وعبادتهم، ولا تزال الكنائس وسائر دور العبادة موجودة في الدول الإسلامية إلى عصرنا الحاضر.
والخلاصة إن الحرية التي قررها الإسلام ليست خاصة بالمسلمين بل تشمل الكافرين أيضاً، فلأهل الكتاب وغيرهم أن يمارسوا شعائرهم بكل حرية وهم آمنون على عقائدهم، دون أن يجبرهم أحد على تبديل عقائدهم إلى عقيدة أخرى، أو تبديل أعمالهم إلى أعمال أخرى.

حقوق الأقليات الدينية في البلاد الإسلامية

لقد شرع الإسلام جملة من الحقوق للذميين من أهل الكتاب وغيرهم، ومن أهم هذه الحقوق:
أولاً: عدم إكراه أحد منهم على التخلي عن دينه أو إجباره على عقيدة معينة، يقول اللـه سبحانه وتعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ)(58)، وفي هذه الآية الكريمة دليل ساطع وبيّنة جليّة على عدم جواز الإكراه في الأديان.
ثانياً: من حق أهل الكتاب أن يمارسوا شعائر دينهم: فلا تهدم لهم كنيسة، ولايكسر لهم صليب، بل إنّ مراكز عباداتهم تحميها الدولة الإسلامية وتمكن أصحابها من القيام بعبادتهم وطقوسهم الدينية كيف ما شاءوا، ما لم يكن اعتداء وإضرار، وهذا ليس شرطاً عليهم فقط بل على كل فرد يعيش في رعاية الدولة الإسلامية، فإنه يلزم أن لا يكون الفرد المعتنق لدين آخر معتدياً على الآخرين أو ضاراً بهم. بل من حق زوجة المسلم اليهودية أو النصرانية أن تذهب إلى الكنيسة أو إلى المعبد كما تذهب الزوجة المسلمة إلى المسجد.
ثالثاً: ومن حقوقهم تطبيق أحكام دينهم على الموارد التي تتعلق بها، وقد ورد عن الإمام أبي عبد اللـه (عليه السلام): »من كان يدين بدين قوم لزمته أحكامهم»(59).
وقال (عليه السلام): »ألزموهم بما ألزموا أنفسهم»(60).
وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي طالب عبد اللـه بن الصلت قال: كتب الخليل بن هاشم إلى ذي الرئاستين وهو والي نيسابور أن رجلاً من المجوس مات وأوصى للفقراء بشيء من مالـه فأخذه قاضي نيسابور فجعلـه في فقراء المسلمين، فكتب الخليل إلى ذي الرئاستين بذلك، فسأل المأمون عن ذلك، فقال: ليس عندي في ذلك شيء، فسأل أبا الحسن (عليه السلام) فقال (عليه السلام): »إن المجوسي لم يوص لفقراء المسلمين ولكن ينبغي أن يؤخذ مقدار ذلك المال من مال الصدقة فيرد على فقراء المجوس»(61).
وعن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الريان بن شبيب قال: أوصت ماردة لقوم نصارى فراشين بوصية، فقال أصحابنا: اقسم هذا في فقراء المسلمين من أصحابك، فسألت الرضا (عليه السلام) فقلت: إن أختي أوصت بوصية لقوم نصارى وأردت أن أصرف ذلك إلى قوم من أصحابنا مسلمين؟ فقال (عليه السلام): »أمض الوصية على ما أوصت به، قال اللـه:(فَإِنّمَا إِثْمُهُ عَلَى الّذِينَ يُبَدّلُونَهُ)(62) »(63).
وهناك جملة من الروايات في هذا الشأن ذكرناها في كتاب (القواعد الفقهية)، كما يطبق قانون الإلزام أيضا في باب الإرث، فيقسم إرث المجوسي عند قاضي المسلمين حسب عقائدهم، إلى غير ذلك من فروع قانون الإلزام في باب النكاح والطلاق و...

موارد لاختيار الإسلام

ليس للإنسان حرية التعدي على الآخرين أو إضرار نفسه ضرراً بالغاً، فإذا رأينا إنساناً يريد الانتحار وجب علينا منعه، أو رأينا إنساناً يريد سرقة مال إنسان، أو اغتصاب فتاة، أو ما إلى ذلك، وجب علينا الحيلولة دون عملـه هذا وإحباط ما ينوي تنفيذه من خطأ وخطيئة بحق الغير. والعقيدة المنحرفة أو العمل المنحرف يقلّل من حظ الإنسان في الدنيا، ويرسلـه إلى العذاب في الآخرة، فاللازم عقلاً الحيلولة دون تلك العقيدة أو ذلك العمل، بالترغيب تارة على العقيدة الصحيحة والعمل الصحيح، وربما يقتضي الأمر ـ وفي بعض الموارد فقط ـ أن يكون العمل معه كمعاملة الطفل الذي يجبر على شرب الدواء. وذلك لما ذكرناه من أن الأصل في الإسلام هو عدم الإكراه على الدين، وقد تقدم عدة شواهد قرآنية وروائية وقصص من سيرة رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) التي تؤكد ذلك المبدأ، ولكن هناك استثناء في هذه القاعدة لبعض الحالات، فيرغب الشخص إلى الإسلام لكي يتخلص من القتل، وهذا أمر يعود عليه بالنفع والفائدة، ويتمثل في نوعين:

الأول: من يكون إسلامه عاصماً لـه من القتل

هناك أفراد قلائل كانوا يستحقون القتل لجرائم ارتكبوها، فشرط رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم الإسلام للكف عن قتلهم، وليس هذا إكراهاً بل ترغيباً يعود عليهم وعلى الأمة بالخير والنفع.
عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: »خرج رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم وصلى الفجر ثم قال: معاشر الناس أيكم ينهض إلى ثلاثة نفر قد آلوا باللات والعزى ليقتلوني وقد كذبوا ورب الكعبة، قال (عليه السلام): فأحجم الناس وما تكلم أحد.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ما أحسب علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيكم.
فقام إليه عامر بن قتادة فقال: إنه وعك في هذه الليلة ولم يخرج يصلي معك أفتأذن لي أن أخبره؟
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): شأنك.
فمضى إليه فأخبره، فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) كأنه نشط من عقال وعليه إزار قد عقد طرفيه على رقبته فقال (عليه السلام): يا رسول اللـه ما هذا الخبر؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا رسول ربي يخبرني عن ثلاثة نفر قد نهضوا إلي لقتلي وقد كذبوا ورب الكعبة.
فقال علي (عليه السلام): يا رسول اللـه أنا لهم سرية وحدي هو ذا ألبس علي ثيابي.
فقال رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم): بل هذه ثيابي وهذا درعي وهذا سيفي، فدرعه وعممه وقلده وأركبه فرسه، وخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) فمكث ثلاثة أيام لا يأتيه جبرئيل بخبره ولا خبر من الأرض وأقبلت فاطمة ( بالحسن والحسين ( على وركيها تقول: أوشك أن يؤتم هذين الغلامين!
فأسبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عينه يبكي ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): معاشر الناس من يأتيني بخبر علي أبشره بالجنة، وافترق الناس في الطلب لعظيم ما رأوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخرج العواتق فأقبل عامر بن قتادة يبشر بعلي (عليه السلام) وهبط جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبره بما كان فيه، وأقبل علي أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعه أسيران ورأس وثلاثة أبعرة وثلاثة أفراس.
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): تحب أن أخبرك بما كنت فيه يا أبا الحسن؟
فقال المنافقون: هو منذ ساعة قد أخذه المخاض وهو الساعة يريد أن يحدثه.
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): بل تحدث أنت يا أبا الحسن لتكون شهيداً على القوم.
قال (عليه السلام): نعم يا رسول اللـه لما صرت في الوادي رأيت هؤلاء ركبانا على الأباعر فنادوني من أنت؟
فقلت: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم).
فقالوا: ما نعرف للـه من رسول، سواء علينا وقعنا عليك أو على محمد، وشد علي هذا المقتول ودار بيني وبينه ضربات وهبت ريح حمراء سمعت صوتك فيها يا رسول اللـه وأنت تقول: قد قطعت لك جربان درعه فاضرب حبل عاتقه، فضربته فلم أخفه أحفه، ثم هبت ريح صفراء سمعت صوتك فيها يا رسول اللـه وأنت تقول: قد قلبت لك الدرع عن فخذه فاضرب فخذه فضربته ووكزته وقطعت رأسه ورميت به، وقال لي هذان الرجلان: بلغنا أن محمداً رفيق شفيق رحيم فاحملنا إليه ولا تعجل علينا وصاحبنا كان يعد بألف فارس.
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي أما الصوت الأول الذي صك مسامعك فصوت جبرئيل (عليه السلام) وأما الآخر فصوت ميكائيل (عليه السلام)، قدم إلي أحد الرجلين فقدمه.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): قل لا إلـه إلا اللـه واشهد أني رسول الله.
فقال: لنقل جبل أبي قبيس أحب إلي من أن أقول هذه الكلمة.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي أخره واضرب عنقه.
ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): قدم الآخر.
فقال: قل لا إلـه إلا اللـه واشهد أني رسول اللـه، قال: ألحقني بصاحبي.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي أخره واضرب عنقه، فأخره وقام أمير المؤمنين (عليه السلام) ليضرب عنقه، فهبط جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: لا تقتلـه فإنه حسن الخلق، سخي في قومه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي أمسك فإن هذا رسول ربي عزوجل يخبرني أنه حسن الخلق، سخي في قومه.
فقال المشرك تحت السيف: هذا رسول ربك يخبرك؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم.
قال: واللـه ما ملكت درهماً مع أخ لي قط ولا قطبت وجهي في الحرب وأنا أشهد أن لا إلـه إلا اللـه وأنك رسول الله.
فقال رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا ممن جره حسن خلقه وسخاؤه إلى جنات النعيم»(64).
وهؤلاء إنما خيروا بين الإسلام وبين القتل لأجل الحفاظ على حياتهم من خطر الموت، علماً بأنهم كانوا يستحقون القتل لما كانوا قد ارتكبوه ربما من قتل أو غير ذلك.

الثاني: أصحاب المذاهب من غير أهل الكتاب

وقد تطرقنا في بعض كتبنا، إلى الأمر المشهور بأن غير الكتابي إذا أخذ بمحاربة المسلمين فإنه يخير بين قبول الإسلام أو القتل، فإنه يمكنه الإسلام ليقي نفسه من الهلاك، ولكن قلنا بأن غير الكتابي في حكم الكتابي أيضاً، حيث يقبل منه الجزية أو ما أشبه، وربما تركوا حسب المعاهدات التي تنعقد بين الطرفين.
كما هو حال في معظم المسلمين الذين استولوا على الهند وغير الهند، حيث يعيش فيها المسلمون وغير المسلمين، الكتابيون وغير الكتابيين، من عبدة الأصنام وعبدة النار، وعبدة الماء وعبدة البقرة، وغير ذلك من الأديان المتعددة، التي لا تمت إلى اليهود والنصارى والمجوس بشيء.
فمن حق غير المسلمين أن يمارسوا شعائرهم ويحتفظوا بعقائدهم ودينهم، ولا تهدم لهم كنائس ولا بيع ولا صلوات، ولا سائر المعابد، ولا يكسر لهم صليب أو ما يدل على شعاراتهم، ولا يهضم لهم حق، ولا ينتقص من حقوقهم ماداموا ملتزمين بقوانين الدولة محترمين لعقيدتها غير متعاونين مع أعداء الدولة بصفة جواسيس وما أشبه، ضد الدولة الإسلامية.
وتفصيل الكلام في كتاب الجهاد(65).

الفتوحات الإسلامية ونشر الدعوة عبر السلم والسلام

وفي البحث المتقدم (حرية العقيدة والأديان في الإسلام) قد يرد إشكال وهو: كيف تصح نظرية حرية العقيدة والأديان في الإسلام وقد كانت في عصور الإسلام الأولى الفتوحات الإسلامية وما هي إلا اسم آخر لحرب فرض من خلالها الإسلام بالقوة على شعوب تلك البلدان المفتوحة؟
والجواب على هذا الإشكال هو: أن الفاتحين لم يفرضوا الإسلام بالإكراه على أحد، ولم يكن دخول الناس في الإسلام بقوة السيف والسلاح، ويتضح ذلك عبر الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة:
1: ما هو الأصل في الإسلام؟ الحرب أم السلام؟.
2: كيف تم انتشار الدين الإسلامي في البلدان النائية وغيرها؟
3: ما هي آراء شعوب البلدان المفتوحة في هذه الفتوحات؟

الأصل في الإسلام هو السلام

جواب السؤال الأول: إن الأصل في الإسلام هو السلام، فقد كادت الإمبراطوريات المختلفة أن تقضي على الحرث والنسل، قبل بعثة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فاختار اللـه سبحانه وتعالى الإسلام حدباً عليها(66) ورحمة بها وشريعة سمحاء لها، بعد أن اصطفى الرسول محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) لأداء هذه المهمة المقدسة ونشر الرسالة الطاهرة المطهرة المتمثلة بنشر الرحمة والسلام للبشرية، يقول تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ)(67)، وهكذا كانت سيرة عترته الطاهرة (عليهم السلام)، فلم يعرف عن الإسلام أنه أعلن الحرب في العالم وهو في ذروة دعوته وانتشاره في أزهى عصور سيادته، إلا ما شرعه دفاعاً(68) لدرء الخطر والذود عن النفس والعرض والمال والوطن عند الاعتداء على أحدها، من قبل المولعين بالعدوان، من أعداء الإسلام، أو حروب الدفاع عن المستضعفين الذين يرضخون تحت الظلم والعدوان، كما قال سبحانه:
( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللـه وَالْمُسْتَضْعَفِينَ)(69)، وهي حروب عقلانية إلى أبعد حدّ، ولم ير العالم قبل الإسلام ولا في هذا اليوم ولا في مختلف الحضارات حروباً أطهر وأرفع من الحروب الإسلامية، وذلك ما صرّح به وبنزاهتها حتى بعض علماء الغرب الذين يتحرّون الحقيقة ويقولونها، فإن الحرب قد لا يكون منها مناص عقلاً للدفاع عن الدعوة في مواجهة المعتدي والتصدي له، أو الدفاع عن النفس وما أشبه من أسباب مبررة ومسوّغة للحرب، ولذا فإن القاعدة في الإسلام هو السلام، والحرب استثناء ولا يكون إلا في أقصى حالات الضرورة، بينما نشاهد منذ أن أخذت الحضارة الغربية بزمام المبادرة، وتسنمت مقاليد الأمور اشتعل العالم بحروب دموية ضارية لا مثيل لها في التاريخ المكتوب، تجاوزت كل المعايير والقيم والمبادئ، وحسبنا شاهداً في هذا القرن الحربان العالميتان الأخيرتان ونتائجهما الوخيمة السيئة على البشرية إلى هذا اليوم(70)، فمن الصحيح أن الحضارة الغربية أمدت البشرية بشيء من الرفاه والتقدم الصناعي وما أشبه ذلك، إلا أنه من الصحيح أيضاً والذي لا يقبل الريبة واللبس أنها دمرت البشرية بالحروب الكبيرة والثورات الفوضوية والفقر وأمثال ذلك.
وحقيقة الفتوحات الإسلامية هي القضاء على الظلم والطغيان من قبل تلك الحكومات التي كانت تعمل كلما هو خلاف الإنسانية، وهي أيضاً وفي نفس الوقت دعوة للشعوب لاعتناق الدين الإسلامي باختيارهم ومن دون إكراه، وذلك لمبادئه السامية السمحاء، وأسلوب هذه الدعوة لم يكن القوة والقسر والضغط، ولم يكن الإكراه فيه وسيلة من وسائل الدخول في الدين كما قال سبحانه: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ )(71)، وإنما كان السبيل هو النظر المتريث والبحث المتأني واستعمال العقل وإعمال الفكر الرصين، والنظر في ملكوت السماوات والأرض كما قال سبحانه وتعالى: ( أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللـه مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىَ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ )(72).
أما النصارى وغيرهم من الأديان وحتى المشركين، فلم يبدأ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتل أحد منهم، وقد أرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) رسلـه بعد صلح الحديبية إلى جميع الملوك يدعوهم إلى الإسلام، فأرسل إلى قيصر، وإلى كسرى، وإلى المقوقس، وإلى النجاشي، وإلى ملوك العرب باليمن والشام، فدخل في الإسلام من دخل من النصارى وغيرهم.
ومن هنا لا تعتبر الفتوحات الإسلامية حروبا توسعية، ولا استعمارية، ولا استثمارية، ولا تنازعية، بل هي الدعوة الدمثة اللينة إلى دين متكامل من ألفه إلى يائه، فإذا وقف أحد في سبيل هذه الدعوة بتعذيب من آمن بها، أو وضع العقبات في سبيل تقدمها، أو صد من أراد الدخول فيه، أو حجب الداعي عن تبليغه، أو أخذ يخطط لضعضعته وإيهانه، فإن الإسلام يأمر بصد ذلك، وإذا اقتضى الأمر وجب إشهار السيف بالقدر الذي يزيل العثرة والضرر والاعتداء فقط.
وقد ذكر في التاريخ أن أول قتال بدء بين المسلمين والنصارى في الشام، وذلك لما عمدوا إلى قتل بعض من أسلم، فلما شرعوا بقتل المسلمين ظالمين أرسل رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) عسكراً إلى مؤتة ولَّى عليهم زيد بن حارثة ودفع الراية إليه وقال إن قتل زيد فالوالي عليكم جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) وإن قتل جعفر فالوالي عليكم عبد اللـه بن رواحة الأنصاري وسكت(73)، وهو أول قتال بين المسلمين والنصارى.
ومما تقدم يتبين بوضوح، أن الإسلام لم يأذن بالحرب إلا درءاً للعدوان، وحماية للدعوة، وتصدياً للاضطهاد، والتماساً لحرية التدين، فإنها حينئذ تكون فريضة من فرائض الدين، وواجباً من واجباته المقدسة ويطلق عليها اسم (الجهاد)(74). ويستدل مما ذكر ومن الشواهد الكثيرة المذكورة في محلها على دور الإسلام العظيم في نشر الأمن والرخاء في أرجاء المعمورة وذلك من خلال الفتوحات الإسلامية وما كان لها من عظيم الأثر ورفيع العقبى في نشر السلام ونشر العلم والتقدم بين شعوب العالم.

انتشار الإسلام بقوته الذاتية

جواب السؤال الثاني: إذا تتبعنا خطوات المسلمين وتأملنا بإمعان في الفتوحات الإسلامية نجد أن الإسلام لم ينتشر بقوة السيف وإنما انتشر بقوَّته الذاتية وحقيقته المنسجمة مع الفطرة الإنسانية وتلبيته لسائر ما يحتاجه البشر من قوانين حيوية، وذلك بأفكاره الغراء الميمونة ومبادئه الحميمة الرفيعة، ونرى من جهة أخرى أن الذين دخلوا في الإسلام، لم يدخلوه عنوة بالسيف والإكراه، وإنما كان السيف لأجل تغيير الحاكم الظالم فقط، فكان إسلام الشعوب لعدة عوامل مهمة منها: أنهم رأوا فيه الحسن والواقعية والمنطق والبرهان، ومسايرته للفطرة الإنسانية وملائمته للطبيعة البشرية، ومن هنا نجد المسلمين إذا اندحروا في جبهات القتال كانوا آخذين بناصية الأمل وزمام المبادرة في جبهات الروح والمعنى.
قال الطبرسي في تفسير قولـه تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ):
ما زائدة ـ أي للتأكيد ـ (مّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ) أي إن لينك لهم مما يوجب دخولهم في الدين (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً) أي جافياً سيئ الخلق(غَلِيظَ الْقَلْبِ) أي قاسي الفؤاد غير ذي رحمة (لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ) لتفرق أصحابك عنك (فَاعْفُ عَنْهُمْ) ما بينك وبينهم (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ)(75)، ما بينهم وبيني(76).
وقال الزمخشري في كتاب الكشاف في تفسير قولـه تعالى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ )قال: لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم(77).
يقول السير توماس أرنولد: فتصدّعت أركان الإمبراطورية العظمى وتبعت قوة الإسلام السياسية وظلت غزواته الروحية مستمرة دون انقطاع، وعندما خرّبت جماعة المغول بغداد وأغرقوها بالدماء والخراب، وطرد ملك ليون وقشتالة المسلمين من قرطبة، ودفعت غرناطة ـ آخر معقل للإسلام في إسبانيا ـ الجزية للملك المسيحي، في هذا الوقت بالذات كان الإسلام قد استقرت دعائمه وتوطّدت أركانه في جزيرة سومطرة بإندونيسيا وكان على عهدته أن يحرز تقدماً ناجحاً في الجزر الواقعة في بلاد الملايو، وفي هذه الفترة التي قوي فيها الإسلام نرى أنه قد حقق بعض غزواته الروحية الرائعة، حتى أن الفاتحين الجبابرة القساة تمسكوا بالإسلام واعتنقوا ديانته، أمثال اعتناق الصليبيين ديانة المسلمين في سوريا وحواليها، واعتناق الأتراك السلاجقة والمغول للإسلام، فحيث كانوا هم يحاربون المسلمين وإذا بهم ينقلبون إلى مسلمين يدافعون عن الإسلام والمسلمين، يقرر السير توماس أرنولد: وقد حمل دعاة الإسلام الذين فقدوا مذهب السلطان والقوه عقيدتهم إلى أفريقية الوسطى والصين والجزائر والهند الشرقية وروسيا وغيرها، ثم صار للإسلام في السنوات الأخيرة أتباع في إنجلترا وأمريكا وأستراليا واليابان، وذلك بفضل معنوية الإسلام وفطريته كما قال سبحانه: ( فِطْرَتَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا )(78).

ترحيب الكفار بالفاتحين المسلمين

جواب السؤال الثالث: إن الشعوب المختلفة في البلاد المفتوحة رحّبوا بالفاتحين المسلمين أشدّ ترحيب، مضافا إلى ما يستفاد من الشواهد في موضوعات الاحتجاج بين الإسلام وديانة اليهود والنصارى وغيرهم، وفي صورة من أقوال بعض علماء الغرب عن حقيقة الإسلام، وذلك لعدة عوامل كانت سبباً في استقرارهم وأمنهم، منها:

1. المعاملة الحسنة ومنح الحريات

لقد كان المسلمون على امتداد تاريخ الإسلام يعاملون غير المسلمين أحسن من معاملة أمثالهم لهم، وقد ذكر (نورمان لينزانه) لمّا فتح العثمانيون القسطنطينية، كان أكثر أفراد الشعب المسيحي في عشية الفتح ينفرون من أي اتفاق مع كنيسة روما الكاثوليكية، أشد من نفورهم من الاتفاق مع المسلمين، فما زال الناس يرددون الكلمة المشهورة التي نطق بها رئيس ديني في بيزنطة، في ذلك الحين قال: (لخير لنا أن نرى العمامة في مدينتنا من أن نرى فيها تاج البابوية)، وذلك لأن تاج البابوية كان يضطرهم إلى قيود كثيرة تحدّ من حرياتهم وتحملهم ما لا طاقة لهم به، وتثقلهم بما تضيق به النفس البشرية ذرعاً، بينما العمامة الإسلامية لم تكن كذلك، وإنما تعطي لهم الحرية في مختلف مشاريعهم وشعائرهم ولا تحملهم ما لا طاقة لهم به وما يضيقون به ذرعاً.

2. سيرة المسلمين وتواضعهم

لقد تحدث مندوبو المقوقس عظيم القبط في مصر، بعد أن قابلوا الفاتح الإسلامي، فقالوا: رأينا قوماً الموت أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحد منهم في الدنيا رغبة كجلوسهم على التراب وأميرهم كواحد منهم، لا يُعرف كبيرهم من صغيرهم، ولا السيد فيهم من العبد، فإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويخضعون في صلاتهم.

3. وفاؤهم ورأفتهم بالبلاد المفتوحة

كتب النصارى في الشام إلى رئيس المسلمين كتاباً يقولون فيه: يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا، كما في (فتوح الشام) للأزدي البصري، وفي (فتوح البلدان) للبلاذري، إن أهل حمص أغلقوا أبواب مدينتهم حتى لا يدخلها جيش هرقل وأعلنوا للمسلمين أن ولايتَهم وعَدْلَهمُ أحب إليهم من ظلم الرومان وتعسفهم، وكانت في الشمال قبائل عربية دانت بالنصرانية زمناً طويلاً، فلما بدأ الإسلام يصطرع مع الروم سارع بعضهم إلى اعتناق الإسلام والانضمام إلى المسلمين، مثل بني غسان وغيرهم، وكذلك صنعت بعض القبائل العربية التي كانت موالية للفرس في العراق، فقد وفد على قائد المسلمين بعد موقعة القادسية، كثير من العرب النصارى المقيمين على نهر الفرات وأسلموا، كما أسلم إخوان لهم من قبل، وكذلك رحّب القبط في مصر بالفتح الإسلامي وبالقائد الذي قاد إلى الفتح وشكروه لأنه أنقذهم من الاضطهاد الديني ومن عنف الروم وتنكيلهم بمخالفيهم في المذهب، وإن كان ديناً واحداً. ولما فتح المسلمون بلاد الفرس لم يلقوا من الشعب مقاومة تذكر لأن حكّامه كانوا قد استبدوا بهم غاية الاستبداد وأعنتوهم غاية العنت ولأنهم كانوا يناصرون ديانة زرادشت، التي صارت الدّين الرسمي للدولة بعدما كانت مبغوضة بالنسبة إلى كثير من الأهالي، فمنذ صارت الديانة الزرادشتية دين الدولة الرسمي علا مكان كهنتها واستغلوا نفوذهم في اضطهاد الفرق وكانت كثيرة، كما أنهم كانوا يضطهدون النصارى واليهود والصابئة أيضاً، هذا بالإضافة إلى فرض الضرائب الباهضة على مختلف الطبقات، وكان الأغلبية يكرهون تزويجهم من بناتهم وأخواتهم وأمهاتهم، ولما انتصر المسلمون عليهم تنفسوا الصعداء من جهة الدين والضرائب والنكاح، ورحبوا بهم حباً للخلاص من ظلم الحكام ورغبة في إعفائهم من الخدمة العسكرية الجبرية المستغنى عنها، ولأن الحكام الجدد أعطوهم الحريات الدينية والعملية، ولما حارب المسلمون مع أهل الشام النصارى، ائتمر قادة أهل الحرب النصارى لعلاج الأمر وسألوا واحداً واحداً عن سبب تقدم المسلمين عليهم، فأجاب كل بجواب حتى وصل الأمر إلى خادم كان يخدمهم في ذلك المجلس، ولما سألوا منه عن سبب انتصار المسلمين عليهم مع أن أهل البلاد نصارى والجيش نصراني فكيف تمكّن المسلمون من الانتصار عليهم، فأجاب الخادم بعد أن أخذ الأمان منهم قال: لأنهم أفضل منكم وإن كنت على دينكم لكني أدعو اللـه سبحانه وتعالى في قلبي كل يوم أن ينتصر المسلمون، ثم بيّن السبب قائلاً: قد كانت لي مزرعة نعيش فيها أنا وزوجتي وأولادي البنين والبنات ولما جئتم أنتم اغتصب هذا الضابط، (وأشار إلى أحدهم) ابنتي، وهذا الضابط (وأشار إلى ضابط آخر) زوجتي، وهذا الضابط (وأشار إلى ضابط ثالث أولادي) للاستخدام في الجيش، وهذا الضابط (وأشار إلى شخص رابع) اغتصب مزرعتي، فهل تريدون مني أن أنتظر انتصاركم أو أخدمكم بكل قلبي، وإن شعب الشام كلهم على شاكلتي أنتم تحاربونهم في أرزاقهم ومعايشهم وأولادهم وأراضيهم ومزارعهم وزوجاتهم، ولذا يرحّب أهل الشام بالمسلمين ويكون ذلك سبب انتصارهم عليكم.
فانتصر المسلمون على النصارى وطردوا الحكام السابقين الظلمة ورحّب بهم أهل البلاد أعظم ترحيب.
ولهذا أحب الكفار المسلمين ودخلوا في دينهم أفواجاً، فالآية الكريمة وإن كانت في زمن رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللـه أَفْوَاجا)(79)، إلاّ أن ذلك استمر إلى يومنا هذا حيث الكافرين يدخلون في دين اللـه أفواجاً، وقد اطّلعنا على تقرير صدر من لندن، أن جماعات من نساء اليهود يدخلن الإسلام في إسرائيل وغيرها، لما يرين من سماح الإسلام، وإن معاشرة رجال مسلمين أفضل لهن من معاشرة رجال يهود، ومن الواضح أن الكيان الصهيوني يدّعي غاية الديمقراطية والحضارة، والقصص من هذا القبيل كثيرة وسردها يحتاج إلى مجلّد ضخم.
وقد وصل الإسلام إلى الجزر النائية في إندونيسيا والمحيط الهندي بالإقناع والبحث والمناظرة وبواسطة التجار المسلمين وذلك عند ما وجد الناس فيهم الوفاء وأداء الأمانة، كما قال الإمام علي (عليه السلام): »أصل الدين أداء الأمانة والوفاء بالعهود»(80).
وهكذا كان المسلمون ينجحون نجاحاً باهراً ويتقدمون في مختلف بلاد العالم لـمّا أخذوا بتلك الأسباب المذكورة وبالتسامح والسلم والسلام وعرف ذلك منهم، وحيث تركوا ذلك التسامح ورجعوا إلى التفرقة والتشدد والتعصب مما نشاهده الآن عند البعض انفضَّ الناس من حولهم كما قال سبحانه وتعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللـه لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ)(81)، والتف الناس إلى موضع آخر فيه شيء من التسامح وهم بعض المتحضرين الغربيين، مع الفرق الشاسع بين المتحضرين الغربيين في الحال الحاضر وبين المسلمين المتسامحين الأوائل، حيث إن التسامح كان عند المسلمين(82) أكثر من التسامح عند هؤلاء الماديين، بالإضافة إلى أن المسلمين كانوا يبشرون بالدنيا والآخرة بينما المتحضرون الغربيون لا يبشرون إلا بالدنيا، والدنيا لا تملأ إلا جزءً واحداً من جزئي الإنسان، والإنسان يطالب بالجزء الآخر المربوط بروحه ولا يملأه إلا الآخرة، ثم إنّ كلاًّ من الآخرة والدنيا عند المسلمين مؤيدتان بالعقل القطعي والبراهين الجلية، والمنطق الإنساني الرفيع.
والتسامح الذي أشرنا إليه ليس فيما ذكر فحسب، بل شمولي في كل جوانب الإسلام، فالتسامح أصل بالنسبة إلى شخص المسلم، وبالنسبة إلى سائر المسلمين، وبالنسبة إلى غير المسلمين، وحتى بالنسبة إلى الحيوانات، كما ستأتي الإشارة إليه في الفصول القادمة بإذن اللـه تعالى.

العلاقة بين المسلمين وغيرهم

مسألة: يبين الإسلام قانون العلاقة بين المسلمين وغيرهم على أساس السلم والسلام.
فتميل الآيات القرآنية في العديد من خطاباتها إلى مخاطبة كل طوائف البشر، مثلاً قال سبحانه وتعالى: (يَـا أيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَاتّقُواْ اللـه الّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنّ اللـه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)(83).
وقال تعالى:(إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللـه عَلَىَ ذَلِكَ قَدِيراً)(84).
وقال عزوجل:(يَـا أيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الرّسُولُ بِالْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنّ للـه مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللـه عَلِيماً حَكِيماً)(85).
وقال سبحانه:(يَا أَيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مّن رّبّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مّبِيناً)(86).
وقال تعالى:(قُلْ يَـا أيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللـه إِلَيْكُمْ جَمِيعاً)(87).
وقال سبحانه:(يَـا أيّهَا النّاسُ إِنّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىَ أَنفُسِكُمْ مّتَاعَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا ثُمّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون)(88).
وقال تعالى:(يَـا أيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مّوْعِظَةٌ مّن رّبّكُمْ وَشِفَآءٌ لّمَا فِي الصّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ)(89).
وقال سبحانه:(قُلْ يَـا أيّهَا النّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكّ مّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللـه وَلَـَكِنْ أَعْبُدُ اللـه الّذِي يَتَوَفّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(90).
وقال تعالى:(قُلْ يَـا أيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَنُ اهْتَدَىَ فَإِنّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلّ فَإِنّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)(91).
وقال سبحانه:(يَـا أيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ إِنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ)(92).
وقال تعالى:(يَـا أيّهَا النّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْنَاكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمّ مِن مّضْغَةٍ مّخَلّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلّقَةٍ لّنُبَيّنَ لَكُمْ وَنُقِرّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى ثُمّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمّ لِتَبْلُغُوَاْ أَشُدّكُمْ وَمِنكُمْ مّن يُتَوَفّىَ وَمِنكُمْ مّن يُرَدّ إِلَىَ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ
بَهِيجٍ)(93).
وقال سبحانه:(قُلْ يَـا أيّهَا النّاسُ إِنّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ)(94).
وقال تعالى:(يَـا أيّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لـه إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللـه لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لـه وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذّبَابُ شَيْئاً لاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)(95).
وقال سبحانه:(يَـا أيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنّ وَعْدَ اللـه حَقّ فَلاَ تَغُرّنّكُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَلاَ يَغُرّنّكُم بِاللـه الْغَرُورُ)(96).
وقال تعالى:(يَـا أيّهَا النّاسُ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللـه عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللـه يَرْزُقُكُمْ مّنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ لاَ إِلـه إِلاّ هُوَ فَأَنّىَ تُؤْفَكُونَ)(97).
وقال سبحانه:(يَـا أيّهَا النّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللـه وَاللـه هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ)(98).
إلى غيرها من الآيات.
وهكذا في أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآلـه الطاهرين (عليهم السلام) مما هو كثير.
قال رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة الوداع: »أيها الناس إن ربكم لواحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند اللـه اتقاكم ليس لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلّغت اللهم اشهد ألا فليبلّغ الشاهد منكم الغائب»(99).
وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): في بيان قانون العلاقة بين المسلمين وغيرهم: » وإما نظير لك في الخلق»(100).
ومن خلال ما تقدم تتضح مبادئ طبيعة العلاقة بين المسلمين وغيرهم من المذاهب والملل ومنها:

مبدأ التعارف فيما بينهم

أولا: إن العلاقة بين المسلمين وغيرهم هي علاقة تعارف، وتعاون، وبر، وعدل، يقول اللـه سبحانه وتعالى في التعارف المفضي إلى التعاون: (يَـا أيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللـه أَتْقَاكُمْ إِنّ اللـه عَلِيمٌ خَبِيرٌ )(101).
فكذلك يجب أن تكون العلاقة الإنسانية الشاملة، وكما قال الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر: »فإنهم ـ الناس ـ صنفان، إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في
الخلق»(102).
والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يتعاملون مع الناس على هذين المبدأين، فإما أن يكون أخاً لـه في الإيمان، وإما أن يكون لـه نظيراً في الخلق ومثيلاً لـه في الإنسانية.
ويقول عزوجل في الالتزام بالبر والعدل: ( لاّ يَنْهَاكُمُ اللـه عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللـه يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ)(103).
وفي الحديث: »أسرع الخير ثواباً البر»(104) كما يرشدنا الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم).

مبدأ الأمن والسلام

ثانيا: الإسلام لا يقف عند حد الإشادة بمبدأ التعارف فحسب بل يذهب بفكره ومبادئه إلى مدى أعمق ومسافة أقصى، لقد جعل العلاقة بين الأفراد، وبين الجماعات، وبين الدول، علاقة سلم وسلام وأمان، يستوي في ذلك علاقة المسلمين بعضهم ببعض كما قال رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم): »المؤمن مرآة لأخيه المؤمن ينصحه إذا غاب عنه، ويميط عنه ما يكره إذا شهد، ويوسع لـه في المجلس»(105)،
إلى غير ذلك من سائر روايات الحقوق بين المسلمين والمؤمنين.
أما علاقة المسلمين ببعضهم وبغيرهم فأيضاً يبتني على السلم والسلام، وفيما يلي إشارة إلى ذلك:

مبدأ الحب والإحسان

لقد حث الإسلام المسلمين وحفزهم في الغدو والرواح على حب الخير لجميع البشرية والإحسان لها بما هي عليه، وبما فيها من الكفار، ومن الواضح أن حب الخير للكفار على قسمين:

1: محبة الخير في هدايتهم ومثابرة السعي في ذلك، وهذا عمل الأنبياء والأولياء

(عليهم السلام)، فإنهم أخذوا بهداية الكفار فأتعبوا أنفسهم في ذلك، وكانوا يحبون لهم هذا الخير، أي الهداية إلى الصراط المستقيم.
وفي القرآن الحكيم:(اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)(106).
حيث لم يقل اهدني بل قال اهدنا.
وقال رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام): »وايم اللـه لئن يهدي اللـه على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت»(107).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »لئن يهد اللـه بك عبداً من عباده خير لك مما طلعت عليه الشمس من مشارقها إلى مغاربها»(108).
وعن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته(وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً)(109) قال: »من استخرجها من الكفر إلى الإيمان»(110).
وقال علي بن الحسين (عليه السلام): »أوحى اللـه تعالى إلى موسى (عليه السلام) حببني إلى خلقي وحبب خلقي إلي، قال: يا رب كيف أفعل؟ قال: ذكرهم آلائي ونعمائي ليحبوني فلئن ترد آبقا عن بابي أو ضالا عن فنائي أفضل لك من عبادة مائة سنة بصيام نهارها وقيام ليلها، قال موسى (عليه السلام): ومن هذا العبد الآبق منك؟ قال: العاصي المتمرد، قال: فمن الضال عن فنائك؟ قال: الجاهل بإمام زمانه تعرّفه، والغائب عنه بعد
ما عرفه الجاهل بشريعة دينه تعرفه شريعته وما يعبد به ربه ويتوصل به إلى مرضاته»(111).
وعن عبد العظيم الحسني (عليه السلام) عن علي بن محمد الهادي (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) قال: »لما كلم اللـه موسى بن عمران قال موسى:إلهي ما جزاء من دعا نفسا كافرة إلى الإسلام؟ قال:يا موسى آذن لـه في الشفاعة يوم القيامة لمن يريد»(112).
وعلي بن إبراهيم في تفسيره، عن أبي عبد اللـه (عليه السلام) في قول اللـه عزوجل:(قُل لّلّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيّامَ اللّهِ)(113) قال: »قل للذين مننا عليهم بمعرفتنا أن يعرفوا الذين لا يعلمون فإذا عرفوهم فقد غفر لهم»(114).
وعن جابر قال: سمعته يقول: قال أبي (عليه السلام): »كونوا من السابقين بالخيرات وكونوا ورقا لا شوك فيه، فإن من كان قبلكم كانوا ورقا لا شوك فيه، وقد خفت أن تكونوا شوكا لا ورق فيه، وكونوا دعاة إلى ربكم وأدخلوا الناس في الإسلام ولا تخرجوهم منه، وكذلك من كان قبلكم يدخلون الناس في الإسلام ولا يخرجونهم
منه»(115).
إلى غيرها من الروايات الدالة على لزوم السعي لهداية الآخرين بالحكمة والموعظة الحسنة.

2: محبة الخير لغير المسلمين بقضاء حوائجهم مثلاً، وذلك بصفتهم من البشر أو لجهة خاصة كالرحم الكافر، وفي الحديث عن رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»(116).

وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام): »ارحم من دونك يرحمك من فوقك»(117).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : »لكل كبد حرى أجر»(118).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »يا علي أكرم الجار ولو كان كافراً، وأكرم الضيف ولو كان كافرا، وأطع الوالدين ولو كانا كافرين، ولا ترد السائل وإن كان كافراً»(119).
وعلى هذا كانت سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار(عليهم السلام) ، حيث سقوا أعداءهم الماء وقضوا حوائجهم وأكرموهم على ما ذكرناه في بعض كتبنا(120).
وخلاصة القول في هذه العلاقة هو قول القرآن الحكيم إذ يصرح بأن الشعوب والقبائل إنما جعلوا للتعارف لا للتناكر(يَـا أيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ)(121)، والخطاب موجه لكل الناس.
لذا ينبغي أن يتوخى المسلم هداية غير المسلم دون إكراه، كذلك ينبغي أداء الخير والرحمة بغير المسلم حتى لو أصرّ على كفره فإنه نظير في الخلق.

أسس تعامل المسلمين مع غيرهم

أراد الإسلام حسن تعامل المسلمين مع غير هم من الكفار والمشركين ومن أشبه ليطلع الآخرون على عقائد المسلمين وأعمالهم وشعائرهم وأخلاقهم، حتى يرغبوا في الإسلام عقيدة وعملاً، حيث إن الإسلام جميل في كل شؤونه، فإذا رآه غير المسلم حرضه على المقارنة والمفاضلة بين الإسلام وما هو عليه وانجذب إليه ضمن مقتضيات حسن العلاقة بينهما.
ومن خصائص السلم والسلام في هذا التعامل أنه يؤدي إلى تبادل المصالح والأفكار والسلوك والمنافع وتقوية الصلات سواء كان الطرف الآخر ـ غير المسلم ـ من الكفار الذميين، أو المحايدين، أو المعاهدين، بل وحتى المحاربين في بعض الصور، وقد اقتبس البعض هذا الأسلوب الرائع فسماه بالوحدة الوطنية أو ما أشبه، وقد كان الأمر على هذا الحال منذ فجر الإسلام بين المسلمين ومختلف الكفار. ومن هنا نرى أن الكفار كانوا يدخلون في دين اللـه أفواجاً.
عن أبي عبد اللـه (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »أنا أولى بكل مؤمن من نفسه وعلي أولى به من بعدي» فقيل لـه: ما معنى ذلك؟ فقال: قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): »من ترك دينا أو ضياعا فعلي، ومن ترك مالا فلورثته» فالرجل ليست لـه على نفسه ولاية إذا لم يكن لـه مال وليس لـه على عيالـه أمر ولا نهي إذا لم يجر عليهم النفقة، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) ومن بعدهما ألزمهم هذا فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم، وما كان سبب إسلام عامة اليهود إلا من بعد هذا القول من رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنهم آمنوا على أنفسهم وعلى عيالاتهم»(122).
نعم قد جعل الإسلام علاقة المسلمين بغيرهم قائمة على أسس عقلية أخلاقية وعلى أكمل وجه، مبتنية على السلم والسلام وبعيدة كل البعد عن العنف والإرهاب، وهذا مما يؤدي بالنتيجة إلى إحلال السلام وتأصيلـه ومن جملة تلك الأسس:

أولاً: المساواة

فقد قال سبحانه بالنسبة إلى عموم العلاقة بين المسلمين وغيرهم ما سبق من قولـه: (يَـا أيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(123)، فلم يخصص اللـه سبحانه وتعالى هذا الحكم بالمسلمين فحسب، بل يشمل المسلمين والكفار، فكلهم متساوون في الإنسانية وما يرتبط بها من القوانين.
كما أن المسلمين متساوون في حقوقهم وواجباتهم العامة إلا إذا كان هناك استثناء لجهة، مثلاً الوظائف العامة في الدولة الإسلامية كلها للجميع فلا يحق أن يقول الحاكم، أعطي هذه الوظيفة لعربي دون عجمي، أو لأبيض دون أحمر، أو للعنصر الفلاني دون العنصر الفلاني أو للمدينة الفلانية دون المدينة الفلانية، إلا إذا كان شخص أكفأ من شخص آخر حيث تعطى الوظيفة للأكفأ، وقولـه تعالى: (إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ)(124)، وإن كان الكلام في التقوى، لكن قد يفهم منه المعيار كما أشير إليه في القرآن الحكيم: (إِنّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيّ الأمِينُ)(125)، فهو قوي في العمل وأمين في المعاملة، وفي كلام يوسف (عليه السلام): (إِنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)(126)، فإن العمل يحتاج إلى العلم والأمانة في الحفظ، فإذا كان أحد شخصين لـه الكفاءة دون الآخر قدّم الأول، وهذا ليس ضد التساوي وإنما من جهة خارجية انضمت إلى أحدهما دون الآخر، فإن الإنسان لا يسلّم الأمور الصغيرة إلى من ليس لـه حفظ أو إذا كان لـه حفظ لكنه ليست لـه أمانة فكيف بالكبيرة؟!، وكيف بوظائف الدولة العامة، وغيرها من سائر المعاملات؟!.
ويعرف مما سبق أنه إذا لم يكن محذور يكون المسلم والكافر متساويين أيضاً فإن علياً (عليه السلام) صار أجيراً عند يهودي(127)، والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) استقرض من يهودي(128)، كذلك أمير المؤمنين علي (عليه السلام) استقرض شعيراً من يهودي فاسترهنه شيئاً فدفع إليه ملاءة فاطمة ( رهناً وكانت من الصوف فأدخلها اليهودي إلى داره ووضعها في بيت، فلما كانت الليلة دخلت زوجته البيت الذي فيه الملاءة لشغل فرأت نورا ساطعا أضاء البيت، الحديث(129).
ثم لم يقتصر الإسلام في تشريعاته بأصل المساواة بين الإنسان والإنسان، بل ذهب إلى أبعد من هذا فقد أحلّ طعام أهل الكتاب في غير اللحوم فإنها مشروطة بالتذكية، كما أحلّ النكاح منهم حيث قال سبحانه وتعالى: (الْيَوْمَ أُحِلّ لَكُمُ الطّيّبَاتُ وَطَعَامُ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلّ لّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلّ لّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنّ أُجُورَهُنّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتّخِذِيَ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلـه وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(130).
وجاء عن أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن طعام أهل الكتاب ونكاحهم حلال هو؟ قال (عليه السلام): »نعم كانت تحت طلحة يهودية»(131).
وفي موضوع حلية طعام أهل الكتاب ورد أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ذهب إلى ضيافة اليهود، كما أنه أكل من الشاة التي أهدتها إليه يهودية، وقد يرد سؤال هنا وهو: كيف أكل رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) من ذبيحة اليهود وهي محرمة على المسلمين؟
والجواب: إنه من المحتمل أن يكون ذلك قبل هذا التشريع، أو تكون اليهودية اشترت الشاة من سوق المسلمين، أو غير ذلك من الاحتمالات المذكورة في الكتب المعنية بهذه الشؤون.

ثانياً: الحرية

إن الحرية الإسلامية للجميع، مسلمين وغير مسلمين، ومن الواضح أن تكون الحرية في إطار الأخلاق والفضيلة والتقوى وعدم الإضرار بالغير وما أشبه مما هو مذكور في بابه ، وكما هو شأن المسلم، بعيداً عن الهوى والرياء والتفاخر وحب الذات والأنانية والجاه والسلطان والمال ونحو ذلك، ولا يكون ذلك إلا بالتعددية في الظاهر، وبالخوف من اللـه سبحانه وتعالى في الباطن، فإن الإيمان رقيب غريب في باطن الإنسان لا يتركه يحيد عن جادة الحق والصواب والخير العام.
والحرية التي قررها الإسلام ليست خاصة بالمسلمين بل تشمل أهل الكتاب والكافرين أيضاً، ونقتصر على ذكر جملة منها:

1ـ الحرية الدينية

وقد تكلمنا عن هذه الحرية قبل صفحات في بداية موضوع حرية العقيدة والأديان في الإسلام، وخلاصتها أن أهل الكتاب وغيرهم لهما الحق في ممارسة شعائرهم بكل حرية وهم آمنون على عقائدهم، دون أن يجبرهم أحد على تبديل عقيدتهم إلى عقيدة أخرى، أو تبديل أعمالهم إلى أعمال أخرى كل في إطاره وموازينه على تفصيل ذكروه في التاريخ والتفسير والفقه الإسلامي.
2ـ الحرية الفكرية والثقافية
جعل الإسلام لغير المسلمين الحرية الفكرية، كما في الحديث والحوار والمجادلة والمناقشة في حدود العقل والمنطق، مع حث المسلمين وغيرهم على التزام الأدب والأخلاق والبعد عن الممارسات التي يأباها المنطق السليم من الخشونة والعنف، يقول اللـه تعالى:(وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوَاْ آمَنّا بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لـه مُسْلِمُونَ)(132).
وفي آية أخرى: ( وَإِنّآ أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَىَ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ )(133).
حيث تدل هذه الآيات على غاية الحنان واللطف والعطف مما لا يتوفر إلاّ في دين إلهيّ سماوي.
إن الإسلام يعترف بشكل صريح واضح بحق الحوار والمناقشة بين المسلم وغير المسلم، ولا يقر واقعة إلغاء الحرية الفكرية والثقافية ومصادرة حق النقاش والجدال.

3 ـ الحرية العلمية والعملية

الإسلام دين العلم والمعرفة، والتطور والتقدم، وما من شيء فيه إلا ويتحدث عن العلم والمعرفة، والآيات القرآنية والروايات النبوية، وأحاديث العترة الطاهرة (عليهم السلام) في هذا المجال كثيرة جداً، وهناك شواهد عديدة على حرية أهل الكتاب وغيرهم في مجال العلم والتعلم في عصر النبوة وبعدها، وكذلك في التطور والتقدم العملي، فكانوا يتعلمون الإنجيل والتوراة وما أشبه، ويقرؤونها ويؤلفون في ذلك ويعملون بها.
مضافاً إلى الحريات الأخرى التي منحت لهم كالحريات الاجتماعية والتجارية والاقتصادية وغيرها، على ما سيأتي.

ثالثاً: الرعاية

ولم يقف الإسلام عند حدّ رعاية الكفار فيما لهم من الحقوق، بل كان يرعاهم حتى لو أساءوا أو لم يكن لهم من الحقوق شيء، كما نشاهد ذلك في قصة زيد بن سعنة الذي كان من أحبار اليهود، فإنه أقرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرضاً كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حاجة إليه، ثم رأى زيد أن يذهب قبل ميعاد الوفاء المحدّد ليطالب بدينه، قال زيد:
»أتيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذت بمجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ وقلت لـه: يا محمد ألا تقضي ديني، فو اللـه ما علمتكم يا بني عبد المطلب إلا مماطلين، فنظر إليّ عمر وعيناه تدوران في وجهه ثم رماني ببصره، فقال: يا عدو اللـه أتقول لرسول اللـه ما أسمع وتصنع به ما أرى، فو الذي نفسي بيده لولا ما أحاذر لضربت بسيفي رأسك، ورسول اللـه ينظر في هدوء، فقال: يا عمر أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن الاقتضاء، اذهب يا عمر فأعطه حقه وزده عشرين صاعاً من تمر مكان ما روّعته.
قال زيد فذهب عمر فأعطاني حقي وزادني عشرين صاعاً من تمر، فقلت ما هذه الزيادة يا عمر؟
قال: أمرني رسول اللـه أن أزيدك مكان ما روّعتك»(134).
وهكذا نرى أنّ اليهودي كان معتدياً على رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومع ذلك لم يقابلـه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمثل بل قابلـه بالفضل.
وفي حديث صفوان الذي كان للكفار كوزير الدفاع، أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أراد أن يذهب إلى غزوة حنين، طلب منه أن يعيره مائة من الدروع، فقال صفوان: أغصباً يا محمد؟
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »بل عارية مضمونة».
قال: لا بأس(135).
مع العلم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان هو المسيطر والفاتح، وكان يتمكن أن يأخذ الدروع بالقوة أو يصادرها كما يفعل غيره من الفاتحين.

رابعاً: حسن المعاملة

شواهد المعاملة الحسنة مع الملل المتواجدة في بلاد المسلمين كثيرة، وفي الحديث أن رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »السلام تحيةً لملتنا وأمان لذمتنا»(136).
وتحية المسلمين التي تؤلف بين القلوب وتقوي الصلات، وتربط الإنسان بأخيه هي السلام، قال رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم):»أولى الناس باللـه وبرسولـه من بدأ بالسلام»(137).
وبذل السلام، وإفشاؤه جزء من الإيمان، كما عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: »ثلاثة من حقائق الإيمان… وبذل السلام لجميع العالم»(138).
وقال رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم): »ألا أخبركم بخير أخلاق الدنيا والآخرة؟» قالوا: بلى يا رسول الله، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »إفشاء السلام في العالم»(139).
وقد جعل اللـه تحية المسلمين بهذا اللفظ، للإشعار بأن دينهم دين السلام والأمان كما عن رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »ما فشا السلام في قوم إلاّ أمنوا من العذاب، فإن فعلتموه دخلتم الجنة»(140)، وهم أهل السلم ومحبو السلام إذا ما التزموا بمنهج الإسلام الحنيف.
وكثرة تكرار لفظ السلام على هذا النحو، مع إحاطته بالجو الديني النفسي، من شأنه أن يوقظ الحواس جميعها، ويوجه الأفكار والأنظار إلى المبدأ السامي العظيم المبني على السلم والسلام.
وهذا ما يشمل خيره غير المسلمين أيضا، فيشكل أسس المعاملة الحسنة معهم.
ومن شواهد المعاملة الحسنة: الصحيفة التي وادع فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اليهود وذلك لما هاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة وأقام أول مجتمع إسلامي هناك، كتب صحيفة معروفة في السِّيَر والتواريخ بصحيفة المدينة، تحدثت هذه الصحيفة عن علاقة المسلمين فيما بينهم، ثم علاقتهم مع بطون اليهود المقيمين آنذاك في المدينة المنورة، مما يعطي درساً في كيفية التعايش السلمي بين المواطنين.
فقد روى ابن إسحاق أن رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار وادَعَ فيه اليهود وعاهدهم وأقر لهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم، وهذا نصه: »بسم اللـه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس، وأنه من تبعنا من اليهود فإن لـه النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناحرين عليهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، ألا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ(141) إلاّ نفسه وأهل بيته، وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤٌ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم» إلى آخر الصحيفة(142).
والظاهر منها أن اليهود أصبحوا مع المسلمين في المدينة المنورة كأمة واحدة فأراد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجعل العيش المشترك على أرض المدينة المنورة محمياً من أي تصدع واختلاف، فألزم الجميع بتلك الوثيقة الواحدة وبالعيش المشترك على أرض المدينة التي كان يسكنها المسلمون وغير المسلمين..
والحديث وإن كان يخصُّ اليهود لكن من الواضح أنه لا خصوصية لليهود، فإن أهل الكتاب كلهم بمنزلة واحدة كما قال الفقهاء: الكفر كلـه ملة واحدة، بل وكذلك حال المشركين من غير أهل الكتاب كما أشرنا إلى ذلك في بعض كتبنا، فإن أغلب البلاد التي فتحت كان فيها المشركون إلى أيام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) مما نجده في التواريخ، وفي نهج البلاغة كلام للإمام (عليه السلام) إلى عامل من عمالـه يدل على أنه كان هناك مشركون تحت حكم الإمام وأنهم كانوا يعيشون بسلام.
وفي التاريخ أن ابن عباس كان مجاوراً ليهودي وكان يهتم بالإحسان إليه كما كان يهتم بسواه مراعاة لحرمة الجوار، فالقريب لـه حرمة، والجار لـه حرمة، والزوجان لهما حرمتهما، والصديق لـه حرمة، وإن كان أحدهما مسلماً والآخر غير مسلم، فإن الإسلام يحث على مكارم الأخلاق وإعطاء الحقوق ورعاية الآخرين سواء كان مسلما أو غير مسلم، فهم كلهم في نظره سواء.
في التاريخ: إن غلاماً لابن عباس ذبح شاة فقال لـه ابن عباس: إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي، ثم كررها حتى قال لـه الغلام: كم تقول هذا؟ فقال: إني سمعت رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: »ما زال جبرئيل (عليه السلام) يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»(143).
وقد حرَّض الإسلام على زيارتهم وعيادة مرضاهم وتقديم الهدايا لهم ومبادرتهم البيع والشراء وسائر المعاملات، وهكذا عمل المسلمون طوال التاريخ الإسلامي، مع غير المسلمين سواء كانوا من أهل الكتاب أو غير أهل الكتاب، وقد ثبت أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ديْن على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لليهودي كما في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام)(144).
وروي عن ابن عباس قال: إن رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) توفّي ودرعه مرهونه عند رجل من اليهود على ثلاثين صاعاً من شعير أخذها (صلى الله عليه وآله وسلم) رزقاً لعياله(145).
كما ثبت أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) زار ذلك اليهودي الذي كان يصب على رأس الرسول الرماد، وعاده في مرضه، حيث أسلم ببركة أخلاق رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد ذكر بعض الفقهاء: أن المجوسي لو أراد أن يتزوج بأمه وأخته وبنته ودعا مسلماً للحضور في داره جاز لـه الذهاب.
كما أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل من يهودية شاة مشوية في قصة مشهورة(146).
وأن فاطمة الزهراء ( وبإجازة من رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذهبت إلى عرس أقامه اليهود لبعض بناتهم(147).
وفي الحديث أن علياً (عليه السلام) آجر نفسه من يهودي ليستقي الماء كلَّ دلو بتمرة وجمع التمرات وحملها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأكلا منه»(148).
وكان من أخلاق المسلمين أنهم إذا ذبح أحدهم شاة بدأ بجاره اليهودي فبعث إليه شيئاً منها.
وأن علياً (عليه السلام) في الكوفة شايع يهودياً.
وفي مجال السؤال وقضاء الحاجة بين الناس لا ينبغي مجابهة السائل بالجفاء والنفور أو رده بحجة أنه ليس مؤمناً لقول اللـه تعالى: ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً )(149).
وعن مصادف قال: كنت مع أبي عبد اللـه (عليه السلام) بين مكة والمدينة فمررنا على رجل في أصل شجرة وقد ألقى بنفسه فقال (عليه السلام): »مل بنا إلى هذا الرجل فإني أخاف أن يكون قد أصابه عطش فملنا فإذا رجل من الفراسين طويل الشعر، فسألـه: أعطشان أنت؟
فقال: نعم.
فقال (عليه السلام) لي: انزل يا مصادف فاسقه.
فنزلت وسقيته ثم ركبت وسرنا فقلت: هذا نصراني فتتصدق على نصراني؟ فقال (عليه السلام): نعم إذا كانوا في مثل هذا الحال»(150).

خامساً: الحماية والدفاع عنهم

كفل الإسلام لأهل الكتاب وغيرهم حريتهم الدينية وحمايتهم ومساواتهم مع المسلمين بشرط أن يدفعوا الجزية لدولة الإسلام، كما يدفع المسلمون حقوقهم الشرعية من الخمس والزكاة وما أشبه.
ومعنى الجزية ليس قبيحاً ـ كما تصوره البعض ـ وإنما هي مشتقة من الجزء، بمعنى أن جزءً من أموال الكفار يؤخذ منهم، مقابل حماية الدولة لهم، ومقابل ما تهيؤه الدولة لهم من الخدمات، كالمدارس والمعاهد والطرق والمطارات والقطارات وما أشبه ذلك من المنافع العامة.
فأخذ الجزية من غير المسلمين، هو بدل أخذ الزكاة وما أشبه من المسلمين، وإنما الفرق في اللفظ فإن الجزية أخذ جزء من مال الكفار في مقابل الزكاة التي هي عبارة عن التزكية والتطهير.
بل أحياناً جعل التزامات غير المسلمين أقل من التزامات المسلمين، كما يدل على ذلك نظام الضريبة في الإسلام، حيث إن الخمس والزكاة ضرائب مرتفعة بالنسبة إلى الجزية، أما الجزية فهي ضريبة منخفضة جداً، وفي نظرنا الفقهي ـ كما ذكرناه في الفقه ـ يجوز أخذ الجزية من غير أهل الكتاب أيضاً من سائر المشركين، فإذا سيطر المسلمون مثلاً على الهند، ونفوس الكفار فيها بمختلف مذاهبهم وأديانهم وطرائقهم وعقائدهم أربعة أضعاف نفوس المسلمين كما هو معلوم، فإن الحاكم الإسلامي يجوز لـه أن يأخذ من أولئك أيضاً الجزية وإن لم يكونوا من أهل الكتاب.
وأما بالنسبة لحمايتهم فقد وردت جملة من الروايات في ذلك ومنها ما ورد عن رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: »من أخذ شيئاً من أموال أهل الذمة ظلماً فقد خان اللـه ورسولـه وجميع المؤمنين»(151).
وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: »من ظلم معاهداً كنت خصمه»(152).
وفي الآية: (لاّ يَنْهَاكُمُ اللـه عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللـه يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ ( إِنّمَا يَنْهَاكُمُ اللـه عَنِ الّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىَ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلّهُمْ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ)(153).

نهي الإسلام من مولاة الأعداء الظلمة

ما ذكر في هذه الصفحات المتقدمة هو الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم، سواء أكانوا في البلاد الإسلامية أو خارجها، ولا تتبدل هذه العلاقة إلا إذا عمل غير المسلمين من جانبهم على تقويض هذه العلاقة وتمزيقها بعداوتهم للمسلمين وظلمهم، وإعلانهم الحرب عليهم، فتكون المقاطعة أمراً دينياً إسلامياً، فضلاً عن أنها عمل سياسي عادل، فهي معاملة بالمثل، والقرآن يوجه أنظار أتباعه إلى هذه الحقيقة، ويحكم فيها الحكم الفصل، فيقول: (لاّ يَتّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللـه فِي شَيْءٍ إِلاّ أَن تَتّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذّرْكُمُ اللـه نَفْسَهُ وَإِلَىَ اللـه الْمَصِيرُ)(154)، وقد تضمنت الآية المعاني الآتية:
1. التحذير من الموالاة والمناصرة للأعداء والظلمة،وذلك لما فيها من التعرض للخطر، وقد ورد عن عبد اللـه بن سنان أنه قال: سمعت أبا عبد اللـه (عليه السلام) يقول:
»من أعان ظالماً على مظلوم لم يزل اللـه عزوجل عليه ساخطاً حتى ينزع عن معونته»(155).
2. أن من يفعل ذلك فهو مقطوع عن الله، إلا من باب التقية.
فيقصد بالنهي عن موالاة الكافرين هو النهي عن محالفتهم ومناصرتهم ضد المسلمين، إذ أن مناصرة الكافرين على المسلمين فيه ضرر بالغ بالكيان الإسلامي، وإضعاف لقوة الجماعة المؤمنة، كما أن الرضا بالكفر، يحظره الإسلام ويمنعه، وطبيعة الإيمان تأبى على المؤمن أن يوالي الكفر الذي يتربص به الدوائر.
وإذا منع الإسلام موالاة من يحادّ اللـه ورسوله، فلأنه منطقي مائة بالمائة حيث قال سبحانه وتعالى:(لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللـه وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللـه وَرَسُولـه وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللـه عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـَئِكَ حِزْبُ اللـه أَلاَ إِنّ حِزْبَ اللـه هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(156).
أما الموالاة بمعنى المسالمة، والمعاشرة الجميلة، والمعاملة بالحسنى، وتبادل المصالح، والتعاون على البر والتقوى، فهذا مما دعا إليه الإسلام، فكان المسلمون على مر العصور يتعايشون بوئام مع أهل الديانات الأخرى قبل أن يغزوهم الاستعمار.
يقول القرآن الكريم: (أَلَمْ يَعْلَمُوَاْ أَنّهُ مَن يُحَادِدِ اللـه وَرَسُولـه فَأَنّ لـه نَارَ جَهَنّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ)(157).
فالآية تبين أنه لا يصح أن يوجد بين المؤمنين من يصادق أعداءهم مصادقة تضر المؤمنين، ولو كان هؤلاء الأعداء آباء المؤمنين، أو أبناءهم، أو إخوانهم الأقربين.
وقد كان في بدء الدعوة الإسلامية رجال من المسلمين يوالون رجالاً من الكفار لما كان بينهم من قرابة أو جوار أو محالفة، وكانت هذه الموالاة خطراً على سلامة المسلمين، فأنزل اللـه عزوجل محذراً من هذه الولاية الضارة فقال: (يَـا أيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدّواْ مَا عَنِتّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الاَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)(158).
ففي هذه الآية نهى سبحانه وتعالى عن اتخاذ غير المؤمنين بطانة وأصدقاء، أي خاصة تطلعونهم على أسراركم، لأنها السبب في إفساد أمركم، وإنهم يحبون ويتمنون إيقاع الضرر بكم، وقد ظهرت علامات بغضهم لكم من كلامهم، ولشدتها عندهم يصعب عليهم إخفاؤها، وما تخفيه صدورهم من البغض لكم أقوى وأشد مما يفلت من ألسنتهم، فهذه الآيات تجعل المسلمين حذرين من مخططات الأعداء.
وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول اللـه جل وعلا:(بَشّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ( الّذِينَ يَتّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزّةَ فَإِنّ العِزّةَ للـه جَمِيعاً ( وَقَدْ نَزّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللـه يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتّىَ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ إِنّ اللـه جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنّمَ جَمِيعاً ( الّذِينَ يَتَرَبّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ اللـه قَالُوَاْ أَلَمْ نَكُنْ مّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوَاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللـه يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللـه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)(159).
وقد تضمنت هذه الآيات:
1. إن المنافقين هم الذين يتخذون الكافرين أولياء، يوالونهم بالمودة، وينصرونهم في السر، متجاوزين ولاية المؤمنين ومعرضين عنها.
2. إنهم بعملهم هذا يطلبون عند الكافرين العزة والقوة، وهم بذلك مخطئون، لأن العزة والقوة كلها للـه وللمؤمنين: (وَلِلـه الْعِزّةُ وَلِرَسُولـه وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـَكِنّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)(160).
وعن أبي عبد اللـه (عليه السلام) قال: »إن المؤمن أعز من الجبل، يستقل منه بالمعاول والمؤمن لا يستقل من دينه»(161).
3. إن هؤلاء المنافقين ينتظرون ما يحل بالمؤمنين، فإن كان لهم فتح من اللـه ونصر قالوا: نحن معكم في الدين والجهاد، وإن كان للكافرين نصيب من النصر قالوا: ألم نحافظ عليكم ونمنعكم من إيذاء المؤمنين لكم بخذلانهم وإطلاعكم على أسرارهم حتى انتصرتم، فأعطونا مما كسبتم.
4. إن اللـه سبحانه وتعالى لن يجعل للكافرين على المؤمنين المخلصين في إيمانهم القائمين على حدود الله، طريقاً إلى النصر عليهم: أي لا يمكنهم من أن يغلبوهم
(وَلَن يَجْعَلَ اللـه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)(162).
وهنا قد يرد سؤال عن قولـه سبحانه وتعالى: (لَتَجِدَنّ أَشَدّ النّاسِ عَدَاوَةً لّلّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالّذِينَ أَشْرَكُواْ)(163).
الجواب: إن ظاهر الآية القضية الخارجية لا القضية الحقيقية، كما أن قول اللـه سبحانه وتعالى: (وَلَتَجِدَنّ أَقْرَبَهُمْ مّوَدّةً لّلّذِينَ آمَنُواْ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّا نَصَارَىَ ذَلِكَ بِأَنّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ)(164) كذلك، وهذا يعرف من الجمع بين الآيات القرآنية وكلمات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) وأعمالهم.

من مصاديق قانون الإلزام

وهنا لابد من الإشارة إلى الحكم الإسلامي بالنسبة إلى الكفار وما يرتكبونه من المحرمات، فالحكم هو تركهم وشأنهم لقانون الإلزام(165)، نعم لا يجوز لهم إظهار المنكرات لأن ذلك خلاف المعايشة السلمية، فإن اللازم على من يعيشون في دولة أن يحترموا قوانينها.
وأما إذا عرف عنهم ـ على سبيل المثال ـ أنهم يتعاونون مع أعداء المسلمين ويتجسسون لهم ويتربصون الدوائر بالمسلمين كما هو حال البعض منهم في عصرنا الحاضر فهم في حكم الأعداء، فإن هذا العمل خيانة للـه عزوجل ولكتابه، ولرسولـه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأئمة المسلمين (عليهم السلام) وعامتهم، وأنهم لم يراعوا حق الإسلام، ولا حق التاريخ، ولا حق الجوار، ولا حق المظلومين، ولا حق حاضر هذه المنطقة، ولا حق مستقبلها.

الخلاصة

ونختم هذا الفصل بذكر خلاصة لهذه العلاقة التي تربط بين المسلمين وغيرهم من المذاهب والملل في البلاد الإسلامية بجملة من النقاط بعد أن رأينا كيف حقق الإسلام المساواة بين الذميين والمسلمين، فكان لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم:
أولاً: عدم إكراه أحد منهم على ترك دينه أو إكراهه على عقيدة معينة، يقول اللـه سبحانه وتعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ)(166).
ثانياً: من حق أهل الكتاب أن يمارسوا شعائر دينهم: فلا تهدم لهم كنيسة، ولا يكسر لهم صليب، وقد ورد عن الإمام أبي عبد اللـه (عليه السلام): »من كان يدين بدين قوم لزمته أحكامهم»(167)، بل من حق زوجة المسلم (اليهودية أو النصرانية) أن تذهب إلى الكنيسة أو إلى المعبد حالها حال الزوجة المسلمة في ذهابها إلى المسجد.
ثالثاً: ترك لهم الإسلام ما أباحه لهم دينهم من الطعام وغيره، ما دام ذلك جائزاً عندهم ولم يتظاهروا به في المجتمع الإسلامي.
رابعاً: لهم الحرية في قضايا الزواج والطلاق والنفقة حسب دينهم، ولهم أن يتصرفوا كما يشاؤون فيها، دون أن توضع لهم قيود أو حدود إلا ما حدده الشرع الإسلامي مثلاً: إذا حصل تزاوج بين المسلمين وأهل الكتاب.
خامساً: حمى الإسلام كرامتهم، وصان حقوقهم، وجعل لهم الحرية في الجدل والمناقشة في حدود العقل والمنطق، مع التزام الأدب والبعد عن الخشونة والعنف.
سادساً: ساوى بينهم وبين المسلمين في القوانين العامة للبلاد.
سابعاً: حكم الإسلام بطهارة أهل الكتاب وأحل طعامهم(168) والتزوج بنسائهم، وجواز التعامل معهم.
ثامناً: يحبّذ الإسلام زيارتهم وعيادة مرضاهم، وتقديم الهدايا لهم، وقضاء حوائجهم، ويسمح بمبادلتهم البيع والشراء ونحو ذلك من المعاملات.
تاسعاً: يحرض الإسلام على السعي لهدايتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن دون إي إكراه.
عاشراً: منحهم الإسلام حرية الحوار والنقاش والمحاجة مع علماء المسلمين، كما هو المشاهد في كتاب الاحتجاج للعلامة الطبرسي (قدس سره).
(1) سورة الهمزة: 2.
(2) حياة السيد المرتضى (: ص303.
(3) رياض المسائل: ج2 ص16.
(4) حياة الإمام الرضا (عليه السلام): ج2 ص192.
(5) راجع البداية والنهاية: ج10 ص238.
(6) وفي البداية والنهاية: ج10 ص319 :عمر بن مرزوق شيخ البخاري وقد تزوج هذا الرجل ألف امرأة.
(7) للمزيد راجع رياض المسائل: ج2 ص17.
(8) نوري سعيد صالح من مواليد بغداد عام (1306هـ = 1888م) أصبح رئيساً للوزراء بين عامي (1349-1377هـ = 1930 - 1958م) لأربع عشرة دورة، ووزيراً للدفاع في خمس عشرة دورة، ووزيراً للخارجية في إحدى عشرة دورة ووزيراً للداخلية في دورتين. أحد عملاء بريطانيا في العالم العربي، انتحر بإطلاق النار على نفسه عام (1377هـ = 1958م)، من مؤلفاته: استقلال العرب ووحدتهم.
(9) الكتاب المقدس: ص239 فصل الحرب المقدسة.
(10) الكتاب المقدس: ص204 فصل محاربة مديان.
(11) الكتاب المقدس: ص367 فصل داود عند الفلسطيين.
(12) الكتاب المقدس: ص386 فصل الاستيلاء على ربة.
(13) الكتاب المقدس: بشارة متى ص18 فصل يسوع والعالم.
(14) سورة آل عمران: 84.
(15) سورة آل عمران: 49 - 50.
(16) سورة الحجرات: 10.
(17) سورة الأنعام: 82.
(18) سورة قريش: 4.
(19) سورة إبراهيم: 48.
(20) بحار الأنوار: ج52 ص328 ح47، والكافي: ج1 ص25 ح21.
(21) راجع بحار الأنوار: ج51 ص60 ح59، وفيه: عن ابن عباس في قولـه تعالى: (ليظهره على الدين كلـه ولو كره المشركون( (سورة التوبة: 33، سورة الصف: 9) قال: لا يكون ذلك حتى لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا صاحب ملة إلاّ دخل في الإسلام، حتى يأمن الشاة والذئب والبقرة والأسد والإنسان والحية، وحتى لا تقرض فارة جراباً وحتى توضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنـزير وذلك قولـه: (ليظهره على الدين كلـه ولو كره المشركون( وذلك يكون عند قيام القائم (عجل الله فرجه).
(22) من تأليفات سماحة الإمام الشيرازي (أعلى اللـه مقامه) في مدينة قم المقدسة‍. يقع الكتاب في 144 صفحة قياس 20×14. وقد تناول فيه الموضوعات التالية: ولادة الإمام (عليه السلام) واسمه المبارك، قصة الولادة، هل تحرم تسميته (عليه السلام)، من شمائله، فضل الإمام المهدي(عليه السلام)، من خصائصه، من أخبار ظهوره، من بركات الظهور، أخلاق الرسول ( وسيرته، كثرة الروايات فيه، النص الوارد عن اللـه عز وجل، النص الوارد عن رسول الله(، النص الوارد عن فاطمة الزهراء(، النص الوارد عن الأئمة المعصومين(، روايات عن طريق أهل السنة، قصة ابن مهزيار، طول عمره الشريف، قصة رشيق، غانم الهندي، من واجباتنا أيام الغيبة، الدعاء للفرج، الثبات على الولاية، انتظار الفرج، الحزن على غيبته (عليه السلام)، الإمام الصادق (عليه السلام) يبكي لغيبته، الصدقة للإمام(عليه السلام)، القيام عند ذكر اسمه المبارك، التضرع إلى اللـه سبحانه، رقعة الحاجة، من علائم الظهور. قامت بطبعه ونشره مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر بيروت لبنان، عام 1420هـ / 1999م، ومؤسسة الإمامة للطباعة والنشر والتحقيق. كما أعادت طبعه هيئة محمد الأمين ( الكويت، عام 1421هـ / 2000م.
(23) مخطوط، ضمن موسوعة الفقه الاستدلالية. تناول سماحته في الكتاب موضوع: المستقبل من البعد الفقهي وما يترتب عليه من أحكام شرعية. وقد تم تأليفه في مدينة قم المقدسة. والنسخة موجودة عند مؤسسة الوعي الإسلامي للتحقيق والنشر.
(24) انظر كتاب (الاحتجاج) للعلامة الطبرسي (.
(25) للتفصيل راجع كتاب (الكونت هنري كاست ري).
(26) وهو (ترينون) في كتابه: (أهل الذمة في الإسلام).
(27) وهو الكنت بندرى دي كاستري.
(28) حضارة العرب، لغوستاف لوبون.
(29) شرح نهج البلاغة: ج20 ص299 الحكم المنسوبة441.
(30) مستدرك الوسائل: ج15 ص483 ح18938.
(31) سورة يونس: 25.
(32) سورة آل عمران: 139، سورة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): 35.
(33) الأمالي للشيخ الصدوق: ص668 المجلس95 ح4.
(34) سورة البقرة: 256.
(35) سورة (الكافرون): 6.
(36) سورة البقرة: 251.
(37) سورة الحج: 40.
(38) الثنوية: المانوية، وهو مذهب يقول بإلهين اثنين، إلـه للخير وإلـه للشر، ويرمز لهما بالنور والظلمة.
(39) سورة النساء: 171.
(40) سورة الغاشية: 21-22.
(41) سورة القصص: 56.
(42) إشارة إلى قولـه سبحانه: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة(، سورة النحل: 125.
(43) سورة آل عمران: 85.
(44) سورة البقرة: 256.
(45) سورة يونس: 99.
(46) سورة يونس: 100.
(47) سورة يونس: 101.
(48) مستدرك الوسائل: ج2 ص514 ح 2598.
(49) بحار الأنوار: ج32 ص447 ح394.
(50) سورة يوسف: 92.
(51) بحار الأنوار: ج21 ص132.
(52) سورة آل عمران: 59.
(53) سورة آل عمران: 61.
(54) بحار الأنوار: ج21 ص340.
(55) وسائل الشيعة: ج15 ص83 ح20035.
(56) مستدرك الوسائل: ج11 ص65 ح12435.
(57) راجع وسائل الشيعة: ج1 ص23، وفيه: المعروف عن سيرة رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن صلاة نافلة شهر رمضان لم تشرع لها الجماعة، وإنما الجماعة في الفريضة وما شرعت لـه، وكان الناس يصلون نافلة رمضان فرادى، واستمروا على ذلك مدة خلافة أبي بكر، ولما جاء الخليفة الثاني استحسن أن يوحدهم بصلاة إمام واحد، ففعل وعمم أمره إلى سائر البلدان الإسلامية، متحدياً السنة بالاستحسان، وكان يقول: نعمت البدعة هذه!!، وحين استلم أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) الخلافة جدَّ لأن يمحو تلك البدعة، لكن الجند صاحوا: وا سُنة عمراه.. وا سنة عمراه..، فقال (عليه السلام): »قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيرين لسنته، ولو حملت الناس على تركها، وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت عليه في عهد رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي، أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب اللـه عزوجل وسنَّة رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) «.
(58) سورة البقرة: 256.
(59) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص407 ح4421.
(60) تهذيب الأحكام: ج9 ص322 ح12.
(61) الكافي: ج7 ص16 ح1.
(62) سورة البقرة: 181.
(63) الاستبصار: ج4 ص129 ب77 ح3.
(64) الأمالي ‏للصدوق: ص105 ح4.
(65) انظر موسوعة الفقه: ج47-48 كتاب الجهاد.
(66) حدب فلان على فلان حدباً: أي عطف عليه وحنا، وإنه كالوالد. انظركتاب العين: ج3 ص186 مادة (حدب).
(67) سورة الأنبياء: 107.
(68) راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج1-2، للإمام المؤلف (أعلى اللـه مقامه الشريف).
(69) سورة النساء: 75.
(70) لقد قتل في حروب القرن العشرين طبقاً لتقرير بريجنسكي(33) مليون شاب، تتراوح أعمارهم بين
(18 - 30) عاماً، وهؤلاء قضوا نحبهم باسم القومية والأيدلوجية، وأهلكت الحربان العالميتان الأولى والثانية من العسكريين حوالي (8.5) و(19) مليوناً على الترتيب، ويقدر عدد المدنيين من ضحايا الأعمال العدائية الذين سقطوا أثناء الحرب العالمية الأولى بـ(13) مليوناً من النساء والأطفال وكبار السن، بينما سقط(20) مليوناً منهم أثناء الحرب العالمية الثانية.
(71) سورة البقرة: 256.
(72) سورة الأعراف: 185.
(73) للتفصيل راجع الاحتجاج: ج1 ص166.
(74) للتفصيل راجع موسوعة (الفقه): ج47-48 كتاب الجهاد.
(75) سورة آل عمران: 159.
(76) مجمع البيان: ج2 ص428 سورة آل عمران.
(77) الطرائف: ج2 ص389.
(78) سورة الروم: 30.
(79) سورة النصر: 2.
(80) غرر الحكم ودرر الكلم: ص86 ح1407.
(81) سورة آل عمران: 159.
(82) راجع مجموعة ورام: ج1 ص170، وفيه: عن جابر: قيل يا رسول اللـه أي الإيمان أفضل؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الصبر والسماحة(، وراجع أيضاً مستدرك الوسائل: ج15 ص258 ح18172، وفيه: عن رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (خير خصال المسلمين السماحة والسخاء(.
(83) سورة النساء: 1.
(84) سورة النساء: 133.
(85) سورة النساء: 170.
(86) سورة النساء: 174.
(87) سورة الأعراف: 158.
(88) سورة يونس: 23.
(89) سورة يونس: 57.
(90) سورة يونس: 104.
(91) سورة يونس: 108.
(92) سورة الحج: 1.
(93) سورة الحج: 5.
(94) سورة الحج: 49.
(95) سورة الحج: 73.
(96) سورة لقمان: 33.
(97) سورة فاطر: 3.
(98) سورة فاطر: 15.
(99) معدن الجواهر: ص21، وراجع أيضاً تحف العقول: ص30.
(100) نهج البلاغة: الرسائل 53.
(101) سورة الحجرات: 13.
(102) نهج البلاغة: الرسائل 53.
(103) سورة الممتحنة: 8.
(104) من لا يحضره الفقيه: ج4 ص379 ح5803.
(105) مستدرك الوسائل: ج8 ص330 ح9546.
(106) سورة الفاتحة: 6.
(107) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج2 ص277 باب ذكر جمل من مناهي رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم).
(108) مستدرك الوسائل: ج12 ص241 ب18 ح13999.
(109) سورة المائدة: 32.
(110) تفسير العياشي: ج1 ص313 من سورة المائدة ح88.
(111) تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): ص342 ح219.
(112) بحار الأنوار: ج2 ص15 ب8 ح27.
(113) سورة الجاثية: 14.
(114) تفسير القمي: ج2 ص294 سورة الجاثية.
(115) مستدرك الوسائل: ج12 ص241 ب18 ح13997.
(116) مستدرك الوسائل: ج9 ص55 ح10187.
(117) غرر الحكم ودرر الكلم: ص345 ح9974.
(118) جامع الأخبار: ص139 ف99.
(119) جامع الأخبار: ص84 ف40.
(120) انظر كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) ج1و2 و(السبيل إلى إنهاض المسلمين) و(الصياغة الجديدة) والعديد من مؤلفات الإمام الشيرازي ( في سيرة رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين (.
(121) سورة الحجرات: 13.
(122) الكافي: ج1 ص406 باب ما يجب من حق الإمام على الرعية ح6.
(123) سورة الحجرات: 13.
(124) سورة الحجرات: 13.
(125) سورة القصص: 26.
(126) سورة يوسف: 55.
(127) راجع مستدرك الوسائل: ج14 ص28 ح16014، وفيه: (إن علياً (عليه السلام) آجر نفسه من يهودي ليستقي الماء كل دلو بتمرة وجمع التمرات وحملـه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأكل منه(.
(128) راجع فقه القرآن: ج2 ص58، وفيه: عن أبي عبد اللـه (عليه السلام) قال: (إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي على شعير أخذه لأهله(.
(129) للتفصيل راجع الخرائج والجرائح: ج2 ص537.
(130) سورة المائدة: 5.
(131) تهذيب الأحكام: ج7 ص298 ح4.
(132) سورة العنكبوت: 46.
(133) سورة سبأ: 24.
(134) راجع مجمع الزوائد: ج8 ص239، والسيرة النبوية لابن كثير: ج296.
(135) راجع الكافي: ج5 ص240 ح10، وفيه: عن أبي عبد اللـه (عليه السلام) قال: (بعث رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى صفوان بن أمية فاستعار منه سبعين درعاً بأطراقها، فقال صفوان: أ غصباً يا محمد؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): بل عارية مضمونة(.
(136) مستدرك الوسائل: ج8 ص360 ح9670.
(137) الكافي: ج2 ص644 ح3.
(138) مستدرك الوسائل: ج8 ص361 ح9671.
(139) مستدرك الوسائل: ج8 ص362 ح9676.
(140) مستدرك الوسائل: ج8 ص363 ح9682.
(141) يوتغ: صار ملوماً.
(142) الصحيفة طويلة تجدها كاملة في بحار الأنوار: ج19 ص168.
(143) من لا يحضره الفقيه: ج1 ص52 ح108.
(144) راجع وسائل الشيعة: ج18 ص322 ح23766، وفيه: عن جعفر بن محمد عن آبائه ( قال: (لقد قبض رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن درعه لمرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعاً من شعير استلفها نفقة لأهله(.
(145) مستدرك الوسائل: ج13 ص388 ح15686.
(146) عن علي (عليه السلام) قال: (إن اليهود أتت امرأة منهم يقال لها عبدة فقالوا: يا عبدة قد علمت أن محمداً قد هد ركن بني إسرائيل وهدم اليهودية وقد غالى الملأ من بني إسرائيل بهذا السم لهم وهم جاعلون لك جعلاً على أن تسميه في هذه الشاة، فعمدت عبدة إلى الشاة فشوتها ثم جمعت الرؤساء في بيتها وأتت رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا محمد قد علمت ما توجب لي وقد حضرني رؤساء اليهود فزيني بأصحابك، فقام رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه علي (عليه السلام) وأبو دجانة وأبو أيوب وسهل بن حنيف وجماعة من المهاجرين، فلما دخلوا وأخرجت الشاة سدت اليهود آنافها بالصوف وقاموا على أرجلهم وتوكئوا على عصيهم، فقال لهم رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم): اقعدوا، فقالوا: إنا إذا زارنا نبي لم يقعد منا أحد وكرهنا أن يصل إليه من أنفاسنا ما يتأذى به، وكذبت اليهود عليها لعنة اللـه إنما فعلت ذلك مخافة سورة السم ودخانه، فلما وضعت الشاة بين يديه تكلم كتفها فقالت: مه يا محمد لا تأكلني فإني مسمومة، فدعا رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) عبدة فقال لها: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت: قلت إن كان نبياً لم يضره وإن كان كاذباً أو ساحراً أرحت قومي منه، فهبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: اللـه السلام يقرئك السلام ويقول: قل بسم اللـه الذي يسميه به كل مؤمن وبه عز كل مؤمن وبنوره الذي أضاءت به السماوات والأرض وبقدرته التي خضع لها كل جبار عنيد وانتكس كل شيطان مريد من شر السم والسحر واللمم بسم اللـه العلي (بسم العلي) الملك الفرد الذي لا إلـه إلا هو (وننـزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً( ـ سورة الإسراء: 82 ـ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك وأمر أصحابه فتكلموا به، ثم قال: كلوا، ثم أمرهم أن يحتجموا(. الأمالي للشيخ الصدوق ص224 ح2.
(147) إن اليهود كان لهم عرس، فجاؤوا إلى رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: لنا حق الجوار فنسألك أن تبعث فاطمة بنتك إلى دارنا حتى يزدان عرسنا بها، وألحّوا عليه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنها زوجة علي بن أبي طالب وهي بحكمه، وسألوه أن يشفع إلى علي في ذلك وقد جمع اليهود الطم والرم من الحلي والحلل، وظن اليهود أن فاطمة ( تدخل عليهم في بذلتها وأرادوا استهانة بها فجاء جبرئيل بثياب من الجنة وحلي وحلل لم ير الراؤون مثلها فلبستها فاطمة ( وتحلت بها، فتعجب الناس من زينتها وألوانها وطيبها فلما دخلت فاطمة ( دار هؤلاء اليهود، سجد لها نساؤهم يقبلن الأرض بين يديها، وأسلم بسبب ما رأوا خلق كثير من اليهود. الخرائج والجرائح: ج2 ص537.
(148) مستدرك الوسائل: ج14 ص28 ح16014.
(149) سورة النساء: 94.
(150) الكافي: ج4 ص57 ح4.
(151) الجعفريات: ص81.
(152) مستدرك الوسائل: ج11 ص168.
(153) سورة الممتحنة: 8-9.
(154) سورة آل عمران: 28.
(155) وسائل الشيعة: ج16 ص57 ح20969.
(156) سورة المجادلة: 22.
(157) سوره التوبة: 63.
(158) سورة آل عمران: 118.
(159) سورة النساء: 138 -141.
(160) سورة المنافقون: 8.
(161) مستدرك الوسائل: ج12 ص210 ح13906.
(162) سورة النساء: 141.
(163) سورة المائدة: 82.
(164) سورة المائدة: 82.
(165) قولـه (عليه السلام): (ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم( تهذيب الأحكام: ج8 ص58 ح109، وقولـه (عليه السلام): (وألزموهم بما ألزموا أنفسهم( نفس المصدر: ج9 ص322 ح12.
(166) سورة البقرة: 256.
(167) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص407 ح4421.
(168) في غير اللحوم فإنها مشروطة بالتذكية الشرعية.